الدرس 20 من شرح مختصر لكتاب التوحيد (عبر الهاتف 1433هـ) – الصغير بن عمار

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

​إذًا، وصلنا عند الأبواب الأخيرة من هذا الكتاب العظيم، كتاب التوحيد. ووصلنا إلى الباب الثامن والخمسين، وهو باب: قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ إلى آخر الآية.

مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد هي أن ظن السوء هو من أعمال الجاهلية، وقد يكون هذا الظن كفرًا أكبر وقد يكون كفرًا أصغر، وبالتالي فهو منافٍ إما لكمال التوحيد أو لأصل التوحيد. وهذا العمل ليس عمل المؤمنين، بل هو عمل المنافقين. فلما كان هذا العمل بهذا الخطر، وأن ضده وهو حسن الظن بالله من الإيمان والتوحيد، ناسب أن يذكر الشيخ رحمه الله تعالى هذا الباب في كتاب التوحيد.

​إذًا قال: باب قول الله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الْأَمْرِ مِن شَيْءٍ ۗ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ۗ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبْدُونَ لَكَ ۖ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ۗ قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ۖ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.

​هذه الآية هي في المنافقين الذين أرجفوا وتكلموا في غزوة أحد، واعترضوا على قضاء الله جل وعلا، وظنوا بالله ظن السوء. وظن السوء الذي كان عليه هؤلاء القوم هو الذي ذكره الله تعالى في قوله: ﴿الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ ۚ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾.

​والشيخ محمد بن عبد الوهاب ذكر كلام ابن القيم رحمه الله تعالى وهو من “زاد المعاد”، وكلامه في الحقيقة يغني عن كل تعليق. ولهذا سنقرأ بعضه أو نقرأه كله ثم نعلق عليه إن شاء الله تعالى، وهو كافٍ في إفهام هذا الباب العظيم.

​قال ابن القيم رحمه الله تعالى في الآية الأولى (يعني آية آل عمران): “فُسِّر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل”.

​إذًا ظن السوء فُسِّر بثلاثة أمور سيذكرها ابن القيم في كلامه:

  1. الأمر الأول: أن المنافقين ظنوا أن الله تعالى لا ينصر رسوله ولم ينصر المؤمنين. وهذا من أعظم ظن السوء، فإن الله جل وعلا جعل من دلائل النبوة –سبحانه وتعالى– جعل من دلائل صدق أنبيائه نصرتهم. قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ في آيات كثيرة تبين أن الرسول والنبي لا بد أن ينتصر. ولهذا الكفار كانوا قد علموا هذا الأمر، ولهذا قالوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا: “لو كان هذا الرجل مُتقوِّلًا على الله ويكذب وهو ليس بنبي لسترون ماذا يفعل الله به”. وقد أشار الله تعالى إلى هذا في كتابه فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ﴾، أي قال الكفار: هذا شاعر، وإذا كان شاعرًا ويدعي أنه نبي لترون ما يفعل الله تعالى به؛ لأن الله تعالى ماذا قال في القرآن: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ (أي عِرْق القلب)، لأن الله تعالى لا يَدَع أحدًا يكذب عليه. ولهذا سنة الله جل وعلا أن كل من كذب على الله وادعى النبوة وظنّه وكذب على الناس بأنه يأتيه الوحي من السماء فإن الله جل وعلا يفضحه لا محالة، كما فضح سبحانه وتعالى مُسَيلمة الكذاب والأسود العنسي. وكل من ادَّعى النبوة فإن الله جل وعلا لا بد أن يفضحه. أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا زالت الأيام تُظهر صدقه يومًا بعد يوم، حتى أنه لما رأى الكفار في آخر حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم رأوا أن الله جل وعلا قد نصره وقد حفظه وقد بارك له في كل شيء، دخل الكفار في دين الله أفواجًا. قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾. فلما رأى الكفار هذا الأمر علموا أن هذا الرجل صادق. ولهذا قال أبو سفيان رضي الله عنه قبل أن يُسلم: “والله لقد نصرك ربك يا محمد، ولقد خذلتنا آلهتنا يا محمد”. ولهذا الله تعالى ماذا قال في سورة الأعراف قال: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ۖ قَالُوا نَعَمْ ۚ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾. فالكفار وجدوا ما وعدهم ربهم من العذاب، والمؤمنون وجدوا ما وعدهم ربهم من النعيم. فمن ظن أن الله تعالى لا ينصر أولياءه فقد ظن بالله ظن السوء. وهذا الأمر الأول.
  2. ​قال ابن القيم: “وأن لا يُظهره على الدين كله”. وهذا هو ظن السوء الذي ظن المنافقون والمشركون في سورة الفتح.

