الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إذًا، وصلنا إلى الباب الثامن والأربعين في كتاب التوحيد، وهو باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾.
- هذا الباب عقده الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى لبيان مسألة عظيمة، وهي أن الإنسان إذا أصابته نعمة (نعمة بعد ضراء مسَّتْه)، فإنه من الشرك الأصغر أن ينسب تلك النعمة إلى غير الله جل وعلا، وأن ذلك منافٍ لكمال التوحيد.
- فالواجب أن تُنسب النعمة لله؛ لأن الذي كشف عنك الضر هو الله. قال تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ﴾. وقال: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
- الناس سبب: لا بأس أن يشكر الناس، بل “لا يشكر الله من لا يشكر الناس”، لكن اعلم أن الناس سبب، وأن الذي أسدى عليك تلك النعمة وسخَّر لك ذلك الرجل هو الله جل جلاله.
- مراتب نسبة النعمة لغير الله:
- أن ينسبه نسبة إيجاد، ويقول: الذي كشف عني هذا الضر هو غير الله. وهذا شرك أكبر.
- أن ينسب له هو الأمر ويجعله السبب، ولا ينظر إلى الله جل وعلا. وهذا شرك أصغر ومنافٍ لكمال التوحيد.
- أن يقول: “هذا بفضل الله ثم فلان”. وهذا هو التوحيد ولا إشكال فيه.
قال بعدها: قال مجاهد عند هذه الآية من سورة فصلت: ﴿لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي﴾ يعني: “هذا بعلمي، وأنا محقوق به”. وقال ابن عباس: “يريد من عندي”.
- هذا ماذا قال؟ قال: ليقولن هذا لي، يعني: إذا كشف الله جل وعلا عنه هذه الضراء يقول: هذا بعلمي وأنا محقوق به، أي: أنا مستحق لهذا الذي جاءني، ولا يليق إلا بي.
- وكأنه يظن أن الله جل وعلا فعل به هذا الأمر لأنه يستحق هذا الأمر. وهذا من أعظم التنقص لحق الله جل وعلا، وهو من قلة التوحيد، ومنافٍ لكمال التوحيد، وربما أوقع العبد عياذًا بالله في الشرك الأكبر إذا اعتقد نسبة شيء لغير الله جل وعلا.
- فضل الله سابق: ينبغي للعبد أن يعلم أن ما أصابه من خير فإنما هو بمحض فضل الله سبحانه وتعالى ومِنَّتِه عليك، وأنت لولا فضل الله جل وعلا لما كنت شيئًا. ولهذا فِعلُ الله جل وعلا كله خير، وإذا مسك بخير فإنه فضل منه، وإذا جاءك شر فإنه عدل منه.
قال بعدها: وقوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾. هذا في قصة قارون المغرور، وهو من الكفار الذين ذكرهم الله جل وعلا في القرآن.
- قال قتادة: “على علم مني بوجوه المكاسب”. وقال آخرون: “على علم من الله أني له أهل”. وهذا معنى قول مجاهد: “أُوتيتُه على شرف”.
- بهذه الأقوال نعلم أنه ماذا قال؟ قال: أُوتيتُه على علم، أي: أنا الذي اجتهدت واكتسبت في التجارة وعملت حتى نالني هذا الأمر، ولا ينسب ذلك الفضل لله، بل ظن نفسه: أنا الذي تعبت عليه.
- المال فتنة: كم من إنسان تعب أكثر مما تعبتَ ولم يعطه الله جل وعلا! فلا تظنن أن المال إنما اكتسبته أنت، بل الله جل وعلا أعطاك ذلك المال فتنة، إن شكرته فأنت الرابح، وإن كفرت فإنك أنت الخاسر.
- وكما قلنا: هذا إنما يكون شركًا أكبر إذا اعتقد نسبة الفعل لغير الله، ويكون شركًا أصغر ومنافيًا لكمال التوحيد إذا ذكر نفسه ونسي ربه. وهذا من الشرك في الأقوال.
ثم ذكر قصة الأعمى والأقرع والأبرص.
-
- الذي ينبغي أن نعلمه منها: أن الأول والثاني (الأقرع والأبرص) لم ينسبا الفضل إلى الله جل وعلا، بل قال كل واحد منهما: إنما هذا لي وهو مني.
- أما الرجل الأعمى (الصالح)، فلما أتاه الملك في صورته (فقيرًا) وقال له: “رجل مسكين وابن سبيل، انقطعت بي الحبال في سفري، فلا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك“. انظروا كيف تأدب ذلك الملك (عليه السلام) في ذلك الكلام؛ فقد تأدب ولم يقل: “إلا بك”، بل قال: “إلا بالله ثم بك”. وهذا يبين لك أن الإنسان ينبغي أن يحذر فيما يقول، وأن التوحيد ينبغي أن يلاصق العبد في كل قول وكل عمل وكل نية.
- استدلال الأعمى بالنعمة: قال (الأعمى): “أسألك بالذي رد عليك بصرك شاة أتبلغ بها في سفري”. فقال: “قد كنت أعمى فرد الله إليّ بصري”. انظر، فنسب ذلك الفضل إلى الله جل وعلا، ثم قال: “فخذ ما شئت ودع ما شئت، فوالله لا أجهدك اليوم بشيء أخذته لله”.
- النتيجة: فقال الملك: “أمسك مالك، فإنما ابتُليتم، فقد رضي الله عنك وسخط على صاحبيك”. أخرجاه البخاري ومسلم.
- الأقرع والأبرص لم ينسبا الفضل إلى الله جل وعلا، بل قال الأبرص لما قيل له: “أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن والجلد الحسن والمال بعيرًا أتبلغ به في سفري”، فقال: “الحقوق كثيرة”. أي لم يرد أن يصرف تلك النعمة في الصدقة وفي الخير، بل امتنع.
- ولما قال له الملك: “ألم يُعطكَه الله جل وعلا؟” قال: “إنما ورثت هذا المال كابرًا عن كابر”. ولم يقل: رزقني الله جل وعلا هذا الأمر، بل نسبه لآبائه.
- أما الأعمى (الرجل الصالح): فقد قال: “إن هذا المال من عند الله”، ثم قال: “وأنا لن أمنعك اليوم شيئًا”. فهذا كما أن الله جل وعلا أعطاني هذا المال مِنةً ورحمةً وتكرمًا وفضلاً، فأنا أصرفه اليوم في طاعة الله جل وعلا.
- الجزاء: فماذا كانت النتيجة؟ ذهب مال الأول والثاني ورجعا كما كانا، وهذا الرجل رضي الله جل وعلا عنه وسخط على صاحبيه.
- الخلاصة: ينبغي للعبد أن ينسب كل نعمة إلى الله جل وعلا. قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾.
حق النعمة ثلاثة أمور:
- أن تعترف أن تلك النعمة هي من الله، وهي محض تكرم منه عليك.
- ألا تمنع الفقير ولا تمنع السائل؛ لأن الذي أعطاك قادر على أن يمنعك.
- أن تكون متفضلاً على خلق الله؛ فـ “ما من يوم إلا ويصبح ملكان ويقولان: اللهم أعطِ مُنفقًا خَلَفًا، وأعطِ ممسكًا تلفًا”.
باب قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا ۚ فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
-
-
- هذا الباب فيه بيان أن الأسماء لا ينبغي أن تُعبَّد إلا لله؛ لأن الله جل وعلا هو الذي مَنَّ عليك بذلك الولد، وهو رب كل شيء.
- تعبيد الأسماء: هو من جنس أبواب تغيير الأسماء احترامًا لذات الله جل وعلا ومراقبة، واستكمالًا لحق الله جل وعلا في أنه لا ينبغي أن تُعبَّد الأسماء إلا له سبحانه وتعالى.
- قال ابن حزم رحمه الله تعالى: “اتفقوا على تحريم كل اسم مُعَبَّد لغير الله، كـ عبد عُمر وعبد الكعبة وما أشبه ذلك، حاشا عبد المطلب”. (استثنى عبد المطلب لأن فيه خلافًا بين أهل العلم؛ حيث أن بعض الصحابة تسمى بهذا الاسم).
- سبب التسمية بعبد المطلب: قال بعضهم: عبد المطلب هنا ليس تعبيدًا لغير الله، وإنما سُمي عبدًا للمطلب لأنه كان وراءه على دابته، فلما رآه الناس ظنوه عبدًا من عبيده. فـالعبودية ليست عبودية التعبيد من جهة الأسماء، وإنما سموه “عبدًا للمطلب” لأنهم ظنوه رقيقًا وغلامًا له. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب».
- حكم التسمية الآن: العلماء يقولون: أما الآن فلا ينبغي أن تُعبَّد الأسماء إلا لله جل وعلا. فلا يستقيم أن تسمي ابنك عبد المطلب الآن، ولا عبد الحسين، ولا عبد النبي، ولا غير ذلك. فالأسماء كما نقل ابن حزم هنا الإجماع على عدم تعبيد الأسماء لغير الله جل وعلا.
