الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
وصلنا إلى الباب الثاني والأربعين، وهو باب “ما جاء في من لم يقتنع بالحلف بالله”. هذا الباب مرّ معنا، وتناولنا أن الحلف بالله من التوحيد، وأن الحلف بغير الله من الشرك والكفر، وهو كفر أصغر في أصله.
أتبع المؤلف رحمه الله تعالى باب الحلف بهذا الباب؛ لأنه إذا علمت أنه لا يُحلف إلا بالله إعظامًا لله جل وعلا، فكذلك إذا حلف لك بالله، ينبغي لك أن ترضى. ولهذا، من مقامات التوحيد هو التسليم والاقتناع لمن حلف لك بالله، على تفصيل يأتي معنا إن شاء الله تعالى. فيكون مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد ظاهرة؛ وهي أن مَن قَنِع إذا حُلِف له بالله، فهو رجل معظم لربه. ومقامات التوحيد تكون في الأقوال، وتكون في الاعتقادات، وتكون في العمل. وكذلك الشرك يكون في النيات، كما يكون في الأقوال، وكما يكون في الأعمال.
قال: عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حُلف له بالله فليرضَ، ومن لم يرضَ فليس من الله». (رواه ابن ماجه بسند حسن).
إذًا قال في أوله: «لا تحلفوا بآبائكم». فالأب نحبه، لكن لا ينبغي لنا أن نحلف به؛ لأن من حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر. والحلف هو تأكيد على شيء بذكر مُعظَّم باستعمال حرف من حروف القسم، وهي الواو والباء والتاء. فالحلف مبني على التعظيم والإعظام، وهذا لا يكون إلا لله جل وعلا. ولهذا لا ينبغي لك أن تحلف لا بالكعبة ولا برسول الله صلى الله عليه وسلم ولا غير ذلك.
قال: «من حلف بالله فليصدق». لأن الحلف بالله توحيد، لكن إذا حلفت بالله وكذبت، فهذا كذب. وإن كان كما قال ابن مسعود: “لأن أحلف بالله كاذبًا أحب إليّ من أن أحلف بغير الله صادقًا”؛ لأن جنس الشرك أعظم من جنس الكبائر.
ثم قال: «ومن حُلف له بالله فليرضَ، ومن لم يرضَ فليس من الله». وقوله: «ليس من الله» هذا وعيد، أي ليس هذا من إعظام الله، وليس من توحيد الله، فالموحد يرضى إذا حُلِف له بالله.
لكن هل هذا ينطبق على كل حال؟ ولو جاءك إنسان سارق ويحلف لك ثم يقول: “والله ما سرقت”، أو إنسان تعرفه كذاب؟ ولهذا العلماء يقولون: إذا غلب على ظنك أنه صادق، صدّقه. وإذا أيقنت أو غلب على ظنك أنه كاذب، فلا تصدقه.
واليمين التي ينبغي لك أن ترضى بها في كل الأحوال هي اليمين التي تكون عند القاضي. فعند القاضي، إذا استدعى رجل وحلف، فلا ينبغي لك إلا أن تُسَلِّم؛ لأن هذا آخر ما يُفعَل في القضاء. ولهذا جاء في الحديث: «واليمين على من أنكر». فمَن أنكر يأتي يحلف باليمين، فإذا حلف باليمين، ينبغي لك أن تُسَلِّم، وإن كان في باطنك تعلم أن هذا كذاب.
ومما ذُكر في القصة المعروفة أن عيسى عليه السلام لما رأى رجلًا يسرق، فقال له: “أنت تسرق؟” فقال الرجل: “والله ما سرقت”. فقال عيسى عليه الصلاة والسلام: “صدق الله وكذبت عيناي”. فقول عيسى عليه الصلاة والسلام: “صدق الله وكذبت عيناي” من جهة أن عليه الصلاة والسلام عنده مقام التوحيد أعظم؛ ولأن الرجل لما حلف بالله، كذّب عينيه وطعن في بصره. لماذا؟ لأنه أعظم أن ذلك الرجل قد حلف بالله. فلما حلف ذلك الرجل بالله، قال عيسى: ربما كنت قد أخطأت في البصر. وهذا للشك من المقامات العظيمة التي ينبغي للعبد أن يكون عليها ومتأسيًا بمن كان عليها.
الباب الذي بعده: قال: باب قول: “ما شاء الله وشئت”.
هذا القول مرّ معنا في الباب الذي قبله، وهو «لا تجعل لله أندادًا»، وأن هذا من الشرك القولي، وأن هذا لا ينبغي. وأن مقام التوحيد إنما يقتضي منك إما أن تقول: “ما شاء الله وحده” كما سيأتي، أو تقول: “ما شاء الله ثم شئت” أيضًا كما سيأتي إن شاء الله تعالى. فمناسبته لكتاب التوحيد ظاهرة.
قال بعدها: وعن قتيلة رضي الله عنها أن يهوديًا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إنكم تشركون، تقولون ما شاء الله وشئت، وتقولون والكعبة». فأمرهم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا أرادوا أن يحلفوا أن يقولوا: «ورب الكعبة»، وأن يقولوا: «ما شاء الله ثم شئت». (رواه النسائي وصححه).
إذًا هذا الحديث ماذا فيه؟ فيه أن اليهود، وهم من أعظم الناس كفرًا وشركًا وقتلًا للأنبياء، ومع هذا أتوا إلى المسلمين وقالوا: «إنكم تقولون ما شاء الله وشاء محمد» وهذا حق، وإن كان المتكلم به صاحب باطل وهم اليهود. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «صَدَقَك وهو كذوب». فبالرغم من كذبه، فلا يمنعنك كذبه وباطله أن تقبل الحق إذا جاء. ولهذا ينبغي للعبد أن يقبل الحق أيًّا كان قائله.
قال: وله أيضًا عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «ما شاء الله وشئت»، فقال: «أجعلتني لله ندًا؟ بل ما شاء الله وحده». فسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القول تنديدًا، والتنديد هو شرك. فلا يقول أن أحد هذه الكلمة. لا، هذه كلمة شركية، ولو كان الذي أشركته محمدًا صلى الله عليه وسلم.
ومقام التوحيد يجعلك تُفرد الله جل وعلا بهذه المشيئة، أو تقول كما في الحديث الذي قبله: «ما شاء الله ثم شاء فلان»، بالتعقيب. فإن قلت: «ما شاء الله وشاء فلان»، فهنا يصبح شركًا قوليًا وهو من الشرك الأصغر.
قال: ولابن ماجه عن الطُّفَيل أخي عائشة لأمها قال: «رأيت كأني أُتيتُ على نفر من اليهود، فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون عزير ابن الله. قالوا: وإنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. ثم مررت بنفر من النصارى فقلت: إنكم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون المسيح ابن الله. فقالوا: وأنتم لأنتم القوم لولا أنكم تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فلما أصبحت أخبرت بها من أخبرت، ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، قال: هل أخبرت بها أحدًا؟ قلت: نعم. قال: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن طُفَيل رأى رؤيا أخبرني بها من أخبر منكم. وإنكم قلتم كلمة كان يمنعني كذا وكذا أن أنهاكم عنها، فلا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله وحده».
فهنا حديث عظيم فيه أن اليهود لما قال لهم المسلمون: أنتم القوم لكنكم تقولون عزير ابن الله، قال اليهود: وأنتم أيضًا تقولون ما شاء الله وشاء محمد. ولما قيل للنصارى: تقولون عيسى ابن الله، استدل عليهم النصارى بأنكم أنتم القوم، ولكنكم أنتم أيضًا فيكم شرك، وإن كان فرق كبير بين هذا الشرك والآخر.
ولكنكم تقولون: ما شاء الله وما شاء محمد. وهنا انظر: هؤلاء القوم واقعون في الشرك الأكبر، وقد ذكر هنا فهم الإنسان في المسألة الثانية قال: أولًا: معرفة اليهود بالشرك الأصغر، بل حتى النصارى هنا عرفوا أن هذا شرك أصغر. الأمر الثاني: فهم الإنسان إذا كان له هوى. ما معنى فهم الإنسان إذا كان له هوى؟ أي أنظر هؤلاء القوم أصحاب هوى، أصحاب شرك أكبر؛ لأنهم هم يقعون في الشرك الأكبر، وأتوا لينهوا المسلمين عن الشرك الأصغر. والله جل وعلا قال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾. أنتم واقعون في الشرك الأكبر، وتأتون للمسلمين وتقدحون فيهم بالشرك الأصغر!
ولكن مع هذا، إذا جاءك الحق، ولو من مُبطِل، ولو من مُشرك، ولو من كافر، ينبغي لك أن تقبله؛ لأنك أنت خذ الخير الذي عنده، ودَعِ الشر الذي هو عليه. ولهذا أهل السنة إذا أتاهم مُبطِل وقال الحق، قَبِلوا الحق. ولا يرد أهل السنة الباطل بالباطل، بل إذا أتى مبطل وأتى بالحق، قَبِلوا ذلك الحق منه، مع علمهم واعتقادهم أن هذا الذي نطق به إنما هو رجل سوء ورجل باطل.
فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا بيّن أنه كان يريد أن ينهى الصحابة عن هذا الأمر، ولكن قال: «كان يمنعني كذا وكذا». جاء مصرحًا بهذا في رواية أخرى أنه قال: «كان يمنعني الحياء». فالحياء هو الذي منع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول.
قال العلماء: كيف رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحي أن يبلغ رسالة الله؟ أبدًا وحاشاه عليه الصلاة والسلام، وهو الذي قال الله جل وعلا له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ ۖ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾. ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها: “من زعم أن محمدًا لم يبلغ شيئًا من الدين فقد أعظم على الله الفِرية”.
فيكون هنا معنى الحياء أن الله جل وعلا لم يشرّع لرسوله بعد إنكار هذا الأمر. ولما أوحى الله إليه بإنكاره أنكره. والحياء الذي منع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أن ينهى الصحابة عن أمر لم ينزل فيه شرع بعد. ولهذا لم ينهَ الصحابة عن الخمر مع كراهة رسول الله صلى الله عليه وسلم للخمر في غير ما قصة وما حديث، لكن لما نزل الأمر: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة: «اتركوه». ولم يستحِ ولم يخشَ في الله جل وعلا لوم لائم عليه الصلاة والسلام.
إذًا الشاهد من هذا أن الحق إذا أتى، ولو من مشرك، قبلناه. وأن التوحيد أن تقول: «ما شاء الله وحده»، فإن قلت: «ما شاء الله ثم شاء فلان»، كان جائزًا. والشرك أن تقول: «ما شاء الله وشاء فلان».
نكتفي بهذا القدر، والله جل وعلا أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.