الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
إذًا، هذا الباب السابع والثلاثون قال: باب من أطاع العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرمه فقد اتخذهم أربابًا من دون الله.
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد هو أن الطاعة تكون لله جل وعلا، وكل طاعة للمخلوق إنما هي تَبَعٌ لطاعة الله. فإذا تعارضت طاعة المخلوق وطاعة الخالق ينبغي أن تُقدَّم طاعة الخالق. والتحليل والتحريم إنما هو لله ولرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلا يجوز لإنسان أن يعارض أمر الله جل وعلا من هذه الجهة. فلما كان هذا داخلًا في التسليم والإذعان لله جل وعلا، كان مناسبًا أن يُذكر؛ لأن من صفّى توحيده فإنه ينبغي له أن لا يتحاكم إلا إلى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا ما سيأتي في الباب المقبل، ولا ينبغي له أن يطيع طاعة عبادة إلا الله جل وعلا. ورسوله مرسل من عند ربه فطاعة الرسول هي طاعة لله، فهي داخلة في طاعة الله. قال تعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. إذًا هذا مناسبة الباب لكتاب التوحيد.
ثم قال بعدها: “وقال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول لكم: قال رسول الله، وتقولون: قال أبو بكر وعمر؟” فهذا كان في الحج. وكلام ابن عباس هنا قاعدة عظيمة، فإذا كانت مخالفة أبي بكر وعمر وهما من هما قدرًا وعلمًا… (صوتي مسموع أم لا؟ إذا انقطع كلمني على…) [ملاحظة من الناقل: يبدو أن الصوت كان متقطعًا هنا]. هذا إذا كان ابن عباس… أو إذا كانت مخالفة أبي بكر وعمر للدليل تعتبر أمرًا عظيمًا، فكيف بمخالفة فلان وعلان؟ فإذا كان ابن عباس هنا يقول: “أقول لكم قال الرسول صلى الله عليه وسلم، وتقولون قال أبو بكر وعمر”، فما بالك بغيره من الناس؟
ولهذا قال الشافعي: “أجمع العلماء على أن من ظهرت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يجوز له أن يخالفها لقول فلان أو علان”. ولو كان هذا المطاع أبو بكر وعمر فكيف بغيرهم من سائر الناس. نعم، إذًا كما قلت: إن الإجماع انعقد على أنه لا يجوز لأحد أن يخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما كان هذا القول، حتى ولو كان لأبي بكر وعمر.
ثم قال بعدها: “وقال الإمام أحمد بن حنبل: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته ويذهبون إلى رأي سفيان. والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك، لعلّه إذا ردّ بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك”. وهذا أثر عظيم عن الإمام أحمد أن الإنسان إذا عرف الإسناد وصحته، لماذا ينظر إلى قول فلان وفلان، ولو كان هذا الرجل سفيان رحمه الله وغفر له وهو إمام من أئمة الدين؟
ثم تلا قول الله تعالى من سورة النور وذكر بعدها أن الذي يخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عالم بأنه مخالف لها، فإنه يُخشى عليه الزيغ؛ لأنه برده ربما تسوء خاتمته، وربما يموت على غير ملة التوحيد؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. ومن ابتدع في الدين أو رد سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، يخشى عليه من الزيغ والضياع والهلاك. فإن ردها إنكارًا كَفَرَ، وإن ردها عن هوى فهو على خطر عظيم، وربما وصل به ذلك إذا أكثر منه إلى الموت على غير دين رسول الله صلى الله عليه وسلم عياذًا بالله.
ثم ذكر عن عدي بن حاتم رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾.
إذًا هذا الحديث عظيم، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية من سورة التوبة، وفيها: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ﴾.
- الأحبار: من هم؟ علماء اليهود.
- ورهبانهم: هم العُبَّاد في بني إسرائيل (عباد اليهود والنصارى).
- قال: “فالأحبار هم العلماء، والرهبان هم العُبَّاد”.
قال: “فقلت له: إننا لسنا نعبدهم (لأنه قال: اتخذوا أربابًا). فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس يُحرِّمون ما أحل الله فتحرِّمونه، ويُحلِّلون ما حرَّم الله فتُحلِّلونه؟”
إذًا طاعتهم في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرَّم الله هذا يُعتبر عبادة لهم. طيب، هل كل من أطاع رجلًا في معصية الله يُعتبر كافرًا؟ الجواب: قطعًا لا. إذًا ماذا ينبغي أن تفهم من تقسيم هذه المسألة؟ أن مخالفة أمر الله وطاعة غير الله جل وعلا في مخالفة طاعة الله تكون على أمور:
- الأمر الأول (طاعة عبادة): وهي أنها يُحلِّلون الحرام ويُحرِّمون الحلال، فتقول: “الحلال ما أحلوه والحرام ما حرَّموه”، وإن وافق شرع الله. فهذا كفر؛ لأن الله حرَّم وهؤلاء حلَّلوا، وأنت قدمت قولهم وقلت أن هذا الذي فعلوه هو الذي ينبغي أن يُتبع، واستحللته بقلبك أي اعتقدت أن الحلال ما حلَّله الشيوخ، وليس الحلال ما أحله الله. وفي الحقيقة الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرَّمه الله ورسوله. فمن اعتقد هذا (يعني مخالفتهم) واستحل هذا الأمر فهو كافر.
- الأمر الثاني: الذي يطيع العالم أو العابد فيما معصية الله أو في تحليل ما أحل الله أو تحليل ما حرَّم الله، يطيعه مع اعتقاده بأنه مخطئ، لكنه يطيعه عن هوى وضعف إيمان. فهذا شرك أصغر. وقلنا شرك لأن فيه شيء من التعلق بغير الله جل وعلا.
- الصورة الثالثة: وهي أن يطيع العلماء والأمراء مثلًا في ماذا؟ أن يطيعهم في أمر يعتقد أنهم فيه مُصيبون. مثلًا بعض العلماء المتقدمين أباح نوعًا من الخمر وهو النبيذ، أباحوه عن اجتهاد وهم مخطئون فيها، فيأتي إنسان ويتبعهم في هذا، أو بعض صور الربا التي لم تتفق عليها الأمة. فهو أطاعهم عن جهله؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. فسألهم فأفتوه بهذا، فهذا لا شيء عليه.
- الأمر الرابع: وهو طاعتهم الواجبة، وهي أن تطيعهم فيما أصابوا فيه، فهذا تصبح طاعتهم فيه واجبة. فإن العلماء هم ورثة الأنبياء، والأمراء يأمرون الناس. لكن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
ذكر هذا التفصيل بنحوه الشيخ صالح الفوزان في شرحه “إعانة المستفيد”، فهو من أحسن –والله أعلم– من تكلم على هذا الأمر. إذًا هذه هي المسألة، هذا الباب في مسألة التحليل والتحريم.
⚖️ باب قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ…﴾ إلى آخر الآية
هذا الباب هو من جنس هذا الباب الذي قبله: طاعة العلماء والأمراء في تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرَّمه. لكنه في مسألة خاصة، وهو في مسألة التحاكم. ومن المعلوم أن المؤمن لا يتحاكم إلا إلى دين الله جل وعلا، ولا ينبغي للعبد أن يرضى بأي حكم مخالف لحكم الله جل وعلا؛ لأن حكم الله هو العدل، وحكم الإنسان المخالف لحكم الله هو الظلم بعينه. ولهذا ذكر الشيخ هذا الباب لعِظَم هذه المسألة.
ثم ذكر قول الله تعالى هنا من سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ ۖ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا * فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾.
إذًا هؤلاء القوم يزعمون أنهم مؤمنون لكنهم يريدون، والإرادة قلبية. فهذه الآية تبين لك أنهم يحبون حكم غير الله وهذا كفر بالاتفاق. ولهذا العلماء إذا ذكروا مراتب التحاكم وتحكيم غير شرع الله يقولون: “إن استحلَّه وأحبه فهو كافر، أما إن عمل به وهو يعتقد أنه معصية وهو يعتقد أنه مخالف لشرع الله فهذا كفر دون كفر وفسق دون فسق وظلم دون ظلم”. وهذه مسألة عظيمة جليلة حتى سمَّاها بعض أهل العلم مسألة العصر وهي مسألة الحكم بغير ما أنزل الله.
لكن لا ينبغي للعبد أن يرضى بأي حكم مخالف لشرع الله، فإن الرضا بذلك وحب ذلك واستحلاله كفر. وإن عمل به فالذي يحب حكم شرع غير شرع الله ويرضى به ويستحلّه بقلبه ويعتقده جائزًا كافر، وإن تحاكم إلى شرع الله. ولهذا الشيخ هنا أراد أن يبين هذا الأمر أن الذي يريد فهو ليس بمؤمن؛ لأن الإرادة هنا فيها شيء من الحب والتعظيم.
ثم قال: وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. فهؤلاء يزعمون أنهم مصلحون بالتحاكم إلى غير شرع الله، وهم في الحقيقة مفسدون. فلا تغتر بالإنسان الذي يقول: “إنما أردت الخير”. ليس كل من أراد الخير يُصيبه. ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: “كم من مريد للخير لم يبلغه”. والله تعالى قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾. لكن لا يكفي أنكم تريدون الإصلاح، وهم لا يريدون أصلًا، إنما هم مفسدون في الأرض.
والإفساد نوعان:
- إفساد في الأرض بالإحراق والتكسير وبث الفوضى وغير ذلك.
- وإفساد في الدين، وهو أعظم؛ لأن إفساد الدين أعظم من إفساد الطين وهو الأرض وغير ذلك. ولهذا أعظم فساد هو فساد الدين. ولهذا يقول الشيخ ابن عثيمين في “القول المفيد” يقول: “وأعظم فساد أن تحارب دعوة أهل السنة”. هذا أعظم فساد أن تحارب السنة ودعاة التوحيد.
قال: وقوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا ۚ إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾. هذه من جنس الآية التي قبلها وهي في النهي عن الإفساد، والتحاكم إلى غير شرع الله هو من أعظم الفساد.
قال: وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. هذه الآية فيها لو تدبّرها المؤمن لعَلِم أن فيها عبرة عظيمة، وهي أن أي حكم مخالف لحكم الله إنما هو حكم الجاهلية. قيل: الجاهلية أي حكم الجاهلية أي الحكم الذي كان قبل الإسلام. وقيل: أن حكم الجاهلية أي الحكم الذي هو ليس على طريقة العلم وليس فيه شيء من العلم بل كله جهل. والثاني أعم، فكل ما خالف الشرع وخالف العلم والوحي فإنه من الجاهلية، وإن لم يفعله أهل الجاهلية.
ثم قال: “وعن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به” (قال النووي: حديث صحيح رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح).
فهذا الحديث فيه بيان –وإن كان في سنده ضعف وبعضهم ضعفه وبعض أهل العلم حسَّنه آخرون– أن هذا الحديث معناه أنه لا ينبغي للعبد أن يكون دينه وهواه وما تهوى نفسه إلا في موافقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وموافقة شرعه العظيم. رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال ابن القيم في “النونية”: “فلواحدٍ كُن واحدًا في واحدِ… أعني سبيل الحقِّ والإيمان”.
قال: “وقال الشعبي وهو من أئمة السلف: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: نتحاكم إلى محمد؛ لأنه عرف أنه لا يأخذ الرشوة. والرشوة هي المال الذي يُعطى ليتوصل به إلى الحرام. وقال المنافق: نتحاكم إلى اليهود؛ لعلمه أنهم يأخذون الرشوة. فاتفق أن يأتيا كاهنًا في جُهينة فيتحاكما إليه. فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ…﴾”.
فانظر: هذا اليهودي –عفوًا نعم اليهودي– يريد التحاكم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما هذا المنافق الذي يظهر الإسلام فإنه يريد التحاكم إلى الطاغوت وإلى دين اليهود. فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ﴾. أين أُمروا؟ قال تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ﴾. فمن أراد النجاة فعليه أن يؤمن بالله وأن يعبده، ويكفر بكل ما يعبد من دون الله، ويكفر بكل ما يُتحاكم به دون شرع الله جل وعلا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: “وقيل نزلت في رجلين اختصما، فقال أحدهما: نترافع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف. ثم ترافعا إلى عمر، فذكر له أحدهم القصة. فقال للذي لم يرضَ برسول الله صلى الله عليه وسلم: أكذلك؟ قال: نعم. فضربه بالسيف فقتله”.
إذًا جاء هذا الرجل واختصم رجلان، نعم رجلان. فالأول قال: نتحاكم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر: إلى كعب بن الأشرف. كعب الأشرف من الطواغيت، وهو كان رجلًا يهوديًا يؤذي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، حتى قال رسوله صلى الله عليه وسلم: “من لي بكعب بن الأشرف فإنه رجل آذى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم”. فذهب إليه الصحابة وقتلوه غيلة، وهو لا يدري بأنهم قَدِموا ليقتلوه أخزاه الله. وهو الذي قال الله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ فيه في سورة النساء ﴿يَزْعُمُونَ﴾ نعم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ﴾ نعم في النساء ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [ملاحظة: الآية الصحيحة هي: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾].
الحاصل بعدها قال: ﴿يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ﴾ [ملاحظة: يبدو أنه أشار إلى آيات أخرى أو اختلطت عليه].
كعب بن الأشرف ذهب إلى مكة وقال لكفار قريش: “دينكم أحسن من دين محمد”، فنزلت فيه هذه الآية من سورة النساء، وهو رجل طاغوت، سمَّاه الله جل وعلا في القرآن طاغوتًا. ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ قال بعضهم: هو يعني كعب بن الأشرف. وقال بعضهم غير ذلك.
فهذا الرجل أراد أن يتحاكم إليه، فلما جاء إلى عمر قتله عمر وضربه بالسيف. لماذا ضربه بالسيف؟ لأنه رجل أراد أن يتحاكم إلى غير شرع الله. وعمر ربما كان في هذا الأمر موكلًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ومفوضًا في هذا الأمر. ولهذا قتله بدون أن يستشر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإلا فهذه القصة في سندها مقال.
إذًا ماذا ينبغي أن نفهم من الباب الذي قبله وهذا؟ أن الطاعة طاعة العبادة، وأن الطاعة إنما تكون لله. الطاعة لله، وكل طاعة للمخلوق إنما هي تَبَعٌ لطاعة الله. نحن رسول الله صلى الله عليه وسلم نطيعه لأنه رسول من عند الله، ولو كان رسولًا بشرًا من الناس لما أطاعه الناس، لكنه يُطاع لأنه رسول الله، وطاعته طاعة لله. قال تعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. فكل طاعة خارجة عن طاعة الله وعن طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي لا عبرة بها بل ينبغي الكفر بها. وكذلك التحاكم إنما يكون لشرع الله ولدينه، وكل تحاكم إلى غير دين الله وشرعه ينبغي أن نكفر به.
نكتفي بهذا القدر؛ لأن وقت الصلاة حان. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.