الدرس 14 من شرح مختصر لكتاب التوحيد (عبر الهاتف 1433هـ) – الصغير بن عمار

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

إذًا، وصلنا إلى الباب التاسع والثلاثين قال:

🚫 باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات

وقول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ۚ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾.

إذًا، هذا الباب فيه خطر والوعيد في من جحد شيئًا من الأسماء أو الصفات. وكتاب التوحيد كما مر معنا في أول درس أنه مؤلَّف في الأصل لتوحيد العبادة وتوحيد الألوهية، لكن فيه شيء من مسائل الربوبية، وفيه شيء من مسائل الأسماء والصفات. ولهذا الشيخ تكلم على أنواع التوحيد الثلاثة. وستأتي معنا إن شاء الله تعالى أبواب فيها إشارات إلى شيء من الأسماء والصفات.

إذًا قال هنا: باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات. ثم ذكر قول الله تعالى: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾. هذه الآية جاءت في سياق ذم الكفار، وأن الكفار كانوا يُنكرون اسم الرحمن. ولهذا لما كتب النبي صلى الله عليه وسلم وأمر عليًّا رضي الله عنه أن يكتب في صلح الحديبية: “اكتب بسم الله الرحمن الرحيم”، قال له سهيل بن عمرو (رضي الله عنه، فقد أسلم بعد): “وما الرحمن؟”. قال: “اكتب باسمك اللهم”.

فالكفار كانوا يُنكرون، لكنهم كانوا يُنكرونه كما يقول ابن كثير في تفسيره: “ينكرونه استكبارًا وعنادًا”. وإلا كان العرب يعرفون أن الله يُسمى الرحمن. ولهذا قال الشاعر قال: “عجَّلْنا عليكم أو خجلتم علينا… إذ عجَّلْنا عليكم وما يشاء الرحمن يطلق ويعقد”. الحاصل قال: “وما يشاء الرحمن”. فقوله هنا: “الرحمن” أي إثبات لاسم الرحمن. وقال العرب قالوا: “ما نعرف ما نعلم إلا عن اليمامة”، يقصدون به مسيلمة الكذاب. وهذا كله من العناد والاستكبار.

قال: “وفي صحيح البخاري قال عليّ: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذَّب الله ورسوله؟”. فهذا الأثر عن علي رضي الله عنه أثر عظيم، فيه بيان أنه ينبغي للعبد أن يُحدِّث الناس بما يعرفون.

وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال: “ما أنت محدِّث قومًا بحديث لا تبلغه عقولهم، إلا كان على بعضهم فتنة”. فينبغي للعبد إذا خاطب الناس أن يراعي أفهامهم. ولهذا بوَّب البخاري في “صحيحه” باب: “ترك شيء من الاختيار”، حتى لا يقع الناس في عدم الفهم أو شيء من هذا. فالبخاري يُعلِّمك أنك أحيانًا إذا كنت مُخيَّرًا بين كلمتين، فينبغي لك أن تختار الكلمة التي يفهمها الناس، ولا تأتي بعبارات لا يفهمها الناس، ولا تتكلم في مواضيع لا يفهمها الناس؛ لأنك ربما إن تكلمت بكلام لا يفهمه الناس، إما أخطأ الناس في فهم كلام الله وكلام رسوله، أو كذَّب الناس كلام الله أو كلام رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ولهذا جاء عن الإمام مالك نهيه عن الخوض في بعض أحاديث الصفات. فمثلًا تأتي أمام العوام وتكلمه في بعض مسائل الصفات الدقيقة، وإلا ينبغي أن تُحدِّث الناس عن الأسماء والصفات. لكن الخوض في بعض الأحاديث التي لا تفهمها عقول الناس، فهذا ينبغي تركه؛ مراعاة لأفهام الناس ورحمة بهم. ونحن لا نقول إن مسائل الأسماء والصفات لا ينبغي الحديث بها أو عليها، بل لا يستقيم إيمان العبد حتى يعرف ربه الذي يعبده. لكن ينبغي الحديث عنها بسهولة، وينبغي أن تُيسَّر المباحث للناس، وينبغي أن يترك العبد ما ربما تُنكره قلوب الناس.

قال: “روى عبد الرزاق عن مَعْمَر عن ابن طاووس عن أبيه عن ابن عباس أنه رأى رجلًا انتفض، يعني تحرك وانتفض، لما سمع حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصفات استنكارًا لذلك، فقال: ما فرَقُ هؤلاء؟ يجدون رِقَّة عند محكمه ويهلكون عند متشابهه! انتهى”.

فقوله هنا ابن عباس لما رأى ذلك الرجل انتفض لما سمع شيئًا من آيات الصفات استنكارًا لذلك، فابن عباس قال: “عجيب أمر هؤلاء”. فإنهم إذا مرت بهم الآية التي يعلمونها (يعني مُحْكمة بالنسبة لهم) يجدون رقة ويخشعون ويخضعون، وإذا أتوا إلى آية اشتبهت عليهم يهلكون عندها. لماذا؟ لأن العبد ينبغي له إذا عرضت له آية أو حتى حكم شرعي مشتبه عليه، فينبغي أن يرد المتشابه للمحكم. فإذا كان لا يعلم، فليقل كما قال الشافعي رضي الله عنه: “آمنت بالله وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم”. فإذا علمت المعنى، آمن به. فإذا لم تعلم حقيقة المعنى، فقل: “هناك معنى أنا لا أعلمه، لكن الله يعلمه، ولكن العلماء يعلمونه”؛ لأنه ليس هناك شيء في القرآن مُشتبه على كل الأمة، هذا لا يكون. لا بد أن يكون بعض الناس يعلم هذا المعنى؛ لأن الله تعالى أنزل إلينا كتابًا لنفهمه وليتدبره. فلو كان غير مفهوم كيف سنتدبره؟ ولهذا الاشتباه هو نِسْبي، مُشتبه علينا نحن، لكن على العلماء وعلى هذه الأمة لا يشتبه الأمر.

قال: “ولما سمعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرحمن أنكروا ذلك فأنزل الله فيهم: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾”.

الحاصل أن الكفار أنكروا هذا الاسم. ولكن أنكروا اسمًا واحدًا. لكن الجهمي أنكر كل الأسماء، ولهذا لم يتردد العلماء في تكفيرهم. يقول ابن القيم في “النونية” يقول: “ولقد تقلَّد كفرَهم خمسون في… عشر من العلماء في البلدان”، أي خمسمائة. “وللكائي الإمام حكاه بل… قد حكاه قبله”. فالعلماء كفَّروا الجهمية. لماذا؟ لأنهم أنكروا الأسماء، ولم يكفروا المعتزلة؛ لأنهم أثبتوا الأسماء ولكنهم أنكروا وتأولوا ما دلَّت عليه من الصفات، وكذلك طبعًا لم يكفروا الأشاعرة طبعًا من حيث الجملة. وبالتالي يكون الجهمية أشد من قريش من جهة هذا الأمر؛ لأن قريش أنكرت اسم “الرحمن” فقط، وهؤلاء أنكروا كل الأسماء. ولهذا ذكر محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في “القواعد الأربع” وحتى في “كشف الشبهات” أن الشرك الذي وقع في بعض أفراد هذه الأمة حتى في المتأخرين هو أشد من شرك الأولين، ومنه هذا الكفر بالأسماء والصفات، فإن الكفار كفروا بالرحمن فقط، وهؤلاء كفروا بالرحمن وباقي أسماء الله جل وعلا.

ينبغي أن يُفهم في هذا الباب أن ينبغي للعبد أن يثبت كل الأسماء الحسنى وكل الصفات التي ثبتت لله جل وعلا وأثبتها هو ورسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. نؤمن بها كما أنزلها الله جل وعلا، وكما كان الصحابة يقرأون الآية ويفسرونها على مراد الله، ويقرأون الحديث ويفسرونه على مراد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

ويقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى في “القول المفيد”: “إن الذي يُنكر الصفة ويجحدها والاسم والصفة بالكلية هذا كافر؛ لأنه أنكر لفظًا في القرآن”. قال: “فأما من تأولها فننظر، إن كان تأويله سائغًا في اللغة (يعني يمكن أن يُفهم في اللغة هذا) وله شبهة فهذا لا يكفر. أما الذي يكون تأويله لا مسوِّغ له في اللغة، ويأتي بشيء من ذهنه حتى اللغة ولا تحتمله، فهذا يكفر؛ لأنه وكأنه أنكر هذا الأمر”.

💧 باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾

الباب الذي بعده قال: باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾.

هذه الآية من سورة النحل. وسورة النحل سمَّاها أهل العلم سورة النعم؛ لأن الله جل وعلا من أولها إلى آخرها يعدد نعمه سبحانه وتعالى على خلقه. ولهذا قال في آخرها: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ ۚ اجْتَبَاهُ…﴾. فذكر أن إبراهيم كان شاكرًا؛ لأن هذه الآية من سورة النحل، وسورة النحل هي فيها النعم. فإبراهيم ناسب أن يثني الله جل وعلا عليه هنا بأنه شاكر. والعبد المؤمن شاكر لله. قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾. وقال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ في آيات كثيرة أن العبد إنما يشكر ربه الذي مَنَّ عليه بأي نعمة.

قال: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾. فالعبد إذا علم أن النعمة من عند الله ثم جحدها، فهذا قدح في توحيده وقدح في استسلامه وتعظيمه وإعظامه لربه سبحانه وتعالى. ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾. فكل نعمة من الله. فمن التوحيد الاستسلام لله بالاعتراف بأن كل نعمة إنما هي من عند الله. والإنسان سبب، والمنعم الحقيقي هو الله جل وعلا وحده. أنعم عليك بنعمة السمع والبصر، وأنعم عليك قبل ذلك بالإسلام وهو أعظم نعمة، وأنعم عليك بنعمة التوحيد والسنة. فينبغي لك أن تعترف لله جل وعلا بالفضل.

وشكر النعمة يكون:

بالقلب: اعترافًا بأنها من عند الله جل وعلا.

باللسان: بأن تتحدث بأن هذه النعمة من عند الله وتحمده وتشكره عليها.

بالجوارح: أن تصرف تلك النعمة فيما يرضي الله.

فمن أتته نعمة وصرفها في معصية الله لم يؤدِّ الشكر حقه. فالشكر يكون بالقلب ويكون باللسان ويكون بالجوارح. قال الشاعر: “أفادتكمُ النعماءُ مني ثلاثةً… يدي ولساني والضميرَ المُحَجَّبَا”. فالشكر يكون بهذه الأمور الثلاثة.

قال بعدها: “قال مجاهد ما معناه: هو قول الرجل: هذا مالي ورثته عن آبائي. وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا. وقال ابن قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا”.

إذًا هنا ذكر أمثلة أن بعض الناس من عدم نسبة النعم لله يقعون في أمر عظيم وهو الشرك. وهو الأصل فيه شرك أصغر، فإن من الشرك الأصغر ما يُسمى بشرك الألفاظ. وشرك الألفاظ هذا أن تنسب النعمة إلى غير الله، وأن تقول: “لولا فلان لم يكن كذا” وتنسى الله جل وعلا. ولهذا سيأتي معنا إن شاء الله تعالى بالتفصيل في أن العبد الموحد ينبغي أن يكون: “لولا الله” فقط. فإن كان يذكر الإنسان يقول: “لولا الله ثم فلان”. أما المشرك يقول: “لولا الله وفلان” أو يقول: “لولا فلان” ولا يذكر الله. هذه كلها شرك فوق شرك، وهي متفاوتة فيما بينها. والكل منافٍ لكمال التوحيد.

فالتوحيد يستلزم منك أن تُفرد الله جل وعلا بكل شيء. النعم من عند الله، فينبغي لك أن تعترف بالنعمة إلا لله جل وعلا. فتقول: “لولا الله” أو “لولا الله ثم فلان” أو تقول: “هذا مالي رزقني الله جل وعلا هذا المال وورثته عن آبائي” لا بأس بذكر السبب، لكن لا تنسى المسبب وهو الله جل وعلا. وكم من إنسان منا يقول: “هذا المال تعبت عليه”، و”هذا المال تعبت وقمت من الصباح واشتغلت وحصلت هذه الثروة”، ولا يذكر ربه الذي مَنَّ عليك، ولو شاء لسلبه ذلك المال في طرفة عين. وسيأتي إن شاء الله تعالى معنا هذا في قصة الأعمى والأبرص، تأتي إن شاء الله تعالى في موضعها.

قال: “وقال أبو العباس (يعني شيخ الإسلام ابن تيمية) بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر (الحديث وقد تقدم ذكره)، وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يُضيف إنعامه إلى غيره ويشرك به. قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقًا، ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير”.

فهذا كله يبيّن لك ألفاظًا يقولها الناس وهي في الحقيقة من الشرك الذي لا يرضاه الله جل وعلا، وهي تنافي كمال التوحيد.

ماذا ينبغي أن نفهم من هذا الباب؟

أن الموحد هو الذي ينسب النعمة إلى الله. والإنسان وإن كان سببًا، فلولا فضل الله جل وعلا عليه كما قال تعالى: ﴿مَا زَكَىٰ مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ﴾. ولهذا الله تعالى هو الذي يرزقك النعم، ويرزقك التوحيد، ويرزقك الإسلام. فإن كنت موحدًا حق التوحيد فإنك تشكر النعمة وتنسبها إلى الله جل وعلا. أما الإنسان كما قال الشاعر: “فكل الذي فوق التراب تُراب”. فالناس وإن شاءوا أن يرفعوك، إن أراد الله وضعك فلن ترتفع. والناس وإن سعوا إلى خفضك ووضعك، فإن شاء الله جل وعلا رفعك فلن يضعك أحد. فهو الرافع والخافض سبحانه وتعالى. فلا يغني عنك الناس شيئًا.

قال النبي صلى الله عليه وسلم في وصيته العظيمة لابن عباس: “واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لن ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو أنهم اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف”. فهذا أمر قُضِيَ كما قال تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾. فالأمر لله من قبل ومن بعد، والنعمة منه والفضل له سبحانه وتعالى يمن به على من شاء من عباده.

⚖️ باب قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

الباب الذي بعده قال: باب قول الله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال ابن عباس في الآية: “هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء…” إلى غير ذلك.

إذًا هذا الباب فيه أمر عظيم، وهو أن من كمال التوحيد، بل من التوحيد ومعناه هذا باب المحبة: ألا تجعل لله نِدًّا. بل الشرك ما هو؟ هو جعل الند لله. الشرك تسوية غير الله بالله في شيء من حقوق الله، أو جعل شيء من حقوق الله أن تجعله لِخَلْقه. وهو ما يسمى بـ التنديد. فالتنديد هو اتخاذ الند. قال تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾.

وهذا التنديد قد يكون:

تنديدًا أكبر: وهو الشرك الأكبر بالعبادة.

تنديدًا أصغر: وهو نسبة النعم إلى غير الله، وأن تقول: “ما شاء الله وشاء فلان”، والطِّيَرَة، ولُبس الحَلَق، وغير ذلك. هذا كله من التنديد الأصغر، أي من الشرك الأصغر الذي لا يُخرج العبد من الإيمان، لكن صاحبه على خطر عظيم، وربما أتى ولم يُغفر له ذلك الذنب.

هنا قال ابن عباس: “الأنداد هو الشرك، أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل”. النمل إذا يمشي ويمشي على الصفاة أي صخرة ملساء صماء في ظلمة الليل، هذه لا يراها ولا يسمعها إلا الله. ولهذا قيل فيه سبحانه وتعالى: “يرى ويسمع دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء”. فالرياء دقيق، والشرك دقيق بهذه الأمور.

فلا يظنن أحدكم أنه لن يقع في الشرك أبدًا. بل ربما وقعنا فيه في أدق أفعال القلوب، وحتى في الجوارح مرات وكرات، ونحن لا ندري أو ندري. ولهذا مر معنا باب الخوف من الشرك، وأن إبراهيم عليه السلام قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾. قال إبراهيم التيمي كما مر معنا: “ومن يأمن البلاء على نفسه بعد خليل الله إبراهيم؟”. ولهذا يقول ابن القيم في “النونية”: “واجعل لقلبكَ مُقْلتَينِ (أي عينين)… كلاهما من خشية الرحمنِ باكيتانِ”. “لو شاء ربك كنت أيضًا مثلهم… فالقلب بين أصابع الرحمن”. فلو شاء الله لكنت مثلهم. فالذي لا يظن أنه بنفسه ينجو من الشرك، وأنه ينجو من الشرك بدون الاستعانة والتوكل عليه واللجأ وصدق الدعاء وصدق الطلب منه، فهذا مغرور. والمغرور سيأتي معنا إن شاء الله تعالى جزاؤه: أن العجب في العبادة قد يوصل العبد إلى إحباط كل الأعمال كما سيأتي في باب إن شاء الله تعالى في مسألة التألي على الله.

قال بعدها: “وقال وهو: أن تقول: واللهِ وحياتك يا فلان، وحياتي. وتقول: لولا كُلَيْبَةُ هذا لأتانا اللصوص”. كل هذا من شرك الألفاظ الذي ربما صدر من آحاد الناس ولا يعلم به. فينبغي تصفية التوحيد من كل ما يكدِّره: من شرك أكبر، ومن شرك أصغر، ومن بدعة، ومن معصية. هذا كله يقدح في التوحيد، إما قدحًا في أصله أو قدحًا في كماله.

قال: “ولو البطُّ في الدار لأتى اللصوص. وقول الرجل لصاحبه: ما شاء الله وشئت. وقول الرجل: لولا الله وفلان. لا تجعل فيها فلانًا”. هذا كله به شرك سبحانه وتعالى. فابن عباس رضي الله عنهما عدَّد أمثلة كثيرة من الشرك. وهذا يا إخوة كان في عهد ابن عباس رضي الله عنهما، وهو صغير من الصحابة. فعاش والصحابة متوافرون والإسلام قد انتشر. رأى فتوحات الأمة والعلم المنتشر أن الشيطان أَيِسَ في عهده أن يعبده المصلون في جزيرة العرب. لكن مع هذا يقول هذا. فما نقول نحن فيما نرى من نذور وذبح لغير الله، وذهاب للسحرة والكهنة، واعتقاد في النجوم، ونسبة للنعم إلى غير الله؟ مما إذا رآه العبد إنما يطلب من الله جل وعلا السلامة، وأن يتوفاك الله على دين أبي القاسم صلى الله عليه وسلم؛ لأن المهالك كثيرون والناجي قليل. وينبغي للعبد أن ينظر إلى من نجا كيف نجا، ولا ينظر إلى من هلك كيف هلك؛ فإن الهُلَّاك كثيرون، وأما الناجون قليل. فتمسك بما هم عليه. ولهذا ينبغي للعبد أن يُكثر الدعاء وصدق الطلب من الله جل وعلا أن يطهر قلبه من كل فساد، ومنه من فساد الشرك والمعصية والبدعة وغير ذلك مما يكدر القلوب.

قال: “وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك” (رواه الترمذي وحسَّنه وصحَّحه الحاكم).

فهنا بيان أن الحلف بغير الله شرك أو كفر. وهو شرك أصغر وكفر أصغر. وربما ارتقى الحلف بغير الله أكبر بأمرين:

الأمر الأول: أن يعتقد الحالف أن المحلوف به ينفع ويضر استقلالًا. فهذا كفر.

الأمر الثاني: بعض الناس إذا حلف بالله يكذب، وإذا حلف بغير الله لا يكذب أبدًا. هذا يدل على أن تعظيمه لغير الله أعظم من تعظيمه لله، فيكون شركًا أكبر. وقد نبه على هذا شيخ الإسلام وجماعة بأن الذي يكون هذا حاله هذا لا شك بأنه يدخل في الشرك الأكبر. فالحلف بغير الله أمره عظيم.

والله جل وعلا لما ذكر الحلف أمرنا أن نحلف بالله. قال تعالى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي﴾. ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾. فلم يقل: “قل بلى ومحمد”، بل قال: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي﴾. أما الله تعالى فيحلف بما شاء من آياته الدالة على عظمته. قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ و**﴿وَالضُّحَىٰ﴾** و**﴿وَالشَّمْسِ﴾** و**﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾** إلى غير ذلك. فالله تعالى يحلف بما شاء؛ لأن كل ما يحلف به يدل على عظمته. أما الإنسان فليس له أن يحلف إلا بالله جل وعلا.

إذا هنا مسألة الحلف. قال بعدها: “وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لَأَنْ أَحْلِفَ بالله كاذبًا أحبُّ إليَّ من أن أحلف بغيره صادقًا”. وهذا فيه بيان فقه الصحابة رضي الله عنهم؛ لأن ابن مسعود صحابي جليل من أجل علماء الصحابة رضي الله عنهم وأرضاه. يعلم أن الحلف بالله توحيد، وأن الكذب معصية. ويعلم من فقهه رضي الله عنه بأن المعصية مهما كانت فهي تبقى دون الشرك من حيث الجنس. ففضَّل أن يحلف بالله كاذبًا (وهذا معصية) على أن يحلف بغير الله لكنه يحلف صادقًا؛ لأن الشرك (وجنس الشرك ولو كان أصغر) أعظم من جنس المعاصي.

قال: “وعن حذيفة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقولوا: ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان” (رواه أبو داود بإسناد صحيح). ويأتي في الباب الآخر أنه قال: “قل ما شاء الله وحده”.

فإما أن يقول العبد: “ما شاء الله وحده” أو يقول: “ما شاء الله ثم شاء فلان” بـ “ثُمَّ” (بالتعقيب)، ولا تقل: “ما شاء الله وَشاء فلان”؛ لأن الواو فيها التسوية، كأن التسوية شرك. فينبغي للعبد أن يراقب كل لفظ يقوله. يقول ابن الجوزي في “صيد الخاطر”: “وكم من كلمة قالها أو كم من كلمة خرجت من اللسان هلك بها إنسان”. ويقول الشافعي: “احذر لسانك أيها الإنسان… لا يلدغنك إنه ثعبان. كم في المقابر من قتيل لسانه… كانت تخاف لقاءه الأقران”. وخير من هذا كله قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “وهل يكب الناس في جهنم إلا حصائد ألسنتهم؟”. وأعظم حصائد الألسنة الشرك في الألفاظ.

قال: “وجاء عن إبراهيم النخعي أنه يكره أن يقول الرجل: أعوذ بالله وبك. ويجوز أن يقول: بالله ثم بك”. قال: “ويقول: لولا الله ثم فلان، ولا تقولوا: لولا الله وفلان”. وهذا كله مر معنا أن الواو تدل على التسوية، أما “ثُمَّ” فتدل على التعقيب. فإن كنت ذاكرًا المخلوق مع الخالق، ينبغي أن تذكر الخالق ثم تذكر المخلوق، أو تذكر الخالق وحده. أما أن تذكره بلفظ الواو فهذا من الشرك والتنديد والتسوية الذي لا يرضاه الله جل وعلا.

نكتفي بهذا القدر، ونكمل في الدرس المقبل بقية الأبواب التي بعده إن شاء الله تعالى، وهي من جنسه. والله جل وعلا أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *