الدرس 21 من شرح مختصر لكتاب التوحيد (عبر الهاتف 1433هـ) – الصغير بن عمار

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

​إذًا، وصلنا إلى الباب الستين من كتاب التوحيد، وهو باب ما جاء في المصورين.

  • مناسبة الباب لكتاب التوحيد: التصوير قد يكون وسيلة للشرك، وقد يكون شركًا أكبر، وقد يكون دون ذلك. فلما كان في التصوير منافاة لكمال التوحيد أو لأصل التوحيد، وبعضه جائز، ذكره الشيخ رحمه الله تعالى من هذا الوجه.
  • التصوير منشأ الشرك: أصله لأنه فيه هو أصل، كما قال بعض العلماء – وهو ابن القاسم العاصمي رحمه الله تعالى في حاشية كتاب التوحيد -: «التصوير هو منشأ الشرك، فإن قوم نوح إنما ظهر فيهم الشرك بسبب التصوير». ولهذا يقول العلماء: الشرك نوعان (من حيث الأقوام). قالوا: شرك قوم نوح وكان بالتصوير وبعبادة الصالحين، وشرك قوم إبراهيم عليه السلام وكان بعبادة الكواكب. فيكون الشرك على هذين النوعين. ولما كانت الصور وسيلة للشرك، ذكره الشيخ رحمه الله تعالى.

أحاديث الباب وأحكام التصوير

  • ​وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قال الله تعالى: ومَن أظلمُ ممَّن ذهب يخلُقُ كخَلْقي، فليخلُقوا ذرةً، أو ليخلقوا حبةً، أو ليخلقوا شعيرةً». (أخرجه).
    • التحدي: فالله جل وعلا ذكر أن أظلم الناس هو من ذهب يخلق كخلق الله. فالمصوِّر يُعتبر خالقًا من جهة الصورة، وإن كان الفرق بين المخلوق والخالق أن الله جل وعلا إذا خلق، يخلق من عدم، أما المخلوق فإنما هو يُحوِّل الشيء من شيء إلى شيء. فلما كان في ظاهر الفعل مشابهة لخلق الله، قال تعالى: ﴿ومَن أظلمُ﴾، يعني: لا أحد أظلم ممن ذهب يخلق كخلق الله، «فليخلقوا ذرة» (والذر هو صغار النمل)، «أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة». فمن لا يستطيع أن يخلق ذرة، ولا حبة، ولا شعيرة، فكيف يستطيع أن يخلق حيوانًا، فضلًا على أن يخلق إنسانًا، أو أن يخلق هذا الكون بأسره؟ فالإنسان عاجز. ولهذا، الله جل وعلا يوم القيامة يتحداهم، ولن يستطيعوا أن يفعلوا من هذا شيئًا. ومناسبة الحديث للترجمة واضحة؛ بأن الذي يُصوِّر (وسيأتي معنا إن شاء الله تعالى التفصيل) هو من أظلم الناس، وهذا على سبيل الذم والوعيد الشديد.
  • ​ولهما (أي البخاري ومسلم) عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أشدُّ الناس عذابًا يوم القيامة الذين يُضاهِئُون بخلق الله».
    • ​وهذا فيه أيضًا وعيد عظيم، في أن من صوَّر ليُضاهئ خلق الله جل وعلا، فهذا من أشد الناس عذابًا. ولهذا قال أهل العلم:
      1. ​من صوَّر صورة ليضاهئ بها خلق الله ويقول: “انظروا، خلقي مثل خلق الله”، فهذا كافر كفرًا أكبر ولا خلاف في ذلك.
      2. ​الأمر الثاني: من صوَّر الصورة لتُعبد من دون الله (سواء كان تصويرًا لِما له ظل وهو التمثيل، أو لِما ليس له ظل كالتصوير على الورق)، فمن صوَّر تمثالًا لِيُعبد من دون الله، فهذا أيضًا كفر بالاتفاق؛ لأنه موافق ومؤيد لهذا الذي يُعبد من دون الله.
      3. ​الأمر الثالث: الذي يُصوِّر شيئًا له روح، فهذا محرم، وهذا منافٍ لكمال التوحيد، وصاحبه ليس بكافر، لكنه معرض لهذا الوعيد الشديد.
    • ​ففي حديث عائشة، الكلام على الذين يُصوِّرون لمضاهاة خلق الله سبحانه وتعالى.
  • ​ولهما عن ابن عباس سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كلُّ مصوِّرٍ في النار، يُجعَلُ له بكل صورةٍ صوَّرَها نَفْسٌ يُعذَّبُ بها في جهنم».
  • ​ولهما عنه مرفوعًا: «مَن صوَّر صورةً في الدنيا كُلِّفَ أن ينفُخَ فيها الروح، وليس بنافخ».
    • ​فيوم القيامة عذابه شديد، قال: «أشدُّ الناس عذابًا هم». وقال أيضًا: «يُجعَلُ له بكل صورةٍ صوَّرَها نَفْسٌ يُعذَّبُ بها». فكل ما فعله في الدنيا يُعذَّب به في الآخرة، والجزاء من جنس العمل.
    • ​فيأتي يوم القيامة ويُكلَّف بأن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ. كما قال جل وعلا: ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ﴾ (خطأ في الاستدلال، والصحيح: قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا﴾، الآية في تحدي القرآن).
    • ​فنظير هذا التحدي بالقرآن، هو التحدي بنفخ الروح، فالله جل وعلا يقول له: “انفخ”، والحقيقة أنه ما هو بنافخ، ولو نفخ لن يُحييه؛ لأن إعطاء الروح وإعطاء الحياة وأخذ الحياة إنما هو بيد الحي القيوم سبحانه وتعالى.
  • ​ولمسلم عن أبي الهياج قال: قال لي علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ألا أبعثُك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ألا تدَعَ صورةً إلا طمَسْتَها، ولا قبرًا مُشرِفًا إلا سوَّيتَه».
    • ​هذا الحديث في صحيح مسلم حديث عظيم وأصل في هذا الباب في سد ذرائع الشرك، وأن علي بن أبي طالب بعثه على أمر بعثه عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهو ماذا؟ وهو أن لا تدع صورة إلا طمستها.
    • طمس الصورة: يكون كما قال ابن عباس: الصورة الرأس. فإذا طُمس الرأس فقد طُمست الصورة، فرأس الصورة هو الذي ينبغي أن يُطمس. فإذا طُمست كل الصورة فكان خيرًا على خير، وإن كنت مقتصرًا فأطمس فقط الرأس، وأنت بحمد الله طمست هذه الصورة.
    • «ولا قبرًا مشرفًا» أي: مرتفعًا «إلا سوَّيته» أي: سوَّيته بالأرض. لماذا؟ لأن المغالاة والبناء على القبور والمبالغة فيها، هذا من أسباب ومن وسائل الشرك. ولهذا هذه الشريعة جاءت بسد الذرائع، وقد مر معنا حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد، وسيأتي معنا حماية النبي صلى الله عليه وسلم حِمَى التوحيد.
    • ​فالنبي صلى الله عليه وسلم من رحمته بهذه الأمة أنه لم يحذرها من الشرك فحسب، بل أكثر حذرها مما قد يوصل العبد إلى الشرك.
  • خلاصة هذا الباب: التصوير منه شرك أكبر، ومنه شرك أصغر، ومنه ما هو محرم، ومنه ما هو مباح.
    • من الشرك الأكبر: أن تُصوِّر شيئًا لِيُعبد.
    • ومن الشرك الأكبر: أنه يُصوِّر من أجل مضاهاة خلق الله ليقول: “انظروا خلقي مثل خلق الله أو أحسن” عياذًا بالله.
    • ما دون ذلك (تصوير يدخل في المحرم): كأن يُصوِّر الإنسان ذوات الأرواح بلا حاجة.
      • الصور نوعان: صور ذوات الأرواح، وصور ما ليس بذوات الأرواح.
      • صور ذوات الأرواح هي كصورة الحيوان وصورة الإنسان. أما الشجر فلا يدخل في هذا، ولهذا جوَّز السلف على الصحيح تصوير الشجر والبحار، فهذه لا روح فيها، فهذه لا إشكال في تصويرها.
      • تصوير ذوات الأرواح هو الذي جاء عنه النهي، وهو الذي إذا صُوِّر ودخلت الملائكة بيتًا فيه صورة ذوات الأرواح، فإن الملائكة لا تدخل، فيكون هذا التصوير محرمًا ولكنه جائز للحاجة.
      • الصور الفوتوغرافية بالآلة: قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: “لا تدخل في التصوير”، لكنها محرمة إلا للحاجة، كالبطاقات وجوازات السفر وغير ذلك من الأمور التي لا غنى للعبد عنها، ونحن مُكرهون بذلك. وما سوى هذا، فالشيخ وغيره من أهل العلم يرون المنع.
      • صور الفيديو: ذهب طائفة من العلماء إلى أن صور الفيديو لا تدخل في هذا؛ لأن صورة الفيديو متحركة، وعلى هذا جماعة، وبعضهم يُحرم. والباب فيه أقوال لا يتسع المقام لذكرها. لكن اعلموا أن الصور فيها ما هو شرك أكبر، وفيها ما هو دون ذلك، وإن قُلت: “محرم”، فقد يكون شركًا أصغر من جهة أنه يكون سببًا في أن يُعبد غير الله، فبهذا يكون شركًا أصغر. ولهذا تكون الصور المحرمة قد تدخل في الشرك الأصغر.
    • ​وبهذا تفهمون مسألة الصور، وأنها من أعظم وسائل الشرك التي ظهرت في الأمم قبلنا، وربما ما زالت تفتن بعض الناس إلى هذا اليوم.

الباب الذي بعده هو باب ما جاء في كثرة الحلف

  • مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد: كثرة الحلف بالله تُضعِف تعظيم العبد لربه، فإن الحلف هو التأكيد على شيء بذكر مُعظَّم، باستعمال حرف من حروف القسم وهي الواو والباء والتاء.
  • تعريف القسم: القسم هو للتأكيد، ويُستعمل فيه ذكر مُعظَّم. ولهذا لا يُحلف إلا بالله أو بأسمائه أو بصفاته، وغير ذلك لا يُحلف. ومن حلف بغير الله فقد أشرك أو كفر، كما مر معنا في بابه.
  • ​فيكون كثرة الحلف بالله مما يُضعِف هيبة الله وعظمة الرب جل وعلا في القلب. فكثرة الحلف منافية لكمال التوحيد. فلما كانت كثرة الحلف مُضعِفة للتوحيد في القلب، ذكر الشيخ رحمه الله تعالى هذا الباب هنا. ولهذا هذا الكتاب (كتاب التوحيد) فيه ذكر الشيخ أمور هي من التوحيد، وذكر أمور هي ضد التوحيد. وهذه المضادة للتوحيد إما أن تكون مضادة كلية كعبادة غير الله، وإما أن تكون مضادة جزئية كهذا الباب وباب التمائم وغير ذلك مما ورد معنا في الشرك الأصغر.

الأمر بحفظ اليمين وكفارتها

  • ​قال بعدها: وقول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾. فالله جل وعلا أمرنا بحفظ اليمين. قال أهل العلم: حفظ اليمين يكون على ثلاثة أمور:
    1. حفظها قبل اليمين: أنك تحفظ يمينك ولا تحلف إلا عند الحاجة، وإلا فلا تحلف، فأنت تحفظها.
    2. حفظها أثناء اليمين: أنك إذا حلفت لا تحنث، وهذا حفظها أثناء اليمين.
    3. حفظها بعد اليمين: وهو أنك إذا حلفت وحنثت لا بد أن تُكفِّر.
  • ​قال تعالى: ﴿فَكفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ۖ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ۚ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ۚ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾.
  • ​فهذه الآية بيَّن الله جل وعلا فيها كفارة اليمين، إما الإطعام والكسوة (وأنت مخير بين الإطعام والكسوة أو إعتاق الرقبة)، فإن لم تستطع فصم ثلاثة أيام، واختلف العلماء هل هي متتابعة أم لا؟ والأحوط أن تكون متتابعة. إذن، هذه حفظ اليمين على ثلاث درجات.
  • الحنث للخير: هل يستطيع الإنسان أن يحنث أحيانًا؟ الجواب: نعم. ولهذا جاء في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله، أو إني لا أحلف على يمين، ثم أرى الخير في غيرها، إلَّا حنثت وكفَّرت عن يميني».
  • ​فلو أنك مثلًا حلفت أن لا تزور أخاك، فهذا باطل، فينبغي لك هنا أن تكفر عن يمينك وتذهب؛ لأن اليمين لا ينبغي أن يُجعل بينك وبين الخير حدًّا، ولا ينبغي أن يصدك اليمين عن الخير. ولهذا الله جل وعلا قال: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾. فلا تجعل اليمين صادًّا لك عن طاعة الله، فإذا رأيت الخير في غير ما حلفت فكفر عن يمينك وامضِ في ذلك الخير. فهنا تفهم معنى حفظ اليمين.

الحلف في التجارة ومحق الكسب

  • ​عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «الحَلِفُ مَنْفَقةٌ للسِّلعة، مُمْحِقةٌ للكسب». (أخرجاه).
    • ​فمن حلف فقد أنفق سلعته نعم، لكنه بعد أن أنفق سلعته فإنه ممحوقة بركته. لأن بعض الناس يُكثر من الحلف في التجارة: “والله اشتريتها بكذا”، وهو ولو كان صادقًا أحيانًا، فلما سيُكثر من الحلف مع الوقت سيكذب؛ لأن الله جل وعلا إذا أكثرت من الحلف باسمه، فمع الوقت ستضعف هيبة هذا المعظَّم في قلبك. ولهذا ينبغي للعبد أن لا يستعمل يمينه إلا في أمر يحتاج هذا الأمر.
    • ​وبالتالي، يكون أن من أكثر الحلف في التجارة فإنه ربما يبيع سلعته، لكن بركته ستمحق. ومن خالف الرحمن، عاقبه الله جل وعلا بنقيض قصده؛ فإنه أراد أن تنفق سلعته، ولكن الله جل وعلا إذا محق البركة فلن تربح مهما فعلت. ولكنك إذا اتبعت سبيل الله وتركت اليمين، فإن الله جل وعلا يبارك لك في تجارتك، وهو سبحانه وتعالى هو المعطي، وهو جزيل العطاء سبحانه وتعالى.

أصناف لا يكلمهم الله يوم القيامة

  • ​قال بعدها: وعن سلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: أُشَيمِطٌ زانٍ، وعائلٌ مُستكبِر، ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه». (رواه الطبراني بسند صحيح).
    • ​هذا الحديث حديث عظيم، فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر ثلاثة من الناس الله جل وعلا لا يكلمهم ولا يزكيهم يوم القيامة. لا يزكيهم أي: لا يطهرهم، فهم ليسوا أهلًا للتطهير، بل هم أهل للخزي والترك والنسيان عياذًا بالله. ثم ذكرهم قال: «ولهم عذاب أليم»، وهذا نتيجة هذا العمل.
    • ​قال: «أُشيمِطٌ زانٍ»، الأشيمط الزاني هو الشيخ الكبير ولكنه مع هذا زان.
    • ​وقال: «وعائلٌ مستكبِر»، قال العلماء: هذا الرجل شيخ كبير لكنه زان، والآخر فقير ولكنه مستكبر. وغالبًا الذي يكون مستكبرًا هو الذي يكون عنده شيء يستكبر عليه، شيء من المال أو شيء من الجاه، هذا ليس عنده شيء ومع هذا هو مستكبر، فكيف لو كان عنده؟ والآخر أشيمط رجل كبير ومع هذا زان، والغالب أن الشيخ الكبير إذا كبر في السن ضعفت شهوته، وإنما هذا يفعله الشباب لحدة الشهوة في النفس.
    • ​ولهذا قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب هنا في مسائل كتاب التوحيد: «هنا التنبيه على أن الذنب يعظم مع قلة الداعي». فهذان الرجلان (أشيمط الزاني والعائل المستكبر)، الشهوة في قلوبهم إما شهوة الكبر أو شهوة الزنا ضعيفة، ولكنهما أتيا هذا الفعل، ولهذا ضاعف الله جل وعلا عليهما العذاب.
    • ​وهذا الشاهد: «ورجل جعل الله بضاعته لا يشتري إلا بيمينه ولا يبيع إلا بيمينه». وهذا يدخل فيه ما مر معنا من الحديث أنه سينفق سلعته، لكنها ستمحق بركة سلعته؛ لأنه أكثر من الحلف. فينبغي للعبد أن يذكر قول الله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾.

ذم المسارعة إلى اليمين والشهادة

  • ​قال: وفي الصحيح عن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خيرُ أمّتي قرني، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونَهم». قال عمران: “فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين أو ثلاثًا”. والصحيح والأكثر في الرواية أنه إنما ذكرها مرتين. قال: «ثم إن بعدكم قومًا يشهدون ولا يُستَشهدون، ويخونون ولا يُؤتمنون، وينذرون ولا يُوفُون، ويظهر فيهم السِّمن».
    • ​الشاهد من قوله هنا: «يشهدون ولا يُستَشهدون»، فهم يأتون بالشهادة ولم تُطلب منهم الشهادة، فهم وكأنهم يُسرعون إلى أمر لم يُطلب منهم. ولهذا ينبغي للعبد أن يحفظ يمينه وشهادته حتى يرى الحاجة داعية إلى ذلك الأمر، أو تُطلب منه لأمر نافع. أما أن يستشهد أو أن يشهد وهو لم يُطلب منه في أمر لا يُحتاج فيه إليه، فهذا لا شك داخل في هذا الذي ذكره رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    • ​قال: «ويخونون ولا يُؤتمنون»، وهذا من أعظم خصال المنافقين التي لا ينبغي أن تكون في المؤمن.
    • ​قال: «وينذرون ولا يُوفُون»، وهذا أيضًا بأمر عظيم؛ لأن النذر إذا التزم به العبد وكان نذرًا في طاعة الله، ينبغي أن يوفي به العبد. فإذا كان في معصية الله، فلا وفاء في نذر في معصية الله، ومع هذا ينبغي عليه كفارة على الصحيح كما مر معنا في باب النذر. والله جل وعلا لما أثنى على الأبرار قال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾.
    • ​قال: «ويظهر فيهم السِّمن»، أي: يكونون على هيئة سمينة. والعلماء قالوا: السمن مذموم إذا كان على وجه يوفي به الرجل أنه مُقبِل على لذات الدنيا ومُدبِر عن الآخرة، فهو ملازم للشهوات وتارك لِما أوجب الله جل وعلا عليه من الخيرات، فهذا هو الذي مُعرَّض لهذا الوعيد. أما الذي تكون فيه سمنة وهو مُقبِل على الله، لكن هذه السمنة إما من مرض، أو وراثة، أو غير ذلك، فهذا لا يعرض للوعيد. فلا ينبغي الخلط وتنزيل الحديث على غير المقام. إنما الحديث المقصود به من أقبل على الدنيا وترك الآخرة، فهمُّه هو الأكل والشرب وهو مُعرِض عن الآخرة. ولهذا جاء عن علي رضي الله عنه أنه قال: “من كانت همَّته فيما يدخله إلى بطنه، كانت قيمته فيما يخرج منها”.
  • ​قال: وفيه عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خير الناس قرني، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونَهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته». وهذا كالحديث الذي قبله.
  • ​وقال إبراهيم (التابعي): “كانوا يضربوننا على الشهادة والعهد ونحن صغار”. وهذا فيه بيان أن السلف كانوا يربون أبناءهم على عدم المسارعة باليمين، وعدم المسارعة بالشهادة، وبحفظ العهد وحفظ اليمين، حتى ينشأ الرجل على هذه الأخلاق العظيمة الحميدة.

​نكتفي بهذا القدر، والله جل وعلا أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *