الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على النبي الكريم نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لشيخنا ولمشايخه ولوالدينا ولجميع المسلمين.
قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في كتاب التوحيد:
بسم الله الرحمن الرحيم
كتاب التوحيد
وقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].
وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36].
وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23].
وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: 151].
وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: 36].
قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: 151] إلى قوله الآية.
وعن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: كنت رديف النبي، قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال لي: (يا معاذ أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟) قال: فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: (فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا). قال: قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: (لا)، قال: (لا تبشرهم فيتكلوا). أخرجاه في الصحيحين. أحسنت.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا جل وعلا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. ثم أما بعد:
فإننا إن شاء الله، وبإعانته وتوفيقه، نقرأ في هذا اليوم في مساءه وما يأتي بعد، أو نتم ونكمله بعد المغرب بمشيئة الله عز وجل في هذه السويعات القليلة، هذا الكتاب العظيم: كتاب التوحيد، الذي ألَّفه الشيخ الإمام المجدد، الشيخ محمد بن عبد الوهاب عليه رحمة الله تعالى. ولا شك أن هذا الكتاب كتاب عظيم النفع، جليل الوَضْع كذلك.
فأما نفعه، فإنه يُعرف نفعه بكثرة من انتفع به، نبهه إلى خطأ قد وقع فيه، أو ذكره بأمر كان قد غفل عنه، فكان سببًا بعد توفيق الله عز وجل في تصحيح كثير من الأمور عند الناس، والوقائع والأخبار في ذلك كثيرة لمن أراد أن يتتبعها أو أن يحكيها.
وأما وَضْع هذا الكتاب، فإن الشيخ رحمه الله تعالى قد وضعه وضعًا لطيفًا، فإنه اقتصر على ذكر عناوين الأبواب، ولم يذكر بعد تلك العناوين إلا قال الله قال رسوله، فإن زاد شيئًا، فإنما يزيد ما يكون به تفسير كلام الله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
وقد حاكى الشيخ في كتابه هذا الإمام البخاري في كتابه الصحيح، ووجه محاكاته له من جهات: أول هذه الأمور أو أول هذه الجهات: ما يتعلق بتسميته، وقد سمَّى الشيخ محمد كتابه بـ “التوحيد“، وللبخاري كتاب في صحيحه اسمه “كتاب التوحيد” كذلك. ومن أوجه الشبه بينهما كذلك: ما يتعلق بالتبويب، فإن التبويب بينهما متشابه من جهة أن المصنف هنا يعطف على عنوان الباب كلام الله عز وجل، فيقول: “باب كذا وقول الله عز وجل كذا وكذا“. وهذا واضح كما سيمر معنا بعد قليل، وهو جلي في صحيح البخاري عمومًا. ومن أوجه الشبه بينهما كذلك: ما يتعلق ببعض الأبواب، فإنها تكاد تكون مشابهة لما في صحيح البخاري في الباب الذي يلي هذا وأبواب أخرى كذلك.
ومن لطيف شبهه بصحيح البخاري: افتتاحه لهذا الكتاب، وقد افتتح كتابه بالبسملة ولم يذكر الحَمْدَلَة، كما أن البخاري رحمه الله تعالى افتتح كتابه بالبسملة ولم يذكر الحَمْدَلَة، اقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يفتتح كتبه بالبسملة. صح عند ابن أبي شيبة في المصنف أن عامر بن شُرَحْبيل الشعبي الإمام الجليل قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب في كتبه: باسمك اللهم، حتى أنزل الله عز وجل عليه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: 41]، فأصبح النبي صلى الله عليه وسلم يكتب بعد ذلك: بسم الله. ثم لما نزل عليه قوله الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: 30]، أصبح النبي صلى الله عليه وسلم يكتب في مراسلاته: بسم الله الرحمن الرحيم، في بعض ألفاظ هذا الخبر، فكانت هذه سُنَّتَه، أي افتتاح الكتب بالبسملة. رُوي هذا الحديث مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم وأعَلَّه الدارقطني، ورُوي موقوفًا على ابن مسعود وفيه علة، والصواب ثبوته عن الشعبي وعن جماعة من التابعين رضي الله عنهم.
إذًا هذا ما يتعلق بالبسملة، وهو أول ما افتتح به المصنف كتابه. ثم قال الشيخ: كتاب التوحيد، هذا الكتاب الذي يكون تحته أبواب متعددة، وكل الأبواب التي بعده هي متفرعة على هذا الكتاب الذي عنونه، أو هذا العنوان الذي ذكره وعنون به، وهو كتاب التوحيد.
ثم قال الشيخ: وقول الله تعالى، فهي معطوفة على التوحيد وقول الله تعالى. فإن رفعتها كما قرأ القارئ فلها وجه، فإنه يصح العطف على المحل ويصح العطف على الإعراب. قال: وقول الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. هذه الآية أوردها الشيخ لفوائد، أول هاتين الفائدتين: بيان معنى التوحيد، وأن التوحيد هو العبادة. فإن الله عز وجل لما قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، قال جماعة من أهل العلم منهم البخاري ومنهم ابن قتيبة من أئمة اللغة من أهل السنة ونُقل عن بعض المفسرين المتقدمين أنهم فسروا قول الله عز وجل: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ أي إلا ليوحدون. إذًا فال توحيد هو حقيقته هو العبادة، فهو يشمل اعتقاد القلب وفعل القلب وفعل اللسان وفعل الجوارح معًا. والفائدة الثانية من قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] بيان أهمية التوحيد، حيث جاء بالاستثناء بعد النفي، والاستثناء بعد النفي يفيد الحصر، أي أن الخلق الغاية السامية والجليلة واليها الكمال هي عبادة الله عز وجل وتوحيده.
ثم قال الشيخ: وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. محل الشاهد في هذه الآية قول الله عز وجل: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. هذه الجملة تدلنا على أن كل أنبياء الله عز وجل دعوتهم للتوحيد واحدة، وكلهم يدعون دعوة واحدة، ويأمرون بأمر واحد بتوحيد الله عز وجل، وأن عبادة الله عز وجل كما تقدم معنا هي التوحيد، يقابلها وضدها هو اجتناب الطاغوت، إذ تتميز الأشياء بأضدادها وبضده وبضدها تتميز الأشياء.
ثم قال الشيخ: وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: 23]. هذا مثل ما سبق، أن “قضى” أي: حكم وشرع وأوجب، وكل هذه من معاني “قضى“، ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23] هذا يدل على الحصر كذلك فهو من صيغ الحصر، بيان أهمية هذا الأمر وهو توحيد الله عز وجل وإفراده بالعبادة.
والثالثة قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: 151]. وهذه سيأتي خبرها بعد قليل في خبر ابن مسعود.
قال: وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: 36]. وهذه الصيغة أتت بصيغة الأمر مع النهي عن ضده.
ثم قال: قال ابن مسعود: «من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: 151]». أي: أن النبي صلى الله عليه وسلم ما مات وقد أمر بهذه الأوامر، ولم يُنسخ من هذه الأوامر شيء، وهذا الذي جعل الأصوليين رحمهم الله تعالى يقولون: إن التوحيد لا يُنسخ، فما يتعلق بأحكام التوحيد المجملة لا تقبل النسخ بخلاف سائر الأحكام، فإن الله عز وجل ينسخ ما يشاء ويثبت. قال: «من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه»؟ هنا «عليها خاتمه» أي ختمها كما تُختم سائر الكتابات، قال: «فليقرأ: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: 151]». وهذا هو أول الأوامر وأكدها، وما بعدها تبع لها.
ثم قال: «وعن معاذ بن جبل قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، فقال: يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟ وحق العباد على الله؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (إن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا). قال: قلت: يا رسول الله، أفلا أبشر الناس؟ قال: (لا)، قال: (لا تبشرهم فيتكلوا)». هذا يدلنا على أن حق الله عز وجل الذي أوجبه على العباد هو توحيده، فإن العبادة هي التوحيد كما تقدم معنا، وهو الحق الذي أحقه الله عز وجل على العباد، أعظم الحقوق وأكدها وأهمها هو الحق المتعلق بالله عز وجل، وهذا الحق مرجعه وتمامه إلى توحيده سبحانه وتعالى وإفراده بالعبادة.
بعد هذه الأحاديث والأبواب كان الشيخ رحمه الله تعالى يورد مسائل في كل باب، وهذه المسائل من وضعه أي من وضع الشيخ وتأليفه، وقد خلت بعض نسخ التوحيد من ذكر هذه المسائل، وكثير من الشراح المتقدمين كالشيخ سليمان والشيخ عبد الرحمن بن حسن إنما يقتصرون في الشرح على شرح التبويب وشرح الأحاديث والآيات الواردة تحتها، ولا يريدون شرح هذه المسائل، لأن هذه المسائل بمثابة التحشية التي كان يضعها الشيخ على كتاب التوحيد، هي ليست تحشية لكنها بمثابتها، فإنه يذكر فوائد متعلقة سواء بموضوع الباب أو بأمور أخرى خارجة عنه. ولذلك فإننا سنقتصر على أصل التبويب دون ذكر هذه المسائل، وكثير من مشايخنا عليهم رحمة الله كان يفعل ذلك. وسنسير في سائر الأبواب على هذه الطريقة بقراءة الباب، لمن لم يكن قد سمعه فيسمعه، ومن كان قد سمعه وقرأه أو حفظه، يسترجع ما حفظ وقرأ. ونعرف علاقة كل آية وحديث يورده المصنف بالباب، سواء كان من باب تفسير أو تقييد المطلق أو تفسير المجمل ونحو ذلك، ثم نربط كل باب بما قبله. نعم. أحسن الله إليكم.
باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب.
وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].
وعن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل). أخرجه.
ولهما في حديث عتبان رضي الله تعالى عنه: (فإن الله حرَّم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله).
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (قال موسى: يا رب، علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا. قال: يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله). رواه ابن حبان والحاكم وصححه.
وللترمذي وحسنه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: (يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، أتيتك بقرابها مغفرة). نعم أحسنت.
الشيخ رحمه الله تعالى لما ذكر في صدر كتابه التوحيد وبين معنى التوحيد، وأن التوحيد هو العبادة، وأن العبادة هي لا إله إلا الله ونفي الشرك، عقد هذا الباب لبيان فضل التوحيد بالمعاني المتقدمة المذكورة في صدر الكتاب. فقال الشيخ باب فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب.
ثم قال وقول الله تعالى، فجعل قول الله عز وجل الذي سيأتي ذكره هو من التبويب. قال وقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]. فمحل الشاهد أن الله عز وجل جعل الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم، فسرها ابن مسعود رضي الله عنه بالشرك. فيكون من قد حققوا التوحيد أولئك لهم الأمن، الأمن في الآخرة وفي الدنيا. فإن الأمن في الآخرة يكون الأمن من هول المطلع، والأمن من النار، والأمن من شديد أهوال يوم القيامة. وأما الأمن في الدنيا، فإن المشركين كانوا يخوفون الناس بآلهتهم، ومَن يستعيذون بهم. فبيَّن الله عز وجل أن الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن. فهم آمِنَة قلوبهم من الخوف من أضرار هؤلاء الأوثان بهم. فإنهم يأمنون من كل أحد إلا ما قدره الله عز وجل. ويعلمون أنه لن يكون شيء في ملك الله عز وجل إلا بأمره. وأن الأرض كلها لو اجتمعوا على أن يضروا عبدًا بشيء لم يكتبه الله عز وجل عليه لما استطاعوا ولم يستطيعوا إلى ذلك سبيلًا. فهذه هي حقيقة الأمن أن يعلم المرء ويتيقن ألا نافع ولا ضار إلا هو سبحانه وتعالى.
وأول حديث في هذا الباب أورده حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة حق، والنار حق، أدخله الله الجنة على ما كان من العمل). إلى هنا هذا هو تحقيق التوحيد. فأما فضله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أدخله الله الجنة على ما كان من العمل). وهذا يدلنا على أن المؤمن لا يكون خالدًا في النار. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أدخله الله الجنة) أي باعتبار مآله، ولا يلزم من هذا عدم دخوله النار من باب تكفير السيئات، وإنما باعتبار مآل أمره وتمامه أنه يكون إلى الجنة. وأما دخول النار فإنها تحت مشيئة الله عز وجل لمن كان مسلمًا مؤمنًا موحدًا، وإنما تلبس ببعض الكبائر.
ثم أورد حديث عتبان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله حرَّم على النار من قال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله). قوله: (حرَّم الله على النار) هذا التحريم قالوا ينقسم إلى قسمين: القسم الأول: تحريم مُطْلَق، فحرم الله عز وجل على النار كل من حقق التوحيد. فقال: لا إله إلا الله، يبتغي بذلك وجه الله، وعمل بمقتضاها فحقق التوحيد كاملًا. فهؤلاء يدخلون الجنة بغير حساب كما سيأتي. والنوع الثاني والمعنى الثاني أيضًا: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (حرَّم الله على النار من قال: لا إله إلا الله) أي حرَّم التأبيد في النار. وهذا يكون لمطلق من قال لا إله إلا الله. إذًا هذا الحديث له معنيان كلاهما مستقيم، أما التحريم المطلق على النار، وأما التحريم لمطلق من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله عز وجل، فهذا يحرم على مُطْلَقِهم التأبيد في النار.
والحديث الثالث حديث أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (قال موسى: يا رب، علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به. فقال: قل: لا إله إلا الله. ثم قال الله عز وجل في هذا الحديث القدسي: يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والأرضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله). هذه الجملة استُدل بها جماعة من أهل العلم على أن أفضل الكلام هو لا إله إلا الله، هكذا ذكرها ابن رجب. ثم نقل ابن رجب أن الحافظ أبا عمر ابن عبد البر حكى خلافًا بين السلف: أيهما أفضل؟ حمد الله أم تسبيحه أم التهليل؟ لا إله إلا الله. ومَن فضَّل لفظة التهليل فإنه يستدل بهذا الحديث، لأن فيها أنها أفضل من السماوات السبع كاملة، والأرضين السبع كذلك. المقصود من هذا كله أن هذا الحديث يدل على أمرين. الأمر الأول: على فضل هذه الكلمة، يعني لفظها، على فضل هذه الكلمة بمعنى لفظ فضل اللَّهْج بها، والتعبد لله عز وجل بقولها. والأمر الثاني هو الذي أراده المصنف: أن هذا الحديث دل على فضل تحقيق هذه الكلمة. فإن هذا الفضل ليس لمن تلفظ بها من غير أن يعتقد معناها أو أن يعمل بمقتضاها. فمن لم يعتقد معناها ولم يعمل بمقتضاها فإنها لا تنفعه. فدل على أن هذه الكلمة وقبلها الاعتقاد بمعناها تعادل السماوات والأرضين جميعًا.
ثم ختم الباب بحديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، أتيتك بقرابها مغفرة). هذا الحديث يدل على أن تحقيق التوحيد سبب لتكفير الذنوب والسيئات ومغفرتها. ولذلك فإن الله عز وجل إذا أذنب العبد ذنبًا ولم يأتِ بما يكفر ذلك الذنب من التوبة ونحوها فإنه يكون تحت المشيئة. ويغفر الله عز وجل لكثير من الناس ذنوبهم ويكفِّر عنهم سيئاتهم، وذلك مشروط بتحقيق التوحيد، لأنه قال: (لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا). المشيئة في التعذيب إنما هي متعلقة بأهل التوحيد. يغفر الله عز وجل لمن شاء ويعذب من شاء من أهل الكبائر. أحسن الله إليكم.
باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب.
وقول الله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 120].
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: 59].
وعن حصين بن عبد الرحمن رضي الله تعالى عنه قال: كنت عند سعيد بن جبير، فقال: أيكما رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟ قال: فقلت أنا. قال: ثم قلت: أما إني لم أكن في صلاة، ولكني لُدِغْتُ، قال: فما صنعت؟ قال: قلت: ارتقيت. قال: فما حملك على ذلك؟ قال: قلت: حديث حدثناه الشعبي. قال: وما حدث؟ قال: وما حدثكم؟ قال: قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصيب أنه قال: (لا رقية إلا من عين أو حُمَة). قال: قد أحسن من انتهى إلى ما سمع. ولكن حدثنا ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (عُرضت عليَّ الأمم، فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد. إذ قيل لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي. قال: فقيل لي: هذا موسى وقومه. فنظرت فإذا سواد عظيم، قال: فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. ثم نهض فدخل منزله، فخاض الناس في أولئك، فقال بعضهم: فلعلهم الذين صحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: ولعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا بالله شيئًا وذكروا أشياء. فخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه فقال: هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن فقال: ادعوا الله أن يجعلني منهم. فقال: أنت منهم. ثم قام رجل آخر فقال: ادعوا الله أن يجعلني منهم. فقال: سبقك بها عكاشة).
نعم هذا الباب عنونه الشيخ محمد رحمه الله تعالى بقوله: باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب. تعبير المصنف رحمه الله تعالى بقوله: «من حقق التوحيد» يدل على أن الناس في التوحيد ليسوا على درجة واحدة، فإن بعضهم أكمل من بعض، كما أن المتقرر عند أهل السنة والجماعة أن الناس ليسوا في الإيمان سواء، فلم يقل أحد من علماء السنة أن إيمانه كإيمان أبي بكر وعمر وعثمان وعلي أو أن إيمانه كإيمان جبريل وميكائيل وإسرافيل وغيرهم من ملائكة الله عز وجل. دل ذلك على أن الناس يتفاوتون في تحقيق التوحيد. وهذا الباب هو متعلق بمن حقق التوحيد، أي حقق كمالها. والباب الذي قبله يتعلق بمن حقق مطلق التوحيد، فمن حقق الكمال يدخل في البابين، والأول يختص به دون الثاني مَن كان دون ذلك.
قال: باب من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب. وذكر فيه قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 120]. فإبراهيم عليه السلام هو أبو أنبياء الله، وهو أحد أولي العزم من الرسل، وهو من أجل أنبياء الله عز وجل ولا شك. وقد ذكره الله عز وجل في كتابه في مواطن كثيرة. وفي هذه الآية ذكر له نعوتًا: أولها أنه كان أُمَّة أي يقتدى به. والثاني: أنه كان قَانِتًا لِّلَّهِ والقنوت هو طول القيام في العبادة، فدل ذلك على أنه كان يعبد الله عز وجل فمن تحقيق التوحيد عبادته سبحانه وتعالى. وقيل إن معنى القنوت هو الاستمرار على العبادة، فلم يكن متقطعًا عنها. قوله: حَنِيفًا أي لله عز وجل، فهو مفرد للعبادة له سبحانه وتعالى، مائل لله عز وجل مائل عن غيره. وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. هذه النعوت الأربع في إبراهيم عليه السلام تدل على أن هذا هو كمال تحقيق التوحيد، تحقيقه بالقنوت لله عز وجل والاستمرار على العبادة، وأن يكون المرء موحدًا حنيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
ثم ذكر قول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: 59]. هذه صفة كمال للناس في تحقيق التوحيد.
ثم ذكر حديث ابن عباس الطويل، ومحل الشاهد فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (عرضت عليَّ الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد. إذ قيل لي سواد عظيم، فظننت أنهم أمتي. قال: فقيل لي: هذا موسى وقومه. فنظرت فإذا سواد عظيم، قال: فقيل لي: هذه أمتك ومعهم سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب). إذًا محل الشاهد أن من أمة محمد صلى الله عليه وسلم سبعين ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. فلما خاض الناس في هؤلاء السبعين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن نعتهم فقال: (هم الذين لا يسترقون) ومعنى قوله: «لا يسترقون» أي لا يطلبون الرقية من غيرهم. قال: (ولا يكتوون). ولذا قال العلماء إن الكي مكروه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وأكره الكي). قال: (ولا يتطيرون)، وسيأتي باب يفرده المصنف بالطِّيَرَة وأنها تخالف كمال التوحيد. (وعلى ربهم يتوكلون)، فلا يتوكلون على غيره. وهذه الأوصاف الأربع كلها متعلقة بتحقيق كمال التوحيد، فلما اجتمعت فيهم أُجِروا على ذلك وأُثِيبوا بأن دخلوا الجنة بغير حساب.
مما يتعلق بهذا الحديث فقط من باب بيان المعنى، أن قول بريدة رضي الله عنه: «لا رقية إلا من عين أو حُمَة». المراد من حُمَة هنا هو اللدغ الذي يقع بسبب عقرب أو بسبب غيرها، فإن الرقية في حقها مشروعة، مثل رقية العقرب والنملة وغيرها، فإنها تسمى رقية حُمَة. نعم. أحسن الله إليكم.
باب الخوف من الشرك.
وقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].
وقال الخليل عليه السلام: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35].
وفي الحديث: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر). فسأل عنه فقال: (الرياء).
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من مات وهو يدعو لله نِدًّا دخل النار»). رواه البخاري.
ولمسلم عند جابر رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار»). نعم هذا الباب أورده المصنف بعد الباب السابق في ذكر الفضائل، فذكر فقال: باب الخوف من الشرك.
وذلك أن المرء إذا خاف شيئًا فإنه يبذل الأسباب للهرب منها. فالشيخ يقول إن الذي يخاف من الشرك فإنه سيبذل الأسباب بتعلم معرفة الأشياء المحرمة، والذرائع المؤدية للوقوع في الشرك، ثم يسعى في البعد عنها، بل إنه يسعى في سد ذرائع المفضية إلى الشرك. ولذا كما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: الرياء ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق.
والشرك بالله عز وجل يخافه المؤمنون. وسيأتي أن إبراهيم عليه السلام وهو أبو الأنبياء، وقد كان ﴿أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 120]، خاف الشرك على نفسه، وخافه على بنيه من بعده.
قال وقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. هذه الآية بيان سبب الخوف لما المرء يخاف من الشرك، وإن سبب الخوف من الشرك أن الله عز وجل لا يغفره، بخلاف سائر الذنوب فإن الله يغفرها إن شاء. وأما الشرك فإن الله لا يغفره: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48]. فدل على أن السبب إنما هو لخطورة المخوف منه وهو الشرك.
ومما يُنَبَّه إليه أن هذه الآية فيها إطلاق، وذلك أن قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48] أن “أن” هذه مصدرية تؤول وما بعدها بِنَكِرَة. فتكون المعنى: إن الله لا يغفر شركًا به. والشرك إذا جاء في سياق النفي أو في سياق النهي فإنه يدل على العموم أي جميع أنواع الشرك، فيشمل ذلك الشرك الأصغر والشرك الأكبر. نبه لهذا الاستدلال الشيخ تقي الدين. لماذا ذكرت ذلك؟ لأن الشيخ سيذكر بعد ذلك الحديث المتعلق بالشرك الأصغر، ودل ذلك على أن الشرك الأكبر والشرك الأصغر كلاهما لا يُغْفَران. ولكن الفرق بينهما أن الشرك الأكبر الواقع فيه خالد مُخَلَّد في النار. وأما الشرك الأصغر فإنه ليس خالدًا في النار، وإنما يعذب الله صاحبه في النار بخلاف صاحب الكبيرة فإنه تحت المشيئة، إن شاء الله عذبه وإن لم يشأ لم يعذبه. هذا الذي سار عليه كثير من أهل العلم ومشوا عليه منهم الشيخ تقي الدين، وهو ظاهر كلام المصنف وكثير من تلامذته وأحفاده من بعده على هذه الطريقة.
ثم قال: وقال الخليل –يعني بالخليل إبراهيم عليه السلام-: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35]. فإذا كان كليم الله إبراهيم عليه السلام ونبيه ورسوله يخاف على نفسه ذلك فإنه أحرى وأولى بمن دونه أن يسأل الله عز وجل الأمن من الوقوع في الشرك.
ثم ذكر الحديث الذي بعده وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر). فسأل عنه فقال: (الرياء). هذا الحديث يدلنا على أن هذا الشرك سيقع في أمة محمد، وقد خافه النبي صلى الله عليه وسلم على أمته، وحري بالمسلم أن يسعى في البعد عنه وأن يخافه أولًا، ويتعلم صفته، ويحرص على نفيه عن قلبه وعن أفعاله.
ثم قال: وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وهو يدعو لله نِدًّا دخل النار). رواه البخاري. ودخول النار هنا على سبيل الخروج في الجملة، وهذا بمعنى الآية المتقدمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ [النساء: 48].
ثم الحديث الذي بعده حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لقي الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار). قوله: «ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار» يشمل الشرك الأصغر والأكبر، فكلاهما في ظاهر كلام جمع من أهل العلم أنه سيدخل النار، بيد أن من وقع في الشرك الأكبر يكون مخلدًا في الجملة، ومن وقع في الشرك الأصغر فإنه يدخل النار ثم إن كان عنده أصل الإيمان بعد ذلك فإن الله عز وجل يرحمه برحمته. نعم. أحسن الله إليكم.
باب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله.
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108].
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذًا إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله»، وفي رواية: «إلى أن يوحدوا الله». قال: «فإنهم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإنهم أطاعوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم. فإنهم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب»). أخرجاه.
ولهما عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم خيبر: «لأعطين الراية غدًا رجلًا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه». فبات الناس يخوضون ليلتهم أيهم يعطاها. فلما أصبحوا غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم يرجو أن يعطاها. قال: فقال: «أين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه؟» فقيل: هو يشتكي عينيه. فأرسلوا إليه، فأتي به فبصق في عينيه ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية. فقال: «انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمْر النَّعَم». ويذوقون أي يخوضون).
نعم هذا الباب أورده الشيخ بعد ذكر الخوف من الشرك، فإن المرء إذا خاف الشرك أخافه على نفسه فيحذر غيره كذلك منه، سواء من قرابته أو من جيرانه أو عموم المسلمين والناس. ذكر بعد ذلك الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله، أي نصيحة الناس ودعوتهم له، إذ من لوازم الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلا الله الدعاء للتحذير من ضدها وهو الشرك بالله عز وجل. وذكر في ذلك آية وحديثين.
فالآية قول الله عز وجل: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108]. فيها دليل على أن الدعوة إلى الله عز وجل تكون على بصيرة، وإنما تكون للتوحيد، بدليل آخر الآية: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108]. فلا دعوة مع وجود الشرك أو أي أمر يفضي إليه.
ثم ذكر حديث ابن عباس رضي الله عنهما، لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن. ومحل الشاهد فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله). قال: «وفي رواية: إلى أن يوحدوا الله». وهذه الرواية في صحيح البخاري، أن في بعض طرق البخاري: فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله. في هذا يدلنا على أمرين: أن توحيد الله عز وجل هو معنى شهادة أن لا إله إلا الله. والأمر الثاني: أن أول ما يدعو الدعاة إليه ويُنَبِّهُ الناس هو التوحيد، وأول ما يجب أن يُحَذِّروا عنه هو الشرك، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله).
ثم أورد بعد ذلك المصنف حديث سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم في يوم خيبر قال لعلي بن أبي طالب: (انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حُمْر النَّعَم). وحُمْر جمع أحمر، والنَّعَم هي بهيمة الأنعام، وخاصة من الإبل، وهي أطيب إبل الحجاز، فإن إبل الحجاز أطيبها عندهم ما كانت حُمرًا بخلاف غيرها من جزيرة العرب. ومحل الشاهد في هذا الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: (ثم ادعهم إلى الإسلام)، فجعل أول ما يدعى إليه هو الإسلام والإخبار بما يجب عليهم من حق الله تعالى فيه. أحسن الله إليكم.
باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله.
وقول الله تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: 57].
وقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: 26-28].
وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31].
وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165].
وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه قال: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله، حَرُمَ ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل»).
وشرح هذه الترجمة ما بعدها من الأبواب فيه أكبر المسائل وأهمها. هذا الباب الذي أورده الشيخ هو باب مجمل، وكل الأبواب إلى نهاية هذا الكتاب تفسر وتفصل هذا الباب. يقول الشيخ: باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله. قوله: تفسير التوحيد أي بيان معناه. قوله: وشهادة أن لا إله إلا الله، الواو هذه ليست واوًا عاطفة تقتضي المغايرة، وإنما هي من باب عطف الشيء على نفسه من باب التفسير، فهي تكاد تكون تفسيرية. وذكر عددًا من الآيات تدل كل آية على حُكم ومعنى.
أول آية أوردها هي قول الله عز وجل: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: 57]. هذا فيه أن مما يناقض التوحيد أن يُدعى غير الله عز وجل أو أن يُبتغى إليه الوسيلة.
والآية الثانية فيها: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: 26-28]. هذا فيه دليل على أن من التوحيد البراءة من الشرك، وأن الولاء والبراء متعلق بالتوحيد بل هو أساس.
والآية الثالثة قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]. هذا فيه أن طاعة الأحبار والرهبان في تحليل ما حرَّم الله أو في تحريم ما أحل الله أن هذا من الشرك، وأنه مناقض للتوحيد.
ثم ذكر الآية الأخيرة وهي قول الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ﴾ [البقرة: 165]. فيه أن من التوحيد حب الله عز وجل، وأن مما يناقضه محبة غير الله عز وجل حبًا يعارض محبته سبحانه وتعالى، وهو حب العبادة.
ثم ذكر الحديث الذي في الصحيح: (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يُعبد من دون الله، حَرُمَ ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل). وهو الكفر بالطاغوت. هذه الآيات والأحاديث التي أوردها المصنف هي جزء من تفسير كتاب جزء في تفسير التوحيد وكلمة التوحيد: لا إله إلا الله. وسيذكر المصنف أن شرح هذه الترجمة وترجمة الباب ستكون في الأبواب التي بعدها إلى نهاية المصنف بإذن الله عز وجل.
أحسن الله إليكم. باب من الشرك لُبْسُ الحَلَقَة والخَيْط ونحوهما لرفع البلاء أو دَفْعِه.
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: 38].
وقوله: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: 38].
عن عمران بن حصين رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً في يده حلقة من صُفْر، فقال: «ما هذه؟» قال: من الواهِنة، فقال: «انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهنًا. فإنك لو مِتَّ وهي عليك ما أفلحت أبدًا»). رواه أحمد بسند لا بأس به.
وله عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: (من تعلَّق تميمةً فلا أتمَّ الله له، ومن تعلَّق وَدْعَةً فلا وَدَعَ الله له). وفي رواية: (من تعلَّق تميمةً فقد أشرك).
ولابن أبي حاتم عن حذيفة أنه رأى رجلاً في يده خيط من حُمَّى، فقطعه وتلا قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106].
في هذا الباب إلى نهاية الكتاب بإذن الله عز وجل سيمر الشيخ رحمه الله تعالى على أشياء، بعضها من نواقض كمال التوحيد، وبعضها من نواقض التوحيد بالكلية. ويختلف ذلك من أمر لآخر. والأمور التي سيبينها الشيخ رحمه الله تعالى بعضها متعلقة بأفعال الجوارح مثل هذا الباب، وبعضها متعلقة بأفعال اللسان وهو القول، ومنها ما يتعلق بأفعال القلوب. وكل مسألة ستُورَد في محلها.
يقول الشيخ: «من الشرك لُبْسُ الحَلَقَة والخَيْط ونحوهما لرفع البلاء أو دَفْعِه». بين الشيخ أن من صور الشرك ومخالفة التوحيد ومناقضته هذه الأفعال، وهو لبس الحلقة التي تُجعَل على الصدر أو على اليد أو على غيرها، والخيط مثله، لرفع البلاء أو دفعه، فيكون غرضه ذلك. وأما لبسها لأجل التزين والتجمُّل فإنه جائز، فقد كان نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم يلبسنه.
وذكر في الدليل على ذلك قول الله عز وجل: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [الزمر: 38]. محل الشاهد قول الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: 38]. فدل على أن مثل هذه الأمور من الحلقة والخيط لا ينفع من دون الله عز وجل، فمن تعلَّق به فقد أشرك.
ثم أورد حديث عمران بن حصين: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً في يده حلقة من صُفْر) أي نحاس. فقال: «ما هذه؟» قال: وضعتها من الواهِنة. والمراد بالواهنة ما توهِن الجسد كالحمَّى ونحوها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «انزعها، فإنها لا تزيدك إلا وهنًا»، أي لا تزيد دينك إلا وهنًا، ولا تزيد جسدك كذلك إلا وهنًا، فإنها لا تنفع ولا تضر لعدم وجود العلاقة السببية الطبيعية أو العلاقات السببية الشرعية. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنها لا تزيد إلا وهنًا». ثم قال صلى الله عليه وسلم: «فإنك لو مِتَّ وهي عليك ما أفلحت أبدًا».
ثم ذكر حديث عقبة بن عامر: (من تعلَّق تميمةً فلا أتمَّ الله له، ومن تعلَّق وَدْعَةً فلا وَدَعَ الله له). فكل من تعلَّق الودع وهو الخيط فإن النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليه بأن لا يدع الله له، فلا يكون آمنًا ولا يكون مستقيم الحال. وأما التميمة فسيأتي التفصيل عنها في الباب الذي بعده.
ثم ذكر المصنف أنه في رواية من حديث عقبة: (من تعلَّق تميمةً فقد أشرك). قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من تعلَّق تميمةً فقد أشرك» المراد بالتميمة أحد أنواعها، فإن التميمة أحيانًا قد تكون بشيء شركي، فمن تعلَّقها فقد أشرك إذا اعتقد بها رفع البلاء أو دفعه ونحو ذلك. وقد تكون من غير كلام الله عز وجل، فقد تكون التميمة خيطًا أو تكون حلقة، فتدخل كذلك في هذا الباب فتكون داخلة في الشرك، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو مِتَّ وهي عليك فما أفلحت أبدًا». بقيت الصورة الثالثة سيفصلها المصنف في الباب الذي بعده، فيما إذا كانت التميمة من القرآن وسيأتي إن شاء الله الإشارة إليها.
قال: ولابن أبي حاتم عن حذيفة: (أنه رأى رجلاً في يده خيط من حُمَّى)، أي لأجل حمى، فكأن “من” هنا بمعنى “اللام“، بمعنى لأجل، فهي تكون للتعليل. قال: «فقطعه وتلا قول الله عز وجل: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]». هذا يدل على أن الصحابة فهموا أن تعليق مثل هذه الأمور وصورة من صور الشرك، فلا يجوز للمرء أن يفعلها لما فيها من الضرر والنهي قبل ذلك. نعم. أحسن الله إليكم.
باب ما جاء في الرُّقَى والتمائم.
في الصحيح عن أبي بشير الأنصاري رضي الله تعالى عنه: (أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، فأرسل رسولاً: «ألا يبقينَّ في رقبة بَعِير قلادة من وَتَر، أو قال: قلادة، إلا قُطِعَتْ»).
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرُّقَى والتمائم والتِّوَلَةَ شِرْكٌ»). رواه أحمد وأبو داود.
وعن عبد الله بن عُكَيْم رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: (من تعلَّق شيئًا وُكِلَ إليه). رواه أحمد والترمذي.
التمائم شيء يعلَّق على الأولاد يتقون به العين. لكن إذا كان المعلَّق من القرآن فرخَّص فيه بعض السلف، وبعضهم لم يرخِّص فيه ويجعله من المنهي عنه، منهم ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
والرُّقَى هي التي تسمى العزائم، وخُصَّ منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رُخِّص فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم من العين والحُمَّى.
والتِّوَلَة هي شيء يصنعونه يزعمون أنه يحبِّب المرأة إلى زوجها والرجل إلى امرأته.
وروى أحمد عن رُويفع قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا رُويفِع، لعل الحياة تطول بك، فأخبِر الناس: «أن من عقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمدًا بريء منه»).
وعن سعيد بن جُبَير رضي الله تعالى عنه قال: (من قطع تميمة من إنسان كان كعتق رقبة). رواه وكيع. وله عن إبراهيم قال: (كانوا يكرهون التمائم كلها، من القرآن وغير القرآن). نعم.
هذا الذي ذكره الشيخ رحمه الله تعالى بمثابة التفسير للباب الذي قبله. فإن الرُّقَى والتمائم هي تُعلَّق على الأجساد وتُعلَّق على اليد والكتف ونحو ذلك، وتُعلَّق كذلك على البهائم. ولكن الرُّقَى والتمائم قسمان: منها ما يكون مشروعًا جائزًا ومنها ما يكون منهيًا عنه وفاعله يكون قد وقع في الشرك. المشروع منه ما كان من القرآن أو كان من السنة، وزاد بعضهم أو كان بمعنى صحيح فيما يتعلق بالرُّقَى، لأنه ثبت عن الصحابة أنهم كانوا يَرقي بعضهم بعضًا. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل). وأما التمائم فجاء عن بعض السلف إباحتها كابن عمر رضي الله عنه وجماعة من الصحابة والتابعين.
أورد المصنف عددًا من الأحاديث، أولها حديث أبي بشير الأنصاري: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل رسولًا: «ألا يبقينَّ في رقبة بعير قلادة من وَتَر، أو قال: قلادة، إلا قُطِعَتْ»). وجه إيراد هذا الحديث أن هذه القلادة التي تُعلَّق على البعير تارة تكون تميمة من القرآن، وتارة تكون تميمة من شيء غير مشروع، وتارة تكون حلقة أو وترًا، عبر بصيغة تشمل الكل وهي قوله: «قلادة»، فيدل على أن الجميع يُقْطَع.
ثم قال وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الرُّقَى والتمائم والتِّوَلَةَ شِرْكٌ»). فسر الشيخ الرُّقَى أولاً فقال: «هي التي تسمى العزائم». وهي أن يتلو امرؤ على غيره شيئًا من القرآن أو غيره. قال الشيخ: «وخُصَّ منها الدليل ما خلا من الشرك». تعبيره بقوله: «ما خلا من الشرك» إذن اشمل صحة الرقية من القرآن وصحة الرقية من السنة ومن مطلق الدعاء لله عز وجل، ومن كل كلام إذا لم يكن فيه شركًا. ولذلك قال بعض أهل العلم: لا بد أن يكون بكلام عربي مُستَبين لكي يُستَبين هل هذه الرقية شرك أم ليست بشرك؟ إذًا القيد أن لا تكون شركًا، لا بأس بالرُّقَى ما لم تكن شركًا. والعبرة بالرقية بالمَتْلو، ولذلك ففي الموطأ أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال لامرأة يهودية: ارقيها بكتاب الله عز وجل. فلو كان الراقي كتابيًا صحَّت رقيته إذا كان بكلام الله عز وجل، وهذا فعل أبي بكر الصديق في الموطأ.
قال: نعم، ثم فسَّر المصنف التمائم فقال: «والتمائم شيء يعلَّق على الأولاد يتقون به العين». لكن إذا كان المعلَّق من القرآن رُخِّص فيه بعض السلف، منهم ابن عمر رضي الله عنه وغيرهم، وبعضهم لم يرخِّص فيه ويجعله من المنهي عنه كابن مسعود رضي الله عنه، وسيأتي الأثر عن إبراهيم النَّخَعي أنه قال: «كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن»، وسيأتي شرح أثر إبراهيم بعد قليل، ولكن إبراهيم من أعلم الناس بفقه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. وأهل العلم من مشايخنا يرون أن الأولى حسم هذا الباب وقطعه، وأن الأولى بالمسلم ألا يعلِّق تميمة ولو كانت من القرآن، لعموم الحديث: (من تعلَّق شيئًا وُكِلَ إليه). والأمر الثاني: أن تعليق مثل هذه التمائم قد يكون ذريعة لتعليق التمائم الشركية المنهي عنها. ولذا فإن النهي عن التميمة قد يكون ولو كانت من القرآن قد يكون سدًا للذريعة وقد يكون منهيًا عنه لذاته، ولذلك أغلقوا الباب بكليته من باب الاحتياط.
قوله: «والتِّوَلَة» قال الشيخ: «التِّوَلَة هي شيء يصنعونه ويزعمون أنه يحبِّب المرأة إلى زوجها والعكس». هذا الشيء الذي يصنعونه قد يكون فيه عقد ونَفْث فيكون سحرًا، وقد يكون غير ذلك. فإن الذي يفعله أشياء أخرى قد تكون من تناول شيء معين أو فعل شيء معين يحبِّب الرجل لزوجه والعكس. فبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شرك وإن لم يكن فيه نفث في ظاهر هذا الحديث.
ثم أورد المصنف حديث عبد الله بن عُكَيْم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من تعلَّق شيئًا وُكِلَ إليه). وقوله: «من تعلَّق شيئًا» نَكِرَة في سياق إثبات، دل على أنها مطلقة الأوصاف، فتشمل كل شيء عُلِّق سواء كان من القرآن أو من غيره. «وُكِلَ إليه» أي وُكِلَ أمره إليه، فدل ذلك على ضعف جَنْبه ورعاية الله عز وجل له بسبب تعليقه لهذه التمائم.
ثم ذكر المصنف حديث رُويفع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (يا رُويفِع، لعل الحياة تطول بك، فأخبِر الناس: «أن من عقد لحيته، أو تقلد وترًا، أو استنجى برجيع دابة أو عظم، فإن محمدًا بريء منه»). محل الشاهد قوله: «أو تقلد وترًا» أو «عقد لحيته، فإن محمدًا بريء منه». وهذا على عمومه يشمل الرُّقَى، ولا شك أن العلماء متفقون على أن الرُّقَى التي فيها شرك منهي عنها بل هي شرك في ذاتها.
ثم ذكر قول سعيد بن جبير: (من قطع تميمة من إنسان كان كعتق رقبة). وهذا وإن لم يكن مرفوعًا إلا أنه قول تابعي، وقول التابعي فيما يكون فيه أجر في الأصل أن له حُكم المرفوع لأنه أمر غيبي. والتابعي، وخاصة إن كان من كبار التابعين كسعيد بن جبير جلالة وقدراً وعلمًا، لا يُظَنّ به أن يقول شيئًا فيه تقدير هذه الأجور من اجتهاد نفسه، وإنما لخبر سمعه من أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لكنه لم يرفعه أو لم يوقفه لأحد من الصحابة، هذا إن ثبت إلى سعيد هذا الخبر. وهذا يدلنا على فضل الدعوة إلى الله عز وجل في سد ذرائع الشرك والنهي عن التمائم وغيرها.
وآخر خبر في هذا الباب ما نقله عن إبراهيم وهو النَّخَعي أنه قال: «كانوا يكرهون التمائم كلها من القرآن وغير القرآن». قول بعض السلف: «كانوا»، ذكر القاضي أبو يعلى أنه يدل على الإجماع، فيكون حكاية لإجماع. وهذا مشى عليه كثير من أهل العلم، منهم كما ذكرت لك القاضي وجمع من أهل العلم. وعامة المتأخرين من أصحاب أحمد يعتبرون هذه حكاية إجماع عند السلف إذا قال: «كانوا» مما يدل على عمومهم. لكنه إجماع ظني، فإن ثبت عندنا عن العصر الذي حُكِيَ عنهم هذا القول خلاف فلا نقول إنه يكون إجماعًا، وإنما يكون حكاية قول الأغلب. وهذا إبراهيم النَّخَعي حكى قول أهل الكوفة وهو ابن مسعود رضي الله عنه وتلامذته من بعده كالأسود ويزيد وغيرهم، أنهم كانوا يمنعون من جميع أنواع التمائم ولو كانت تلك التمائم من القرآن. وربما إبراهيم لم يكن عالِمًا بخلاف ابن عمر رضي الله عنه في المسألة وبعض الصحابة فيها. لكن يدل على أن قول كثير من الصحابة والتابعين هو المنع من التمائم ولو كانت تلك التمائم من القرآن. إذًا الفرق بين تمائم الشرك أن إثمها عظيم وتكون سببًا في الوقوع في الشرك نسأل الله السلامة. وأما التمائم التي تكون من القرآن ففيها خلاف في جوازها. ومن منع منها رآها محرمة ولكنها ليست شركًا. فهذا هو الفرق بين نوعي التمائم، لا تكون شركًا كالأولى، وإنما تكون من باب التحريم لأن فيها ضعفًا في التوكل على الله عز وجل، وقد جاء في الحديث: (من تعلَّق شيئًا وُكِلَ إليه). أحسن الله إليكم.
باب من تبرَّك بشجرة أو حجر ونحوهما.
وقول الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى * إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ﴾ [النجم: 19-23].
وعن أبي واقد الليثي رضي الله تعالى عنه قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حُنَيْن ونحن حُدَثَاءُ عهد بكفر، وللمشركين سِدرة يعكفون عندها ويَنُوطُون بها أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط. فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، إنها السَّنَنُ، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَن كَانَ قَبْلَكُمْ»). رواه الترمذي وصححه.
هذا الباب الذي أورده الشيخ باب من تبرَّك بشجرة أو حجر ونحوهما، بيان أن هذا التبرك يكون شركًا تارة ويكون ذريعة لشرك تارة أخرى.
وأورد فيه قول الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: 19-20]. وهي آلهة كان يعبدها المشركون: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى * وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: 19-20]. الكم الذكر وله الأنثى؟ تلك إذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى. ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ﴾ [النجم: 23]. هذا هو محل الشاهد أن الله عز وجل ذكر أن الناس أنهم إنما يتبعون الظن وما تهوى الأنفس. فمن اعتقد في حجر أو اعتقد في شيء معين من الأشياء التي يتبرك بها أن فيها نفعًا وضرًا من دون الله عز وجل، فإنه إنما يتبع الظن وما تهوى نفسه، فيكون حاله كحال المشركين الذين عبدوا اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى.
كما أورد حديث أبي واقد: (أنهم خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ورأوا للمشركين سِدرة يعكفون عندها ويَنُوطُون بها أسلحتهم)، أي يعلقون أسلحتهم، يقال لها: ذات أنواط. قال: «فمررنا بسِدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط». مررنا بسِدرة يعني شجر السدر المعروف. وقالوا: «اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط»، أي شجرة كشجرتهم التي يعلقون عليها أسلحتهم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر، إنها السَّنَنُ، قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَن كَانَ قَبْلَكُمْ». هذا يدلنا على أن الناس يقلدون الأمم السابقة في كثير من الأمور ومنها الشرك وذرائعه. وذلك لما طلب أولئك القوم هذا الفعل بين النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا كما قالت بنو إسرائيل: ﴿اجْعَل لَّنَا إِلَٰهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: 138] لما أرادوا التبرك بهذه الشجرة ذات الأنواط. ولذلك فإن من تبرك بمثل هذه الأمور ففيه شَبَه من المشركين حينما تبركوا بأشياء ثم عبدوها من دون الله عز وجل. نعم.
ولذلك فَرَّق بين أن يتبرك الشخص بشيء اعتقادًا بنفع ذلك الشيء بذاته، وبين أن يفعل فعلاً فعله النبي صلى الله عليه وسلم، كتقبيل الحجر الأسود مثلاً، أو مَسِّ رُكني الكعبة الركنين اليمانيين. فإن هذا إنما يفعله المسلم استنانًا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم كما قال عمر رضي الله عنه: (إني لأعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك). الأصل أنه لا يتبرَّك بشيء، ولا ينفع شيء من دون الله عز وجل. وإنما نفعل هذه الأفعال، ونرقى هذه المراقي كرقِيِّ الصفا والمروة والمشاعر التي نقف فيها عند الحج، إنما نفعلها استنانًا واتباعًا للنبي صلى الله عليه وسلم حيث أمرنا الله عز وجل بطاعته: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾. أحسن الله إليكم.
باب ما جاء في الذبح لغير الله.
وقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162-163].
وقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2].
وعن علي رضي الله تعالى عنه قال: (حدثني رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع كلمات: «لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى مُحْدِثًا، لعن الله من غيَّر منار الأرض»).
وعن طارق بن شهاب: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «دخل الجنة رجل في ذُباب، ودخل النار رجل في ذُباب». قالوا: وكيف ذاك يا رسول الله؟ قال: «مَرَّ رجلان على قوم لهم صنم لا يَجُوزُهُ أحد حتى يُقرِّب له شيئًا. قال: فقالوا لأحدهما: قَرِّب. قال: ليس عندي شيء أُقرِّب. قالوا له: قَرِّب ولو ذُبابًا. فقرَّب ذُبابًا فدخل النار. وقالوا لآخر: قَرِّب. قال: ما كنت لأُقرِّب لأحد شيئًا دون الله عز وجل. فضربوا عنقه فدخل الجنة»). نعم.
أحسنت هذا الباب بوَّب له الشيخ رحمه الله تعالى بقوله: باب ما جاء في الذبح لغير الله عز وجل. والذبح لغير الله عز وجل شرك، لأنه يجب أن يكون الذبح لله عز وجل، إذ الذبح لله عز وجل يشمل أمرين: التسمية له سبحانه عند الذبح، ولذا فإن الذكاة شرط صحتها التسمية، والعلماء جعلوا ذلك شرطًا لصحة وإباحة أكل الذبيحة. والأمر الثاني: القصد بأن يكون قاصدًا بذبحه الله عز وجل، ويتبع ذلك أنه يريد أكلها ويريد تقديمها لضيفه. إذًا فالأصل أن يكون الذبح لله عز وجل.
ولذلك ذكر المصنف قول الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 162-163]. محل الشاهد فيه: ﴿وَنُسُكِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 162]. أي أن النَّسِيكَة وهي التي تُذبح، يكون لله عز وجل وحده لا شريك له، فلا يُشرك فيها معه أحد. فكل ذبيحة ذُبحت لغير الله فإنها محرَّم أكلها. وكل ذبيحة ذُكر عليها غير اسم الله عز وجل فإنه يحرم أكلها. وكل ذبيحة لم يُذكر اسم الله عليها فلها حالتان: إما أن يتعمَّد عدم ذكر اسم الله عز وجل عليها فيحرم أكلها. وأما أن ينسى ذكر اسم الله عز وجل عليها، فأهل العلم يقولون إنهم على مشهور قول المتأخرين أنهم يفرقون بين التسمية على الصيد والتسمية على الذبيحة عند الذكاة. ويقولون: إن في حديث أبي ثعلبة رضي الله عنه دل على أن ذكر اسم الله عز وجل على الصيد شرط، فمن نسي اسم الله عز وجل فإنه لا يباح الصيد. وأما التذكية بالذكاة أو بالنَّحْر لما يُنحر فإنه يكون واجبًا يحرم أكلها إن تعمَّد ترك التسمية، ولا يحرم أكلها إن نسيها. ففرقوا بين باب الصيد وباب الذكاة لظاهر حديث أبي ثعلبة رضي الله عنه.
ثم قال وقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]. فقرن الله عز وجل بين الصلاة وبين النحر وهو الذبح. وهذه الدلالة، دلالة الاقتران، تدل على أن كليهما لا يُصرف إلا لله، ولا يجوز صرفه لغيره.
ثم أورد حديث علي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لعن الله من ذبح لغير الله»)، ذكر جمع من أهل العلم في كتاب النسخ من كتب الأصول أن الأخبار لا تقبل النسخ. فكل ما أخبَرَ به الله عز وجل أو أخبَرَ به النبي صلى الله عليه وسلم عن الله أنه لا يقبل النسخ. يشمل الأخبار السابقة وكثير من الأخبار اللاحقة. ومن الخبر اللعن. ولذلك قال جمع من أهل العلم إن كل ملعون لا ينسخ. هكذا أورده بعض الأصوليين في كتبهم أن ما لُعِنَ فلا يقبل النسخ، لأن اللعنة لا تتغير، فما يُجْعَل اليوم لا يقول غدًا إنه يكون جائزًا. كما أن اللعنة هو الطرد من رحمة الله عز وجل، ولا يكون الفعل ملعونًا وملعون صاحبه إلا أن يكون من كبائر الذنوب.
كما أورد حديث طارق بن شهاب: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دخل الجنة رجل في ذُباب، ودخل النار رجل في ذُباب»). ثم ذكر أن الرجل الذي دخل النار في ذُباب أنه قيل له: قرِّب لصنم، فقال: ليس عندي شيء حتى ذبح، فدخل النار، وأما الآخر فقالوا له: قرِّب، فقال: ليس عندي شيء، قالوا: قرِّب ولو ذُبابًا، فقرب ذُبابًا فخلوا سبيله فدخل النار. هذا يدلنا على أن الذبح لغير الله عز وجل ولو ذُبابًا مما لا يُذكَّى كله شرك بالله عز وجل، وأنه من أشد الأمور والموبقات المهلكة للعبد. أحسن الله إليكم.
باب لا يُذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله.
وقول الله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108].
وعن ثابت بن الضحاك رضي الله تعالى عنه قال: (نذر رجل أن يَنحَر إبلاً ببُوَانة، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «هل كان فيها وَثَنٌ من أوثان الجاهلية يُعْبَد؟» قال: قالوا: لا. قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟» قال: قالوا: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ»). رواه أبو داود وإسناده على شرطهما.
أورد المصنف رحمه الله تعالى بعد باب النهي عن الذبح لغير الله عز وجل وأنه من الشرك قال: باب لا يُذبح لله بمكان يُذبح فيه لغير الله. وأورد فيه قول الله عز وجل: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: 108]. نهى الله عز وجل في هذه الآية نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يصلي في هذا الموضع الذي بُني لغير الله عز وجل وإنما بُنِيَ ضِرارًا، فنهاه الله عز وجل عن الصلاة فيه. ومرَّ معنا أن الله عز وجل قرن بين الصلاة والنحر: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي﴾ [الأنعام: 162]. فلما قُرِنَ بينهما دل ذلك على أن كل موضع يكون منهيًا عن الذبح فيه لأجل أنه قُصِدَ به غير الله عز وجل فإنه يُنهى عن الذبح فيه لله عز وجل، فهذا من باب القياس المُساوِي لاقترانهما في كتاب الله عز وجل.
ثم أورد حديث ثابت بن الضحاك: (أن رجلاً نذر أن يَنحَر إبلاً ببُوَانة)، وبُوَانة هذه شمال يَنْبُع هنا، بينها وبين أملج، فأنت على ذاهب طريق أملج تأتيك على اليسار، وهي وادٍ وجبال كلها تسمى بُوَانة، وهي قريبة تقريباً بأكثر من مئة كيلو تقريباً وربما زادت قليلاً عن يَنبُع أو أقل بل. هذه المنطقة نذر فيها الرجل أن يذبح إبلاً له، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: «هل كان فيها وَثَنٌ من أوثان الجاهلية يُعْبَد؟» قال: لا. قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم يجتمعون فيه؟» قال: لا. قال: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ، فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ». من المتقرر عندهم أن السؤال مُعَادٌ في الجواب. فلما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل فيها وَثَنٌ من أوثان الجاهلية يُعْبَد من دون الله؟» معناه أنه إن كان فيها شيء من ذلك فإنه يُنهى عنه. وهذا الذي صرَّح به النبي صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث حينما قال: «فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ». دل على أن الذبح في الأماكن التي فيها أوثان الجاهلية أو فيها موضع يجتمعون فيه أن هذا من معصية الله عز وجل وأنه غير جائز بل هو من ذرائع الشرك.
باب من الشرك النذر لغير الله
وقول الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: 7].
وقوله: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: 270].
وفي الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه).
نعم، ذكر الشيخ في هذا الباب أنه لا يجوز النذر لغير الله عز وجل؛ يقصد بالنذر أحد غير الله عز وجل تقرباً إليه وتعبداً.
وذكر فيه قول الله عز وجل: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾. هذه صفة المؤمنين. وسيذكر في آخر هذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من نذر أن يعصي الله فلا يعصه). فدل على أن النذر الذي يفعله المؤمنون وهو من صفاتهم ويُحمَدون عليه هو النذر لله عز وجل، لا النذر لغيره. فكل من نذر لغير الله عز وجل فقد وقع في الشرك.
ثم أورد بعده قوله سبحانه: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾. فإن الله عز وجل يعلم هذا النذر: أهو له؟ أم هو لغيره سبحانه وتعالى؟ وحينئذٍ، فلا يجوز الوفاء، فلا يجوز ابتداء النذر لغير الله، ولا يجوز الوفاء به. ويجب على المرء مَن فعل شيئاً من ذلك أن يتوب إلى الله عز وجل وأن يتدارك.
باب من الشرك الاستعاذة بغير الله
وقول الله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾ [الجن: 6].
وعن خولة بنت حكيم رضي الله تعالى عنها قالت: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك).
نعم، هذا الباب وما بعده فيه أمور متعلقة بأفعال القلوب. وأفعال القلوب أمرها عظيم وشأنها جليل. والحقيقة أن الشيخ محمد رحمه الله تعالى وأعلى درجته في جنات النعيم عني في هذا الكتاب بما يتعلق بأفعال القلوب. وكثير من الناس يُقَصِّر في هذا الجانب تقصيراً كبيراً. وأجلُّ أفعال القلوب الأفعال التي لا يجوز صرفها إلا لله عز وجل؛ لأن من أفعال القلوب ما يكون مشتركاً، وسيأتي الإشارة لبعضها.
قال: من الشرك الاستعاذة بغير الله. فلا يجوز صرف الاستعاذة إلا لله عز وجل وهي من أفعال القلوب. واستدل على ذلك بقول الله عز وجل: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا﴾. فبيَّن الله عز وجل في هذه الآية أن الاستعاذة بالجن –ومن باب أولى الاستعاذة بغيره من الإنس أو الأوثان وغير ذلك– إنما تزيد المرء رَهَقاً في دينه، ولا تنفعه في دنياه.
دلَّلنا ذلك على أن من استعاذ بغير الله عز وجل فقد وقع في الشرك، كما صرح به المصنف. ولا يجوز الاستعاذة بغير الله. والاستعاذة هو طلب العوذ بأن المرء يكفّه أو بأن المستعاذ به يكفّه هذا الشر. فكل من طلب من امرئ أن يكفه هذا الشر بما يتعلق بأفعال القلوب، فإن هذا ليس بجائز.
قال وعن خولة بنت حكيم أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من نزل منزلاً فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك). دلالة هذا الحديث أن النبي إنما استعاذ بكلمات الله. وكلمات الله غير محصورة للآدميين؛ منها القرآن ومنها غير ذلك. فالنبي صلى الله عليه وسلم استعاذ بصفة من صفات الله عز وجل وهي كلامه. ولذا، فيجوز القصد بكلام الله عز وجل. فاستعاذ النبي صلى الله عليه وسلم بكلام الله عز وجل، وبيَّن أن من استعاذ به لم يضره شيء. مما يدل على أن الاستعاذة بغير الله عز وجل غير نافعة، مما يدل على أنها صرف عبادة لغيره سبحانه وتعالى فتكون شركاً.
باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره
وقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ (106) وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ۚ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107)﴾ [يونس: 106-107].
وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: 17].
وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)﴾ [الأحقاف: 5-6].
وقوله: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ ۗ أَإِلَٰهٌ مَّعَ اللَّهِ ۗ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: 62].
وروى الطبراني بإسناده: (أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق يؤذي المؤمنين، فقال بعضهم: قوموا بنا نستغيث برسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا يُستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله).
هذا مما يتعلق بأفعال القلوب وهو الاستغاثة، وهو طلب الغوث من غيره، ويتعلق به ويشبهه من جهة أخرى الدعاء. ولذلك عطف بينهما المصنف فقال: من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غير الله سبحانه وتعالى.
أورد أولاً قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَدْعُ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ ۖ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾. هذا يدلنا على أن دعاء غير الله عز وجل من الظلم والشرك، ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]. فدللنا ذلك على أن دعاء غير الله عز وجل وسؤاله من دون الله سبحانه وتعالى شرك ولا شك في ذلك.
ثم قال جل وعلا: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ۚ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۚ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
ثم ذكر قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ أي وحده، ولا تطلبوا من غيره ولا تستغيثوا بغيره، ﴿وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
ثم ذكر قول الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (6)﴾. وبيَّن الله عز وجل أن هؤلاء أشد الناس ضلالاً. ولا شك أن أشد الناس ضلالاً هم المشركون. فدل على أن دعاء غير الله والاستغاثة بغير الله عز وجل هي من الشرك.
قال: وقوله: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾. مفهوم هذه الآية أنه لا يكشف السوء ويجيب المضطر إلا هو سبحانه. فدل على أن الاستغاثة والدعاء هو صرف عبادة لا يجوز فعلها إلا لله فتكون شركاً.
وروى الطبراني بإسناده: (أنه كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم منافق، فقال بعضهم: نستغيث برسول الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لا يُستغاث بي، وإنما يُستغاث بالله). فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم على ما كان في قدره وجلالته نهى أن يُستغاث به، فمن باب أولى وأحرى لا يُستغاث بغيره. فلا يُستغاث –وهو من أفعال القلوب– إلا بالله، ولا يُدعى –وهو من أفعال اللسان– إلا الله. والدعاء عبادة تتعلق بالقلب واللسان معاً. وإنما ربط المصنف بين الدعاء والاستغاثة لأن الاستغاثة من لوازمها الدعاء، فأثرها يكون الدعاء بعد ذلك. نعم.
باب قول الله تعالى ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾
قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (192)﴾ [الأعراف: 191-192].
وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ (13) إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)﴾ [فاطر: 13-14].
وفي الصحيح عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: شُجَّ النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكُسرت رباعيته فقال: (كيف يفلح قوم شَجُّوا نبيَّهم؟ فنزلت: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ). [آل عمران: 128].
وفيه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر: اللهم العن فلاناً وفلاناً، بعدما يقول: الحمد). فأنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: 128]. وفي رواية: (ندعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام، فنزلت: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ).
وفيه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أُنزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: 214]، فقال: يا معشر قريش –أو كلمة نحوها– اشتروا أنفسكم، لا أُغني عنكم من الله شيئاً. يا عباس بن عبد المطلب لا أُغني عنك من الله شيئاً. يا صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا أُغني عنك من الله شيئاً. ويا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم، سليني من مالي ما شئت، لا أُغني عنك من الله شيئاً).
هذا الباب عقد له المصنف بقوله: باب قول الله تعالى ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ (192)﴾.
شابه المصنف طريقة البخاري في عنونة بعض الأبواب بذكر الآية. فيقول: باب قول الله عز وجل كذا. ومراد المصنف بهذا الباب –والذي ذكره فيه من الآيات والأحاديث التي بعد– أن الذين يشرك بهم الناس من دون الله عز وجل أنهم ضعفاء. وفي الآية الأولى أنهم يشركون ما لا يخلق شيئاً، وهؤلاء الذين أشركوا هم يُخلقون. فدل على ضعفهم وعدم قدرتهم وعجزهم. ولو كانوا أنداداً يشابهون الله عز وجل في بعض صفاته لكان لها وجه، فكيف وهم في هذا الضعف وهذا النقص وهذا العجز؟ فدل على نقص عقل الداعين له من دون الله عز وجل، فإنهم يطلبون من ضعفاء ويسألون ويستغيثون ويلجأون بعاجزين.
وهذا الباب الذي عقده المصنف يريد أن يعلقك بالله عز وجل ويبين لك ضعفاً وهواناً ونقص أولئك الذين يعظمونهم من دون الله عز وجل. ولذلك قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنفُسَهُمْ يَنصُرُونَ﴾. فما داموا لا ينصرون أنفسهم، فمن باب أولى لا ينصرون غيرهم.
قال: وقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ﴾. لا يملكون هذا القطمير اليسير الذي هو من أرخص الأشياء وأيسرها ويرميه الناس عند أكلهم النوى. ﴿إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ﴾. حتى مجرد السماع لا يستمعون ولا يستطيعون ويقدرون على السماع. قال: ﴿وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ لضعفهم، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ ۚ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾.
ثم أورد حديث أنس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم لما شُجَّ يوم أحد وكُسرت رباعيته –وهي الأسنان التي تكون بعد الأنياب– قال: كيف يفلح قوم شَجُّوا نبيَّهم؟ فنزلت أي آية: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾). النبي صلى الله عليه وسلم وهو أفضل بني آدم وأكرمهم عند الله عز وجل، في هذا الخبر فيه أمران: الأمر الأول ضعفه عليه الصلاة والسلام حتى أُصيب بأبي هو وأمي، فشُجَّ رأسه وكُسرت رباعيته، مما يدل على أنه عليه الصلاة والسلام ضعيف وعاجز أمام ربه سبحانه وتعالى. والأمر الثاني في قوله حينما أنزل الله عز وجل عليه ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يقول في شرع الله عز وجل ولا يدعو على أحد إلا بإذن الله عز وجل بما أُمر سبحانه وتعالى. إذاً، على عظم مكانة النبي صلى الله عليه وسلم، فدل ذلك على ضعفه، فلا يجوز صرف شيء من العبادات للنبي صلى الله عليه وسلم، وإنما تُصرف لله وحده.
ثم بعد ذلك أورد حديث ابن عمر رضي الله عنه: (أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر –هذا ليس دائماً، وإنما كان هذا حينما قنت على فئة من القوم لما قُتل من قُتل من الصحابة. وقد جاء في حديث أنس أن قنوته عليه الصلاة والسلام كان شهراً واحداً ثم تركه. إذاً هذا كان قنوت النوازل وليس قنوتاً مستمراً في الفجر طوال السنة وكان منه صلى الله عليه وسلم مدة شهر ثم تركه– فيه أن النبي قال: اللهم العن فلاناً وفلاناً يسميهم، فأنزل الله عز وجل عليه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾). إذاً النبي صلى الله عليه وسلم حتى في دعائه وطرده أُناساً من رحمة الله عز وجل نُهي عن ذلك، حتى عن لعنهم. نُهي النبي عن لعن أولئك المشركين، واللعن هو الطرد من رحمة الله والإبعاد عن جنته. فأخبره الله عز وجل أنه ليس له من الأمر شيء، فالهداية بيد الله والغواية بيد الله عز وجل، والله عز وجل يهدي من يشاء ويضل من يشاء سبحانه وتعالى. ﴿لَهُ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [الروم: 4]. وكلما حقق المرء التوحيد فإنه يعظم ربه جل وعلا ولا يستنقص نبياً. ليس في ذلك استنقاص الأنبياء، وإنما فيه إنزالهم منزلتهم وتعظيمهم بالقدر الذي أمر الله عز وجل بتعظيمه. وأما تعظيمهم بحيث استنقص مقام الألوهية لله عز وجل، فهذا الذي نُهي عنه ونهى الله عز وجل أنبياءه عنه.
قال: وفي رواية: (يدعو على صفواناً –أي يسميهم بأسمائهم-). ثم قال: (وفيه أي في الصحيح عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أُنزل عليه ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: يا معشر قريش اشتروا أنفسكم، لا أُغني عنكم من الله شيئاً). هذا هو محل الشاهد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا أُغني عنكم). يعني ابنته وعمته وعمه وعشيرته قريش جميعاً: (لا أُغني عنكم من الله شيئاً). وهو من أوتي المقام المحمود عليه الصلاة والسلام، وهو من له المكانة والعلو في الدنيا وفي الآخرة، وله السؤدد في الدنيا والآخرة، ومع ذلك لا يستطيع أن ينفع ابنته، ولا يستطيع أن ينفع عمته ولا عمه ولا سائر عشيرته. فدل ذلك على أن للنبي صلى الله عليه وسلم حداً لا يجاوزه، وأن هذه الأمور يجب أن لا تُصرف إلا لله عز وجل، وهو مسألة الدعاء والاستغاثة والاستعانة ونحو ذلك من الأمور التي فصلها الله عز وجل في كتابه. نعم.
باب قول الله تعالى ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾
قول الله تعالى: ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: 23].
وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعاناً لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، ينفذهم ذلك حتى إذا فُزِّعَ عن قلوبهم قالوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قالوا: الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ. فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض –وصفه سفيان بكفه فحرفها وبَدَّدَ بين أصابعه– فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن. فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه، فيكذب معها مائة كذبة. فيقال: أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا؟ فيُصدَّق بتلك الكلمة التي سُمِعَتْ من السماء).
وعن النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا أمر الله تعالى أن يوحي بالأمر تكلَّم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة –أو قال: رِعدة– شديدة خوفاً من الله عز وجل. فإذا سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سُجَّداً. فيكون أول من يرفع رأسه جبريل عليه السلام، ويكلّمه الله من وحيه بما أراد. ثم يمر جبريل على الملائكة كلما مر بسماء سألهم ملائكتها: ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال الحق وهو العلي الكبير. ويقولون كلهم مثل ما قال جبريل، فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله عز وجل).
نعم، هذا الباب بوَّب له الشيخ بقوله: باب قول الله تعالى ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾. ثم ذكر حديثين متعلقين بهذه الآية. وإيراد المصنف رحمه الله تعالى لهذا الباب لفوائد. أول هذه الفوائد ما يتعلق بتعظيم الجبار سبحانه وتعالى، وكيف أن الله عز وجل إذا تكلم بالوحي أخذت السماوات منه رجفة، وفي لفظ: أو رِعدة شديدة جداً خوفاً من الله عز وجل. دلَّ ذلك على وجوب تعظيم الله عز وجل، وأن الملائكة تضرب بأجنحتها خضعاناً لقوله سبحانه وتعالى.
ولذا فإن المرء كلما عظَّم الله عز وجل فإن هذا لمنفعة العبد في نفسه، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الأنعام: 91]، كما سيأتينا بإذن الله عز وجل في آخر الكتاب. المقصود من هذا كله أن الواجب على المسلم أن يعظم الله سبحانه وتعالى. وثِق أن كل من عظم غير الله عز وجل تعظيماً معيناً منهياً عنه، فإن هذا التعظيم ينقص عظمة الله عز وجل في قلبه.
أراد المصنف أن يقول: إن كل الأمور التي جاء النص بالنهي عنها فيما يتعلق بالاستعاذة أو الاستغاثة أو المحبة أو الخوف أو الرجاء أو غير ذلك، فالواجب أن تُصرف لله عز وجل، فإنه لعظمته وجلاله وكبريائه وعظيم سلطانه له تلك العبادات وحده، وأنه لا يجوز صرف شيء منها لغيره سبحانه وتعالى. وانظر لحال الملائكة خوفاً منه سبحانه وتعالى عندما يسمعون الوحي، ما إليه فيكون شأنهم وكيف يكون حالهم.
﴿حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ﴾ بعد تلك الحال الشديدة عند سماعهم للوحي وخضعانهم لله عز وجل بأجنحتهم ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾، ﴿قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾، أي أن الذي قاله سبحانه وتعالى هو الحق وهو الصواب. إذاً، الفائدة الثانية أن نعلم أن المسلم من تعظيمه الله عز وجل معرفته كلام الله سبحانه وتعالى: قراءة وتلاوة وحفظاً وتدبراً، ثم بعد ذلك عملاً وعدم مخالفة لأوامر الله عز وجل. وسيأتينا كيف أن كل قول يقابل قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم يجب أن يُرمى به عرض الحائط، لا عبرة به ولا قوة له، ولا يُرفع به بصر ولا يُرفع به أي شأن. إنما القول: قال الله قال رسوله. نعم.
باب الشفاعة
وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ ۖ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ (22) وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: 22-23].
قال أبو العباس: نفى الله عما سواه كل ما يتعلق به المشركون، فنفى أن يكون لغيره مُلك أو قسط منه، أو يكون عوناً لله. ولم يبق إلا الشفاعة، فبيَّن أنها لا تنفع إلا لمن أذن له الرب كما قال تعالى. فهذه الشفاعة التي يظنها المشركون هي منتفية يوم القيامة كما نفاها القرآن. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يأتي فيسجد لربه ويحمده، لا يبدأ بالشفاعة أولاً، ثم يُقال له: (ارفع رأسك، وقُل يُسمع، وسَل تُعطَ، واشفع تُشفَّع). وقال لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه: (من أسعد الناس بشفاعتي؟ قال: من قال لا إله إلا الله خالصاً من قلبه). فتلك الشفاعة لأهل الإخلاص بإذن الله، ولا تكون لمن أشرك بالله. وحقيقته أن الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الإخلاص فيغفر لهم بواسطة دعاء من أذن له أن يشفع ليكرمه وينال المقام المحمود. فالشفاعة التي نفاها القرآن ما كان فيها شرك، ولهذا أثبت الشفاعة بإذنه في مواضع، وتلك قد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم أنها لا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص. انتهى كلامه.
نعم، هذا الباب: باب الشفاعة. أي طلب الشفاعة. والمراد بطلب الشفاعة أي طلب الشفاعة من الله عز وجل، وليس طلب الشفاعة من مخلوق. فإن المخلوق يطلب من مخلوق الشفاعة عند مخلوق ثالث، وهذا يعني فيه أجر وإثابة. وإنما المقصود طلب الشفاعة من الله عز وجل، فإنه لا يجوز لأحد أن يطلب من أحد الشفاعة؛ لأنه لا تنفع عند الله شفاعة إلا أن يأذن الله عز وجل بها. فيأذن الله عز وجل للأنبياء ثم من شاء من الخلق أن يشفع عنده. وقد ورد في السنة عدد من الشفاعات، بعضهم زاد عن عشرة وبعضهم زاد عن ذلك إلى العشرات.
فالمقصود من هذا كله أن هذا الباب أُريد به حجة الذين يدعون من دون الله عز وجل أوثاناً أو يتقربون إلى صالحين بحجة أن هؤلاء الصالحين يشفعون عند الله عز وجل. ولذلك ذكر قول الله عز وجل: ﴿وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُوا إِلَىٰ رَبِّهِمْ ۙ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الأنعام: 51]. العباد الصالحون إنما يتقربون إلى الله عز وجل بما أمر، لا يتقربون إليه بوسيلة من البشر، ولا يتقربون إليه بشفيع من الشفعاء. ولذلك قال: ﴿لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾. الولي هو القريب يكون بينهم وبينهم وسيلة يتوصلون بها، ولا شفيع يشفع إلا هو.
قال: وقوله: ﴿قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ [الزمر: 44]، أي يأذن الله عز وجل لمن شاء بأن يشفع وإلا فلا تنفع شفاعته. وقال: ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]. وهذا استثناء بعد نفي، فدل على حصره، فلا شفاعة عند الله إلا بإذنه. ومثله باقي الآيات وكلام الشيخ تقي الدين في المسألة. المقصود أن قد تكون بإذن الله عز وجل، وإلا فإنه لا يجوز سؤال أحد من الخلق الشفاعة. ومن أراد شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فإنما يسأل الله عز وجل أن يُشفِّع محمداً صلى الله عليه وسلم فيه، فإنما الذي يأذن بالشفاعة هو الله سبحانه وتعالى. إذاً لا يُسأل أحد من الخلق الشفاعة مطلقاً، ولو كان نبياً ولو كان صالحاً ولو كان عالماً ولو كان غير ذلك. نعم.
باب قول الله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾
قول الله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: 56].
وفي الصحيح ابن المسيب عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: (لما حَضَر أبا طالب الوفاةُ جاءه النبي صلى الله عليه وسلم… فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فأعاد عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فأعاد فكان آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرنَّ لك ما لم أُنهَ عنك. فأنزل الله عز وجل: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية [التوبة: 113]. وأنزل الله في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾).
هذا الباب يذكر فيه الشيخ قول الله عز وجل: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾. الهداية كما بيَّن أهل العلم في كتاب الله عز وجل نوعان: هداية توفيق وهداية دلالة. فهداية التوفيق من الله عز وجل، وهي التي لا تكون إلا منه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾. فالله عز وجل يوفق من شاء للخير، لخير قليل أو لخير كثير، كله بأمر الله عز وجل. وسبب إيراد المصنف لهذا الباب بيان أن الهداية للتوحيد بتوفيق الله عز وجل، وأن المرء وإن تعلَّم علماً كثيراً وحفظ نصوصاً متعددة، فإنه لا يلزم من ذلك معرفته الحق من كل جانب. إن الله عز وجل هو الهادي وهو الدال سبحانه وتعالى. فلا يُحتج على الناس بالأقوال وإنما يُحتج على الناس بالدليل: قال الله قال رسوله.
المقصود من هذا أن الهداية من الله عز وجل، يهدي الله عز وجل من يشاء. لا يلزم أن يكون الحافظ ولا الأذكى ولا الأقوى ولا الأكبر سناً هو المهدي مطلقاً، وإنما الهداية من الله عز وجل يهدي من يشاء ويضل من يشاء. ثم أورد قصة أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم، وفي آخرها أنه أُنزل الله في حقه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾. ولكن الله يهدي من يشاء. فهذا سبب نزول هذه الآية، فالآية واقعة في قصة أبي طالب على سبيل الخصوص قطعية فيه، وهي عامة بعموم لفظها. وهذا يدلنا على أن مجرد معرفة الحق لا تكون سبباً في الهداية، فإن من الناس من يعرف الحق ولكن تغلب عليه الشبهة أو يغلب عليه الهوى فيمنعه ويصده عن الحق. نعم.
باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين
وقول الله عز وجل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [النساء: 171].
وقول الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23].
وفي الصحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قول الله تعالى: (قال: هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن ينصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً، وسموها بأسمائهم ففعلوا. ولم تُعبد حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت). وقال ابن القيم رحمه الله: (قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوَّروا تماثيلهم، ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم).
وعن عمر رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تُطْرُوني كما أطْرَتِ النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله).
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو).
ولمسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: هلك المتنطِّعون). قالها ثلاثاً.
نعم، هذا الباب باب عظيم يتكلم عن ذكر السبب الذي وقع فيه كفر بني آدم من عصور متقدمة، ووقع فيه أيضاً الشرك في أمة محمد صلى الله عليه وسلم بسببه. فقال: باب ما جاء أن سبب كفر بني آدم –سواء المتقدم أو المتأخر– وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين. والغلو في الصالحين قد يكون بالألفاظ كما في الحديث الآتي، وقد يكون بالأعمال.
ثم ذكر قول الله عز وجل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. فهذا دليل نهي عن سد الذرائع، إذاً الغلو هو مجاوزة الحد في كل شيء.
ثم ذكر ما جاء في الصحيح عن ابن عباس أن الله عز وجل في قوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: 23]. قال: (هؤلاء أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن ينصبوا إلى مجالسهم أنصاباً، وسموها بأسمائهم. ففعلوا حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت). فوجه الغلو في هذه أن هؤلاء جعلوا لهم أنصاباً وتماثيل وصوراً. فهذا غلو في تعظيمهم وإجلالهم، مع أنهم كانوا صالحين في أنفسهم. فأدى غلوهم هذا الوقوع في الشرك الأكبر، نسأل الله عز وجل السلامة. وكان ذلك أول شرك وقع في بني آدم، الغلو.
وذكر بعد ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تُطْرُوني كما أطْرَتِ النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله). فالغلو أحياناً قد يكون في الأفعال كما في حديث ابن عباس، وقد يكون في الألفاظ في تعظيم الأشخاص بالألفاظ في صفاتهم ونحوتهم بخلاف ما شرع الله.
قال: وعن ابن عباس: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إياكم والغلو، فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو). عجز هذه الجملة –قوله صلى الله عليه وسلم: إنما أهلك من كان قبلكم الغلو– هو عين تبويب المصنف رحمه الله تعالى حينما قال: ما جاء أن سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين. وقول النبي صلى الله عليه وسلم في صدر هذا الحديث: (إياكم والغلو) هذا من أشد التحذير، أن قوله: (إياكم) أي اجتنبوا واحذروا الغلو. وقد صدر من النبي صلى الله عليه وسلم ذلك في الحج عندما سُئل عن حجم أو حصى الجمار بما يُرمى به، فقال: (بمثل هذه فارموا، وإياكم والغلو). وهذا الحديث يبقى على عمومه. لذلك قال الإمام أحمد لما سُئل عن هذا الحديث: (إياكم والغلو) قال: الغلو في كل شيء. فكل مجاوزة للحد سماه غلو.
وخاتمة هذا الباب حديث ابن مسعود رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون، هلك المتنطِّعون) أي المتشددون. المتشدد هو الذي يشدد، فيغلو في شيء، ويُحدث في دين الله عز وجل ويبتدع. وهذا الابتداع والتشدد والتنطع والغلو يؤدي إلى الشرك بالله، نسأل الله السلامة.
باب ما جاء في التغليظ في من عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده؟
في الصحيح عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن أم سلمة رضي الله تعالى عنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كَنِيسَةً بأرض الحبشة وما فيها من الصور، فقال: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بَنَوْا على قبره مسجداً، وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله). فهؤلاء جمعوا بين الفتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل.
ولهما عنها رضي الله تعالى عنها قالت: (لما نُزل برسول الله صلى الله عليه وسلم –أي نزل مرض الموت به ونزلت الوفاة بالنبي صلى الله عليه وسلم– طَفِقَ يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم بها كشفها فقال وهو كذلك: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد. يُحذِّر ما صنعوا. ولولا ذلك لأُبرِزَ قبره، غير أنه خُشي أن يُتَّخذ مسجداً). أخرجه.
ولمسلم عن جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله قد اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً. ولو كنت متخذاً من أمتي خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد. ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك).
فقد نهى عنه في آخر حياته، ثم إنه لَعَنَ –وهو في السياق– من فعله، والصلاة عندها من ذلك، وإن لم يُبنَ مسجداً، وهو في معنى قولها: (خُشي أن يُتَّخذ مسجداً)، فإن الصحابة لم يكونوا ليبنوا حول قبره مسجداً. وكل موضع قُصدت الصلاة فيه فقد اتخذ مسجداً. بل كل موضع يُصلَّى فيه يُسمى مسجداً، كما قال صلى الله عليه وسلم: (جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً).
ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: (إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد).
نعم، هذا الباب فيما يتعلق بذرائع الشرك، وهو الصلاة وعبادة الله عز وجل عند قبور الرجال الصالحين وغيرهم. قال الشيخ: باب ما جاء في التغليظ في من عبد الله عند قبر رجل صالح فكيف إذا عبده؟ مراد المصنف أن يبيّن أن هناك نصوصاً صريحة تقول إنه لا يجوز عبادة الله عز وجل عند القبور، كما أنه لا يجوز الذبح لله عز وجل في المواضع التي ذبح فيها المشركون قبل ذلك. فيكون من باب قياس الأولى: أن لا يُدعى القبر من دون الله ولا يُستغاث من دون الله ولا يُدعى من دون الله.
أول حديث أورده حديث عائشة: (أن أم سلمة ذكرت لرسول الله كنيسة بأرض الحبشة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بَنَوْا على قبره مسجداً) أي بنياناً وجعلوه مسجداً، إذ لفظة المسجد كما أشار المصنف تُطلق على معنيين: على موضع السجود، وتُطلق على المكان المبني، فكلاهما يسمى مسجداً وبينهما معنى مشترك، فيكون لفظاً متواطئاً. يقول النبي صلى الله عليه وسلم هنا: (بَنَوْا على قبره مسجداً) أي بالمعنى الأول وهو البناء الذي يُتخذ للعبادة والصلاة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أولئك شرار الخلق عند الله). فدل على النهي عن ذلك. فبيَّن قال الشيخ: (فهؤلاء جمعوا بين فتنتين: فتنة القبور وفتنة التماثيل).
ثم ذكر ما في الصحيح أيضاً: (أنه لما نُزل –أي نزل مرض الموت به ونزلت الوفاة بالنبي صلى الله عليه وسلم– طَفِقَ يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتم –اهتم من باب النفس– كشفها عن وجهه، فقال: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد). قالت عائشة: (يُحذِّر ما صنعوا). هذا يدلنا على أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن جعل قبور الأنبياء –فمن باب أولى قبور الصالحين بعدهم– مساجد، أي مواضع يُصلى عندها أو تُبنى المساجد عليها. فكلا الأمرين منهي عنه في نص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم ذكر حديث جندب: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل… إلى أن قال: إن الذين كانوا قبلكم ممن كانوا قبلكم يتخذون قبور أنبيائهم مساجد. ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك). وهذا نص صريح في النهي عن ذلك.
وآخر حديث ختم به المصنف حديث ابن مسعود: (من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد). الواو هنا تحتمل أن تكون للمغايرة وتحتمل أن تكون لمجموع الأمرين. وفي الحالتين فإن من يتخذ القبور مساجد هم من شرار الناس عند الله عز وجل. ولذا فإنه لا يجوز الصلاة عند هذه المواضع، ولا بناء المساجد عليها.
وأما مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لم يُبنَ فيه قبر، ولم يُدخل فيه. فإن النبي صلى الله عليه وسلم دُفن في بيته عليه الصلاة والسلام. فبيته ليس من المسجد. ثم لما وُسِّعَ المسجد أُخذ من الأطراف الأخرى ولم يُدخل قبره في المسجد. قبره ما زال كذلك، وهو منفصل عن المسجد بجُدُر ثلاث، وخلف الجُدُر الثلاث طريق. وقد ذكر فقهاؤنا وغيرهم أنه لما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في المقبرة، نهى عن الصلاة إليها كذلك. فلا يجوز الصلاة فيها ولا يجوز الصلاة إليها. وأما الصلاة إليها فقيل يجوز إذا وُجد جدار، وقيل إذا وُجد طريق. وعلى كلا الأمرين فالموجود الآن كذلك، فإن بين المصلين وبين قبره صلى الله عليه وآله وسلم جدار وطريق، بل جُدُر ثلاثة وطريق. والأرض ليست أرض مسجد فليست موقوفة للمسجد. يجب أن ننتبه لذلك، وهذا من حماية الله عز وجل نبيه وحمايته لبيته كذلك. نعم.
باب ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تُعبد من دون الله
روى مالك في الموطأ: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد).
ولابن جرير بسنده عن سفيان عن مجاهد: في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ [النجم: 19]، قال: (كان يَلُتُّ لهم السويق فمات، فعكفوا على قبره). وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: (كان يَلُتُّ السويق للحاج).
وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج).
نعم، هذا الباب عنون له المصنف بقوله: ما جاء أن الغلو في قبور الصالحين يصيرها أوثاناً تُعبد من دون الله. فعندما نقول إن هذه القبور أو هذه المقابر أوثان تُعبد من دون الله عز وجل، هذا ليس استنقاصاً للمدفونين فيها، فإن المدفونين لم يقصدوا ذلك.
ولذلك نقل أولاً ما جاء في موطأ مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبد). قصد من دون الله عز وجل كان قبره وفيه جثمانه الكريم الشريف صلوات الله وسلامه عليه. لكان مفهوم حديث النبي أنه يكون مثلاً إذا دُعي من دون الله عز وجل. فدل على أن مثل هذه الأنصاب هي التي تكون أوثاناً.
ثم ذكر قول مجاهد في قول الله عز وجل: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ﴿١٩﴾ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَىٰ﴾ [النجم: 19-20]. قال: (كان أي اللات يَلُتُّ لهم السويق). كان رجلاً صالحاً يخدم الحجيج. قال: (فمات فعكفوا على قبره). فلما مات عكفوا على قبره. فدل على أن الوثن والصنم الذي يُعبد من دون الله قد يكون أصله رجلاً صالحاً. ثم ذكر عن ابن عباس أنه كان يَلُتُّ السويق للحاج، هذا من باب القيد أنه في مكة ويجعله للحجيج.
ثم ذكر قول ابن عباس: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج). هذه الجملة أولها قوله صلى الله عليه وسلم –قول ابن عباس-: (لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور). هذا اللفظ هو لفظ أهل السنن: زائرات. وجاء عند بعض أهل السنن: زَوّارات القبور، وهو من حديث أبي هريرة، وأما زائرات فمن حديث ابن عباس. اختار المصنف هذا الحديث لعل –لأن من أهل العلم من يقول: الزوَّارات من تكرر منهم فعل الزيارة. وأما الزائرات فإنه يقع ولو من واحدة– فدل على أن هذا النهي واللعن يشمل زائرة المقبرة ولو كان لمرة واحدة.
قوله: (والمتخذين عليها المساجد والسُّرُج) يدل على أن الإثم لمن اتخذ هذه القبور أوثاناً من دون الله عز وجل، ليس على المقبور، وإنما على من كان وسيلة في ذلك، وهو الذي اتخذ عليها المساجد والسُّرُج وعلا. وهو الثاني من قام بصرف العبادة من دون الله عز وجل فعبد هذه الأوثان، وهي القبور، من دون الله عز وجل. مراد المصنف لهذا الحديث بيان أن المقبور ليس –أي ليس المتهم بالشرك– وإنما من اتخذ المساجد ومن اتخذ السُّرُج.
باب ما جاء في حماية المصطفى صلى الله عليه وسلم جناب التوحيد وسد كل طريق يوصل إلى الشرك
وقوله تعالى: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} [التوبة: 128].
(عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً، وصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم“). رواه أبو داود بإسناد حسن ورُواته.
(وعن علي بن الحسين رضي الله تعالى عنه أنه رأى رجلاً يجيء إلى فُرجة كانت عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فيدخل فيها فيدعو، فنهاه. وقال: يبلغني أين كنتم).
نعم. هذا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم حرص على سد ذريعة الشرك بسد جميع أبوابه. ومن خطورة المقاصد وهي حماية التوحيد أن هذه الوسائل المفضية للشرك تكون محرمة على سبيل الإطلاق، بخلاف الوسائل التي حُرّمت لأجل محرم دون الشرك، فإنه إذا أُمِن ما يفضي إليه فإنه يجوز، مثل النظر ومثل بعض التصرفات الأخرى.
(الوقت دقيقة شيخنا).
مما يتعلق بهذا الباب قول الله عز وجل ما ذكره: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ}. محل الشاهد قوله: {حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ}، فمن حِرصِه صلى الله عليه وسلم: التحذير من الشرك ومن وسائله وسد الأبواب المفضية إليه. ثم أورد حديث أبي هريرة: (“لا تجعلوا بيوتكم قبوراً، ولا تجعلوا قبري عيداً“). ثم قوله عليه الصلاة والسلام: “لا تجعلوا قبري عيداً“ هو من سد الطريق الموصل إلى الشرك. والحديث الثالث والأخير، حديث علي بن الحسين أنه رأى رجلاً يجيء إلى فُرجة كانت عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيدعو الله عز وجل عندها. فنهاه عن ذلك وقال: “إني سمعت أبي عن جدي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم” يدخل الحديث المتقدم. هذا من باب تفسير الحديث المتقدم. وقد ذكر مالك اتفاق أهل العلم على أن من دعا الله عز وجل عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يستقبل القِبلة، ولا يستقبل القبر، مما يدل على أن الدعاء إنما يكون لله ولا يكون لغيره سبحانه وتعالى.
باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان
وقوله تعالى: {وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً} [النساء: 52].
وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ} [المائدة: 60].
وقوله: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً} [الكهف: 21].
(عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لَتَتْبَعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ“. قالوا: يا رسول الله…).
(وعن ثوبان رضي الله تعالى عنه مرفوعاً قال: “وإني سألت ربي لأمتي ألا يُهلكها بسنة بعامة، وألا يُسلِّط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم. وإن ربي قال: يا محمد، إذا قضيتُ قضاءً فإنه لا يُرَدّ. وإني أعطيتك لأمتك ألا أهلكهم بسنة بعامة. وألا أُسلط عليهم عدواً من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من بأقطارها، حتى يكون بعضهم يُهلك بعضاً، ويسبي بعضهم بعضاً“). ورواه البرقاني في صحيحه وزاد: (“وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وقع عليهم السيف لم يُرفع إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى يَلحَق حيٌّ من أمته بالمشركين، وحتى تُعبَد فِئَامٌ من أمتي الأوثان، وأنه سيكون في أمتي كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله عز وجل“).
نعم. هذا الباب الذي أورده الشيخ رحمه الله تعالى عنواناً له بقوله: باب ما جاء أن بعض هذه الأمة يعبد الأوثان، أراد المصنف بهذا رد دعوة من ادعى أن كل من سمى نفسه مسلماً ووُلد مسلماً، فإنه لا يرد عليه الشرك، ولو دعا غير الله أو استغاث بغير الله أو فعل شيئاً من الأمور القادحة في التوحيد بكليته. فدلل المصنف في هذا الباب على أن من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم بل منهم من يكون ظاهره الصلاح ولكنه وقع في الشرك. وهذا يدل على أن الشرك في هذه الأمة موجود وأنه خفي كما سيأتي.
واستدل على ذلك بأدلة، أولهم: وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51]. إذا لما كانوا أوتوا نصيباً من الكتاب مع ذلك آمنوا بالجبت والطاغوت، فإن ذلك يكون كفراً، وهذا يدل على وقوع الكفر من أولئك القوم.
ثم قال: وقوله تعالى: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ}. هذا هو محل الشاهد أن الله عز وجل جعل من بني إسرائيل مَن يعبد الطاغوت.
ثم قال: وقوله تعالى: {قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً} أي موضعاً يُصلى إليه، فوقع منهم الشرك.
ثم أورد حديث أبي سعيد: (“لَتَتْبَعُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ“). وقد ذكر الله عز وجل في الآيات الثلاث وقوع الشرك في الأمم التي قبلنا، فكذلك سيقع الشرك في أمة محمد. والحديث الثالث تصريح بأن الشرك سيقع في أمة محمد.
فذكر الحديث الذي رواه مسلم عن ثوبان ثم أورد بعده رواية عند البرقاني، والبرقاني بضم الباء وكسرها كلاهما وجهان وفتحها وكلاهما وجهان صحيح، وإن قيل وكسرها كذلك بُرْقان فتكون مُثَلَّثة. له كتاب اسمه المستخرج عن الصحيحين، هذا المستخرج أورد أحاديث الصحيحين من طريقه وذكر بعض زياداته. وأن هذا الحديث ومحل الشاهد فيه: (“لا تقوم الساعة حتى تُعبَد فِئَامٌ من أمتي الأوثان، ولا تقوم الساعة حتى يَلحَق حيٌّ من أمتي بالمشركين“).
باب ما جاء في السحر
وقول الله تعالى: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} [البقرة: 102].
وقوله: {يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ} [النساء: 51].
(قال عمر رضي الله تعالى عنه: “الجبتُ السحرُ، والطاغوتُ الشيطانُ“).
(فقال جابر رضي الله تعالى عنه: “الطواغيتُ كُهَّانٌ كان ينزل عليهم الشيطانُ في كل حي واحد“).
(وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اجتنبوا السبع الموبقات“. قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: “الشركُ بالله والسحرُ، وقتلُ النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكلُ الربا، وأكلُ مالِ اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذفُ المحصناتِ الغافلاتِ المؤمناتِ“).
(وعن جندب رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: “حدُّ الساحرِ ضربةٌ بالسيف“). رواه الترمذي وقال: الصحيح أنه موقوف.
(وفي صحيح البخاري عن بجالة بن عبدة قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: “أن اقتلوا كل ساحر وساحرة“. قال: “فقتلنا ثلاث سواحر“).
(وصح عن حفصة رضي الله تعالى عنها أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها فقتلت).
(وكذلك صح عن جندب رضي الله تعالى عنه. قال أحمد عن ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم).
نعم. هذا الباب في بيان أحد الأفعال التي تكون من الشرك، وهي السحر. واستدل عليه بقول الله عز وجل: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ} في قصة الملكين، فدل على أن من أتى السحر فإنه ليس له في الآخرة من خلاق، يدل على كفره في النار. قال: وقوله تعالى: {وَيُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ}. ونُقل عن عمر أن المراد بالجبت هو السحر وأن الطاغوت هو الشيطان، وجاء عن جابر أن الطواغيت هي الكهان التي ينزل عليها الشياطين. ولا تعارض بين قول عمر وجابر، فيمكن الجمع بينهما بأن الطاغوت يشمل الاثنين معاً. فدل ذلك على أن الإيمان بالسحر كفر بالله عز وجل.
ثم ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: (“اجتنبوا السبع الموبقات“)، وذكر من السبع بعد الشرك السحر، مما يدل على أنها مُوبِقة لصاحبها. وأورد بعد ذلك حديث جندب: (“حدُّ الساحرِ ضربةٌ بالسيف“)، قيل: إن هذا الحد حد ردة فيكون كفراً، وقيل: إن هذا الحد حد الساحر حد مستقل وعقوبة مستقلة عن حد الردة. والمشهور عند فقهائنا أنه حد تابع للردة، فيكون الساحر يُقتل ردة. هل تُقبل توبته أم لا؟ تُنبنى على ذلك. ثم ذكر حديث بجالة بن عبدة أنه كتب عمر بن الخطاب أن يقتلوا كل ساحر وساحرة. وصح عن حفصة وجندب وثلاثة من الصحابة أنهم أمروا بقتل ساحر، مما يدل على كفره.
باب بيان شيء من أنواع السحر
(قال أحمد: وحدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا عوف، عن حيان بن العلاء، قال: حدثنا قَطَن بن قبيصة، عن أبيه: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “إن العيافة والطَّرْق والطِّيَرَةَ من الجِبْت“). قال عوف: “العيافةُ: زجرُ الطير، والطَّرْقُ: الخط يخطّ بالأرض. والجِبتُ قال الحسن: رَنَّةُ الشيطان“. إسناده جيد. ولأبي داود والنسائي، نَحِبُّ أن في صحيحه المسند منه.
(وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد“). رواه أبو داود وإسناده صحيح.
(وللنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: “من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سَحَرَ، ومن سَحَرَ فقد أشرك، ومن تعلق شيئاً وُكِلَ إليه“).
(ولابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ألا أُنبئكم مِلْعَظَة؟ هي النميمة القالة بين الناس“).
(وله عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إن من البيان لسِحراً“).
أحسن، هذا الباب نختم به قبل الصلاة.
قال الشيخ: باب بيان شيء من أنواع السحر. أراد المصنف رحمه الله تعالى بهذا التبويب أن يبين أمرين.
الأمر الأول: أن السحر الذي هو كفر بالله عز وجل له صُور متعددة. وذلك أن بعضاً من الفقهاء مَن خص السحر المنهي عنه بما يكون فيه استعانة بالشياطين، ومنهم من توسع فيه وجعله خاصاً بالعقد بما يكون من باب العقد كما هو ظاهر كلام صاحب الكافي، وهو الموفق ابن قدامة، ومنهم من جعله أعم من ذلك كما هي طريقة الشافعي حتى جعل كل ما يخالف البصر فإنه يدخل في مسمى السحر. إذاً العلماء ذكروا أن السحر ليس له صورة واحدة وإنما له صور متعددة. هذا المعنى الأول.
المعنى الثاني: أن هناك أشياء سماها النبي صلى الله عليه وسلم سحراً ولكنها ليست داخلة في السحر الذي يكون كفراً، وإنما لوجود معنى مشترك بينها؛ فسمى النميمة سحراً، وسمى البيان وهو الكلام سحراً، وسيأتي في كلام المصنف.
المعنى الأول ذكره المصنف في عدد من الأدلة، منها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (“إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت“). وقد تقدم معنا في الباب الذي قبله أن عمر رضي الله عنه فسر الجبت بأنه السحر، ونُقل عن الحسن أنه فسر الجبت بأنه رَنَّة الشيطان، فلا تعارض بينهما فهي قد يكون تفسير باللازم. فالعيافة سحر والطرق كذلك سحر مع أنه خط يخطه المرء في الأرض.
ثم ذكر حديث ابن عباس فيه: (“أن من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد“). فدل على أن النظر في النجوم في كثير من صوره قد يكون سحراً، وسيأتي الإشارة إليه بتوسع بعد الصلاة.
ثم الحديث قبله فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (“من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئاً وُكِلَ إليه“). هذا استدل به من قال إن السحر هو عقد عليها فخص السحر بهذا. والمصنف يرى أنها أشمل من ذلك، بل هو عقد وغيرها مما تقدم في حديث النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم شرع بعد ذلك في ذكر ما يُسمى سحراً وليست من السحر الكفر، ومن ذلك النميمة، فأورد فيها حديث ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (“ألا أُنبئكم مِلْعَظَة؟ هي النميمة القالة بين الناس“). وتفسير العَضْه بأنها السحر جاء عن بعض السلف رضوان الله عليهم، فقد فسر جماعة ذلك، منها ما نقله ابن كثير وغيره عن ابن مسعود، منها ما نقله ابن كثير عن جماعة من السلف أنهم قالوا إن العضه هو السحر، وبعضهم فسرها بغير ذلك. ووجه الشبه بين النميمة والسحر الذي يكون شرك أن كليهما يكون سبباً للتفريق بين القلوب والتنفير بينها.
ثم آخرها حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (“إن من البيان لسِحراً“)، أن يُغيروا ما في قلب المرء، فيَقلِبوا المحبة عداوة، والعداوة محبة، وبغضاء والبغضاء كذلك.
باب ما جاء في الكُهَّانِ ونحوهم
قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى: باب ما جاء في الكُهَّانِ ونحوهم.
(روى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “مَن أتى عرافاً فسأله عن شيء فصدقه، لم تُقبَل له صلاة أربعين يوماً“).
(وللأربعة والحاكم وقال: صحيح على شرطهما: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بلفظ: “من أتى كاهناً فصدقه بما يقول، فقد كفر بما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم“).
(وعن عمران بن حصين مرفوعاً: “ليس منا من تَطَيَّرَ أو تُطُيِّرَ له، أو تَكَهَّنَ أو تُكُهِّنَ له، أو سَحَرَ أو سُحِرَ له. ومَن أتى كاهناً فصدَّقه بما يقول فقد كفر بما أُنزل على محمد صلى الله عليه وسلم“). رضي الله تعالى عنهما دون قوله: “ومَن أتى” إلى آخره.
(قال البغوي: “العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها عن المسروق ومكانه ونحو ذلك. وقيل: هو الكاهن، والكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، وقيل: الذي يخبر عما في الضمير“).
(وقال أبو العباس ابن تيمية: “العراف اسم للكاهن والمنجم والرمال ونحوه، مما يَتَكلَّف اليوم في معرفة الأمور بهذه الطرق“).
(وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوم يكتبون “أبا جاد” وينظرون في النجوم: “ما أرى من فعل ذلك له عند الله من خلاق“).
أحسنت. أورد المصنف رحمه الله تعالى في هذا الباب ما عنون له بقوله: ما جاء في الكُهّان ونحوهم.
عندنا في هذا الباب عدد من المسائل، أول هذه المسائل ما يتعلق بمعنى الكُهّان. فسره المصنف في آخر الباب، وذكر أن الكاهن هو الذي يخبر عن المغيبات في المستقبل، قال: وقيل هو الذي يخبر عما في ضمير الناس، أي الذي يقع في نفوسهم مما يخفونه من أخبار أو أسرار في أنفسهم فيُخبِر بما فيها.
وهذا الكاهن تكلم عنه الفقهاء في باب التعزير، بينما تكلموا عن أحكام الساحر في باب حد المرتد. وهم يرون أن الكاهن ليس كافراً، وإنما يكون كافراً إذا كانت كهانته ومعرفته بسبب السحر. لأن الكهانة أحياناً قد تكون بإرادة منه وطلب، وقد تكون بغير إرادة منه ولا طلب، فإن من الناس من يأتيه معرفة هذه المغيبات بدون طلب منه، ولذلك جاء في الحديث حيث سيأتي بعد قليل: (“ليس منا من تكهن أو تُكُهِّن له“). وسيأتي شرحه بعد قليل.
إذاً الأمر الأول: أن هناك فرقاً بين الساحر وبين الكاهن، فالكاهن ليس بساحر، ولكن من السحّار من يكون قد فعل بعض الكهانة فيكفر بفعله ذاك. وأحلتك على الموضع عندما فرّقوا بين التعزير: الكاهن يُعزَّر تعزيراً بليغاً، والكافر يُقتل حدّاً.
المسألة الثانية: أن المصنف أورد حديثين، حديثاً من طريق بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فيه أن (“من أتى عرافاً فسأله فصدقه لم تُقبل صلاته أربعين يوماً“). وفي الثاني أن (“من أتى كاهناً فسأله فصدقه بما يقول فإنه قد كفر بما أُنزل على محمد“). ولأهل العلم في الجمع بين هذين الحديثين أوجه، ومن أشهر الأوجه أن حديث بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إنما يكون ذلك لمن سأله من غير تصديق. وفي معناه من يتقصد الاستماع لهؤلاء الكهان ممن يخرجون في وسائل الإعلام فيتقصد سماع قولهم، فإنه بمثابة سؤالهم. والنوع الثاني الذي يكون كفراً: أن يسألهم ثم يصدقهم في قولهم. هذا أشهر الأقوال للجمع بين الأحاديث الواردة في الباب.
المسألة بعدها: وهو ما جاء في حديث عمران مرفوعاً: (“ليس منا من تَطَيَّرَ أو تُطُيِّرَ له، أو تَكَهَّنَ أو تُكُهِّنَ له“). وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اثنين: يعني التكهن وعن التكهن لشخص آخر لغيره. والأحاديث التي أوردها المصنف في أول الباب هي باعتبار من سأل الكاهن أو استمع لقوله. وهذا الحديث في بيان حكم من طلب الكهانة فسعى لمعرفتها بأن يتعلم بعض علومها كـ“أبا جاد“، أو معرفة القواعد المتعلقة بالضرب على الرمل أو بخط الخطوط، وهي علوم لها كُتبها ومؤلفاتها المعروفة، ومنها كذلك ما يتعلق بـ“علم الحرف” منهم من يسمي ذلك علم حرف، وهو علم منهي عنه وهو نوع من أنواع الكهانة كذلك. فكل هذه العلوم من تعلمها أو سعى لتحصيلها، وربما بعضهم تحصل له الكهانة من غير سعي، فمن سعى لتحصيل شيء من ذلك وقد ذمه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (“ليس منا من تكهن“).
مما يتعلق بمن وقع في نفسه شيء من ذلك: أنه نبَّه العلماء على أنه يجب عليه ألا يتكلم بما وقع في نفسه، فإن الشيطان يُضلّ بعض الناس فقد يُوقِع في نفسه بعض الأمور المتعلقة بالكهانة للإخبار بما في ضمائر الناس أو بما يكون من الأمور المغيبة. فكل ذلك من وقع في نفسه شيء منه فيجب عليه ألا يتكلم به لكي لا يَضل ولا يُضِل. وهو كذلك. باقي الأخبار هي متعلقة بما ذكرت.
باب ما جاء في النُشْرَةِ
(عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن النُّشْرَةِ، فقال: “هي من عمل الشيطان“). رواه أحمد بسند جيد وأبو داود وقال: وسُئِل أحمد عنها فقال: (ابن مسعود يكره هذا كله).
(وفي البخاري عن قتادة رضي الله تعالى عنه قال: قلتُ لابن المسيب: “رجلٌ به طبٌّ، أو يُؤخَذُ عن امرأته، أيُحَلُّ عنه أو يُنشَر؟” قال: “لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع فَلَمْ يُنهَ عنه“). انتهى.
(ورُوي عن الحسن أنه قال: “لا يَحُلُّ السحرَ إلا ساحرٌ“).
(قال ابن القيم رحمه الله: “النشرة: حَلُّ السحر عن المسحور، وهي نوعان: حَلٌّ بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يُحمَل قول الحسن. فيتقرب الناشر والمُنتَشَر إلى الشيطان بما يُحب فيبطل عمله عن المسحور. والثاني: النشرة بالرُّقية والتعوّذات والأدوية والدعوات المباحة، فهذا جائز“).
نعم. هذا الباب أورده الشيخ إيراداً لطيفاً، وهو من فقهه رحمه الله تعالى في تبويب هذا الكتاب. فإن الشيخ عندما ألَّف هذا الكتاب لم يؤلفه في سنة واحدة ولا في بضعة أشهر وإنما في سنوات طوال. بدأ تأليفه حينما كان في البصرة في أول عمره، فما زال يزيد فيه ويتممه ويُكمّل نقصه إلى أن خرج بهذا الإخراج الذي بين أيدينا ونقرأه.
هذا الباب متعلق بالسحر، فإن من سُحِر فكيف يُزيل السحر عن نفسه؟
قال أهل العلم: لهم ثلاثة طُرق.
الطريق الأول: طريق مشروع مُثاب عليه، وهو حَلّه بقراءة القرآن وهي الرُّقى، أو حَلّه بالأدعية بسؤال الله عز وجل الشفاء. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم لما طُبَّ شفاه الله عز وجل بما رُقِي به، أو ما رقاه به الملكان. وهذا يُؤجر عليه، والنشرة هنا وهو حَلٌّ سحريٌ مأجور عليها.
النوع الثاني: نشرة محرمة، وهو حَلّ السحر بالسحر. وهذا ليس بجائز، ولذلك كان أئمة السلف رحمه الله تعالى ينهون عنه، وعليه حُمِل حديث جابر: (“هي من عمل الشيطان“)، أي: حَلّ السحر بالسحر. لأن من أراد أن يحل السحر بالسحر فسيستعين بساحره، فإذا كان النهي عن سؤال الكاهن محرَّماً وقد يُوقِع في الشرك، فكيف بسؤال من هو أشد منه كفراً وإثماً وهو الساحر؟! فلا شك أن سؤاله مُوبِق وهو من الأمور الخطيرة على الدين المنافية للتوحيد ولا شك.
النوع الثالث: وهي النشرة المباحة، التي يجوز فعلها ويجوز تركها، ومن أهل العلم من قال إن تركها أولى من باب كمال التوكل على الله عز وجل. وهي النشرة بالأمور المباحة، التي منها قضية التداوي بالحجامة والتداوي بالسِدر، كما جاء عند ابن وَهْب –عبد الله بن وهب المصري– في بعض كتبه وهو كتاب الجامع فيما نقله عنه ابن حجر في فتح الباري: أن من اغتسل بسبع ورقات سِدر فإن الله عز وجل يشفيه من السحر. هذه نُشرة مباحة ليست مستحبة وليست محرمة. وكذلك يُقال في الحجامة فيما نقل بعض الفقهاء في ذلك.
ومن النشرة المباحة هو مسألة معرفة موضع السحر والبحث عنه ومن ثم حَلّه، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله. فإن الثابت عنه صلى الله عليه وسلم أنه عَرَف أن السحر في مُشْط ومُشَاط، ومع ذلك لم يَنشُره بأن يُخرِج السحر من موضعه ويحله بعده. وهذا من كمال فعله صلى الله عليه وسلم وكمال التوحيد عنده، فقد شفاه الله عز وجل بالأسباب المندوبة دون المحرمة أو المباحة.
وعلى ذلك نفهم أحاديث الباب:
-
حديث جابر: (“هي من عمل الشيطان“) محمول على النوع الثاني، وهي النشرة المحرمة بحَلّ السحر بالسحر.
-
وقول ابن مسعود: (“أن هذا مكروه كله“) محمول على النوع الثاني والثالث، وهو حَلّ السحر بالسحر أو حَلّ السحر بالأمور المباحة، إذْ فُهِم بالعموم.
-
وما جاء عن سعيد بن المسيب أنه قال: (“لا بأس بالنشرة إنما يريدون به الإصلاح“) يُحمل على المباح، ومن باب أولى المندوب، لأن المندوب فعله النبي صلى الله عليه وسلم.
-
وقول الحسن: (“لا يَحُلُّ السحرَ إلا ساحرٌ“) هو محمول على نوع محرم؛ فالسحر المحرَّم فإنه لا يَحُلُّه إلا ساحر، وإلا قد يُحَلّ بالأفعال المستحبة كالأدعية والأوراد وقد يُحَلّ بالأمور المباحة كورق السدر وغيره، ولكن الذي قاله الحسن (“لا يَحُلُّ السحرَ إلا ساحرٌ“) يدل على أنه محرم. وهذا الذي جَمَع به ابن القيم في كلامه الذي أورده الشيخ.
باب ما جاء في التَّطَيُّرِ
وقول الله تعالى: {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ} [الأعراف: 131].
وقوله: {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ} [يس: 19].
(وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ ولا هَامَةَ ولا صَفَرَ“). أخرجه. زاد مسلم: (“ولا نَوْءَ ولا غُولَ“).
(قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ، ويُعجِبني الفَأْلُ“. قالوا: وما الفَأْلُ؟ قال: “الكلمة الطيبة“).
(وبسند صحيح عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: ذُكِرَت الطِّيَرَةُ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: “أَحْسَنُهَا الفَأْلُ، ولا تَرُدُّ مسلماً، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك“).
(وله من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: “الطِّيَرَةُ شرك، الطِّيَرَةُ شرك“. قال: “وما منا إلا، ولكن الله يذهبه بالتوكل“).
(وله من حديث ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: “مَن رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عن حاجته فقد أشرك“. قالوا: فما كفارة ذلك؟ قال: “أن يقول: اللهم لا خير إلا خيرُك، ولا طير إلا طيرُك، ولا إله غيرُك“).
(وله من حديث الفضل بن عباس رضي الله تعالى عنه: “إنما الطِّيَرَةُ ما أمضاك أو ردَّك“).
نعم. هذا الباب وهو ما يتعلق بما جاء في التطير وأن منه ما يكون شركاً. أورد فيه أولاً قول الله عز وجل: {أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ}، وقول الله عز وجل: {قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ}. هذا يدلنا على أن الطائرة هنا بمعنى القَدَر. القَدَر مع الشخص ثابت لا يتغير، سواء رأى شيئاً يكرهه أو رأى شيئاً يُحِبه ويُعجبه، سواء أقدم أو أحجم. إن قدر الله عز وجل نافذ وأمره واقع لا محالة.
ثم أورد بعد ذلك حديث أبي هريرة: (“لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ“). معنى قوله: (“لا عَدْوَى“) أي أن انتقال المرض من شخص إلى شخص لا يقع بنفسه، وإنما هو بإرادة الله عز وجل، فكل من اعتقد أن المرض ينتقل من شخص إلى شخص بنفسه فإن هذا منهي عنه، فهو تعلق بالأسباب دون مُسبِّبها وهو الله سبحانه وتعالى، وذلك في آخر الحديث: (“فمن أَعْدَى الأول؟“).
وقوله: (“ولا طِيَرَةَ“) أي ولا يجوز للمرء أن يتطير كما سيأتي تفصيله بعد ذلك. وفي الحديث الذي بعده: (“لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ، ويُعجبني الفَأْلُ“). قيل: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: (“الكلمة الطيبة“)، يقولها الرجل أو تُقال له.
ثم أورد حديث عقبة أن الطيرة ذُكِرت عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (“أحسنها الفأل“). ما معنى هذه الكلمة؟ أحسنها الفأل. الطيرة أحياناً قد تُطلق على التشاؤم بشيء يمنع من التصرف في المستقبل، وقد تُطلق كذلك على التفاؤل بشيء يريد أن يُقدِم عليه. فبيّن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عز وجل يُحب الفأل، فإذا رأى شيئاً يحثه أقدَم، وإذا رأى شيئاً يمنعه لم يجعله ذلك مُحجماً. فالنبي صلى الله عليه وسلم بيّن حينما قال: (“أحسنها“) أي باعتبار المعنى العام الذي يشمل الفأل والطيرة.
قال: (“ولا تَرُدُّ مسلماً“) أي أن الطيرة لا ترد مسلماً، فإن رأى أحدكم ما يكره فيقول: (“اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت“) الحديث.
وفي حديث ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وسلم: (“الطِّيَرَةُ شرك“)، أي شرك أصغر كما سيأتي. قال: (“وما منا إلا“) أي إلا يقع في نفسه شيء، لكن الله يذهبه بالتوكل. هذا يدل على أنه لا يجتمع طِيَرَة وكمال توكل على الله عز وجل.
ثم ذكر حديث ابن عمرو: (“من رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عن حاجته فقد أشرك“). قيل له: ما كفارة ذلك؟ هنا قوله: ما كفارة ذلك يدل على أن التطير إنما هو شرك أصغر، لأنه ليس اعتقاداً فيما رأى أو سمع أنه هو المؤثر، وإنما هو شرك أصغر، لذلك جعل له كفارة، فقال: كفارته أن تقول: (“اللهم لا خير إلا خيرُك، ولا طير إلا طيرُك، ولا إله غيرُك“).
وفي حديث الفضل بن عباس بيّن: (“إنما الطِّيَرَةُ ما أمضاك أو ردَّك“). فالذي يجعلك تمتنع من الفعل هذه هي الطيرة، وأما أن يقع في نفسه شيء من الظن فهذه من وساوس الشيطان التي لا يأثم عليها.
باب ما جاء في التنجيم
(قال البخاري في صحيحه: قال قتادة: “خلق الله هذه النجوم لثلاث: زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وعلامات يُهتدى بها. فمن تأوَّل فيها غير ذلك أخطأ وأضلّ، وضَيَّعَ نصيبه، وتكلف ما لا علم له به“). انتهى.
(وكره قتادة تعلم منازل القمر، ولم يُرخِّص ابن عيينة فيه، ذكره حَرب عنهما. ورخَّص في تعلم المنازل أحمد وإسحاق).
(وعن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاثة لا يدخلون الجنة: مُدمِنُ الخمر، وقاطعُ الرحم، ومُصدِّقٌ بالسحر“).
نعم. هذا الباب قال فيه الشيخ: باب ما جاء في التنجيم، وهو النظر في النجوم.
التنجيم كما ألَّف فيه الخطيب البغدادي جُزءَه المعروف المطبوع كتاب التنجيم، بيّن أن كلمة التنجيم تُطلق على أمرين: أمر ممدوح وأمر مذموم. فالأمر الممدوح هو النظر في منازل القمر لمعرفة مواسم الزرع ونحو ذلك، فهذا ممدوح. فقال بعض السلف ومنهم الشافعي: “لا يغلبنَّكم أهل الكتاب على عِلم الطب وعِلم النجوم“. فعلم النجوم هذا الذي بمعنى هذا ممدوح عند بعض السلف كالشافعي، ومنهم أحمد وإسحاق فإنهم قد ترخَّصوا في تعلم المنازل. نعم من السلف من منع منه من باب سد الذريعة لكي لا يكون ذريعة للوقوع في التنجيم المحرَّم، حيث كان معرفة هذين الأمرين متلازمين عند بعض العرب في الجاهلية.
آخر حديث ختم به المصنف الباب حديث أبي موسى: (“أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة لا يدخلون الجنة: مُدمِنُ الخمر، وقاطعُ الرحم، ومُصدِّقٌ بالسحر“). هذا يدلنا على أن من أنواع السحر التنجيم. وقد ذكر المصنف في الباب الذي مر معنا قبل قليل أن السحر أنواع متعددة، ومن هذه الأنواع اقتباس النجوم. واقتباس النجوم هو من المُحرَّم الذي يُوقِع من فَعَل ذلك في الشرك، نسأل الله عز وجل السلامة.
باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء
وقول الله تعالى: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: 82].
(وعن أبي مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة. وقال: النائحة إذا لم تتب قبل موتها تُقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب“).
(ولهما عن زيد بن خالد رضي الله تعالى عنه قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: “هل تدرون ماذا قال ربكم؟” قال: “أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطِرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب“).
(ولهما من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما معناه).
نعم، المصنف رحمه الله تعالى لما ذكر في الباب السابق ما يتعلق بالتنجيم الذي هو سحر والتنجيم الذي هو مباح عند جماعة من السلف، أورد بعده باباً فيه شيء يتعلق بالنجوم والاستسقاء، فقال: باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء.
وذكر أولاً قول الله عز وجل: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ}، أي: تكذبون بالله عز وجل وتنسبون هذا المطر والسُقيا إلى النَّوْء وإلى من ليس سبباً في الحقيقة.
ثم ذكر حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (“أربع في أمتي من أمر الجاهلية“)، مما يدل على أنها ليست من الإسلام في شيء (“لا يتركونهن“)، وذكر منها (“الاستسقاء بالنجوم“)، أي: طلب السُقيا من النجوم وتعليق السُقيا بها.
ثم ذكر حديث زيد بن خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد الحديبية صلى بقومه فقال: (“إن الله عز وجل قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر“). قوله: (“أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر“)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في الموضع الذي صلى فيه كان فيه مشركون، الذين قالوا هذه الكلمة كانوا مشركين، وليس أحد من الصحابة رضوان الله عليهم هو الذي قال هذه الكلمة التي حصل بها الكفر، أو هي كفر في ذاتها. إذاً فقوله: (“أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر“) أي: في الموضع الذي نزلت به السُقيا وتكلم فيه الناس، وليس الحكم خاصاً بمن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة. وهذا من الأمور التي نبه عليها ابن عبد البر في الاستذكار في هذا المعنى وذكره أو نسبه لبعض أهل العلم.
قال: (“فأما من قال: مُطِرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مُطِرنا بنوء كذا وكذا، فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب“). إما أن يكون كافراً بالله عز وجل لاعتقاده أن النوء هو الذي أمطره، أو نسبته ذلك للنوء دون الله عز وجل، فيكون من شرك الألفاظ كذلك. وكلا الحالتين منهي عنه، وظاهر الحديث أنه داخل في أنواع الشرك.
ثم ذكر حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: وقال بعضهم: “لقد صدق نوء كذا وكذا“، فأنزل الله عز وجل الآية. نعم.
باب قول الله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ} [البقرة: 165]
وقوله تعالى: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [التوبة: 24].
(وعن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين“).
(ولهما عنه رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ثلاث من كُنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يُقذَف في النار“).
(وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: “هؤلاء يجد العبد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصومه حتى يكون كذلك. وقد صارت عامة مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يُجدي على أهله شيئاً“).
(وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: {تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} [البقرة: 166]: “قال: المودة“).
نعم، هذا الباب الذي أورده المصنف يتعلق بالمحبة لله عز وجل، وأنه يجب صرفها له سبحانه وتعالى، ولا يجوز محبة أحد من الخلق محبة عبادة، وإنما تجوز المحبة الطبيعية التي يُحبها المرء لابنه ولوالديه ولزوجه ولجاره وصديقه ونحو ذلك.
ولذلك ذكر قول الله عز وجل: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ}. ولا يلزم أن يكون مثله من كل وجه، ولكن هذا الحب هو حب العبادة الذي يمنع من طاعة لأجل هذه المحبة، أو يجعله مُقبلاً على معصية لأجل هذه المحبة، أو يُقدّم أمر هؤلاء المحبوبين دون أوامر الله عز وجل.
ثم ذكر المحبوبات التي بعدها وفيها أنها {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ… فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ}. إذا الشاهد: {أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ} على النهي عن ذلك.
وفي حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (“لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين“). ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم من محبة الله عز وجل، فإن من أحب الله أحب محبوب الله عز وجل من الأشخاص وأعظمهم الأنبياء ثم الصحابة، وأحب الأفعال التي يحبها الله سبحانه وتعالى. ولذلك جاء في دعاء داود عليه السلام ودعاء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، روى ذلك أحمد في الزهد أنهما كانا يدعوان عليهما الصلاة والسلام: (“اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك“). “من يحبك“ اسم موصول للعاقل بمعنى الذي للعاقل، فدل على أن من أحب الله أحب من يحبه الله عز وجل من الآدميين ويحب الأعمال المقربة إليه سبحانه وتعالى. إذاً محبة رسول الله تابعة له.
ثم ذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (“ثلاث من كُنَّ فيه وجد بهن حلاوة الإيمان“) أي: هُنَّ سبب ذوق حلاوة الإيمان، ذكر: (“أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه الله منه“). وهذه الأمور الثلاثة متلازمة وكلها متعلقة بالمحبة.
ثم ذكر عن ابن عباس أن “من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك“. إذاً هذا يدلنا على أن أوثق عرى الإيمان وأقواها كما جاء في الخبر، وأكثر ما يُقَرِّب إلى الله هو الحب له سبحانه. ولا تتحقق المحبة إلا بالطاعة والإيمان قبل ذلك، لا بمجرد الدعوة. جاء في هذا الخبر حديث ابن عباس أنه تُنال به ولاية الله. ومعنى الولاية أي: القرب من الله. ولنعلم أن كل المؤمنين أولياء الله، ولكن بعضهم أكثر ولاية وبعضهم أكثر قُرباً من الله عز وجل بحسب إتيانه بالفرائض وتحببه بالنوافل وشدة محبته لله عز وجل ومأموره سبحانه وتعالى. نعم.
باب قول الله تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 175]
وقوله تعالى: {وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ} [العنكبوت: 10].
(عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: “إن من ضعف اليقين: أن ترضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمَّهم على ما لم يؤتِكَ الله. إن رزق الله لا يجرُّه حِرص حريص ولا يردُّه كراهية كاره“).
(وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من التمس رضى الله بسخط الناس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناس. ومن التمس رضى الناس بسخط الله، سخط الله عليه وأسخط عليه الناس“).
نعم، هذا الحديث هذا الباب في مقابلة الباب الذي قبله، فالأول متعلق بالمحبة، وهذا متعلق بالخوف. فإن الخوف يجب أن لا يُصرف إلا لله خوف العبادة. وكل خوف يمنع من امتثال أوامر الله عز وجل فإنه لا يكون من الخوف الطبيعي. وإنما الخوف الطبيعي المتعلق بالإكراه، ومن شروط الإكراه أن يكون إكراهاً حقيقياً وأن يكون فيه مس بعذاب وأن يكون حالاً ونحو ذلك من الإكراه الذي تكلموا عنه سواء كان مُلجِئاً أو غير مُلجِئ. وإنما المنهي عنه من الخوف: الخوف الذي يقع في القلب من غير تحقق شروط الإكراه، فمن امتنع من شيء من أوامر الله عز وجل بدعوى الخوف فإنه يكون ذلك قادحاً في إيمانه، كما أشار إليه المصنف في هذا الباب.
باب قول الله تعالى: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [المائدة: 23]
وقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} [الأنفال: 2].
وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الأنفال: 64].
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 3].
(عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: “حسبنا الله ونعم الوكيل، قالها إبراهيم عليه السلام حين أُلقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173]”).
نعم، هذا الباب أورده المصنف في فعل ثالث من أفعال القلوب، فقد تقدم المحبة ثم أورد بعده الخوف وهنا يتعلق بالتوكل على الله عز وجل. والتوكل من أعمال القلوب التي لا يجوز صرفها لغيره سبحانه وتعالى مطلقة. ولذلك قال: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، فلا يُصرف التوكل إلا لله عز وجل.
والآية التي بعده: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ}. أي: تعلقت بالله عز وجل، ومن تعلّقها بالله عز وجل أنها تتوكل عليه سبحانه. وهذا معنى قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}، حسبك أي: هو حسيبك الذي تعتمد عليه وتتوكل. فسرتها الآية التي بعده: {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}.
ثم ذكر أن محمداً صلى الله عليه وسلم وإبراهيم عليهما السلام لما اشتد بهم الأمر وقيل لهم: “إن الناس قد جمعوا لكم“، زادهم إيماناً وقالوا: (“حسبنا الله ونعم الوكيل“). دل على أن هذا هو كمال التوكل، أن يستعين المرء بهذه الكلمة: “حسبنا الله ونعم الوكيل“. وفيها استعانة بثلاثة أسماء لله عز وجل: اسم الله عز وجل، والحسيب عندما تقول: “حسبي“، ففيها استعانة باسم الله الحسيب، و “نعم الوكيل“ فإن من أسمائه جل وعلا الوكيل، وكل هذه الأسماء لها تعلُّق بأفعال القلب بالتوكل.
باب قول الله تعالى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ} [الأعراف: 99]
وقوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56].
(وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن الكبائر فقال: “الشرك بالله واليأس من روح الله والأمن من مكر الله“).
(وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: “أكبر الكبائر الإشراك بالله والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله“).
نعم، هذا الباب أيضاً متعلق بأفعال القلوب. إن مما يناقض كمال الإيمان والتوحيد في القلب: الأمن من مكر الله عز وجل، فمن يأمن على نفسه الفتن سواء الفتن المتعلقة بالدين أو ما يتعلق بأمور الدنيا كذلك، فإن هذا من أمر من مكر الله عز وجل. قال الله عز وجل: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}، فذم الله عز وجل من يأمن مكره.
وقبل ذلك قوله تعالى: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ}، وهذا في مقابلة أمن المكر. إذاً من أفعال القلوب أمران: الأمن من المكر والقنوط من رحمة الله، وهما متقابلان أشار إليهما المصنف للدلالة على أن كليهما مخطئ وكلا طرفي غُلوٍّ ذميم.
ثم ذكر حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن من الكبائر: (“اليأس من روح الله والأمن من مكر الله“). فاليأس من روح الله هو قول الله عز وجل: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ}، والأمن من مكر الله هي الآية الأولى: {أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}.
باب من الإيمان بالله الصبر على أقدار الله
وقول الله تعالى: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11].
(قال علقمة: “هو الرجل تصيبه المصيبة فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويُسَلِّم“).
(وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت“).
(ولهما عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: “ليس منا من ضرب الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية“).
(وعن أنس رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة“).
(وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “إن عِظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط“).
نعم، هذا الباب متعلق أيضاً بفعل عظيم من أفعال القلوب وهو الصبر على أقدار الله عز وجل. والناس في الصبر ليسوا سواء، فأعظم الناس في الصبر كما نبه لذلك ابن القيم: هو من يرضى بقضاء الله وقدره. فالرضا هو كمال درجات الصبر وهو أعلى الدرجات فيه، بأن يعلم أن ما أصابه خير له مما لم يُصِبه، وإن كان ظاهره الشر عنده أو عند بعض الناس.
ولما تعلّق الصبر بالتوحيد نقول: لأن فَقْدَه قد ينافي كمال التوحيد، بل قد ينافي حقيقة التوحيد بالكلية. فإن من الناس من إذا أصابته مصيبة جَزِع فاعترض على قضاء الله وقدره، وفَعَل من الأفعال ما يكون مُنقِصاً للتوحيد أو مُنافياً له بالكلية. فلذا ناسَب ذكر هذا الباب المتعلق بالصبر في هذا الموضع من هذا الكتاب. نعم.
باب ما جاء في الرياء
وقول الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} [الكهف: 110].
(وعن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً يعني: الشرك: قال الله تعالى: “أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشِركَه“).
(وعن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: “ألا أُخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟” قالوا: بلى. قال: “الشرك الخفي: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل“).
نعم، هذا الباب أورد فيه المصنف الأعمال التي يفعلها العبد، وإنما قصده بفعلها أن الناس ينظرون إليه فيكون رياءً يُرائيهم، أو لكونهم يسمعون به فيكون من باب التسميع. وإن كلا الأمرين هو من الشرك الأصغر. وقد تقدم معنا أن أظهر قولي أهل العلم والعلماء في هذه المسألة أن الشرك الأصغر كالشرك الأكبر لا يُغفر ولا يُمحى، وإنما لا يكون صاحبه مُخلَّداً في النار، هذا الفرق بينهما.
والمقصود من هذا أن الشرك الأصغر بالرياء من أخطر الأمور. ولذلك نهى الله عز وجل وحذَّر منه في قوله: {فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}. هذا يشمل جميع أنواع الشرك. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم حاكياً عن ربه في الحديث القدسي: (“أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري تركته وشِركَه“). وهذا يدل على أن المرء إذا عمل عملاً مُرائياً فيه فإنه لا يُؤجر على عمله بالكلية. وهل يُحكم ببطلانه؟ نقول: لا يبطل. فمن عمل عملاً ولو تيقن الرياء فيه لا نحكم ببطلان عمله، فلا يُعيد صلاته الواجبة ولا يُعيد صومه الواجب ولا حجه الواجب، وإنما يُكثر بعد ذلك من النوافل؛ لأن الرياء إنما يَمحَق الأجر والعمل ولكنه لا يُبطل صحته في الظاهر. وهذه مسألة قد تقع عند بعض الناس فيُسأل عنها أحياناً.
ثم أورد حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (“ألا أُخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟“) (“الشرك الخفي“)، ثم فسره فقال: (“يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل“) إليه.
باب من الشرك إرادة الإنسان بعمله الدنيا
وقول الله تعالى: {مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [هود: 15-16].
(وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تَعِسَ عبدُ الدينار، تَعِسَ عبدُ الخميصة، تَعِسَ عبدُ الخميلة، إن أُعطي رضي، وإن لم يُعطَ سخط، تَعِسَ وانتكس، وإذا شِيكَ فلا انتقش. طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه، مغبرة قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استأذن لم يُؤذن له، وإن شفع لم يُشفَّع“).
نعم، هذا الباب أورده المصنف بعد باب الرياء؛ لأن فيه شَبَه، وذلك أن الرياء يعمل العمل الصالح لأجل نظر الناس إليه أو سماعهم به، وأما هذا فهو أن يعمل العمل لأجل حظ من الدنيا، فيعمل العمل لأجل دراهم يجمعها، أو لأجل أمر من أمور الدنيا التي يفعلها لأجل ذلك.
ومن عمل عملاً من الأعمال الصالحة لأجل الدنيا فقط، فإن هذا يكون شركاً، بخلاف الذي يعملها لله عز وجل وله حظ الدنيا، كما جاء في مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (“ما من غازية يغزُون فيغنمون إلا تعجَّلوا ثُلُثَي أجرهم“). فالغازي الذي يغزو هو غزا لأجل امتثال أمر الله عز وجل، لكنه أراد بغزوه مع رغبته في الجهاد أن يتحصل على الغنيمة، فنقص أجره.
إذاً فُرِقَ بين أن يكون قد أراد بعمله الله عز وجل وحده، وهو الكمال، أو أراد به الله عز وجل مع شيء من حظ الدنيا وكسبها فيكون تشريكاً يُنقِص الأجر. وللحالة الثالثة: أن يريد حظ الدنيا وحدها، فإن هذا شرك ولا يُؤجر عليه بالكلية. والحالة الرابعة: أن يعمل لأجل مراعاة الناس وتسميعهم فهذا شرك أصغر، وهذا مُبطل للعمل بكليته من حيث عدم الأجر. وهذا التحقيق نص عليه جماعة من أهل العلم.
بقي لنا من الكتاب تقريباً ثُلث الكتاب. ولكن لعلنا نقف عند هذا القدر. أسأل الله عز وجل أن يرزق الجميع العلم النافع والعمل الصالح، وأن يتولانا بهداه، وأن يغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات. أسأله جل وعلا أن يرحم ضعفنا ويجبر كسرنا، وأن يُجيرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. وأسأله سبحانه أن يحفظ بلاد المسلمين من كل سوء وفتنة، وأن يحفظ عليهم أموالهم وأعراضهم وأبشارهم، وأن يوفق ولاة أمورنا لكل خير، وأن يُصلح لهم أمرهم، وأن يغفر لهم ذنبهم، وأن يبارك لهم في أعمارهم. أسأله جل وعلا أن يرحم والدينا وأن يجزيهما خير ما جزى، وأن يُصلح لنا أعمالنا وذرياتنا. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
(بقي ثُلث الكتاب كله إن شاء الله في الدرس القادم بعد فترة هُدنة إن شاء الله، الإخوان في الجمعية ربما أسبوع أو شهر).