الدرس 2 من شرح بلوغ المرام – أحمد الخليل

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

​كنا توقفنا بالأمس في شرح آخر مقدمة الحافظ ابن حجر. لكن جرت العادة أن أسأل عن الدرس السابق لأتبين إلى أي مدى وقع تصور الطالب وفهمه لما قيل.

​📝 مراجعة الدرس السابق (أسئلة وأجوبة)

​فنبدأ بشيء مختصر من ترجمة الحافظ:

  • ​فأيهما توفي أولًا: أم الحافظ أو أبوه؟ أحسنت، أمه.
  • أبو بكر القفال الشاشي الشافعي الإمام، متى بدأ بطلب العلم؟ في الثلاثين، أحسنت.
  • ​تميز الشيخ الحافظ ابن حجر بميزات كثيرة في طريقة طلبه للعلم، ذكرنا منها اثنتين، يا ناصر؟ كثرة الرحلات، وتنوع المشايخ. وهو الميزة الثانية؟ سرعة القراءة، أحسنت.
  • ​طيب، ما معنى أن يقول الإنسان: “الحمد لله رب العالمين”؟ يعني ما معنى الحمد؟ طيب أحسنت، ويؤدَّى باللسان.
  • ​طيب، يا علي، ما الدليل أن الشكر يكون بالقول والفعل؟ {اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا}، أحسنت. أحسنت.
  • ​طيب، المدح؟ الثناء من غير محبة. يعني هو الحمد إلا أنه لا يكون فيه محبة. أحسنت.
  • الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم اختلف فيها في التعريف الاصطلاحي، فما هو القول المشهور؟ ثناء الله عليه في الملأ الأعلى. صح، أحسنت. وأورد عليه إيراد، ما هو؟ ممتاز، أنه غيبي يحتاج إلى توقيف. أحسنت.
  • ​طيب، ما هو القول الثاني؟ الرحمة. وجه الضعف؟ أن الله فرَّق بين الصلاة والرحمة. والثاني صحيح لكنه أعم تعبير. أحسنت.
  • ​طيب، والسلام، ما معناه يا بندر؟ قيل هو اسم من أسماء الله. أحسنت.
  • ​قيل في التفريق بين النبي والرسول أن النبي أوحي إليه ولم يؤمر بالتبليغ، والرسول أوحي لكنه أمر بالتبليغ، وانتقدنا هذا القول بماذا؟ أي فائدة من وحي لم يؤمر بتبليغه؟ أحسنت. القول الراجح في التفريق بينهما؟ الرسول جاء بشرع جديد، والنبي لتجديد شريعة سابقة. ممتاز.
  • ​ما الفرق بين الإيجاز والاختصار؟ من يعرف التفريق بينهما؟ أحسنت، كأنه الاختصار عن كلام سابق.

​وقفنا إلى هنا. نقرأ من قوله: “ويستعين به”.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.

​قال المؤلف رحمه الله تعالى مبينًا طريقة الكتاب: “وَيَسْتَعِينُ بِهِ الطَّالِبُ الْمُبْتَدِئُ وَلَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الرَّاغِبُ الْمُنْتَهِي”

​أراد الحافظ أن يبين بهذا أنه وضع كتاب “البلوغ” وسطًا، ينتفع به المبتدئ في طلب العلم بأن يقرأه قراءة مختصرة، وينتفع به الراغب – أي الراغب في الاستزادة من العلم والتحصيل – بأن يتوسع في شرحه، وأن يتوسع في استنباط الفوائد المأخوذة منه، وأن يستعين به في مراجعة الأحاديث بعد أن كان درسها. فبيَّن الحافظ بهذا أن المختصر ينتفع به المبتدئ وأيضًا ينتفع به المنتهي.

​ولا يُقال أن هذا تحصيل حاصل، ليس الأمر كذلك. فمن الكتب ما لا ينتفع منه المبتدئ مطلقًا، مثال ذلك: سنن البيهقي. هذا لا ينتفع منه المبتدئ؛ لكونه صعب المنال، يسوقه بالأسانيد، لا يحكم على الأحاديث إلا في بعض الأحيان إلى آخره. فمثل هذا الكتاب لا ينتفع غالباً منه المبتدئ، لكن الحافظ وضعه هذا الوضع لينتفع به طبقات من طلاب العلم.

​الشيخ الحافظ رحمه الله سلك هذا الطريق وهو تخريج الأحاديث التي ذكرها في مختصره. وهو لم يأتِ بجديد؛ فإن الذين سبقوه كذلك صنعوا. لكن مع ذلك نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزيه خيرًا على تعقيب الأحاديث بهذا التخريج الذي فيه في مواضع كثيرة دقة ببيان الروايات والألفاظ.

​كما أنه قد يكون من أوسع المختصَرِين كلامًا على الأحاديث من حيث الصحة والضعف. وبيَّن الشيخ رحمه الله أن تعقيبه الأحاديث لمن أخرجها فيه نفع للأمة. ووجه ذلك أنه إذا عرف الإنسان مكان الحديث استطاع من خلال ذلك أن يعرف روايات الحديث ومخارج الحديث وطرق الحديث، وأن يراجع شراح من أخرج هذا الحديث. فلا شك أن ذكر من أخرج الحديث فيه فائدة كبيرة، أما في السابق ففائدته كبيرة جدًا. أما في عصرنا هذا، فالتخريج أصبح صنعة الكل يحسنها من خلال هذه البرامج الحاسوبية. يستطيع الإنسان أن يذكر للحديث عشرات المصادر التي أخرجته. ولا أرى أنا أنه تَمَيُّز – يعني التوسع في التخريج – لأنه مخدوم بوجود هذه البرامج وأيضًا بالكتب المطبوعة. في السابق كان التخريج صنعة صعبة لا يحسنها إلا من أتقن العلم، أما اليوم فهي أمر في متناول يد كثير من طلاب العلم. يبقى الشأن كل الشأن في تحرير الأحاديث صحة وضعفًا.

اصطلاحات الكتاب

​بدأ المؤلف ببيان اصطلاحه الخاص في الكتاب، وأنه يريد بـ**”السبعة”** هؤلاء الذين ذكرهم، وهم الأربعة (أصحاب السنن) هو البخاري ومسلم وأحمد. وأراد بـ**”الستة”** هؤلاء (أصحاب السنن) عَدَا أحمد والبخاري ومسلم. وهذا اصطلاح. لكن أشار المؤلف بهذا الاصطلاح إلى أمر مهم، وهو أن غالب مادة هذا الكتاب من الكتب السبعة. وهذه ميزة للكتاب؛ لأن التعويل على الأصول المعروفة المشهورة المقبولة عند أهل العلم في استخراج الأحاديث خير من التعويل على الأصول الغريبة التي لا تُعرف. يعني: عدا أحمد والبخاري ومسلم.

​وأمر هذا المصطلح سهل وواضح. بيَّن المؤلف أنه قد يكتفي بـالبخاري ومسلم مع كون الحديث مُخَرَّجًا في كل أو بعض الكتب السبعة التي اصطلح عليها. ولعله يختصر عند تخريج الحديث أو يقتصر على البخاري ومسلم؛ لكون الكتب الباقية ليس فيها زيادة لفظ أو زيادة طريق. ولهذا رأى أنه لا يحتاج إلى أن يستقصي في التخريج. وربما استقصى أحيانًا لهذا الأمر، وهو أنه يكون في الكتب الأربعة أو مسند أحمد ما ليس في الصحيحين من زيادة لفظ أو طريق أو بيان معنى.

“وَمَا عَدَا ذَلِكَ فَهُوَ مُبَيَّنٌ”

​يعني: إذا أخرج الحديث من غير طريق أصحاب الكتب السبعة، فإنه يبين. كأن يخرج الحديث عن صحيح ابن حبان أو سنن البيهقي أو صحيح الحاكم أو غيره من الكتب المُسْنَدة التي لم يذكرها في اصطلاحه.

دعاء المؤلف

نعم، اللهم آمين.

​المؤلف يسأل الله سبحانه وتعالى أن لا يكون العلم على صاحبه وبالًا. والوبال هو عبارة عن الشدة والتمحيص في الحساب.

​والعلم يكون وبالًا على صاحبه في حالين:

  1. الحال الأولى: إذا لم يُخلص فيه. فإذا طلبه لدنيا أو لتحصيل منصب، فإن هذا العلم يكون وبالًا وسببًا لشدة النقاش والحساب.
  2. السبب الثاني لكون العلم وبالًا: أن يطلب العلم ولا يعمل به. ولهذا لاحظنا المؤلف قال في آخر كلامه: “وَأَنْ يَرْزُقَنَا الْعَمَلَ بِمَا يُرْضِيهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى”.