​إذًا ظن السوء يدور على ثلاثة أمور:

  • الأمر الأول: أنهم يظنون أن الله تعالى لن ينصر رسوله ولن ينصر أولياءه. وهذا غلط، فإنك مهما رأيت من إدالة الكفار على المسلمين، فإن العاقبة للتقوى. قال تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَىٰ﴾. المؤمن لا بد أن ينتصر، لكن اعلم أن النصر مع الصبر، وأن بعد العسر يسر. فمن صبر فله النصر، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال للصحابة قال: “إنما النصر صبر ساعة”. تصبر ساعة فإن النصر من عند الله جل وعلا؛ لأن الله تعالى إذا رضي فأبشر بالخير في الدنيا والآخرة. هذا ظن السوء الأول.
  1. الظن السوء الثاني: أنهم قالوا: ما وقع لم يكن بقدر الله. وإنكار القدر كفر أكبر كما سيأتي في الباب القادم إن شاء الله تعالى.
  2. الأمر الآخر: أنكروا حكمة الله وأن هذا القتل الذي وقع فيه الصحابة وهذه الهزيمة في معركة أحد هي ليست بحكمة. والله جل وعلا قال في كتابه العزيز قال: ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾. فلا يقع شيء إلا بحكمة الله جل وعلا. والله تعالى قال: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّىٰ هَذَا ۖ قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾.

​ولهذا قال ابن القيم رحمه الله تعالى أيضًا في “زاد المعاد” لما ذكر الحكمة من هزيمة الصحابة في غزوة أُحد قال:

  • ​أن الله جل وعلا كما قال تعالى: ﴿وَلِيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ﴾. لو أن المسلمين دائمًا ينتصرون ما اتخذ الله جل وعلا منهم شهداء، ولهذا مات في غزوة أحد سبعون من الصحابة رضي الله عنهم.
  • الأمر الآخر: أن أراد الله جل وعلا أن يبين لهم عاقبة الذنب؛ لأنهم عصوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر، لأنهم أمرهم أن لا ينزلوا من الجبل، لكنهم لما خالفوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر واحد جاءت الهزيمة. وهذا فيه درس للأمة أن اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الخير كله، وأن المحيدَة عن صراط رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم والطريق الذي رضي الله جل وعلا لنا إنما هو سبب الخسارة في الدنيا والآخرة.
  • الأمر الثالث: أن لو كان دائمًا نصر ودائمًا نصر سيدخل المنافقون في صف المسلمين، لكن لما تأتي الهزيمة يظهر الصادق من الكاذب. ولهذا المنافقون من أول رجَّة خرجوا، فأظهر الله جل وعلا حقيقة أمرهم. وإن كان تأثر منهم من تأثر من فضلاء الصحابة، لكن الذين تولوا والذين قالوا هذا الكلام هم المنافقون، أما المؤمنون لم يقولوا هذا الكلام، وإن وقع من بعضهم الخطأ الخطأ، لكن الله جل وعلا أراد أن يبين أن العاقبة للتقوى، لكنه لا بد من الثبات على الدين، وأن الذنوب عاقبتها وخيمة.
  • الأمر الآخر: أنه لا بد من تمييز، قال تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. فلا بد من تمييز الصادق من الكاذب.
  • والأمر الآخر: أن الله جل وعلا أراد أن يموت من الصحابة من مات، ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ في آيات أُخر. فالله جل وعلا بيّن منزلة الشهداء العظيمة، وبهذه الخسارة التي وقعت في الصحابة اتخذ الله جل وعلا منهم شهداء.

​ثم أكمل ابن القيم رحمه الله تعالى كلامه لكن مداره كما قلت على الذي ذكرت لك. ثم قال في آخرها ابن القيم قال: “ولو فتَّشتَ من فتَّشتَ لرأيتَ عنده تعنتًا على القدر ومَلَامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر. وفتش نفسك هل أنت سالم؟ فإن تنجُ منها تنجُ من ذي عظيمة، وإلا فإني لا أخالكَ ناجيًا”. وصدق رحمه الله تعالى.

