الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إذًا، وصلنا إلى الباب الرابع والخمسين من كتاب التوحيد، وهو باب: “لا يُردُّ مَن سأل بالله”.
- موضوع البابين (54 و 55): هذا الباب والذي بعده هو في تعظيم أسماء الله جل وعلا وتعظيم صفاته؛ لأن توحيد العبد لا يقوم إلا إذا وحَّد الله في ربوبيته وإلهيته وأسمائه وصفاته.
- الباب الأول (54): خاص بالمسؤول (الذي يُسأل بالله).
- الباب الثاني (55): خاص بالسائل (الذي يسأل بوجه الله).
الباب الرابع والخمسون: لا يُردُّ مَن سأل بالله
قال عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن سأل بالله فأعطوه، ومَن استعاذ بالله فأعيذوه، ومَن دعاكم فأجيبوه، ومَن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه». (رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح).
- «مَن سأل بالله فأعطوه»: هذا هو الشاهد من الحديث، وفيه إرشاد إلى عدم ردِّ مَن سأل بالله، تعظيمًا لله جل وعلا.
- تفصيل أهل العلم في الإجابة:
- التعيُّن والوجوب: إذا سألك في أمر تقدر عليه، وهو محتاج إليه، وسأل بالله، فهنا يتعين ويجب عليك أن تجيبه.
- الاستحباب: أن تكون في جماعة وهو يسأل الكل، ولم يتوجه إليك أنت بالذات بالسؤال. فهذا قال أهل العلم: يُستحب أن يُجاب ولا يجب.
- المنع: أن يسألك بالله وهو كذاب، أو سارق، أو يستعمل السؤال فيما لا يرضي الله. فهذا لا ينبغي أن يُجاب ولو سأل بالله؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
- تفصيل أهل العلم في الإجابة:
- «ومَن استعاذ بالله فأعيذوه»: فلو قال إنسان: “أستعيذ بالله منك”، أو “أستعيذ بالله أن تفعل كذا”، فهذا ينبغي أن يُعاذ؛ فإن الذي يستعيذ بالله قد استعاذ بعظيم. كقصة المرأة التي تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: “أعوذ بالله منك”، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد عذتِ بعظيم»، فطلقها.
- «ومَن دعاكم فأجيبوه»: فينبغي للعبد أن يجيب دعوة من دعاه.
- «ومَن صنع إليكم معروفًا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه»:
- المكافأة: ينبغي لك أن تكافئ الذي أسدى إليك معروفًا.
- الدعاء: فإن لم تجد ما تكافئه به، فادع الله له، كأن تقول: “جزاك الله خيرًا”، وأن تدعو له بظهر الغيب حتى ترى أنك قد أديت حقه.
- الحكمة من المكافأة والدعاء: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: شرع النبي صلى الله عليه وسلم الدعاء والمكافأة حتى تقطع أي تعلق بين قلبك وبين ذلك العبد الآخر، وتبقى المنة لله جل وعلا وحده عليك.
- الفرق بين الحاجة للخالق والمخلوق: الله جل وعلا كلما احتجت إليه كنت عنده أعزّ، أما العبد فكلما احتجت إليه كنت عنده أذلّ. ولهذا:
- “الله يغضب إن تركت سؤاله”؛ لأن الله يحب أن يدعوه عبده ليَمُنَّ عليه.
- “وبني آدم حين يُسأل يغضب”.
- «واحتج إلى من شئت تكن أسيره». أما الله جل وعلا فكلما ذللت وخضعت واحتجت إليه، زاد قدرك عنده.
الباب الخامس والخمسون: لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة
- هدف الباب: هذا الباب موجه إلى السائل. وكأن الشيخ يريد أن يقول: يا من تسأل بالله، لا ينبغي لك أن تستعمل السؤال بالله إلا في أعظم شيء وهو الجنة؛ لأن العبد ينبغي أن يكون عالي الهمة، ولا يسأل بأعظم شيء (وهو الله جل وعلا وأسماؤه) إلا أعظم مطلوب، وهو الجنة ورضوان الله جل وعلا.
قال عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة». (رواه أبو داود).
- الخلاصة: فلا تسأل بوجه الله جل وعلا إلا غاية المطالب وهي الجنة. فتقول: “اللهم إني أسألك بوجهك، وبفضلك، وبمنتك، وبرحمتك أن تعطيني الجنة”، فيتوسل لله جل وعلا بأسمائه وصفاته.
الباب السادس والخمسون: باب ما جاء في “لو”
- مناسبة الباب للتوحيد: سبَب ذِكر هذا الباب هو أن “لو” سيأتي معنا في بعض استعمالاتها فيها نوع من التسخط والتضجر على قضاء الله وقدره، وهذا أمر ينافي توحيد العبد.
- حكم “لو”: الشيخ لم يقل: “باب من الشرك قول لو”، بل قال: “باب ما جاء في لو”، فيمكن أن تُستعمل في الحق كما يمكن أن تُستعمل في الباطل.
أولًا: استعمال “لو” المذموم (الباطل):
- مقالة المنافقين: كقول الله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾. وقوله: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾.
- هذه مقالة المنافقين، فهم تسخطوا على قضاء الله جل وعلا وقدره، واستدراكًا على الشارع.
- دليل النهي: قال في الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تَعجِزنَّ، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن “لو” تفتح عمل الشيطان». (رواه مسلم).
- المذموم: أن تكون “لو” على وجه التذمر والتسخط وعدم الرضا على قدر الله جل وعلا، وهذا هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإن لو تفتح عمل الشيطان».
- مثال: أن يقول المصاب: “لو أني لم أخرج لما أصابتني السيارة”، فهذه أمور قدَّرها الله.
ثانيًا: استعمال “لو” المحمود (الحق):
- المحمود: أن تكون “لو” على سبيل تمنِّي الخير في المستقبل.
- مثال: أن تقول: “لو أن الله رزقني بأموال لتصدقتُ واعتمرتُ واشتريتُ كُتب العلم”، أو “لو أن الله رزقني بابن لعلَّمته القرآن”، أو “لو أن الله منَّ عليَّ بسيارة لأجعلنها في سبيل الله”.
- الخلاصة: حكم “لو” ليس عامًا، إنما هي بحسب استعمال العبد. فإن استعملها على إرادة التسخط والاستدراك على القدر، فهي باطل. وإن استعملها على إرادة الخير المستقبلي، فهذا لا إشكال فيه.
الباب السابع والخمسون: النهي عن سب الريح
- مناسبة الباب للتوحيد: هذا الباب هو من جنس باب ما جاء في سب الدهر.
- حكم سب الريح:
- إذا ظن أن الريح تتصرف بنفسها من دون الله جل وعلا: فهذا كفر أكبر.
- إذا ظن أن الريح سبب وسبَّها، ونسي أنها إنما هي مخلوق يصرفه الله جل وعلا: فإنما يكون شركًا أصغر منافٍ لكمال التوحيد.
- علة النهي: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الريح»؛ لأن سب الريح عائد إلى سب الذي سخرها وهو الله. والريح مأمورة، والله لا يقع في ملكه شيء إلا لحكمة بالغة.
قال عن أبيّ بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا الريح، فإذا رأيتم ما تكرهون فقولوا: اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح، وخير ما فيها، وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شر هذه الريح، وشر ما فيها، وشر ما أمرت به». (صححه الترمذي).
- الدعاء: فيه بيان أنها مأمورة. ففيها فضائل (كإرسال الرياح لواقح، ونقل السفن، وتغيير الروائح الكريهة). فإذا رأيت ما تكره فقل هذا الدعاء العظيم الذي هو محض العبودية والتسليم لله.
- الخلاصة: اعلم أن المتصرف في الكون هو الله، وما تراه إنما هو مخلوق. إذا أردت أن تذم شيئًا، فاحذر ألّا تذم مخلوقًا مأمورًا كالريح والدهر، فيعود ذلك إلى الذي خلقه وهو الله سبحانه وتعالى.
نسأل الله جل وعلا أن يطهِّر قلوبنا، وأن يلهمنا رُشدنا، وأن يجعلنا ممن إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.