الدرس 1 من شرح كتاب التوحيد (1444هـ) – عبيد البيضاني

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
​أما بعد: فنسأل الله بمنه وكرمه أن يرزقنا جميعًا العلم النافع والعمل الصالح. وهذه الجلسة التي اخترتها في هذا الوقت لعل الله عز وجل أن يكتبنا مع أهل العلم النافع وأهل العمل الصالح. والوقت وإن كان ساعة يسيرة، فإن الله يبارك في الأوقات إذا خلصت النية وحسن العمل.
​ووقع الاختيار على هذه الكتب الثلاثة؛ بدأتها بكتاب التوحيد لأنه أعظم مطلوب، ثم بعد ذلك عمدة الأحكام لأنه سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بعد ذلك الفقه. وسيكون لكل كتاب 20 دقيقة.
​وأعتذر من الإخوة عن الأسئلة لأن الوقت ضيق، لكن من عنده سؤال فليرسله على الخاص، وفي الجلسة الثانية أجيب عليه إن شاء الله تعالى.
​وأول ما نبدأ به كتاب التوحيد لشيخ الإسلام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى. والتوحيد أعظم مطلوب، وأعظم ما أمر به العبد. وإنما أمر الله عباده به لأنه حق له جل وعلا، وتجريد للعبادة له سبحانه، ومن أجله أرسل الله عز وجل الرسل، وأنزل الكتب، وشرع الدين، فبعث الله أنبياءه كلهم يدعون إلى توحيده جل وعلا.
​وشيخ الإسلام رحمه الله تعالى هنا بدأ بكتاب التوحيد بدون مقدمة. يقول العلماء: لأن التوحيد أعظم مطلوب، وأعظم ما يُتكلم به، فلا يحتاج أن يكون بين يديه مقدمة، فشرع به مباشرة رحمه الله تعالى فقال: “كتاب التوحيد”.
​قال: “كتاب التوحيد”؛ يعني هذا كتاب التوحيد. و”كتاب” مصدر، “كَتَبَ يَكْتُبُ كَتْبًا وكتابة”، وهذا المصدر مداره على الجمع. والكاف والتاء والباء مداره على الجمع، فيقال: تكاتبت بنو فلان أي اجتمعوا، وتسمى الكتيبة كتيبة، والكتاب أيضًا يسمى كتابًا لاجتماع الحروف والجمل.
​وهكذا، و”التوحيد” مصدر، “وحد يوحد توحيدًا”، أي جعله واحدًا، يعنى يُفرد، سواء أن يفرده بالعبادة، أو إفراده بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات. هذا هو التوحيد.
​والتوحيد أعظم ما أمر به. التوحيد وأهل التوحيد لا يخلدون في النار إذا دخلوها، أهل التوحيد مآلهم إلى الجنة، ويخرج أهل التوحيد من النار إذا أدخلوا النار لأجل ما عندهم من الذنوب والكبائر، فإن الله عز وجل يخرج من كان في قلبه مثقال ذرة من توحيد. أما غير الموحدين فإنهم في النار عياذًا بالله.
​فضد التوحيد الشرك، والمشرك حرام عليه الجنة؛ ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن أَنصَارٍ﴾.
​تقسيم التوحيد وأقسامه
​والتوحيد يقسمه العلماء إلى قسمين باعتبار، وباعتبار آخر يقسمونه إلى ثلاثة أقسام. فإذا قسموا التوحيد إلى قسمين، فإن القسم الثالث يدخل في أحد القسمين، فالتوحيد ينقسم:
توحيد القصد والطلب: يتعلق بتوحيد الألوهية والربوبية.
توحيد المعرفة والإثبات: يتعلق بتوحيد الأسماء والصفات وأفعال الله جل وعلا.
​هذا من حيث تقسيمه إلى قسمين. أما إذا قسمناه إلى ثلاثة أقسام فنقول:
القسم الأول: توحيد الألوهية.
القسم الثاني: توحيد الربوبية.
القسم الثالث: توحيد الأسماء والصفات.
​فإن قال قائل: “من أين هذا التقسيم؟ هذا التقسيم لم يكن في زمن الصحابة رضي الله عنهم ولا في زمن التابعين”. نقول: نعم، التقسيم لم يكن في زمنهم، ليس تقسيم التوحيد فحسب، بل حتى تقسيم الفقه إلى أبواب لم يكن في زمنهم؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم يمتثلون الأمر ويجتنبون النهي، فيستسلمون لما أمر الله به وينتهون عما نهى الله عنه بدون تفصيل واستفسار.
​لكن لما خرج من خرج وحصل الكلام، وحصل من يخالف في التوحيد، وحصل من يخالف في الأسماء والصفات، اضطر العلماء إلى تقسيم التوحيد لأجل أن يُحفظ ولأجل أن يُفهم. والعلم إنما يُحفظ بتقسيمه، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: “إذا أردت أن تحفظ العلم فعليك بالتقسيم”.
​فما هو دليلهم على تقسيم التوحيد إلى ثلاث أقسام؟ وهذا يجرنا أيضًا إلى: ما هو الدليل على تقسيم الفقه إلى كتاب الطهارة، وكتاب العبادات، وكتاب المعاملات، إلى آخره؟
الدليل على هذا يقول العلماء: التتبع والاستقراء. العلماء تتبعوا الشريعة واستقرؤوها فوجدوا التوحيد ينقسم إلى هذه الأقسام الثلاثة، فأخرجوها مقسمة. ولا يوجد هناك اسم وضعه العلماء إلا وعليه دليل، لكن أحيانًا لا يذكرون الدليل تيسيرًا؛ كأن يضع مثلًا متنًا مختصرًا ليحفظه طلاب العلم، يضع متنًا بلا دليل، وإلا لا يوجد متن مختصر ولا يوجد تقاسيم إلا وعليها دليل، فمن أراد الحق فإنه سيجده إذا رجع إلى أصل هذه التقاسيم ومن أين أُخذت.
​تفصيل الأقسام الثلاثة
​فعلى هذا نقول: التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

توحيد الألوهية: وهو إفراد الله جل وعلا بالعبادة، ويسمى توحيد القصد والطلب (يعني قصدك وطلبك إلى الله عز وجل لا إلى غيره)، ويسمى توحيد أفعال العبد (يعني أفعالك تكون خالصة لله جل وعلا)، ويسمى الإخلاص. فهذا كله يتعلق بتوحيد الألوهية.
توحيد الربوبية: وهو إفراد الله عز وجل بأفعاله؛ إفراد الله جل وعلا بالخلق والملك والتدبير والإحياء والإماتة، هو المتفرد بها جل وعلا، لم يكن له شريك ولا معين ولا مشير، فهو الذي جل وعلا ينفرد بتدبير الخلق وملكهم وإحيائهم وإماتتهم ورزقهم إلى غير ذلك.
توحيد الأسماء والصفات: أن يُفرد الله عز وجل بأسمائه وصفاته التي أثبتها جل وعلا لنفسه أو أثبتها له رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو أعلم بنفسه جل وعلا ورسوله أعلم به عليه الصلاة والسلام، فما أثبته الله لنفسه نثبته، وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم نثبته. هذا هو أقسام التوحيد.
​الشرك وأنواعه
التوحيد يضاده الشرك، فأعظم ما نُهي عنه الشرك بالله جل وعلا. وكما سبق أن المشرك خاسر في الدنيا والآخرة، والجنة عليه حرام. والشرك هو أن يُساوى غير الله بالله.
​يقسمون الشرك إلى قسمين باعتبار، وباعتبار آخر يقسمونه إلى ثلاثة أقسام.
القسم الأول: الشرك الأكبر.
​وهو مخرج من الملة كما سبق، وصاحبه مخلد في النار، والجنة عليه حرام. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾، وقال جل وعلا: ﴿إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن أَنصَارٍ﴾. وهذا الشرك الأكبر يخالف أصل التوحيد، لا يخالف كماله فقط، بل يخالف أصله؛ يعني من وقع في الشرك الأكبر فليس عنده من التوحيد شيء، ولهذا يخالف أصل التوحيد؛ لأن المشرك خرج من دائرة الإيمان (إذا كان مؤمنًا) إلى الإشراك والكفر، وإن لم يكن مؤمنًا من الأصل فهو على إشراكه.
القسم الثاني: الشرك الأصغر.
​والشرك الأصغر يخالف كمال التوحيد لا يخالف أصله. الشرك الأصغر عند العلماء لا يُخرج من الملة، لكنه أكبر من كبائر الذنوب. وهو أن تجعل لله ندًا، لكنه لا يبلغ تنديد الشرك الأكبر، ولهذا يقول العلماء: إن الشرك الأصغر وسيلة إلى الشرك الأكبر.
​فالشرك الأصغر أكبر من الكبائر، لكنه لا يخرج من الملة. وكالحلف بغير الله، وكقول القائل: “ما شاء الله وفلان” أو “ما شاء الله وشئت”، هذا كله شرك أصغر، وهو أكبر من الكبائر. يعني الذي يحلف بغير الله أعظم جرمًا وإثمًا من الذي يشرب الخمر أو الذي يسرق، لماذا؟ لأن الشرك اعتداء على حق الله جل وعلا، فحق الله التوحيد، فإذا أشرك بالله اعتدى على حق الخالق سبحانه وتعالى، فكانت عقوبته أن يكون أعظم من الكبائر. أما الكبائر الأخرى والمعاصي والذنوب فإنه ضرر على الإنسان نفسه، ولم يعتدِ على توحيد الله جل وعلا، وإن كان فيه نوع طاعة للشيطان وإشراك للشيطان، لكنه ليس كالحلف بغير الله، وليس كقول: “ما شاء الله وشئت” ونحو هذا؛ لأنه أشرك مع الله غيره، لكنه لم يُشرك مع الله إشراكًا كإشراك صاحب الشرك الأكبر، فصار أكبر من الكبائر.
​حكم مرتكب الشرك الأصغر
​وإذا قلنا إن الشرك الأصغر صاحبه لا يخلد في النار، هو يعذب ثم يخرج بعد ذلك. لكن هل يدخل تحت المشيئة أو لا يدخل؟
​يعني كبائر الذنوب تدخل تحت المشيئة: إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له. إنسان يسرق ويزني إلى آخره، هذا تحت المشيئة: إن شاء الله غفر له، وإن شاء عذبه ثم يخرج بعد تعذيبه.
الشرك الأصغر هل لا بد من تعذيبه أو يدخل تحت المشيئة؟ قولان لأهل العلم رحمه الله تعالى:
القول الأول: أنه يدخل تحت المشيئة كسائر الكبائر، إن شاء الله عذبه وإن شاء غفر له.
القول الثاني: أنه لا يدخل تحت المشيئة، لا بد أن يعذبه ربه.
​المشرك لا بد أن يُعذب ثم يخرج. إن كان إشراكه شركًا أكبر، يعذب في النار عذابًا دائمًا مخلدًا فيه. وإن كان الشرك أصغر، فإنه يعذب ثم يخرج بعد ذلك إلى الجنة بسبب ما معه من التوحيد. فقالوا: لا بد من تعذيبه.
والدليل على أنه لا بد من تعذيبه قالوا: قوله جل وعلا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. والعلماء يستدلون على الشرك الأصغر بدليل الشرك الأكبر، فكون الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾، دل على أنه لا بد أن يعذب. وهذه الآية تشمل الشرك الأكبر والأصغر.
​دخلت عليه بتأويل المصدر، “أن” المصدرية دخلت على الفعل المضارع، فقولها: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ يعني: إن الله لا يغفر إشراكًا به. إشراكًا به فيكون بتأويل المصدر نكرة، والنكرة هي الشرك الأكبر والشرك الأصغر، فلا بد أن يعذب المشرك شركًا أكبر، والمشرك شركًا أصغر لا بد أن يعذبه، لكن المشرك شركًا أصغر بعدما يعذب ويُطهر يخرج إلى الجنة، أما المشرك شركًا أكبر فإنه يبقى في النار مخلدًا.

​وعلى هذا نقول: إن الشرك الأصغر خطير، سواء قلنا يدخل تحت المشيئة أو لا يدخل تحت المشيئة. يعني ينبغي أن نفهم أولًا أنه لا يخلد في النار، هذا معلوم. ثم ينبغي أيضًا أن نفهم أنه قد يدخل تحت المشيئة وقد لا يدخل، فمن العلماء المحققين الكبار من قالوا: إن الشرك الأصغر لا يغفره الله، لا بد أن يعذب صاحبه ويُطهر، ثم بعد ذلك يخرج من النار.
​هذا بالنسبة للشرك الأصغر. وينبغي للإنسان أن يطهر لسانه من الشرك الأصغر؛ لأنه أحيانًا يُدرج على الألسن: الحلف بغير الله، وقوله: “لولا الله وفلان”، وقد يعتاد الناس هذه الألفاظ، فينبغي للإنسان أن يبتعد عن هذا، وأن يطهر نفسه ليكون موحدًا لله عز وجل، مخلصًا له جل وعلا.
​أقسام الشرك الأكبر والأصغر
​ثم إن الشرك الأكبر أيضًا ينقسم إلى قسمين: شرك ظاهر وشرك باطن.
الشرك الظاهر: عبادة غير الله عز وجل؛ كأن يعبد الأصنام والأشجار والأحجار، وأن يستغيث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله ونحوه، هذا شرك أكبر ظاهر.
الشرك الباطن: شرك أكبر باطن؛ كالتوكل على غير الله عز وجل، والرهبة والرغبة والمحبة لغير الله عز وجل، فهذا شرك أكبر باطن. ومنه شرك المنافقين، هذا الشرك أيضًا أكبر باطن؛ لأنهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر. فنسأل الله عز وجل أن يطهرنا جميعًا من الشرك الأكبر الظاهر والباطن.
​والشرك الأصغر أيضًا ينقسم إلى قسمين: شرك ظاهر وشرك باطن.
الشرك الظاهر: كلبس الحلقة والتمائم. يعني يلبس حلقة ويعلقها بيده يقول: “هذه تدفع العين وهذه تحفظنا وهذه تدفع النفس والشياطين” إلى آخره. فلبس الحلقة ونحوها هذا شرك أصغر ظاهر، إذا اعتقد أن الحلقة سبب لدفع الشر. أما إذا اعتقد أن الحلقة هي التي تدفع الشر وتأتي بالخير، فإنه ينتقل إلى الشرك الأكبر. فالقضية ليست بالأمر الهين، لكن هذا من حيث الأصل في الشرك الأصغر أنه ظاهر وباطن.
الشرك الباطن: كيسير الرياء. يصلي الإنسان ويزين صلاته لما يرى من نظر رجل، يعني هو صلى لله عز وجل وقرأ لله عز وجل، لكن لما رأى أحدًا ينظر إليه زين صلاته وزين قراءته وجملها. هذا يسمى رياء، شرك أصغر باطن، وهو ما يسمى بيسير الرياء. أما كبير الرياء فهذا رياء المنافقين، هذا كفر مخرج من الملة. لكن الكلام هنا على الرياء الأصغر، ويحصل من بعض الموحدين، ويحصل من بعض المسلمين.
الخلاصة:
​أن الشرك ينقسم إلى قسمين: شرك أكبر وشرك أصغر. والشرك الأكبر ينقسم إلى قسمين: شرك ظاهر وشرك باطن. والشرك الأصغر ينقسم إلى قسمين: شرك ظاهر وشرك باطن.
​وعلى الإنسان أن يتجرد لله عز وجل، وأن يتعاهد نفسه دائمًا بتوحيده وإخلاصه وإقباله على الله عز وجل.
​وهنا ينتهي وقت التوحيد ونبدأ بـ العمدة. صلى الله وسلم على نبينا محمد.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *