الدرس 23 من شرح مختصر لكتاب التوحيد (عبر الهاتف 1433هـ) – الصغير بن عمار

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

​إذًا، وصلنا إلى الباب الأخير من هذا الكتاب العظيم، وهو كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد. وهو الباب إذا عددنا المقدمة يكون الباب السابع والستون، وفي بعض النسخ المقدمة لم تُعتبر، ويكون الباب السادس والستون. لكن نحن نقول: نعد الكل، فيكون الباب السابع والستين—أو الستين عفوًا—فقال:

​👑 باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾

ذكر هذا الباب المصنف رحمه الله تعالى وختم به كتاب التوحيد.

مناسبة هذا الباب لكتاب التوحيد هو أن سبب شرك الناس هو عدم تعظيم الله جل وعلا التعظيم الذي يستحقه سبحانه وتعالى. فكما أن المصنف بدأ كتابه بذكر آيات وأحاديث تبين وجوب التوحيد على كل إنسان، ذكر بابًا بيّن فيه من الذي أوقع الناس في الشرك. فالذي أوقع الناس في الشرك هو عدم تعظيم الله حق التعظيم. فكلما نقص قدر تعظيم الله جل وعلا من قلب العبد، كلما نقص توحيده حتى ينعدم عياذًا بالله. فكانت مناسبة هذا الباب وكأن الشيخ ختم بذكر السبب الذي أوقع الناس في هذه المهالك وهو تعظيم الله سبحانه وتعالى.

​ثم ذكر حديث ابن مسعود قال: “جاء حبر (وهو من علماء اليهود. الحبر قال: من الأحبار) إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع (يُقال: إصبع وأُصْبُع وإِصْبِع، الحاصل فيها عشر لُغات تُنطق بها، وآخرها أُصْبُع). قال: والأرضين على إصبع، قال: والشجر على إصبع، والماء على إصبع، والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك (يعني الله جل وعلا) يوم القيامة”.

“فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه (أي أضراسه) تصديقًا لقول الحبر”. فلا يكون هنا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء حاشا، بل هو تصديق؛ لأن الصحابة فهموا هذا، وفهم الصحابي مُقدَّم على فهم غيره. فيكون النبي صلى الله عليه وسلم أقر هذا اليهودي في هذا الأمر، “قَبِلَ الحق من إبليس” قال: “صدقك وهو كذوب”.

​ثم قرأ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. فهذه الآية التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيّن فيها هذا الأمر العظيم، وهو أن الله جل وعلا قدره عظيم، فالكل يوم القيامة في قبضة الله. وهذا موافق لما قاله الحبر اليهودي. قال: “وفي رواية المسلم: والجبال والشجر إلى آخر ذلك”. ثم ذكر روايات كثيرة تؤيد هذا المعنى.

​قال: “ولمسلم عن ابن عمر مرفوعًا: يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين السبع، ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟”

ضعَّف بعض أهل العلم رواية “بشماله” وقالوا: الصحيح رواية أخرى هي “بيده الأخرى”. ولهذا اختلف أهل السنة: هل لله يد شمال أم لا؟ والصحيح أنه له، وهذا الذي ذهب إليه المصنف قال: “إثبات اليد الشمال لله” كما ذكر ذلك في المسائل. قال: “التصريح بتسميتها الشمال” فلا إشكال في هذا، فإن صح اللفظ صح القول بها ولا إشكال. ولكن جاء في الحديث الآخر قال: “وكِلتا يديه يمين”. فكيف الجمع بينهما؟

الجمع أنه لما كانت الشمال عند المخلوقات مما يخطر على بال الإنسان أنه نقص وأنها دون اليمين، بيّن الله جل وعلا أنها في القوة والعطاء والفضل اليمين كالشمال، لا فرق بينهما. فـ “كلتا يديه يمين” من جهة العطاء والقوة وما إليه، فلا يعتريه سبحانه وتعالى نقص منها بحال من الأحوال.

​والشاهد من هذا الحديث أن الله جل وعلا يوم القيامة ينادي ويقول: “أين فلان المتكبر؟ أين الجبار؟ أين غير ذلك؟” ويطوي الكل بيمينه سبحانه وتعالى. ولهذا نقول في سورة الفاتحة: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾. فيوم القيامة لا أحد يدّعي مُلكًا إلا الله سبحانه وتعالى، فالكل له، ولا يدعي أحد مع الله مُلكًا. أما في الدنيا فالمدّعون كثيرون، لكن يوم القيامة يظهر أن الكل لله جل وعلا: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ ۖ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾.

​قال: “وروي عن ابن عباس قال: ما السماوات السبع والأرضون السبع في كف الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم”. فالكل حقير، وأن الله جل وعلا لا يتعظمه شيء. فهذا الذي بهذه القوة وهذا الجبروت وهذا العِظَم، والله الذي بهذه القدرة وبهذه العظمة هو أولى من يستحق العبادة والتعظيم والتوحيد سبحانه وتعالى. ولهذا كان الشرك أعظم الظلم: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾؛ لأنك أن تصل إلى درجة أن تصرف هذا الحق الذي أُمرت به إلى مخلوق ضعيف، فأنت ليس لك في الجنة نصيب.

​قال ابن جرير: “حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد: حدثني أبي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما السماوات السبع في الكرسي إلا كدراهم سبع أُلقيت في طُرْس. الطرس هو الدِّرع من حديد”. فتكون أن السماوات السبع بالنسبة للكرسي ولا شيء. والعرش أكبر من الكرسي، والكرسي موضع القدمين، والعرش سرير المُلك. والله جل وعلا فوق هذا كله.

​فهنا إذا رأيت هذه العظمة تعلم قدر حقارة الإنسان. ومع هذا الله يتقرب إلى الإنسان ويدعوه إلى عبادته، بل يدعوه لدعائه ليستجيب له، ويدعوه للتوبة ليغفر له، ويدعوه للإنابة إليه ليصفح عنه. ومع هذا الإنسان يتكبر ويتعاظم على عبادة الله وعلى توحيده وغير ذلك من الأمور. فإذا رأيت هذا علمت الفرق بين رحمة الخالق ورحمة المخلوق، وأن الله جل وعلا رحمته سبقت عذابه، وأن العبد مهما فعل فإنه لن يستطيع أن يؤدي نعمة واحدة تفضل الله جل وعلا بها عليه.

​وقال أبو ذر رضي الله عنه: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد أُلقيت بين ظهري فلاة في الأرض (أو من الأرض) أي صحراء”. فالكل عند الله قليل.

​ثم ذكر حديث ابن مسعود الذي فيه البعد ما بين كل سماء والسماء وقال بعدها: “وبين الكرسي والماء خمسمائة عام، والعرش فوق الماء، والله فوق العرش لا يخفى عليه شيء من أعمالكم”. فالله جل وعلا مع علوه سبحانه وتعالى ومع استوائه على عرشه فلا يخفى عليه شيء. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.

​فالله جل وعلا ما تسقط من ورقة إلا هو يعلمها، فإن الله جل وعلا مُطَّلِع عليه، يسمع الصوت ويرى المكان ويطلع على الأفئدة سبحانه وتعالى، بل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. قال تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ ۖ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ سبحانه وتعالى.

​قال وعن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “هل تدرون كم بين السماء والأرض؟ قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: بينهما مسيرة خمسمائة سنة، ومن كل سماء إلى سماء مسيرة خمسمائة خمسمائة سنة. قال: وكثف (أي غلظ وعرض نعم، كثف هو الغِلَظ) قال: كثف كل سماء مسيرة خمسمائة سنة. وبين السماء السابعة والعرش بحر، بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض. والله تعالى فوق ذلك، وليس يخفى عليه شيء من أعمال بني آدم” (أخرجه أبو داود وغيره). وهو كنظير الحديث الذي قبله.

​وكل هذه الأحاديث تبيّن أن الله جل وعلا عظمته لا يتصورها، وأن العبد مهما علم من أسماء الله ومن صفاته فإنما يجهل الكثير. ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾. وقال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾.

​فيكون الشيخ ختم هذا الكتاب المبارك العظيم بباب عظيم، وهو أن سبب شرك بني آدم هو عدم تعظيم قدر الله جل وعلا. ونحن في آخر شرح هذا الكتاب نرجو أن يكون الله جل وعلا قد رفع قدر هذا الإمام كما نصر التوحيد، وكما نشره بين الناس، وكما ذبَّ عن دين أبي القاسم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وبهذا نكون قد أتممنا شرح كل أبواب هذا الكتاب على شيء من الإيجاز والاختصار. وهذا الكتاب فرَّق فيه الشيخ رحمه الله المسائل والكلام عليها متفرقة، أغلبها في توحيد الإلهية والعبادة، وفيها جزء من توحيد الربوبية وجزء من توحيد الأسماء والصفات مع مسائل أخرى، أخذناه على وجه الإيجاز. فلقد شرحناه في 23 مجلسًا. والمدة التي شُرح فيها هذا الكتاب 9 ساعات و46 دقيقة. ومن باب الموافقات اللطيفة أن الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى شرح الكتاب في تسع ساعات وستة وأربعين دقيقة. فتحرّينا أن يكون كالشيخ رحمه الله تعالى.

​نكتفي بهذا القدر. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *