الدرس 22 من شرح مختصر لكتاب التوحيد (عبر الهاتف 1433هـ) – الصغير بن عمار

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

​أما بعد: إذًا، وصلنا إلى الباب الثاني والستين من هذا الكتاب المبارك، كتاب التوحيد.

​🕌 باب ما جاء في ذمة الله وذمة نبيه صلى الله عليه وسلم

مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد هي أن من إعظامه الله جل وعلا، وإعظام دينه وآياته ورسوله صلى الله عليه وسلم، عدم جعل هذه الذمة في مكان لا تستطيع أن توفي حقها. فعلى العبد أن لا يجعل للناس ذمة الله وذمة نبيه؛ لأنه إن خان هذه الذمة، والذمة هي العهد، فإن خان هذه الذمة وهذا العهد ولم يحترمها، فإنه سيعرّض الإسلام والمسلمين إلى ما يقدح في دينهم، وأنهم قوم لا يعظّمون ربهم. فمن كمال تعظيم الله أنه لا تُجعل ذمة الله وذمة نبيه في كل أمر.

​وهذا نظير الباب الذي مر معنا أنه لا ينبغي كثرة الحلف، ليس لأن الحلف ممنوع، بل لأن كثرة الحلف تجعل العبد يضعف قدر تعظيم ربه في قلبه، وهذا منافٍ لكمال التوحيد.

​قال: وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾. الشاهد من هذه الآية أن الله تعالى أمر بإيفاء العهد. والله جل وعلا قال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. فجاءت هذه الشريعة للوفاء بالعقود والوفاء بالعهود. لماذا؟ لأن الوفاء بالعهود من علامات المؤمنين. لأنك إذا عاهدت الناس وذكرت لهم أن هذا العهد من الله واحترمته، دلَّ على أنك رجل معظِّم لربك في قلبك.

​قال: وعن بريدة قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله ومَن معه من المسلمين خيرًا…”. ثم ذكر حديثًا طويلًا لن نقف معه، لكن سنقتصر على الشاهد وهو قوله صلى الله عليه وسلم: “وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه، ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك؛ فإنكم إن تخفروا ذممكم وذمة أصحابكم، أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة نبيه” (رواه مسلم).

​واضح فيكون أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد هذا الصحابي ومن معه رضي الله عنهم إلى أنهم إذا حاصروا حصنًا، فلا يجعلوا العهد ينبني على ذمة الله وذمة نبيه، بل يقولوا: “ذمة أنا وذمة أصحابي”؛ لأنه قال: “فإذا أخطأت، لا يُنسب الخطأ ولا يُنسب إخفار الذمة لا لله ولا لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما يُنسب الخطأ لك”.

​ونظير هذا أن العبد لا ينبغي له أن يتساهل في قول: “هذا حكم الله”، فإنك لا تدري، ربما الذي تقوله قولك أنت وليس موافقًا لحكم الله. ولهذا يقول العلماء: إذا تكلمت في الشرع فهي ثلاثة أمور:

  1. ​إما أن يكون أمرًا من عند الله، وهذا تقول: “هو حكم الله”، مثلًا: أن الزنا حرام، هذا حكم الله، لا تستطيع أن تشك في هذا.
  2. ​الأمر الثاني: أن يكون حكمًا شخصيًّا لك أنت، أنت سُئلت في مسألة فأجبت وأنت غير متأكد من أن هذا حكم الله أم هذا ليس حكم الله.

​فهنا تقول: “هذا حكمي”. فيكون الصورة صورتان ليس ثلاث صور. فإما أن تعلم أن هذا الحكم من عند الله، وهنا تقول: “هو حكم الله”. فإذا كنت لا تدري وإنما هو اجتهاد، فقل: “هذا ما فهمت من حكم الله”، أو “هذا ما أقول أنا”، أو “هذا رأيي”، أو “هذا الذي أفتي به فلان”. أما نسبة الحكم لله والرسول صلى الله عليه وسلم، إن لم تكن متأكدًا، فلا تنسب.

​ثم قال: “وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أَتُصيبُ فيهم حكم الله أم لا” (رواه مسلم).

​وهذا كالذي قلت: فإن كنت تعلم أن هذا الحكم هو حكم الله فقله، وإن كنت لا تعلم، فقل: “هذا حكمي”، أو “هذا ما فهمت من كتاب الله”. فإن وافق حكم الله فبها ونعمت، وإن لم يوافق حكم الله، فتكون أنت ما أخفرت ذمة الله ولا ذمة نبيه، ولكنك أخفرت ذمة نفسك.

​⚖️ باب ما جاء في الإقسام على الله

مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد أن الإقسام على الله جل وعلا لا يكون، وفيه تفصيل سيأتي معنا إن شاء الله تعالى، لكن هذا الإقسام إنما يكون فيه أحيانًا تألٍّ على الله ومنافاة لكمال التوحيد، وربما كانت منافاة لكمال أصل التوحيد. فلما كان في الإقسام على الله، أو في بعض صور الإقسام على الله، شيء من العجب والتألّي على الله جل وعلا، والتألّي هو الحلف، وأن تقول على الله ما لا تعلم، ذكر الشيخ هذا الأمر حتى يبين أن من أقسم على الله بهذه الصورة التي ستأتي معنا في الحديث، فإنه لم يعظّم ربه حق الإعظام.

​قال: عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “قال رجل في من كان قبلنا: والله لا يغفر الله لفلان. فقال الله عز وجل: من ذا الذي يتألى عليّ ألا أغفر لفلان؟ إني قد غفرت له وأحبطت عملك” (رواه مسلم).

​وفي حديث أبي هريرة أن القائل رجل عابد. فيكون أن هذا الرجل كان رجلًا عابدًا، فلما رأى ذلك العاصي أقسم على أن الله لن يغفر له، فقال الله جل وعلا: “وما أدراك؟ ومن هذا الذي يتألى عليَّ ويقسم عليَّ ويخبر بأني سأفعل كذا وكذا؟” فما أدراك أن الله يغفر له أو لا يغفر له، فإن العبد لا يدري.

​والله جل وعلا رحمته سبقت عذابه وغضبه، فليس للعبد أن يدخل بين العبد وربه، فإن الله جل وعلا غفور رحيم. ولهذا، هذا الرجل من عُجبه الذي كان في قلبه، وكأنه تكبّر على ربه فقال: إن الله لا يغفر لفلان أو علان، وهذا من أعظم التألّي على الله جل وعلا. فماذا كانت النتيجة؟ أن الله غفر للعاصي، وأحبط عمل هذا الرجل.

​قال العلماء: قالوا هذا الرجل يظهر أنه كان معجبًا بعبادته، وكأنه يمنّ على ربه، وكأنه له الفضل على ربه في أمر عبده، فربما كان إحباط العمل في هذه المسألة، وربما، والأقرب، أن حُبِط كل عمله؛ لأنه كان في قلبه، عياذًا بالله، عُجب بالنفس وتكبر. فلما كان فيه هذا الذنب العظيم خانه فساءت خاتمته.

​أما الآخر، فربما كان يريد التوبة، فغفر الله جل وعلا له بسبب تلك الكلمة. ولهذا قال الشيخ في المسائل هنا: أن الرجل قد يُغفر له بسبب هو من أكره الأمور إليه. فإن الرجل قال عليه كلمة أغضبته، لكن هذه الكلمة هي التي أدخلته الجنة، وكانت سببًا لغفران الذنوب.

​وصدق أبو هريرة رضي الله عنه هنا حيث قال: “تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته”. فهذه الكلمة أهلكت دينه ودنياه.

​ولهذا العلماء يقولون: أن الإقسام على ثلاثة أنواع (أو أمور):

  1. النوع الأول: أن تقسم على أمر من الشرع، مثال ذلك: أن تقسم على حكم تعلمه من الله، مثلًا تقول: “اللهم أقسمت عليك أنك على العرش”. فنحن لا نشك في أن الله جل وعلا على العرش فنقسم على هذا الأمر.
  2. النوع الثاني (وهو هذا النوع): أن يكون الإنسان في شيء من العجب، يعني: “اللهم أنت، والله لن تغفر لفلان”، “والله ستُدخل فلان”، لا. هذه المنة تكون من الخالق للمخلوق، لا من المخلوق للخالق.
  3. النوع الثالث من الإقسام: هو إقسام يكون عند بعض أولياء الله الصادقين المخلصين، الذين عظم تحسينهم في الظن، أو تحسين ظنهم بربهم، فقالوا كلامًا عن صدق وإخلاص لا عن تألٍ وعُجب. وهذا الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم: “رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبره”. ولهذا كان من السلف من عندما إذا أقسم على الله جل وعلا برَّ الله قسمه. هذا يكون من ماذا؟ يكون من حسن الظن بالله لا من العُجب. فالفرق بين هذا والآخر فرق كبير، فينبغي حفظ هذه الصور الثلاثة من أنواع الإقسام.

​🤲 باب لا يُستشفع بالله على خلقه

​عن جبير بن مطعم… عفواً، هذا الباب مناسبته لكتاب التوحيد واضحة، وهي أن الاستشفاع -وهو طلب الشفاعة- إنما غالبًا يكون من الضعيف إلى القوي. فلو استشفعت بالله لخلقه، فكأنك جعلت الخلق أعلى من الخالق.

​فإن المخلوقات إنما يُطلب منها التوسل ويُطلب منها طلب الشفاعة عند الله، أما الله جل وعلا، لا يُستشفع به سبحانه وتعالى على أحد من خلقه؛ لأنه المسؤول وليس السائل، ولأنه المطلوب وليس الطالب سبحانه وتعالى.

​قال: وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: “جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، نهكت الأنفس وجاع العيال وهلكت الأموال، فاستسقِ لنا ربك، فإننا نستشفع بالله عليك وبك على الله”.

​إذًا، هذا الرجل لما رأى ما أصابهم جاء واستشفع بالنبي صلى الله عليه وسلم على الله، وهذا حق. ثم قال: “ونستشفع بالله عليك”، يعني وكأننا سنتوسل إليك، لكن نطلب من الله أن يتوسل إليك، وهذا غلط.

​قال: والأعراب أبعد أن يكونوا عن العلم. قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾. ولذلك أصحاب البادية كانوا أبعد عن العلم والإيمان بالنسبة للحضر وأهل المدينة الذين كان عندهم العلم والإيمان.

​فهذا رجل لا يعلم، فالنبي صلى الله عليه وسلم غضب وقال: “سبحان الله، سبحان الله”. وهذه كلمة تقال بالتعجب، وتقال عند التعجب من أمر يسُرّ، ومن أمر يستقره ويستقبح. وهنا لا شك من أمر يستقبح.

​قال: “فما زال يسبّح حتى عُرِفَ ذلك في وجوه أصحابه”. ثم قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: “قال: ويحك! أتدري ما الله؟” لأن الناس أحيانًا إذا تكلموا عن الله جل وعلا لا يعلمون قدر الخالق سبحانه وتعالى، كما سيأتي في الباب الأخير إن شاء الله. قال: “إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يُستشفَع بالله على أحد من خلقه” (رواه أبو داود).

​فهذا الحديث يبيّن أن الله جل وعلا إنما يُتوسَّل إليه، لا يُتوسَّل به سبحانه وتعالى؛ لأن الغالب أن المتوسَّل به أقل من المتوسَّل إليه. ولهذا ينبغي للعبد أن يلحظ العبارات التي يقولها.

​وأن النبي صلى الله عليه وسلم مهما علا شأنه عليه الصلاة والسلام فهو عبد لله جل وعلا. وأن الله جل وعلا هو الذي خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما خلق الله رسوله صلى الله عليه وسلم وأنزله رحمة بالناس حتى يعلمنا كيف نعبد الله. أما النبي صلى الله عليه وسلم لا، كما يقول أهل الزيغ: “يقولون أن الله خلق الدنيا من أجل محمد”، أبدًا. الله تعالى قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.

​يقول الحكم حافظ رحمه الله: يقول: “اعلم بأن الله جل وعلا لم يخلق الخلق سُدىً وهَمَل، بل خلق الخلق ليعبدوه، وبالإلهية يفردوه”.

​والنبي صلى الله عليه وسلم عبد لا يُعبَد، ورسول لا يُكذَّب. فمهما علا شأنه عليه الصلاة والسلام، فإنه بشر له مكانته. ﴿قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۗ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾.

​قل: نعم، الله تعالى قال عنه في سورة الأنعام: ﴿قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾. قل: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ﴾ في آيات كثيرة. فالنبي صلى الله عليه وسلم مهما علا شأنه فإنه عبد لا يعبد، ورسول لا يكذب صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

​وشأن الله عظيم، شأن الله سبحانه وتعالى عظيم. فالله جل وعلا الذي خلق السماوات والأرض هو الذي ينبغي أن يعبد، وأن يُفرَد بالعبادة، وأن يُفرَد بالتوحيد قولًا وعملًا واعتقادًا.

​ولصفاء هذا التوحيد وقيمته عند العبد، وأنه هو الذي يحكم على العبد بجنة أو بنار أصالة، ولهذا ذكر المصنِّف الباب القبل الأخير فقال:

​🛡️ باب ما جاء في حماية النبي صلى الله عليه وسلم حمى التوحيد وسدِّه طرق الشرك

​وقد مر معنا باب يشبه هذا الباب وهو باب حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد. فما الفرق بين حماية جناب التوحيد وبين حماية حمى التوحيد؟

​هذا ذكرناه في موضعه، لكن لا بد أن يُذكَّر به هنا: أن الجانب هو ركن الشيء، أما الحِمَى هو ما حول الشيء. فيكون حماية الحِمَى أبلغ من حماية الجناب أو الجانب. فيكون النبي صلى الله عليه وسلم حَمَى جانب التوحيد، كما مر معنا في الباب الأول، من جهة الأعمال كعدم البناء على القبور وعدم الدعاء عند القبور وغير ذلك. وكذلك حَمَى التوحيد من جهة الأقوال. وما حَمَى التوحيد فقط، بل حَمَى ما حول التوحيد. فيكون هذا الباب أبلغ في الحماية، فالأول حَمَى الجانب من جهة الأفعال، وهذا أبلغ لأنه حَمَى حتى الحِمَى ومن جهة الأقوال، فيكون هذا العلاقة ما بين الباب الذي مر معنا وهذا الباب.

​قال: عن عبد الله بن الشِّخِّير رضي الله عنه قال: “انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلنا: أنت سيدنا، فقال: السيد الله تبارك وتعالى. قلنا: وأفضلنا فضلًا وأعظمنا طولًا، فقال: قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان” (رواه أبو داود بسند جيد).

​هذا الحديث مناسبته للباب ظاهرة في أن النبي صلى الله عليه وسلم ما قال لهم أو ما قَبِل أن يقولوا: “أنت سيدنا”، مع العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سيدنا يقينًا. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يسد هذا الباب الذي يمكن أن يدخل منه الغلو، فقال: “السيد هو الله تبارك وتعالى”. والله جل وعلا هو السيد الذي كَمُل في سُؤدده سبحانه وتعالى. فهذا المعنى عند إطلاقه هو لله جل وعلا، مع جواز إطلاق لفظ السيد على المخلوق إذا أُمِن الغلو، ولا يجوز أن يطلق لفظ السيد على المبتدع والمنافق والفاسق وغير ذلك، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما على الرجل الصالح والذي هو أهل لهذا فيقال: السيد، لكن مع ملاحظة أن السيد الذي لا ينبغي السؤدد الكامل إلا له هو الله سبحانه وتعالى. ولا بأس لو قال لك إنسان: “يا سيد فلان”، قل له: “السيد الله”، ذكِّره بهذا المعنى العظيم كما فعل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والنبي صلى الله عليه وسلم لم يرد كل هذا القول، ولكن قال: “قولوا بقولكم أو بعض قولكم”، هو في حق، لكن مع ملاحظة الأمن من الغلو.

​قال: “ولا يستجرينكم الشيطان”، يستجرينكم أي لا يجعلكم جَرِيًّا (أي رسولًا له) لقول الباطل ولفعله، فلا تكون وسيلة للشيطان لمثل هذه الأقوال التي يدخل منها الباطل.

​قال: وعن أنس رضي الله عنه: “أن ناسًا قالوا: يا رسول الله، يا خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، فقال: يا أيها الناس، قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله عز وجل” (رواه النسائي بسند جيد).

​وهذا الحديث أيضًا من جنس الحديث الذي قبله. فالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما أراد أن يقال له مثل هذا الكلام. لماذا؟ سدًّا لباب الغلو، وسدًّا لباب الذرائع، وحماية لحِمَى التوحيد من أن يدخل ويتطرق إليه نوع من أنواع الشرك فيكدره.

​قال: “ولا يستهوينكم الشيطان”، أي لا يضلَّنَّكم الشيطان؛ لأن الشيطان هو الذي يحب هذا الأمر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أنا محمد عبد الله ورسوله، ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي التي أنزلني الله جل وعلا”. فأعظم وصف لرسول الله صلى الله عليه وسلم هو وصف الرسالة ووصف العبودية، فهو عبد الله ورسوله. قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ﴾. فوصف العبودية هو من أعظم الأوصاف التي يوصف بها النبي صلى الله عليه وسلم.

​نكتفي بهذا القدر، وبقي باب واحد، ربما نكمله هذا الأسبوع. ولا أستطيع أن أُكمِل آخر باب. نكمل الباب ونقوم ببعض الأسئلة ونكون قد أتممنا الكتاب. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *