بسم الله الرحمن الرحيم
في سنتين ونحو النصف، وشغل طالب العلم وقته بالعلم الشرعي، لا شك أنه من أنفس القربات. والليالي والأيام تذهب على كثير من الناس سُدًى، بغير تحصيل، بل على غالب الناس. وإن توفيق الله للإنسان أن يسلك هذا الطريق، وأن يرجو به القربة عند الله، له توفيق عظيم، يحتاج من الإنسان أن يشكر ربه ويسأله المزيد من فضله.
سبق وتحدثت عن أهمية الاجتهاد في طلب العلم والفرق الكبير بين الطالب المجتهد وغيره. ولو أردت أن أتحدث عن هذا الموضوع، لكنت طالعْتُ في كلام السبكي في “طبقاته”، وذُهلت عندما وقفت على ترجمة الشيخ أبي بكر القفال الشاشي الشافعي، شيخ الشافعية.
هذا أبو بكر القفال الشاشي، قال عنه السبكي: “بحر العلوم”. وقال عنه غيره: إنه لم يأتِ تقيٌّ في زمنه ولا بعده أفقه منه – هكذا هو يقول. ولنُشَكِّكَ في هذه العبارة شيئًا من المبالغة، لكن حتى تعرف منزلة الشيخ القفال الشاشي، له كتب وتصانيف سارت بها الركبان وبِيعَت في أغلى الأثمان.
العجيب في الأمر الذي وقفت عليه أخيرًا أن هذا الرجل لم يبدأ في طلب العلم إلا لما بلغ سن الثلاثين. وكان قبل ذلك يشتغل في صناعة الأقفال، يُحسن صناعة الأقفال جدًا. ثم لما بلغ سن الثلاثين، ترك صناعة الأقفال واتجه إلى العلم، وبلغ منزلة عظيمة كبيرة جدًا في الفقه الشافعي وفي فقه الخلاف. انظر إلى اجتهاد هذا الرجل وكيف حصل هذا العلم في هذا الزمن اليسير! إلى درجة أن هذا الإمام يقول: “أول ما بدأت بطلب العلم، كنت إذا سمعت الشيخ يقول: “اختصرتُه واختُصِرَ” لا أعرف الفرق بينهما، ولا أعرف معنى الكلمتين. لا يفرق بين “اختصرتُه” و “اختُصِرَ”. يعني بدأ من الصفر، ومع ذلك وصل إلى مرحلة متقدمة جدًا من طلب العلم.
نحن إن شاء الله سنقرأ في السبت والأحد (أو الثلاثاء) في متن بلوغ المرام. وجرت العادة أنه قبل البداية بأي متن أن يكون هناك نوع من المقدمات تمهد للدخول في هذا المتن. وسنبدأ بهذه الممهدات قبل أن نقرأ المتن، وهي مختصرة. نحاول إن شاء الله ألا نطيل فيها؛ لأن الإطالة في هذه المقدمات غير مفيدة جدًا.
نبدأ بـترجمة الشيخ الحافظ ابن حجر:
الحافظ ابن حجر هو أحمد بن علي بن محمد العسقلاني الشافعي المصري. وُلد الشيخ في سنة 773هـ، ونشأ يتيمًا. بعد الولادة توفيت أمه، ثم لما بلغ أربع سنوات توفي أبوه رحمه الله، فنشأ يتيمًا. فلما مات أبوه، تولاه تاجر من تجار مصر، فأخذه ورعاه، ووجهه لطلب العلم، وتعاون معه في الإسماع من المشايخ. مع كون الحافظ نشأ يتيمًا، إلا أنه نشأ في عفة وصيانة وإقبال وخير وعبادة. إلا أنه في بداية الطلب اتجه إلى الأدب، ثم انتقل بعد ذلك إلى طلب العلم.
لما بدأ بطلب العلم، اجتهد الحافظ ابن حجر اجتهادًا كبيرًا جدًا، أكثر مما يتصور الإنسان. وأنا سأقرأ لكم كلام السبكي مختصرًا في بيان اجتهاد الحافظ ابن حجر، مختصرًا جدًا، وركزتُ فيه على الجوانب العلمية.
يقول السبكي (لاحظ عبارته عن الشيخ ابن حجر): “اجتمع له من الشيوخ ما لم يجتمع لأحد من أهل عصره؛ لأن كل واحد منهم كان متبحرًا في علمه، ورأسًا في فنه الذي اشتهر به، لا يُلحق فيه: فالتنوخي في معرفة القراءات، والعراقي في معرفة علوم الحديث، والهيثمي في حفظ المتون، والسخاوي والبلقيني في سعة الحفظ وفسحة الاطلاع، وربما الملقن في كثرة التصانيف، والفيروزآبادي في حفظ اللغة والاطلاع عليها، والغماري في معرفة العربية، والعز بن جماعة في تفننه في علوم كثيرة“.
نستخلص من هذا النص عدة أشياء:
- أولًا: أنه كان يُلَاقِم ويتفنن على كبار المشايخ، كل واحد يتفنن.
- ثانيًا: أن الشيخ كان متبحرًا في هذه العلوم جميعًا. كل هذه العلوم التي قرأتُ كان الشيخ فيها متبحرًا عالمًا.
ثم يقول: “قرأ على العراقي ولازمه عشرة أعوام“. بقي مع العراقي عشرة أعوام. وأيضًا يقول: “قرأ عليه ألفيته، وشرحها، ونُكَته على ابن الصلاح وأماليه”.
ثم انتقل بعد ذلك إلى البلقيني ولازمه فترة طويلة، قرأ عليه “المنهاج” و”الروضة” و”مختصر المزني”. ثم اتجه وحفظ: “العمدة” و**”الألفية”** و**”الحاوي الصغير”** و**”مختصر ابن الحاجب”** و**”ملحة الإعراب”** وغيرها كثير.
اشتهر الشيخ الحافظ ابن حجر بـالرحلة، رحل كثيرًا. نحن لا نريد أن نذكر ماذا صنع في كل بلد، يكفي فقط أن تسمع معي البلدان التي زارها الحافظ ابن حجر. يقول: “رحل إلى فَاس والإسكندرية والطور ويَنبع وجدة ومكة وتعز وزبيد وعدن وعَجَبْحَ ونابلس والرملة وبيت المقدس والخليل ودمشق والصالحية“. وصنع شيئًا كثيرًا في كل بلد: طلب وحَصَّل وحفظ وفهم وتابع في كل بلد كان ينزل إليها.
اشتهر الشيخ رحمه الله الحافظ ابن حجر بـسرعة القراءة. فقرأ صحيح البخاري كاملًا في عشرة مجالس – مدة المجلس من بعد صلاة الظهر إلى صلاة العصر – وقرأ “صحيح مسلم” كاملًا في يومين ونصف، وقرأ “الطبراني الصغير” – في طبيعة الحال – في جلسة واحدة بين الظهر والعصر. فكان سريع القراءة لكن مع الإدراك والفهم.
هذه النقاط المختصرة جدًا أحببت أن أنبه إليها. ننتقل إلى المرحلة الأخيرة وهي وفاته. أُصيب الشيخ بـمرض مزمن لازمه، استفرغ للدم ومغص شديد. فتفقد الشيخ وصبر، واستمر في إلقاء الدروس.
أقول: إن الحافظ رحمه الله مرض وصبر وسكت، واستمر في إلقاء الدروس، مع أن المرض كان شديدًا وقويًا على سيره. لكن مع قرب عيد الأضحى مرض مرضًا شديدًا، حتى أنه لأول مرة في حياته لم يصلِّ صلاة العيد من شدة المرض. ثم في ليلة السبت، يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة سنة 852هـ توفي رحمه الله رحمة عظيمة.
ولما أرادوا الصلاة عليه حضر السلطان والخليفة والوجهاء والأغنياء والعباد والصالحون. يكاد يكون خرج من في البلد جميعًا، من كبرائهم ومن دونهم. وصلوا عليه ودُفن رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه خيرًا عما قدم للإسلام والمسلمين.
نبدأ الآن في المتن، ولكن قبل ذلك أيضًا ما يتعلق بالمقدمات.
من الأشياء الضرورية في دراسة متون الحديث أن يدرك الطالب أن الهدف الكبير من دراسة متون الحديث هي التفقه في الأحاديث النبوية الشريفة، واستخراج المعاني والعلل والأحكام منها. هذا هو الغرض الأساسي، وهو أمر مهم جدًا. ولذلك سأقرأ عدة نقاط تصب في هذا الأمر، وهو بيان أهمية فقه الحديث القديم.
نبدأ بهذه النقاط:
النقطة الأولى: فتوى للإمام أحمد
الإمام أحمد فتوته في هذا الشأن عظيمة ومهمة؛ بسبب أنه محدث فقيه، ومع ذلك فتلاحظ ماذا قال لما يقول: “إن الأمر بين الفقه والفهم”.
يقول إسحاق الحردي: قلت لأبي عبد الله (يعني أحمد بن حنبل): كم يقنع الرجل أن يكتب من الحديث؟ ويريد أن يسمع ويحفظ ويستكثر من الحديث.
إسحاق الحردي قال لي الإمام أحمد: “يا إسحاق، خدمة الحديث أصعب من طلبه”.
قلت: ما خدمته؟
قال: “النظر فيه”.
قال: “النظر فيه”.
تفقه في الحديث وجودة الاستنباط أصعب من الحفظ. ولهذا الذين يحفظون كُثُر، والذين يستنبطون قلة نادرة في عصر الإمام أحمد، فما بالك في عصرنا.
وليبين لنا أن هذا قلَّة – وهو النظر في الحديث والاستنباط – لاحظ معي ماذا قال الإمام أحمد في إشارته لـالاهتمام والعناية بفقه الحديث.
يقول الإمام أحمد (لاحظ عبارات الإمام): قال أحمد بن حنبل للحسين الربيعي: “ما فهمنا استنباط أكثر السُّنن إلا بتعليم الشافعي إيانا”.
لما محمد (يعني الشافعي) تأثر بغير التابعين وجالس أئمة من أهل العلم والحفظ والفهم وأشراف الناس وسادتهم، يقول: “ما فهمنا استنباط أكثر السنن إلا بتعليم الشافعي إيانا”.
يقول: “لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث”.
ويقول: “كان الفقه قفلًا على أهله حتى فتحه الله بـالشافعي”.
ويقول صالح ابنه (ابن الإمام أحمد): “جاء الشافعي يومًا إلى أبي يعوده، وكان عليلًا. فوثب أبي إليه، فقبَّل بين عينيه رحمه الله، ثم أجلسه في مكانه، وجلس بين يديه – المجلس مجلس الإمام أحمد – فأجلسه في المجلس وهو جلس بين يديه”. مع أن هذه القصة كانت والإمام أحمد إمام كبير.
قال: “فجعل يسائله ساعة، فلما أراد الشافعي ليركب، قام أبي فأخذ بركابه ومشى معه، يمشي معه بجانب البغلة”.
فبلغ ذلك يحيى بن معين، فوجّه إلى أبي: “يا أبا عبد الله، يا سبحان الله! أفَرَّ بك الأمر إلى أن تمشي إلى جانب بغلة الشافعي، وإن كان إمامًا كبيرًا (الإمام أحمد)؟”.
فقال له أبي: “وأنت يا أبا زكريا لو مشيت من الجانب الآخر لانتفعت به”.
قال: ثم قال أبي: “من أراد الفقه فليتبع ذنب هذه البغلة”.
وقال محمد بن مسلم الرازي: “قدمت من مصر، فدخلت على أحمد بن حنبل. فقال لي: من أين جئت؟
قلت: جئت من مصر.
قال: أكثرت كتب الشافعي؟
قلت: لا.
قال: فلمَ؟”
ثم قال الإمام أحمد: “ما عرفنا ناسخ سُنن رسول الله من منسوخها، ولا خاصها من عامها، ولا مجملها من تفسيرها، حتى جالسنا الشافعي”.
إذًا هذا هو فقه الحديث: لأن تعرف معناه وناسخه من منسوخه، وعامه من خاصه.
أخيرًا يقول الإمام أحمد (لاحظ تركيز الإمام أحمد. الإمام أحمد ما يُنقل عنه من العلم قليل، فتاواه قليلة، ولاحظ كثرة ما ننقل الآن عن هذا الموضوع عن الإمام أحمد): “ما كان أصحاب الحديث يعرفون معاني حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم الشافعي فبين لهم”.
ثم قال الإمام أحمد: “ما أحد مَسَّ بيده محبرة وقلمًا إلا و للشافعي في عنقه مِنَّة”.
اهتمام الإمام أحمد بالشافعي ينبع من أهمية ما صنعه الشافعي، وهو تقريب فقه الحديث ومعرفة مدلولات الألفاظ. هذا أمر.
الأمر الثاني: وهو ما قبل الأخير.
حتى تعرف ما سبب اهتمام الإمام أحمد بهذا الأمر، نقلت لك هنا نُكتًا يسيرة ذكرها الإمام الحافظ ابن القيم في “بدائع الفوائد”. وهي أراد منها الإشارة إلى أهمية الاستنباط لكن من خلال أمثلة تطبيقية.
يقول الإمام ابن القيم: “والنبي صلى الله عليه وسلم أول من بين العلل الشرعية والمآخذ والجمع والفرق والأوصاف المعتبرة والأوصاف الملغاة، وبين الدور والتسلسل وقطعهما، لعناية. كلام يكتب بالذهب”.
ثم قال مدللًا ومبرهنًا على هذه القاعدة: “فانظر إلى قوله صلى الله عليه وسلم حين سئل عن البعير يُجْرَب فتُجْرَبُ لأجله الإبل. فقال: ‘فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟'”
يقول: “كيف اشتملت هذه الكلمة الوحيدة المختصرة البينة على إبطال الدور والتسلسل، وطالما تفيهق وتشدق المتكلم وقرر ذلك بعد اللتيا والتي في عدة ورقات! فقال “مَنْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ: فَمَنْ أَعْدَى الْأَوَّلَ؟”“
ثم انتقل إلى المثال الثاني، قال: “وتأمل في قصة ابن اللُّتْبِيَّة وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: ‘أَفَلَا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ’. وقال: هذا أُهْدِيَ لي. كيف يجد تحت هذه الكلمة الشريفة أن الدوران يفيد العلِّيَّة والأصول ربما كد خاطره حتى قرر ذلك بعد الجهد؟ فدلت هذه الكلمة النبوية على أن الهدية لما دارت مع العمل وجودًا وعدمًا، كان العمل سببها وعِلَّتَها؛ لأنه لو جلس في بيت أبيه وأمه لم تأتِ الهدية. وإنما وُجدت في العمل، فهو عِلَّتُها”.
ثم يقول في مثال آخر: “وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم في اللحم الذي تُصُدِّق به على بَرِيرَة: ‘هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ’. ففرق في الذات الواحدة وجعل لها حكمين مختلفين بـاختلاف الجهتين. جهة الصدقة عليها غير جهة الهدية منها”.
“وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم في الميتة: ‘إِنَّمَا حَرُمَ مِنْهَا أَكْلُهَا’. كيف تضمن التفرقة بين أكل اللحم واستعمال الجلد، وبين أن النص إنما تناول تحريم الأكل دون استعمال الجلد”.
ثم يقول أيضًا في أمثلة كثيرة: “ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لـعمر وقد سأله عن القبلة للصائم فقال: ‘أَرَأَيْتَ لَوْ تَمَضْمَضْتَ؟’. فتحت هذا إلغاء الأوصاف التي لا تأثير لها في الأحكام، وتحته تشبيه الشيء بنظيره وإلحاقه به. وكما أن الممنوع منه الصائم إنما هو الشرب لا مقدمته وهو وضع الماء في الفم، فكذلك الذي مُنع منه إنما هو الجماع لا مقدمته وهي القبلة”.
ويقول أيضًا (ذكر أمثلة كثيرة يحسن بالسامع في “بدائع الفوائد” أن يرجع إليها): يقول في المثال الأخير: “وتأمل قوله صلى الله عليه وسلم للرجل الذي استفتاه عن امرأته وقد ولدت غلامًا أسود فأنكر ذلك. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ‘أَلَكَ إِبِلٌ؟’. قال: نعم. قال: ‘فَمَا أَلْوَانُهَا؟’. قال: سود. قال: ‘هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟’. قال: نعم. قال: ‘فَأَنَّى لَهُ ذَلِكَ؟’. قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال: ‘وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ’“.
ثم يقول ابن القيم: “كيف تضمن إلغاء هذا الوصف الذي لا تأثير له في الحكم وهو مجرد اللون ومخالفة الولد للأبوين فيه، وأن مثل هذا لا يوجب ريبة، وأن نظيره في المخلوقات مشاهد بالحس، والله خالق الإبل وخالق بني آدم!”.
ثم قال: “فهذه من أصح المناظرات والإرشاد إلى اعتبار ما يجب اعتباره من الأوصاف وإلغاء ما يجب إلغاؤه منها، وأن حكم الشيء حكم نظيره، وأن العلل والمعاني حق شرعًا وقدرًا”.
مقصود ابن القيم من هذا الكلام النفيس – والبرهان من خلال كذلك الأمثلة – على أن الأحاديث النبوية فيها معرفة كيفية التعليم والاستنباط والدور، وأن فيها من القواعد المباشرة ما يحتاج الأصولي والمناظر ومن يتفنن في العقيدة إلى وقت طويل لتقريرها.
أخيرًا ننتقل إلى مسألة وهي أن الإمام أحمد قَسَّم أهل العلم بالنظر إلى الحديث وفهمه إلى ثلاثة أقسام. وأنا حينما أقرأ هذه الفتوى أريد منكم أن تفهموا مقصود الإمام أحمد، وأنه لا يريد أن يتكلم في أحد من أهل العلم، وإنما مقصود الإمام أحمد البيان والإيضاح لـأنواع أهل العلم بالنظر إلى دراسة الأحاديث والاستنباط.
سئل الإمام أحمد (لاحظ معي):
- سئل الإمام أحمد عن مالك بن أنس رحمه الله، فقال: “حديث صحيح ورأي ضعيف”.
- وسئل عن الأوزاعي، فقال: “حديث ضعيف ورأي ضعيف”.
- وسئل عن أبي فلان – هكذا ما أراد أن يسميه – فقال: “لا رأي ولا حديث”.
- وسئل عن الإمام الشافعي، فقال: “حديث صحيح ورأي صحيح”.
فقسم العلماء إلى كم قسم؟ إذا استثنينا صاحبنا هذا الذي “لا رأي ولا حديث”، صاروا كم؟ ثلاثة:
- منهم من يُحَصِّل نقل الأحاديث ويستدل بالصحيح منها، لكنه لا يتفقه فيها على الوجه المطلوب.
- ومنهم من يتفقه بلا حديث.
- ومنهم من ينقل الأحاديث الصحيحة ويتفقه فيها تفقُّهًا صحيحًا.
ولما كانت هذه العبارة فيها نوع من الإشكال، شرحها الإمام البيهقي، شرح هذه الفتوى شرحًا.
يقول البيهقي: “قلت: إنما قال ذلك أحمد بن حنبل في مالك رحمهم الله؛ لأنه كان يترك الحديث الصحيح ويعمل بعمل أهل المدينة في بعض المسائل“. إذًا عرفنا لماذا اعتبره الإمام أحمد “رأي ضعيف”؛ لأنه يخالف الأحاديث.
ثم قال: “وقال ذلك عن الأوزاعي رحمه الله؛ لأنه كان يحتج بالمقاطيع والمراسيل في بعض المسائل ثم يقيس عليها“. إذًا هو يحتج بأحاديث ضعيفة ثم يقيس، جمع بين الحديث الضعيف والرأي الضعيف.
”وقال ذلك في الشافعي رحمه الله؛ لأنه كان لا يرى الاحتجاج إلا بالحديث الصحيح المعروف ثم يقيس الفروع على ما ثبت أصلها بالكتاب والسنة الصحيحة والإجماع“.
”وقال ذلك في أبي فلان هذا؛ لأنه كان يقول بالحديث الضعيف دون القياس مرة، ويترك الصحيح المعروف في القياس أخرى، فيقول بالقياس مرة ويتركه بالاستحسان أخرى”.
وهذا لأنه كان يرى الحجة تقوم بخبر المجهول وبالحديث المنقطع. فما وقع إليه من ذلك من حديث بلده قال به وترك القياس لأجله، وما لم يقع إليه من صحيح حديث بلده أو وقع إليه فلم يثق به، قال فيه بالقياس والاستحسان.
والحاصل أن الإمام أحمد يقول: ينبغي أن الإنسان يثبت الأحاديث الصحيحة والأصول المعروفة ثم يقيس عليها. وأنه يرى أن من أثبت الأحاديث الضعيفة ثم صار يقيس عليها، فإنه “حديث ضعيف ورأي ضعيف”.
إذًا عرفنا الآن أقسام العلماء بنظر الإمام أحمد. وهذا يستدعي أن الإنسان يحرص على أن يتمسك بـالأحاديث الصحيحة. وهذا يستدعي أن يكون عند الإنسان دراسة صحيحة بـكيفية التصحيح والتضعيف. ويستدعي أيضًا أن يتفقه في الحديث النبوي على مقتضى القواعد الصحيحة.
نحن نرى الآن استكمالًا لكلام الإمام أحمد أن بعض العلماء يثبت الحديث الضعيف – واضح ولا لا – حديث لا يصح ثم يثبته من خلال شواهد أو أقيسة أو متابعات أو إلى آخره، تجد أن السبب أنها مبنية على حديث من إيش؟ ضعيف.
وهذا الذي يريده الإمام أحمد: لا تثبت حديثًا بطريقة غير صحيحة في التعليل والتصحيح والتضعيف ثم تبني عليه مسائل فقهية شاذة. وهذا كما قلت يقع كثيرًا.
هذا ما أردت أن أقدم به بالنسبة لمتن “البلوغ”. ونشرع الآن مستعينين بالعزيز الجبار بقراءة هذا المتن. وأرجو بإذن الله أن نتم المتن في المدة المقررة له بإذن الله.
قال المؤلف رحمه الله تعالى وغفر له: “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ”
متن بلوغ المرام متن تُغْسَلُ به النفوس وكَثُرَتْ رُوحه، وأقبل عليه كثير من الطلاب. وبعد دراستي لهذا الكتاب وجدت أنه جدير بهذه العناية وأن فيه من المزايا ما قد لا يُوجد في غيره من المتون. ونحن إن شاء الله بعد نهاية هذا المتن – إن يسر الله – سنخرج مقارنة بين أحاديث البلوغ و”المُحَرَّر” و”الإمام” و”المنتقى”. وإن كان “المنتقى” يختلف، وتجمع عندي أشياء كثيرة جدًا حول هذا الموضوع، ولكني سأرجئ الكلام عنه لنهاية المتن؛ لأنه يتبين أكثر طريقة المؤلف.
لكن الشيء الذي أحب أن أشير إليه الآن: أن من طريقة الحافظ أنه يختصر الحديث فيأتي بالشاهد فقط. وهذا الأمر عده بعض الناس ميزة وحسنة من حسنات المتن. والواقع من وجهة نظري أن هذا عيب من عيوب المتن.
والسبب:
- أولًا: أن الحديث لا يُفهم فهمًا كاملًا إلا بسياقه المتصل.
- السبب الثاني: أن الحافظ ابن حجر يُسقط من الألفاظ ما فيها فوائد مهمة.
ولهذا ستجد أنه إذا قرأت المتن – مثل هذا الحديث في “البلوغ” – ثم قرأت نفس المتن في “الإلمام” مثلًا، أن استيعابك للحديث وتصورك له ولمعانيه أتم؛ لأن سياق الحديث هناك أتم. هذه النقطة فقط هي التي لفتت نظري، مزعجة في “البلوغ”، ولو أن الحافظ استدركها لكان المتن في الحقيقة فيه ما لا يوجد في غيره من المتون.
يقول الحافظ: “بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ”
جرت عادة أهل العلم من المصنفين أن يبدأوا مصنفاتهم بـالبسملة اقتداءً بالكتاب؛ فإن الله ابتدأ كتابه بـ”بسم الله الرحمن الرحيم”. والأمر الثاني: اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم بأنه كان يبدأ مرسلات الملوك بـ”بسم الله الرحمن الرحيم”، وهو ثابت من قصصه. والأمر الثالث: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَمْ يُبْدَأْ فِيهِ بِبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَهُوَ أَقْطَعُ أَوْ أَبْتَرُ”. وهذا الحديث في إسناده أحمد بن محمد بن عمران السَّعْدِي، إما ضعيف جدًا أو متروك – كذا يدور بين أن يكون ضعيفًا جدًا أو متروكًا – فهذا الحديث لا يصح ولا يسوغ الاستدلال به. لكن الاستدلال الصحيح بما تقدم عن الكتاب وعن عمل النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا جرت – كما قلت – عادة المصنفين أن يبتدأوا الكتب بـ”بسم الله الرحمن الرحيم”.
ثم قال: “الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ”
الحمد هو الثناء على المحمود بـأوصافه الجميلة وأفعاله الحسنة. فهو ثناء للصفات والأفعال. والحمد لا يؤدى إلا بـاللسان. وهناك فرق بين الحمد والمدح. الفرق بينهما من وجهة نظر ابن القيم هو فقط في أن الحمد لا بد أن يكون مع المحبة والتعظيم والإجلال – يعني ثناء مع محبة وتعظيم وإجلال – بينما المدح ثناء بلا محبة ولا تعظيم. وقيل: إنه لا فرق بين المدح والحمد. وقيل: إن العرب وضعوا المدح ليشمل الحمد والشكر. وقيل: إن الفرق بينهما أن المدح تتعلق بـالفعل الاختياري. ومن وجهة نظري أن هذه الأقوال متقاربة، فالحمد والمدح فيه ثناء. وقد يكون ما ذكر ابن القيم – يعني من أقوى الفروق – إلا أنه رحمه الله لا يحضرني الآن أنه ذكر مستندًا لهذا التفريق.
أما الشكر فإنه يؤدى بالقول واللسان وعبر بالعمل باللسان والأركان. فالحمد لا يكون إلا باللسان، بينما الشكر يكون باللسان والعمل. والدليل على هذا قوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا}. والدليل عليه أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل ما في كثرة في العبادة؟ قال صلى الله عليه وسلم: “أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا؟”. فعبر عن الشكر بالعبادة.
يقول: “الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ”
النعم جمع نعمة. وقوله: “الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ” فيه خلاف في مقصود بـالظاهرة والباطنة.
- قيل: الظاهرة هي التي تُدْرَك بالحواس، وعلى هذا تكون الباطنة هي التي لا تُدْرَك إلا بالعقل.
- وقيل: الظاهرة هي التي تُعرف ويشاهدها الناس وتُعْرَف، وعلى هذا تكون الباطنة هي التي لا تُعْرَف.
- وقيل: إن النعم الظاهرة هي أن يخلق الله الإنسان خلقًا حسنًا، وعلى هذا تكون الباطنة هي ما يُسْتَرُ من العيوب.
ولا يوجد ما يمنع من أن نَحْمِلَ النعم الظاهرة والباطنة على جميع هذه المعاني. فإن النعم التي تُدرك بالحواس والتي لا تُعرف وتحسين خلق الإنسان كلها من النعم الظاهرة. وكذلك عكسها كله من النعم الباطنة.
يقول: “الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ ثُمَّ قَالَ: وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ”
الصلاة في اللغة: الدعاء. واختلفوا فيها على أقوال، نأخذ أهم الأقوال:
- القول الأول: أن صلاة الله على عبده هي ثناء الله على عبده في الملأ الأعلى. وهذا اشتهر به أبو العالية، ذكره عنه البخاري. وأبو العالية تابعي كبير، ولقوله هذا وزن وثقل.
- وقيل: إن الصلاة هي الرحمة. وهذا القول هو أضعف الأقوال؛ لأن الله تعالى قال: {أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ}، ففرق بين الصلاة والرحمة. والدليل الثاني على ضعفها أن الصلاة لقب يُسحب بمزيد تشريف، لا يوجد في لقب الرحمة. فإذا قال الإنسان: “اللهم صلِّ على محمد”، ففرق بينه وبين أن يقول: “رحمه الله”. ففي الأول – في اللفظ الأول – في لغة العرب واستعمال الشرع ما فيه من التشريف.
- القول الثالث والأخير: أن الصلاة تعني مزيد تشريف وتكريم للنبي صلى الله عليه وسلم أو لمن يُصَلَّى عليه. وما ابن دقيق العيد إلى هذا القول واختاره.
لا يوجد في الحقيقة – حسب ما وقفت عليه – مرجح واضح. ولهذا نقول: أقوى الأقوال ما اختاره أبو العالية أو ما اختاره الحافظ ابن دقيق العيد. فإنما يكون هذا معناها أو ذاك. على أن كثيرًا من العلماء اعترض على أبي العالية قوله: إن ثناء الله على العبد في الملأ الأعلى أمر غيبي يحتاج إلى توقيف من النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الاعتراض وجيه، إلا أنه يُضعفه أن أبا العالية من كبار التابعين، وفي الغالب أنه أخذه عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم عن النبي صلى الله عليه وسلم. لكن هذا التقرير قد لا يركن إليه الإنسان يقيناً تاماً، فيبقى هذا القول فيه قوة، وعليه مؤاخذة. فإما أن يكون – كما قلت – هذا القول أو الثالث هو القول الراجح.
ثم قال: “وَالسَّلَامُ”
السلام أيضًا اختلفوا في معناه على قولين:
- القول الأول: أن يكون معنى السلام اسم من أسماء الله. ومعنى أن نقول: “السلام على فلان” وهو اسم من أسماء الله، أي: فإننا ندعو أن يحفظ الله هذا الشخص من الآفات والأضرار إلى آخره.
- القول الثاني: أن معنى السلام يعني السلامة، مأخوذ من السلامة. فكأننا ندعو له بـالسلامة من العيوب والآفات والنقائص.
والراجح أن المعنيين ليس بينهما اختلاف. فنحن نسأل الله أن يحفظه وأن يُسَلِّمَهُ من الآفات والنقائص.
ثم قال: “عَلَى نَبِيِّهِ وَرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ”
الفرق المشهور بين النبي والرسول:
- النبي إما يكون مشتقًا من “النبأ” وهو الخبر، أو من “النبوة” وهو الارتفاع، أو منهما. فيكون النبي مرتفعًا ويُخْبِر عن الله.
- واختلف العلماء رحمهم الله في الفرق بين النبي والرسول على أقوال:
- القول الأول: أن النبي من أُوحي إليه بشرع ولم يُؤْمَر بتبليغه، والرسول من أُوحي إليه بشرع وأُمِرَ بتبليغه. وهذا القول ضعيف أو ضعيف جدًا. والسبب في ذلك: أي فائدة من أن يُوحَى للنبي بشرع ثم لا يُؤمَر بتبليغه؟ ما فائدة من أن يُوحَى إليه بهذا الشرع؟ هذا القول – مع اشتهاره – هو أضعف الأقوال.
- القول الثاني: أن النبي هو من يُوحَى إليه بشرع لتجديد شريعة سابقة، وعلى هذا سيكون مبعوثًا لـقوم مسلمين. والرسول من أُوحي إليه بشرع مُبْتَدَأ (شرع جديد)، وعلى هذا سيكون مبعوثًا لـقوم كافرين. قد يكون أوضح الأقوال.
- القول الثالث: وإن كانت هذه المسألة بعض علماء العقيدة يطيل فيها، فهي أيضًا في الحقيقة يسيرة جدًا؛ لأنه لا يُبْنَى عليها أي فرق، لا سيما وأن أهل العلم أجمعوا بلا خلاف على أن مرتبة الرسول أعلى من مرتبة النبي. فإذا اعتقد الإنسان أن مرتبة الرسول أعلى من مرتبة النبي، بعد ذلك التفريق الدقيق بينهما لكون تحته فروع ينبني عليها فائدة كبيرة.
ثم قال رحمه الله تعالى: “وَآلِهِ وَصَحْبِهِ”
الآل: إما أنه مشتق من “أَهْل” ويدل على هذا أنه إذا صُغِّر رجع إلى أصله فيقال “أُهَيْل”، أو يكون مشتقًا من “أَوْل” وهو الرجوع، أي: رجع؛ لأن الإنسان يرجع ويصل إلى أصله وهو آله.
وآل النبي اختلفوا فيهم على أقوال. وهذا تحته ثمرة؛ لأن الإنسان يجب أن يعتقد حُبَّ آل النبي صلى الله عليه وسلم، ولابد أن يُحدد مَن هم.
- القول الأول: أن آل النبي صلى الله عليه وسلم هم أزواجه وذريته فقط. واستدل أصحاب هذا القول بـحديث الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وفيها: “اللهم صلِّ على محمد وآل محمد”، وفي الرواية الأخرى: “اللهم صلِّ على محمد وعلى أزواجه وذريته”، فجعل مكان الآل: الأزواج وذريته، فدل على أنهما شيء واحد.
- القول الثاني: أن آل النبي هم من تُحَرَّمُ عليهم الصدقة، وهم بنوا هاشم فقط.
- القول الثالث: أن آل النبي صلى الله عليه وسلم هم جميع أتباعه. كل من تبع النبي صلى الله عليه وسلم فهو من آله. واستدلوا على هذا بقوله تعالى: {أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}. ومن المعلوم أنه ليس المقصود في الآية ذرية فرعون وإنما أتباع فرعون.
والراجح أن الآل هم أزواجه وذريته. ومن الفقهاء من جعل آل النبي صلى الله عليه وسلم هم بنوا هاشم فقط، ذريته. ومنهم من خصص فقال: هم فقط فاطمة والحسن والحسين. لكن الصواب إن شاء الله أن آل النبي هم أزواجه وذريته وأبناؤه صلى الله عليه وسلم. هؤلاء هم آل النبي صلى الله عليه وسلم.
الصحابة: جمع صحابي. والصحابي مشكل في تعريفه، مع أهمية التعريف؛ لأنه ينبني عليه أن الصحابي لا يُبْحَثُ في توثيقه، وينبني عليه حقوق الصحابة من المحبة والتوقير.
- القول الأول (الأشهر): أن الصحابي هو من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به وتوفي على ذلك.
- القول الثاني: أن الصحابي هو من رأى النبي وآمن به وصحبه فترة طويلة.
- القول الثالث (أضيق الأقوال): أن الصحابي هو من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به وصحبه وقتًا طويلًا ورَاوَحَهُ.
استدل أصحاب القول الثاني والثالث – وهم قولان متقاربان – بما روي عن أنس رضي الله عنه أن رجلًا قال له: هل بقي أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فقال أنس: “بقي أعراب رأوه، أما من صحبه فلا”. ففرق بين من رأى وبين من صحبه.
واستدل أصحاب القول الأول – وهو أشهر الأقوال – بأن للنبي صلى الله عليه وسلم – رحمة الله – خصوصية لا تتعدى لعلو منزلته وشرفه صلى الله عليه وسلم، وهي أن الإنسان بمجرد ما يراه يصبح صاحبًا من أصحابه، بينما سائر الناس لا يكون الإنسان صاحبًا لغيره إلا مع طول الصحبة. والمسألة محل تردد. ومال كثير من المحققين إلى القول الأخير. ولكن المشهور أن كل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به وتوفي على هذا فهو من أصحابه الذين لهم مال الصحابة من حق. وهذا في الجانب العملي أحسن.
ثم دعا المؤلف أيضًا للتابعين. والتابعون هم من رأوا الصحابة وأخذوا عنهم العلم. ولهذا سمّاهم المؤلف ورجَّحَ؛ لأنهم ورثوا العلم، والأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم النافع.
هنا في مسألة التابعين الذين رووا العلم وورثوه للناس، توجد كلمة للإمام الحافظ الكبير علي بن المديني، نقلها عنه كل من بعده وأثنوا عليه بسببها ثناء عطرًا؛ لأن فيها ذهنًا فيه من التقسيم والبيان ما فيه. هناك مسند ليعقوب بن شيبة، مسند عظيم لكنه لم يوجد. توجد منه قطع. مسند مُعَلَّل مفيد جدًا لطالب العلم. طبع منه الملخص للشيخ أحمد الكاملي، هذا أحمد الكاملي من علماء القرن السابع أو الثامن. في هذا الملخص نقل لنا هذا الكلام عن الإمام علي بن المديني. كلام مهم جدًا لطالب العلم، يتصور فيه كيفية انتقال العلم من النبي صلى الله عليه وسلم من الصحابة للأئمة الأربعة.
يقول (لاحظ عباراته): قال أبو يوسف ليعقوب بن شيبة (صاحب هذا المصنف وهو تلميذه): “قال لي علي بن المديني: احفظ هذا الذي أقول لك. إني نظرت فإذا العلم كله أو أكثره جمعه ثلاثة أو ينتهي إلى ثلاثة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فحصَّل مَن لهم أصحاب ليس كأصحاب غيرهم”.
إذًا هو سيتكلم عن ثلاثة من الصحابة تميزوا بأمرين:
- أنهم جمعوا العلم.
- أن لهم أصحابًا – ما عداهم جمعوا العلم وهو على ما هو عليه من فضل ومنزلة لكنه لم يُورَث عنه العلم كما وُرِثَ عن غيره.
قال الإمام: “زيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود”. هؤلاء الثلاثة هم الذين ورثوا العلم وكان لهم أتباع. وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص – هؤلاء ليسوا بدون هؤلاء الذين ذكرهم الإمام علي لكنهم لم يورثوا العلم.
لاحظ ماذا يقول:
- “فأصحاب زيد: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم”، ثم عدَّ – يعني عددًا من التابعين. يقول: “ثم كان مالك بن أنس من بعدهم يذهب مذهبهم” – يعني هؤلاء التابعين الذين هم من أصحاب زيد – “وكان عبد الرحمن بن مهدي بعد مالك يذهب مذهبهم ومذهب زيد، ويعظّم هذا الطريق”.
- ثم قال: “وكان أصحاب ابن عباس: طاووس ومجاهد وعطاء” إلى آخره، ثم ذكر من روى عنهم من التابعين، ثم إلى أن وصل إلى شيوخ الإمام أحمد.
- يقول: “ثم كان أصحاب ابن مسعود: علقمة مولى سويد ومسروق والحارث بن قيس” إلى آخره، ثم ذكر من أخذ عنهم إلى مشايخ الأئمة الأربعة.
لا نريد وقتًا لقراءة هذا الكلام، لكن في الحقيقة هو كلام يجعلك تتصور كيف انتقل العلم والفقه والفهم عن الله وعن رسوله من النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصحابة، ثم التابعين وذكرهم جميعًا، ثم من تتلمذ عليهم إلى أن وصل إلى الأئمة الأربعة، باعتبار أن الحافظ علي بن المديني من أصحاب الإمام أحمد الذي هو آخر الأئمة الأربعة.
يقول: “فَهَذَا مُخْتَصَرٌ”
الاختصار هو إيجاز الكلام. ومن عرَّف الاختصار بإيجاز الكلام، فمعنى هذا أنه يرى أن الاختصار والإيجاز شيء واحد.
ومن الفقهاء من رأى أن بين الاختصار والإيجاز فرق:
- فـالإيجاز هو أن تُعَبِّر عن المعاني النفيسة الكثيرة بعبارات قصيرة من غير أن يُخْتَصَر هذا من كلام سابق.
- والاختصار هو أن تُعَبِّر عن المعاني الكثيرة المبسوطة في كلام كثير بعبارات يسيرة مختصرة من ذلك الكلام. وهذا التفريق دقيق جدًا وهو الصواب. ففرق بين الإيجاز وبين الاختصار.
ثم يقول رحمه الله تعالى: “يَشْتَمِلُ عَلَى أُصُولِ الْأَدِلَّةِ الْحَدِيثِيَّةِ”
مقصود المؤلف في هذا أن متن “البلوغ” إنما اشتمل على أصول الأدلة الحديثية، لا على جميع الأدلة الحديثية. إنما اشتمل فقط على أصول هذه الأدلة. فهو لم يرد استيعابًا ولا قريبًا من الاستيعاب، وإنما أراد أن يجمع أصول هذه الأدلة.
ثم يقول رحمه الله تعالى: “حَرَّرْتُهُ تَحْرِيرًا بَالِغًا”
التحرير هو تهذيب الكلام وتنقيحه بحيث يكون وافيًا بالمقصود من غير إخلال.
ثم يقول: “لِيَصِيرَ مَنْ يَحْفَظُهُ بَيْنَ أَقْرَانِهِ نَابِغًا”
النابغ هو المتميز المبدع في فنه. فالمؤلف يرى أن من حفظ هذا الكتاب فإنه سيكون نابغًا بين أقرانه، باعتبار أنه حصَّل أصول الأدلة التي يستدل بها الفقيه.
باقي شيء يسير نكمله في الدرس القادم. والله أعلم.
وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.