​فالواحد منا إذا سمع هذا الكلام وهذه العقيدة التي كان عليها المنافقون ظن أنه بعيد عنها، ونحن والله لا ندري فساد قلوبنا. ولهذا ابن القيم قال: “ابحث عن هذا الأمر، فإن وجدت في قلبك تعنتًا في القدر فتب إلى الله”. فنحن ربما وقع علينا الأمر فنقول: “لو أننا فعلنا كذا ما كان كذا”، و”لماذا وقع لي أنا كذا؟”، و”لماذا وقع كذا؟” وننسى قدر الله وننسى حكمة الله، وننسى أن الله جل وعلا يبتلي العبد بالطاعة وعفوًا يبتليه بالخير والشر. قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾. فينبغي للعبد أنه يبحث عن فساد قلبه.

​ولهذا قال ابن القيم قال: “فإن وجدت القلب سالمًا فأنت الرابح، فإن تنجُ من هذا الأمر فقد نجوت من عظيم، وإلا فإنك هالك، وإلا فإني لا أخالك ناجيًا”. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كان في خطبه يقول: “ونعوذ بالله من شرور أنفسنا”. فالنفس لها شرور. ولهذا يقول ابن القيم في “النونية” يقول: “واحذر كِماعَ نفسك التي ما أُخرِجتْ… عليكَ كُسِرتْ كَسْرَ مُهَانِ”. فينبغي للعبد أن يتعاهد قلبه وأن يطهره من فساد الشهوة ومن فساد الشبهة.

​قال جماعة من الأئمة منهم شيخ الإسلام: “بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين”. وقال ابن القيم: “بالصبر تُستدفع الشهوات، وباليقين تُستدفع الشبهات”. ومن سلم من الشهوات والشبهات فهو صاحب القلب السليم الذي مآله الجنة. نسأل الله تعالى أن يطهر فساد قلوبنا، وأن يعظم التوحيد في قلوبنا، وأن يتوفانا وهو راض عنا سبحانه وتعالى.

​فيكون هذا الباب في هذا الأمر، وهو ظن السوء بالله جل وعلا، يكون على إما أن يظن العبد أن الله لا ينصر المؤمنين، أو يظن أن أفعال الله تعالى لا تصدر عن حكمة، أو يظن أن هذا ليس بقدر الله. فالعبد ينبغي أن يطهر قلبه من هذا الأمر.

​وكان من المناسب أن يتكلم على القدر، فأتبع الشيخ رحمه الله تعالى الباب الذي مرَّ معنا بباب بعده، وهو في غاية الحُسن في التصنيف وفي براعة المؤلف في التأليف رحمه الله تعالى فقال:

​📜 باب ما جاء في منكر القدر

​ولم يقل الشيخ: “باب أن إنكار القدر كفر أو شرك”؛ لأن الأمر مُحتَمَل كما سيأتي معنا. فبعض مراتب القدر إذا أُنكرت فهي كفر، وبعضها إذا أنكرت ليس بكفر وإن كان شركًا أصغر منقصًا لكمال التوحيد ومُذهبًا لكمال التوحيد. ولهذا أَبْهَمَ الشيخ الترجمة، وسيأتي معنا التفصيل إن شاء الله تعالى.

​ومناسبة هذا الباب ظاهرة في أن القدر من أركان الإيمان الستة، ولا يصح إيمان العبد حتى يؤمن بالقدر. والقدر قدرة الله كما قال ابن عمر. فالذي لا يؤمن بالقدر قدح في ربوبية الله جل وعلا. وإن كان الإيمان بالقدر كما نبه على هذا أهل العلم داخلًا في الربوبية وداخلًا في الألوهية وداخلًا في الأسماء والصفات، فكان ذكره في كتاب التوحيد مناسبًا لكل الكتاب.

​قال ابن عمر رضي الله عنهما: “والذي نفس ابن عمر بيده لو كان لأحدهم مثل أُحد ذهبًا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر”. ثم استدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره” (رواه مسلم).

​هذا الحديث هو حديث جبريل المشهور. وأوله قصة ابن عمر فقد جاء رجلان إلى ابن عمر رضي الله عنهما فسألاه، قال له: “لقد ظهر عندنا (لما ظهر غيلان الدمشقي بمقالة القدر) قال: فقد ظهر عندنا قوم يقرؤون القرآن ويتقفّرون العلم (أي يدرسون العلم ويتطفلون عليه، لكنهم ليسوا من أهله) يزعمون أن لا قدر وأن الأمر أُنُف”. فهم أنكروا القدر وأنكروا علم الله الأزلي بالحوادث، فهم قد أنكروا مرتبة العلم. فقال ابن عمر: “الذي ينكر القدر وينكر علم الله جل وعلا كافر”. فالذي لا يُقبل منه مهما أنفق هو الكافر؛ لأن الكفر الأكبر مُحبِط لكل الأعمال. ثم استدل بالحديث الذي حدثه به أبوه عمر رضي الله عنه، وهو الذي ذكر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم مراتب الإيمان الست، ومنها الإيمان بالقدر خيره وشره. فلا يستقيم إيمان العبد حتى يؤمن بالقدر. وسيأتي معنا خلاصة مسائل القدر في نهاية الباب إن شاء الله تعالى.

​قال: “وعن عبادة بن الصامت أنه قال لابنه: يا بني، إنك لن تجد طعم الإيمان حتى تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب. فقال: ربي وماذا أكتب؟ قال: اكتب مقادير كل شيء حتى تقوم الساعة. يا بني، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من مات على غير هذا فليس مني”.

​وفي رواية لأحمد: “إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: أكتب. فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة”.

​وفي رواية لابن وهب قال: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فمن لم يؤمن بالقدر خيره وشره أحرقه الله بالنار”.

​إذًا هذا الأثر العظيم عن عبادة بن الصامت وما فيه من روايات فيه مسائل عظيمة:

  • الأمر الأول: أن العبد إذا لم يؤمن بالقدر فإن حياته كلها كَدَر؛ لأنه قال: “لن تجد طعم الإيمان”. لأن من آمن بالقدر عاش مطمئنًا في قلبه، فإن عمل طاعة علم أنها بتوفيق الله جل وعلا فأثنى عليه وازداد طاعة، وإن عمل معصية علم أنها بسبب ذنوبه واجتهد في التوبة، وإن أصابته مصيبة علم أنها من عند الله جل وعلا ليرفع بها قدره أو لينبهه على نقص فيه، فصبر وسلّم. ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾. مرَّ معنا هذا في باب الصبر فماذا قال عَلْقَمَة رضي الله عنه ورحمه؟ قال: “هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيصبر ويسلِّم”. فلما سلّم أنزل الله تعالى على قلبه بَرْدَ اليقين من إحسانه. فإن الصبر وإن كان مُرَّ المذاق، لكن عواقبه أحلى من العسل، كما قال الشاعر: “والصبر مثل اسمه مرُّ المذاقة… لكن عواقبه أحلى من العسل”. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: “ومن يتصبر يُصَبِّرْهُ الله”. ولهذا مما يعينك على الصبر تعلم أن: “ما أصابك ما كان ليخطئك، وما أخطأك ما كان ليصيبك”؛ لأن الأمر كله بقدر الله. والقدر قدرة الله القدير القادر سبحانه وتعالى المقدر.
  • ​قال: “وإن أول ما خلق الله القلم ثم قال له: أكتب”. فهذا فيه بيان مرحلة الكتابة. وسيأتي معنا إن شاء الله تعالى بيان مراتب القدر.
  • ​والشاهد هنا أنه قال: “من مات على غير هذا فليس مني”. وقول النبي صلى الله عليه وسلم “فليس مني” يدل على أن الأمر خطير، وأن هذا من الكبائر، وربما وصل بالعبد إلى الكفر كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

​والقدر كما قال السلف: “من لم يؤمن بالقدر خاب عيشه وطال طَيْشه”؛ لأن الذي لم يستقر الإيمان بالقدر خيره وشره في قلبه، فإنه معذَّب بكل شيء. أما المؤمن فمهما أصابته المصيبة فإن قلبه راض بقدر الله جل وعلا وبفعله في الطاعة. أما في المعصية فيلوم نفسه ويجتهد. وأما إذا جاءت المصيبة من عند الله فإما أن يصبر، وإما أن يرضى وهو أعلى درجة، وإما أن يشكر وهذه درجة أولياء الله المتقدمين في مراتب الإيمان ومنازل السير إلى الله جل وعلا. ولهذا الذي لا يؤمن بالقدر فإن عيشه كله عذاب، والذي آمن بالقدر وسلّم لله جل وعلا فإن اليقين يملأ قلبه. أسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا بهذا اليقين العظيم. ولهذا قال: “أن من لم يؤمن بالقدر أحرقه الله بالنار”. وهذا وعيد شديد يبين خطر هذه المسألة.

​قال: “وفي المسند والسنن عن ابن الديلمي قال: أتيت أُبيّ بن كعب فقلت: في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء لعل الله يذهبه من قلبي. فقال: لو أنفقت مثل أُحد ذهبًا ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مِتَّ على غير هذا لكنت من أهل النار. قال: فأتيت عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت فكلهم حدثني بمثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم” (حديث صحيح رواه الحاكم في صحيحه).

​وهذا الحديث كالذي قبله يبين لك رسوخ الصحابة في الدين والإيمان، ورسوخ الصحابة في العقيدة وفي إيمانهم بالله جل وعلا وبهذه الأركان. فكلهم يقول نفس الأمر؛ لأنهم تربوا على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا من أعظم ما ينبغي أن يعلمه الصبيان قبل أن يكبروا، وهو إعظام الله جل وعلا في القلب وإعظام عقيدة الإيمان بقضاء الله وقدره في القلب؛ لأن هذه بإذن الله تعالى تُربي رجالًا يصبرون على ما يأتيهم في هذه الحياة الدنيا.

​ثم نختم هذا الباب بذكر مراتب القدر التي هي محلها والبحث فيها في كتب العقائد التفصيلية، لكن باختصار مراتب القدر أربعة:

  1. المرتبة الأولى: وهي علم الله جل وعلا الأزلي، وأن الله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وكل ما يقع فهو بعلم الله.
  2. الأمر الثاني: كتابة الله، كما مر في حديث عبادة بن الصامت أن كل شيء موجود إلى قيام الساعة فقد كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة.
  3. الأمر الثالث: أن كل ما يقع فهو بمشيئة الله، طاعة الطائعين ومعصية العاصين. أما طاعة الطائعين فقد شاءها الله وأحبها، وأما معصية العاصين فقد شاءها الله كونًا وأبغضها وكرهها وسخط عليها شرعًا.
  4. الأمر الرابع: وهو خلق الله جل وعلا، فلا يقع الفعل إلا وهو قد خلقه الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾.

​فما معنى هذه المراتب الأربعة؟ أن الأمر إذا وقع، مثلًا درسنا اليوم، هذا علمه الله أزلًا. ثانيًا: هو مكتوب في اللوح المحفوظ. ثالثًا: لو لم يشأ الله أن يقوم الدرس لما قام. رابعًا: إذا قُمنا به فاعلم أن الله قد خلقه؛ لأن كل ما يقع في كون الله جل وعلا من هذه الحوادث فإن الله جل وعلا شاءها وخلقها.

  • الذي يُنكر مرتبة العلم ومرتبة الكتابة فقد كَفَرَ. وعلى هذا السلف. ولهذا قال السلف: “ناظروا القدرية بالعلم، فإنهم أقروا به خُصِموا، وإنهم أنكروه كَفَروا”. ولهذا وفي هذا قُلْتُ: “بالعلم ناظِرْ من أنكَر القدر… يكفر إن جَحَد وينجو إن أَقَر”.
  • المرتبتان الأخيرتان هما مرتبة المشيئة والخلق. وهاتان المرتبتان أنكرتهما المعتزلة والأشاعرة في تفصيلات لهم، وغير ذلك من طوائف أهل البدع ومن المتكلمين. وأهل السنة لم يُكفِّروهم. ولذلك أهل العلم يقولون: “من أنكر العلم والكتابة كَفَر، ومن أنكر المشيئة والخلق عن جاهل أو عن تأوُّل أو لقوة شُبَه فهذا لم يَكْفُر”؛ لأن السلف لم يكفروا المعتزلة بإطلاق.

​فهنا تفهم التفصيل في المسألة وأن بعض مراتب القدر إنكارها منافٍ لأصل التوحيد، وبعضها منافٍ لكمال التوحيد.

​نُكمل في الدرس المقبل بقية الأبواب. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *