الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
إذًا، وصلنا إلى الباب الرابع والأربعين، وهو باب: من سبَّ الدهر فقد آذى الله.
مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد هي أن الدهر الذي يصرِّفه هو الله سبحانه وتعالى. والدهر هو الزمان، والزمان خلقه الله جل وعلا، وما يقع فيه إنما يقع بقدرة الله جل وعلا وبمشيئته. والزمان لا يفعل شيئًا، إنما الذي يصرِّفه هو الله سبحانه وتعالى. فسبُّ الدهر عائد في الحقيقة إلى سبِّ الذي يصرف الدهر. ولهذا لما كان راجعًا إلى سب الله جل وعلا، فكان وضعه هنا في كتاب التوحيد ظاهرًا في أن سبَّ الدهر منافٍ لكمال التوحيد، وربما كان شركًا أكبر كما سيأتي في التفصيل إن شاء الله تعالى.
قال: وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾.
فالكفار قالوا: هي الحياة الدنيا ولن نُبعث يوم القيامة. قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ۚ وَذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾. والله جل وعلا قال: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾. والله تعالى قال: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ﴾. فالإنسان إنما خُلق ليعبد الله ثم يُبعث، فإن أحسن فله الحسنى، وإن أساء فعليها، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾.
فالكفار كانوا يقولون: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾، فنسبوا الهلاك ونسبوا هذا الأمر إلى الدهر.
فالذي يسبُّ الدهر من المسلمين إنما هو مُتشبِّه بأولئك الكفار. والكفار اعتقادهم في الدهر كان على نوعين:
- بعضهم كان يعتقد أن الدهر هو الذي يصرف الأمور، وهؤلاء قلة، ولكن وُجد من العرب من ظن أن الدهر هو الذي يفعل، وهم يُسمَّون “بالدهرية”. يقولون: “إن هي إلا أرحام تدفع وأرض تبلع”، وليس هناك لا بعث ولا نشور، وإنما الذي يتصرف في الأمور هو الدهر. هم قالوا: ﴿نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾. فمنهم من الكفار قديمًا من كان يظن أن الدهر هو الذي يفعل.
- ومن العرب من كان يسبُّ الدهر ويظن أن الدهر سبب وأن الفاعل هو الله. وهذا الغالب على المشركين، أغلبهم يعلم أن الدهر ليس هو الخالق، لكنهم إذا سبوا الدهر فإنهم يسبونه من جهة أن الدهر سبب عندهم.
قال بعدها: قال: “وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر أقلب الليل والنهار”. وفي رواية: “لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر” (متفق عليه).
فهذا الحديث ظاهر في مناسبته للباب في أنه صرَّح عليه الصلاة والسلام بأن الله جل وعلا ينهى في الحديث القدسي عن سب الدهر، وأن سب الدهر يؤذي الله سبحانه وتعالى. والله جل وعلا يتأذى من ذنوب بني آدم.
فسب الدهر… قال: “وأنا الدهر”. وقد غلط كابن حزم من ظن أن الدهر من أسماء الله، بل أبدًا، الدهر ليس من أسماء الله. وقول الله هنا في الحديث القدسي: “وأنا الدهر” أي: وأنا الذي أصرف الدهر وأقلبه. ولهذا قال بعدها: “أقلب الليل والنهار”. فنسبة الدهر لله جل وعلا هي نسبة تصرف. فالذي يسب الدهر إنما هو في الحقيقة يسب الذي يقلب الدهر وهو الله. ولهذا كان شركًا أصغر.
ولهذا العلماء يقولون أن سبَّ الدهر على مراتب:
- المرتبة الأولى: أن يسب الدهر ويعتقد أن الدهر هو الذي يفعل، وهذا كفر أكبر لأنه شرك في الربوبية، وهذا لا يكاد يجده الإنسان في المسلمين، وهو الذي كان عند بعض الكفار.
- الأمر الثاني (وهو الغالب على الناس): وهو سب الدهر على أن الدهر سبب، وأن الدهر هو الذي تسبب فيما أصابه من شر، وهذا شرك أصغر، وهو سفه واتباع لطريق المشركين، وهو من الشرك الأصغر.
- النوع الثالث من السب: هو على جهة الوصف، فلو قال الإنسان: “هذا يوم شديد”، و”هذا يوم صعب”، كما قال تعالى: ﴿أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ﴾ وغير ذلك، فهذا ليس فيه شيء، هذا على جهة الوصف.
لكن ينبغي للإنسان أن يحذر وأن لا يقول عبارة ربما تؤدي به إلى هلاكه. فهذه هي مراتب سب الدهر: قد يكون شركًا أكبر، وقد يكون شركًا أصغر، وقد يكون جائزًا، وإن كان ترك هذه الأمور من باب أولى.
👑 باب التسمِّي بقاضي القضاة ونحوه
فهذا الباب عقده الشيخ رحمه الله تعالى في كل الأبواب التي ستأتي. مرَّ معنا قول: “ما شاء الله وشاءت”، وهنا باب سب الدهر، والتسمي بقاضي القضاة، والباب الذي بعده، وسيأتي في باب عدم سب الريح وغير ذلك. كل هذا في النهي عن أمور يقولها العبد ربما يهلك بها. ولهذا مر معنا أن الشرك يكون بالقول ويكون بالاعتقاد ويكون بالأعمال. وهذه الشرك في النيات فيه الأكبر والأصغر، والشرك في الأقوال فيه الأكبر والأصغر، والشرك في الأعمال فيه الأكبر والأصغر، وكل على حسبه.
وما سينكره الشيخ في هذه الأبواب الأصل فيه أنه من الشرك الأصغر، وربما صار من الشرك الأكبر إذا اقترن به اعتقاد وغير ذلك من الأمور.
فقال: باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه.
التسمي بقاضي القضاة، وهذا الباب مناسبته لكتاب التوحيد أن هذا الاسم يبغضه الله جل وعلا. لماذا؟ لأنه فيه اتصاف بأمر لا يحق إلا لله جل وعلا.
فقال: باب التسمي بقاضي القضاة ونحوه.
قال: “وفي الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله. قال سفيان: مثل شاهان شاه. وفي رواية: أغيظ رجل على الله يوم القيامة وأخبثه”. قوله: “أخنع” يعني أوضع.
إذًا هنا حديث أبي هريرة الصحيح، ماذا فيه؟ أن الله جل وعلا قال: “إن أخنع وأخبث اسم هو رجل تسمى ملك الأملاك، ولا مالك إلا الله”. وكذلك قاضي القضاة. وبالفارسية قال سفيان: “مثل شاهان شاه”. فيكون التسمي بملك الأملاك وبقاضي القضاة أن هذا أمر لا ينبغي؛ لأن قاضي القضاة هو الله سبحانه وتعالى.
ولهذا قال: “إن أخنع، أخبث”. العلماء قالوا: انظر، هو تسمى بقاضي القضاة كي يرفعه الناس، ولكنه إن رفعه الناس ورفعوه فإن الله قد وضعه؛ لأن هذا الاسم لا يليق إلا بالله جل وعلا.
وربما وجدت إذا ذكر العلماء يقولون: “قاضي قضاة كذا”، وهذا خطأ ولا ينبغي التسليم لهذا، بل يقول الشيخ صالح آل الشيخ في شرح كتابه التوحيد: “بل لو وُجدت كتابًا في هذا علِّق عليه”. لكن العلماء قالوا: يجوز أن يقول العبد: “قاضي قضاة مصر”، و”قاضي قضاة تونس”، و”قاضي قضاة المغرب”، وغير ذلك. فهنا يجوز؛ لأنه قال: “قاضي قضاة ذلك البلد”. ومع هذا ترك هذا أولى. وينبغي أن يعبِّر الإنسان بمثلًا كلمات معروفة: يقول: “رئيس هيئة القضاة”، “عميد القضاة”، “كبير القضاة”، وغير ذلك. أما “قاضي القضاة” فلا ينبغي أن تُطلق إلا على الله سبحانه وتعالى.
ثم أتبع الشيخ هذا الباب الذي هو في هذا الشرك وهو تسمي بقاضي القضاة بباب آخر وهو نحو هذا الباب، لكنه أعم؛ لأن هنا فقط مثّل بقاضي القضاة، لكن الباب الذي سيأتي هو أعم. ولهذا قال الشيخ قال:
🕌 باب احترام أسماء الله تعالى وتغيير الاسم لأجل ذلك
فهذا فيه عموم، وهو أن أي اسم مخالف لهذا الشرع وفيه نوع تشريك وتنديد وأمر لا يليق بالله ينبغي أن يغيره العبد. هذا هو مراد الشيخ إن كان قاضي القضاة أو أبو الحكم كما سيأتي أو غير ذلك. أي اسم لُوحِظَ فيه معنى التسوية بين الخالق والمخلوق وأن هذا لا يليق إلا بالله، فينبغي تغييره؛ لأن حرمة التوحيد أعظم من أي حرمة. وينبغي للعبد أن يكون إعظام التوحيد في قلبه، ولا ينبغي لك أن تتردد طرفة عين في محو كل أثر من آثار الشرك.
قال بعدها: “عن أبي شريح أنه كان يُكنَّى أبا الحكم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله هو الحكم وإليه الحكم. فقال: إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين. فقال عليه الصلاة والسلام: ما أحسن هذا! فما لك من الولد؟ قلت: شريح ومسلم وعبد الله. قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح. قال: فأنت أبو شريح” (رواه أبو داود وغيره).
إذًا هذا الصحابي الجليل رضي الله عنه وأرضاه كان يُسمى “أبا الحكم”. سأله النبي صلى الله عليه وسلم: لماذا أنت سُميت بهذا الاسم؟ قال: “إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الفريقين”. والإصلاح بين الناس من أعظم القربات. قال تعالى: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. فالإصلاح بين الناس من أعظم ما يحبه الله جل وعلا ويرضاه.
ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: “ما أحسن هذا” أن تصلح بين الناس؛ لأن بعض الناس إنما هو متخصص في الإفساد، أما الإصلاح فلا يحبه ولا يرضاه، وليس من أهل الإصلاح والصلاح، وهذا طريق إبليس عياذًا بالله. فينبغي للعبد أن يسعى للصلح بين إخوانه. قال تعالى: ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾. فالصلح مطلوب في الإسلام.
قال: “ما أحسن هذا. فما لك من الولد؟ قال: كم عندك من الولد؟ قال: عندي شريح وعبد الله ومسلم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: فمن أكبرهم؟ قال: شريح. قال: فأنت أبو شريح” (رواه أبو داود وغيره).
إذًا العلماء قالوا أن النبي صلى الله عليه وسلم منع هذا الصحابي رضي الله عنه أن يتسمى بـ “أبو الحكم”. لماذا؟ لأن الله هو الحكم وإليه الحكم. فهو كقاضي القضاة؛ لأن قاضي القضاة مُنع منه لأن هذا لا يليق إلا بالله، وكذلك الحكم هذا لا يليق إلا بالله، فغيّره رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم مراعاة لهذا الأمر، وأن هذا فيه نوع تسوية وتشريك بالله.
وقال أهل العلم هنا قالوا: قاضي القضاة سمي باسم لا يليق إلا بالله على شيء لا يستحقه. أما أبو الحكم هذا فهو كان يحكم ويفعل خيرًا وسمي باسم يستحق فيه شيئًا من الوصف. قالوا: ولهذا قاضي القضاة تسمى باسم وليس له أي صفة فيه، ولهذا كان أخنع الأسماء وأخبث الأسماء. ولهذا التسمي بقاضي القضاة هو من شر الأسماء وملك الأملاك وشاهان شاه عند الفُرس وغير ذلك ولا يصح. وهو ذهب إلى هذا الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى مثلًا في شرحه فقال رحمه الله تعالى: قال: “وهذا الحديث في سنده نظر”، وأن جاء أن جمعًا من الصحابة اسمهم أبو الحكم واسمهم الحكم ولم يغير رسول الله صلى الله عليه وسلم أسماءهم فدل على أن هذا الحديث غير صحيح. فيكون هذا الحديث غير صحيح سندًا ومعنًا على حد كلام الشيخ.
لكن هناك تفصيل ذكره شيخنا صالح العصيمي وفقه الله تعالى يجمع لك هذا الباب والباب الذي قبله، وهذا ينبغي حفظه، هذا التفصيل فهو نفيس وأحسبه يجمع شتات المسألة إن شاء الله تعالى.
يقول وفقه الله تعالى يقول: أن الأسماء على قسمين:
- نوع لا يُطلق إلا على الله كاسم الله واسم الرحمن.
- والنوع الثاني يجوز أن يُطلق على غير الله كالرؤوف والرحيم والعزيز والكريم.
هذا النوع الثاني هذا الذي يُطلق على الله وعلى غيره إن كان يُطلق على الإنسان من باب العَلَمِيَّة، أن هذا اسمه كريم بدون نظر إلى أنه عنده صفة الكرم، لا، فقط الاسم؛ لأن الإنسان يتسمى باسم وقد لا تتحقق فيه تلك الصفة. أما الله تعالى أسماؤه أعلام وأوصاف، فهي أعلام عليه ولكنه متصف بحقيقة معناها اللائق به سبحانه وتعالى، غير الإنسان قد يتسمى كريم وأنت بخيل، وقد تتسمى عزيز وأنت ذليل، وقد تتسمى محمد وأنت مذمَّم. أما الله جل وعلا إذا تسمى باسم فله من ذلك الاسم كمال المعنى وجمال المعنى وجلال المعنى.
فالنوع الثاني يُطلق على الله وعلى غيره، وهذا يُنظر فيه لأمر:
- إن كان يطلق من باب فقط العَلَمِيَّة من باب التسمية فهذا لا إشكال فيه.
- وإن كان يطلق مع ملاحظة الوصف فهذا على نوعين:
- إن أُطلق على الإنسان اسم “العزيز” مع ملاحظة عزته وأن عزته عزة عظيمة ربما بلغت مبلغًا عظيمًا، هذا يُنهى عنه كهذا الحديث؛ لأنه قال: “أنا أحكم بين الناس فسميت بالحكم”، فيُخشى أن يعتقد الناس فيه اعتقادًا فمُنع من هذا الاسم.
- أما النوع الثاني وهو أن يطلق على الإنسان هذا المعنى بدون ملاحظة كمال الصفة؛ لأن اسم العزيز لا يتصف بكمال العزة إلا الله سبحانه وتعالى. أما إذا أُطلق على الإنسان أنه عزيز وتسمى بأنه العزيز مع العلم واعتقاد أن هذه العزة إنما تليق به كبشر لا تليق بالله جل وعلا؛ لأن عزة الله كاملة، فهذا لا إشكال فيه. قال تعالى في سورة يوسف: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ﴾. الآية من سورة يوسف، واضح يا إخوة.
إذًا هذه المسألة تكون على هذا التقسيم. ومن شاء هذا التقسيم موجود في شرح الشيخ على كتاب التوحيد. فبالتالي يكون خلاصة المعنى: أي اسم يُفهم منه أن فيه نوع تشريك لله جل وعلا فهذا لا ينبغي أن يُطلق إلا على الله سبحانه وتعالى.
🤣 باب من هزل بشيء فيه ذكر الله أو القرآن أو الرسول
والشيخ هنا لم يبين حكمه. قال: باب من هزل… وحكمه أنه كافر كفرًا أكبر. فمن استهزأ بشيء من الدين ومن القرآن ومن الذكر ولذلك فهو كافر كفرًا أكبر.
ولهذا عدّ العلماء من نواقض الإسلام وقواطع الملة وهوازم التوحيد أن العبد يستهزئ بشيء من القرآن أو بالله أو برسوله صلى الله عليه وسلم أو بغير ذلك مما له علاقة بهذا الدين. فهذا كفر وناقض من نواقض الإسلام. ولهذا ذكره الشيخ رحمه الله تعالى هنا؛ لأن هذا الأمر خطير، وهو يهدم الملة ويقطع إسلام العبد ويموت العبد عياذًا بالله على غير ملة التوحيد بكلمة قالها، كما قال أبو هريرة في حديث يأتي معنا إن شاء الله تعالى: “تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته”.
ولهذا الهزل والاستهزاء والسخرية من الله ومن رسوله من أعظم ما يقطع ويهدم ملة العبد، ولا يبقى في قلبه نوع توحيد؛ لأن المؤمن الموحد معظم لله ومعظم لرسوله صلى الله عليه وسلم ولشرعه ولدينه ولصحابته. فلا يُعقل أن يصدر الاستهزاء من قلب مؤمن. فمن صدر منه الاستهزاء بهذا الدين وبالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم فإنه كافر كفرًا أكبر مخرجًا عن ملة الإسلام.
قال: وقول الله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ ۚ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ…﴾.
فهؤلاء المنافقون كانوا يستهزئون بالله وبرسوله، بل هم استهزأوا بالصحابة فقط وبرسوله صلى الله عليه وسلم، فقال الله جل وعلا: أن الذي استهزأ بهؤلاء إنما هو مستهزئ بالله وآياته ورسوله. فلما أرادوا أن يعتذروا كما سيأتي في الحديث قال جل وعلا: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.
واختلف العلماء هل هذه الآية نزلت في المنافقين أم في المؤمنين؟
- قال بعضهم: في المؤمنين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾.
- وقال آخرون: قالوا بل نزلت في المنافقين؛ لأن من قرأ الآيات من سورة التوبة، لأن السياق ما قبل الآية وما بعدها كله يتحدث عن المنافقين. فيكون هذا في المنافقين.
لكن إن كانت في المنافقين أو في غير المنافقين، الذي يهمنا أن هذا كفر أكبر. ولهذا الله تعالى قال: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾، فسماه كفرًا وهو كلمة، وهذا هو الشاهد من هذه القصة.
قال: “عن ابن عمر ومحمد بن كعب وزيد بن أسلم وقتادة (دخل حديث بعض في بعض أي هذه الرواية مركبة من حديث هؤلاء الثلاثة) قال: أنه قال رجل في غزوة تبوك: ما رأينا مثل قُرَّائنا هؤلاء، أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء”. يعني ماذا؟ وصفوهم بثلاثة أوصاف خبيثة:
- الوصف الأول: أنهم أصحاب أكل وتخمة وأصحاب كروش فقط (أي ليسوا إلا أصحاب دنيا).
- الثاني: أنهم كذابون.
- والثالث: أنهم أجبن الناس عند اللقاء.
وهذا من أعظم المسبَّة والقدح في الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم. قال: “يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه القُرَّاء. فقال له عوف بن مالك: كذبت ولكنك منافق، لأُخبِرَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم”.
وكان عوف بن مالك شابًا صغيرًا رضي الله عنه، فلما سمع ذلك تحرك الإيمان في قلبه؛ لأن الواحد منا لا يرضى أن يُسب أبوه أو تُسب أمه أو يُسب أخوه أو ابنه أو يُسب هو، فكيف بصحابي يسمع أقوامًا يسبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويسبون صحابته؟ فالعبد المؤمن لا يرضى بهذا أبدًا. ولهذا هذا الصحابي المؤمن رضي الله عنه غضب وقال: “أنت منافق”؛ لأن هذا الكلام لا يصدر من مؤمن. ثم ذهب وأخبر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
“فذهب عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فوجد القرآن قد سبقه”؛ لأن الله جل وعلا يسمع: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾. فالله جل وعلا سمع من فوق سبع سماوات ما قاله هؤلاء الأفاكون المنافقون، فوجد الوحي قد سبقه.
“فجاء ذلك الرجل إلى رسوله صلى الله عليه وسلم وقد ارتحل وركب ناقته”. يعني لما بلغه أن عوف بن مالك سيُخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب ليعتذر، فقال: “يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونتحدث حديث الركب نقطع به عن الطريق”. يعني كنا في طريق فأردنا أن نتسلى وأن نتفكَّه. انظر العذر الخبيث، و”رب عذر أقبح من ذنب”. يعني ما وجد شيئًا يمضي ويقضي به الطريق إلا الاستهزاء برسول الله صلى الله عليه وسلم وبصحابته الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم. وهذا لا شك من أعظم الظلم والكذب والبهتان.
قال ابن عمر: “كأني أنظر إليه متعلقًا بنِسعة ناقة رسوله صلى الله عليه وسلم وإن الحجارة تَنْكُبُ رجليه وهو يقول: إنما كنا نخوض ونلعب”. فيقول له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. ما يلتفت إليه وما يزيد عليه.
انظر بعد أن قال تلك الكلمة علم أنها ستبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو لم يخف من الله الذي يطلع عليه ويعلم السر وأخفى، ولكنه خاف من رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أخبره عوف بن مالك، فجاء ذليلًا حقيرًا خاسئًا على ناقته وهو متذلل إلى رسوله صلى الله عليه وسلم يقول: “إنما كنا نخوض ونلعب”. فقال النبي صلى الله عليه وسلم تاليًا تلك الآية العظيمة التي تتلى إلى يوم القيامة: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾. يعني لم يجد أمرًا يستهزئ به إلا الله ورسوله وصحابته وآياته.
قال العلماء: هم لم يستهزئوا بالله ولا بآياته، إنما استهزأوا بالله والنبي صلى الله عليه وسلم وبصحابته. قالوا: لأن الاستهزاء برسوله صلى الله عليه وسلم وبصحابته هو استهزاء بالذي أرسل النبي صلى الله عليه وسلم واستهزاء بالدين الذي أتى به. ولهذا من سب رسول صلى الله عليه وسلم فإنما هو ساب لله جل وعلا من جهة أنه كيف يسب الذي اصطفاه الله وارتضاه الله؟ فلو كان معظِّمًا لربه لما سب رسوله. ولهذا من كذَّب رسولًا فقد كذَّب جميع الرسل. قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾. لماذا؟ لأن من كذَّب نبيًا كذب الكل؛ لأن دعوى الأنبياء واحدة. وكذلك هؤلاء القوم فإنهم استهزأوا بالصحابة وبرسوله صلى الله عليه وسلم، فكأنهم استهزأوا بالله وبآياته. ولهذا رجع استهزاؤهم إلى ثلاثة أمور: بالله وآياته ورسوله.
وأرادوا الاعتذار فقال: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. وهذا فيه أعظم زجر على أن العبد لا ينبغي له أن يستهزئ بشيء من القرآن أو من السنة ولو على سبيل التفكُّه والضحك، فإن هذا كفر. وربما قال العبد كلمة أوبقت دنياه وآخرته.
يقول ابن الجوزي في “صيد الخاطر” رحمه الله تعالى يقول: “وكم من كلمة خرجت من اللسان هلك بها إنسان”. بل أنا أقول: ربما هلكت بها أمم وطوائف؛ لأن الإنسان إذا بث الاستهزاء بالله وبرسوله يضل ويضل غيره.
نعوذ بالله جل وعلا أن نضل أو نُضِل، أو نظلَم أو نُظلَم، أو نجهَل أو يُجهَل علينا. ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم ممن حقق التوحيد حق التحقيق، وأن يعصمنا من نواقض الإسلام ومن قواطع الملة، وأن يجعل إيماننا خالصًا له سبحانه وتعالى، وأن يوفقنا للعلم النافع والعمل الصالح، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.