-
قال وعن ابن عباس في الآية (هذه الآية من سورة الأعراف): «فلما تغشاها آدم حملت، فآتاهما إبليس فقال: إني صاحبكما الذي أخرجتكما من الجنة، لتُطيعاني أو لأجعلن له قرن أي: حيوان كالغزال فيه قرون، فيخرج من بطنك فيشقه، ولأفعلن ولأفعلن، يخوفهما. سمّياه عبد الحارث. فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتًا. ثم حملت فآتاهما فقال مثل قوله، فأبيا أن يطيعاه، فخرج ميتًا. ثم حملت فآتاهما فذكَّر لهما، فأدركهما حب الولد، فسمّياه عبد الحارث. فذلك قوله جل وعلا: ﴿جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾». (رواه ابن أبي حاتم).
-
-
- اختلاف العلماء في صحة القصة: اختلف العلماء في صحة نسبة هذه القصة إلى آدم وحواء، والآية ليست على آدم وحواء إنما على الإنسان جملة أو على قوم من بني إسرائيل.
- رأي من جوّز القصة: قال أهل العلم: لو صحت القصة، فلا إشكال فيها، فلا يظنن إنسان أن آدم وحواء أشركا بالله جل وعلا، بل قال العلماء هنا كما قال قتادة: “شركاء في طاعته، ولم يكن في عبادته”.
- تسمية الولد بعبد الحارث على درجات:
- أن تسميه “عبدًا للحارث” على اعتقاد أنه حقيقة عبد له. وهذا كفر أكبر ناقل عن ملة الإسلام (وهو نادر).
- أن تسميه “عبدًا للحارث”، ولكن تعتقد أن الله خالق، وتسميه بهذه التسمية مع ملاحظتك للتسمية. فهذا شرك أصغر.
- أن تسميه “عبدًا للحارث” أو “عبدًا لغير ذلك من دون الله جل وعلا” مع عدم نظرك إلى الاسم أصلًا، وإنما فعل ذلك خوفًا على الابن. فآدم وحواء عليهما السلام لم يلتفتا إلى هذا الاسم أصلًا، إنما فعلا ذلك خوفًا على الولد.
- فيكون هذا معصية وصغيرة، كما وقع منهما عليهما السلام في الجنة؛ فقد أطاعا الشيطان. قال تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾. فآدم وحواء عصيا الله جل وعلا.
- تسمية “شِركة طاعة”: فيكون هنا آدم وحواء عليهما السلام ارتكبا معصية، وكل معصية هي إما طاعة لهوى أو طاعة للشيطان، ولهذا سميت هنا “شركة طاعة”.
- ولكن لعل القصة أصلًا لا تصح. وإذا لم تصح القصة فالحمد لله نحن في راحة عن هذا التأويل. ولو صحت، يُحمل على هذا الأمر. ولهذا حكى القاضي عياض اليحصبي الإجماع على أن الأنبياء لا يقع منهم الشرك بحال من الأحوال، بل حكى أكثر من هذا أن الشرك لا يقع منهم لا قبل الإسلام ولا بعد الإسلام، لكن الذي يقع من الأنبياء الصغائر فقط.
- قال بعدها: وله بسند صحيح عن مجاهد في قوله: ﴿لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا﴾ قال: “أشفق أن لا يكون إنسانًا”. وذُكر معناه عن الحسن وسعيد وغيرهما. وإذًا، آدم وحواء عليهما السلام خافا أن يخرج الولد ميتًا أو أن يخرج بشكل يكون فيه قرون، ففعل هذا الأمر وأطاع الشيطان. فيكون هذا من باب الطاعة أو من باب معصية، لكنها معصية صغيرة، وهما لم يعتقدا بطرفة عين بأن هذا الاسم إنما هو تعبيد لغير الله جل وعلا.
-
خلاصة هذا الباب: أن الإنسان إذا مَنَّ الله جل وعلا عليه بنعمة، فينبغي أن يصرفها في طاعة الله وفيما يرضي الله. فإن عصى الله جل وعلا، فإنه ما أدى النعمة حقها. ولهذا الله تعالى قال: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾. فهو عمل ولكنه شكر. كيف يكون العمل شكرًا؟ إذا صرفت ذلك الأمر فيما يرضي الله جل وعلا.
-
-
- ولا ينبغي للإنسان أن يسمي ابنه إلا باسم يرضاه الله جل وعلا. والأسماء ولله الحمد كثيرة، وخيرها “عبد الله وعبد الرحمن”، وأصدقها “الحارث والهمام”. (أما حديث: “أحب الأسماء إلى الله ما عُبِّد وما حُمِد” فهذا حديث موضوع لا أصل له).
-
نكتفي بهذا القدر، والله جل وعلا أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.