​فـالعمل بما عَلِمَ – أن يعمل طالب العلم بما علم – في هذا الأمر نجاة من الوقوع في وبال العلم، أي في شدة المحاسبة عليه. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يستجيب هذا الدعاء وأن يوفقنا للإخلاص في طلب العلم والعمل بالسُنَن التي تمر على الإنسان. نعم، أحسنت.

طريقة الشرح المتبعة

​قال المؤلف رحمه الله تعالى: “كِتَابُ الطَّهَارَةِ”

​الشراح الذين شرحوا المتون الحديثية سلكوا طريقين في الشرح:

  • الطريق الأول: منهم من يُجْمِل الكلام على الحديث، فيذكر الفوائد والتصحيح والتضعيف وكل ما يتعلق بالحديث عند إيراد الألفاظ أثناء الشرح بلا تفصيل أو ترتيب. ومن أمثلة هذه الطريقة: “فتح الباري لابن رجب”، “فتح الباري لابن حجر”. عامة المتقدمين يسلكون هذا المنهج، وهو أنهم يجملون الكلام ولا يفصلونه تفصيلًا، وإنما يذكرون مباحث اللفظة في الحديث عند ورودها.
  • الطريقة الثانية: أن يُفَصِّل الإنسان كلامًا على الحديث، فيبدأ بـصحة أو ضعف الحديث، ثم يبين ما فيه من غريب إن كان فيه غريب – أي في ألفاظه. كلهم يسلك هذه الطريقة وهي الترتيب والتنسيق في شرح المتن.

​ولا شك أن الطريقة الثانية أحسن لأمرين:

  1. الأمر الأول: أنها تبدأ ببيان صحة أو ضعف الحديث وهذا مهم في التفريع عليه وفي الترجيح والاستدلال.
  2. الثاني: أنها تقرِّب العلم وتُسَهِّل فهم المسائل والفوائد الموجودة في الحديث.

​كما أن الطريقة الأولى تجد أن أصحابها يوجد عندهم بسبب هذه الطريقة تداخل في المباحث. ولهذا تجد أن “فتح الباري لابن حجر” رحمه الله تعالى، أُلِّفَت كتب فقط في الإحالات التي توجد في “الفتح” لكثرة الإحالات وتداخل المباحث. فنحن إن شاء الله سنسير على الطريقة الثانية لما ذكرت من مميزات. والمحصلة إن شاء الله واحدة، لكن طريقة العرض لها دور في توضيح المسائل والأحكام.

كتاب الطهارة

​قال رحمه الله تعالى: “كِتَابُ الطَّهَارَةِ”

الكتاب مأخوذ من الضم والجمع. ومنه أخذت الكتيبة والكتاب. والجمع والضم إن كان المقصود به في الكتاب جمع وضم المعاني، فهو جمع مجازي. وإن كان المقصود بالجمع والضم الحروف والكلمات، فهو جمع وضم حقيقي. وإن كان المقصود الجميع، ففي كلمة “كتاب” جمع وضم حقيقي ومجازي.

​قبل ذلك، الكتاب يقصد منه أهل العلم أن يجمعوا فصولًا وأبوابًا. يقصد أهل العلم بتبويب الكتب – عفواً – بوضع الكتاب أن يجمعوا فيه أبوابًا وفصولًا.

الطهارة في اللغة: النظافة والنزاهة. وفي الاصطلاح لها تعريفات كثيرة تكاد تكون متفقة، منها: أن الطهارة النقاء من الأدناس الحسية والمعنوية. فإذا تنقى الإنسان من الأدناس الحسية والمعنوية فقد طَهُرَ.

باب المياه

​ثم قال رحمه الله تعالى: “بَابُ الْمِيَاهِ”

الباب هو ما يُدخل منه إلى المقصود، أيًا كان هذا المقصود حسيًا أو معنويًا. واستعمل أهل العلم الباب ليجمعوا فيه مسائل. وبعض العلماء يعبر عن الباب بـ**”الباب”** وبعضهم يعبر عنه بـ**”الفصل”** والمعنى واحد.

المياه جمع ماء. والماء اسم جنس، وفي أسماء الأجناس لا نحتاج إلى الجمع؛ لأنه يشمل. إذًا، لماذا جمعه أهل العلم؟ جمعوه للدلالة على أنواع المياه. فمن المياه ما تكون في البحار، ومنها ما يكون في الأنهار وفي الآبار، فللدلالة على هذه الأنواع جمعوه.

​وتلاحظ أن المؤلف بدأ بـكتاب الطهارة. وهذا يعني أنه بدأ بـالعبادات. والعلماء قالوا: إن الفقهاء والمحدثين يبدأون بالعبادات لشرفها وأهميتها في الإسلام. ويبدأون بـالصلاة من العبادات؛ لأنها عمود الدين وهي أعظم العبادات. ويبدأون بـالطهارة من الصلاة؛ لأنها شرط لصحة الصلاة. ويبدأون بـالمياه من الطهارة؛ لأنها المادة الأساسية في الطهارة. هكذا عللوا البدايات.

​فعندنا البداية بـالصلاة ثم الطهارة ثم المياه. معلوم أن تعليلهم البداية بالطهارة أنها شرط من شروط الصلاة أنه مدخول؛ لأنه توجد شروط أخرى. فلماذا نبدأ بالطهارة؟ لا يوجد جواب واضح على هذا. ولهذا بعض الفقهاء مثل الإمام مالك، وبعض المحدثين مثل الإمام مالك، بدأ بـدخول الوقت، فبدأ بهذا الشرط.

​والأمر الاصطلاحي والأحسن أن يبدأ الإنسان بـالطهارة. والسبب في ذلك أن عامة الفقهاء والمحدثين إنما يبدأون بالطهارة. وذكرت مرارًا أن موافقة ما عليه عمل جمهور أهل العلم إذا لم يكن فيه خلل فهو الأولى.

حديث البحر

​ثم قال رحمه الله تعالى: “عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَحْرِ: هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ”

​1. صحة الحديث وإسناده:

​هذا الحديث صححه الإمام البخاري، وصححه مع البخاري البيهقي، وصححه مع البيهقي ابن منده، وصححه جمع من أهل العلم.

​هذا الحديث يرويه الإمام مالك عن صفوان بن سليم عن سعيد بن سلمة عن المغيرة ابن أبي بردة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. وإذا نظرت إلى هذا الإسناد فستجد أنه إسناد صحيح في ظاهره. ولهذا صححه البخاري.

​لكن مع ذلك نجد أن الإمام ابن حزم وكذلك مال إليه الإمام ابن دقيق العيد، وكذلك هو مفهوم عبارة ابن عبد البر، هؤلاء جميعًا يرون أن الحديث من جهة الإسناد ضعيف. وعَلَّلَ هؤلاء هذا الإسناد بـأمور:

  • الأمر الأول: أن الحافظ الكبير يحيى بن سعيد القطان روى هذا الحديث عن المغيرة ابن أبي بردة مرسلًا. ومعنى أنه مرسل يعني أنه لم يذكر أباه هريرة. ويحيى بن سعيد القطان خالف سعيد بن سلمة المذكور في الإسناد، وبين سعيد ويحيى بن سعيد القطان مثل ما بين السماء والأرض في الحفظ والإتقان وتجويد الأحاديث. فيحيى إمام، بل إنه وُصِف بأنه أمير المؤمنين في الحديث. هكذا عللوا هذا الحديث. ما الجواب على هذه العلة؟ الواقع أنه لا يوجد جواب، ولم أجد جوابًا على هذه العلة إلا أنهم أجابوا بأن هذا الحديث من الأحاديث التي تلقتها الأمة بالقبول. فكأنهم أيَّدُوا الإسناد بهذا المعنى. وبهذا أجاب الإشبيلي وبهذا أجاب الحافظ ابن عبد البر. الحافظ ابن عبد البر يرى أن هذا الإسناد من حيث الصنعة الحديثية لا يصح، لكنه يصحح الحديث لأن الأمة تلقته بالقبول.
  • العلة الثانية التي ذكرها للحديث: أن صفوان بن سليم وسعيد بن سلمة مجهولان. والجواب عن هذه العلة سهل وهو من وجهين: الوجه الأول أن النسائي – وهو إمام مُتَثَبِّت – وثَّقَ هذين الرجلين، وأيضًا وثَّقهما ابن حبان رحمه الله. أضف لهذا أن الأئمة صححوا حديثهما وتصحيح الأئمة لحديث الرجل فيه تقوية له. فهذه العلة لا إشكال فيها.
  • العلة الأخيرة وهي الثالثة: أعلوا الحديث بـالاضطراب، فقالوا: إن هذا الحديث مضطرب جدًا، أسانيده مضطربة وألفاظه مضطربة، والاضطراب من أسباب القادح في الأسانيد. والجواب على هذا التعليل أن هذا الاضطراب نخلص منه بـإسناد الإمام مالك. فإن الإمام مالك بن أنس جَوَّدَ هذا الحديث وأتى به على وجهه المطلوب. فنترك الاضطرابات الأخرى ونأخذ إسناد الإمام الحافظ مالك بن أنس رحمه الله.

​والراجح أن الحديث صحيح. وإذا صحح البخاري حديثًا فمن الصعوبة بمكان أن يجرؤ الإنسان على تضعيفه، ما لم يكن هنا تَبَيُّن واضح. وليس هنا تَبَيُّن واضح، لا سيما وأن الحديث تلقته الأمة بالقبول.

​انتهينا من الكلام عن إسناد الحديث، وتبيَّن أنه إن شاء الله صحيح.

​2. ألفاظ الحديث:

​ننتقل إلى ألفاظ الحديث. يقول المؤلف أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن البحر.

​طبعًا هذا الحديث من الأحاديث التي اختصرها الحافظ، وسيأتينا في الفوائد والمسائل ما أشرت إليه في الدرس السابق أن اختصار الأحاديث من وجهة نظري يعتبر سلبية في الكتاب وليست ميزة. وسيأتي بيان هذا مهم.

السؤال عن البحر: البحر هو الماء الكثير مالحًا كان أو حلوًا. فيدخل في مُسَمَّى البحر الأنهار. وقال بعض العلماء: بل البحر هنا في الحديث فقط المالح؛ لأن البحر المالح هو المنتن فقط. والأقرب أن البحر يطلق على الحلو والمالح، لكن المقصود به في هذا الحديث المالح.

“هُوَ الطَّهُورُ”: فرَّق العلماء بين طَهُور وطُهُور بالضم والفتح. فقالوا:

  • طُهُور بالضم اسم لـفعل التطهر.
  • ​وطَهُور بالفتح اسم لـالماء. وقالوا هذا موجود في السَّحُور والوُجُور. نفس الطريقة التفريق بين الضم والفتح. على هذا عدد كبير من أهل اللغة والشرح.

​لكن خالف في هذا عالمان جليلان كبيران هما الخليل وسيبويه. فقال هذان العالمان: إن هذا اللفظ بالفتح والضم معناهما واحد. ومعلوم أن سيبويه والخليل يأتيان على قمة أهل اللغة الذين تكلموا على معاني المفردات. ولقولهما وجاهة، وهو أن نقول: طَهُور وطُهُور واحد، يُطلق إن شئت تقول طَهُور وإن شئت تقول طُهُور لـالماء وللفعل، وأن اللغة لم تفرق بينهما.

قوله “هُوَ الطَّهُورُ”: الضمير فيه “هو” يعود إلى البحر وليس إلى الماء؛ لأنه لو عاد إلى الماء لكان المعنى “الماء الطهور ماؤه”. هذا لا معنى له.

“الْحِلُّ مَيْتَتُهُ”: معنى “الحِلُّ” يعني الحلال. يقال: حِلّ وحلال، كما يقال: حَرَم وحرام.

وقول “مَيْتَتُهُ”: الميتة هو كل ما يموت حتف أنفه مما يعيش في البحر.

​هذه هي المفردات التي تحتاج إلى إيضاح في الحديث.

​3. مسائل الحديث وفوائده:

​ننتقل الآن إلى المسائل. يؤخذ من الحديث فوائد كثيرة:

الفائدة الأولى: أن البحر ماؤه طَهُور مطَهِّر. وحُكِيَ الإجماع على هذا المعنى. واعتُرِضَ على الإجماع بأن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص خالفا في هذا الإجماع. وأجيب عن هذا بجوابين:

  1. الجواب الأول: أنهما رجعَا عن قولهما.
  2. الجواب الثاني: أنه لا يصح عنهما. والذي يظهر لي أنه يصح عنهما. ما هو الدليل على أنه يصح عنهما؟ الدليل على هذا أن الصحابة كانت هذه المسألة محل إشكال، ولذلك سألوا عنها النبي صلى الله عليه وسلم. فيَقْرُب جدًا أن يكون ابن عمر وابن عمرو ممن يرى أن البحر ماؤه ليس بـطهور. على كل حال، سوَاء ثبت أو لم يثبت، هذه المسألة محل إجماع. أصبح استقر الأمر على أن ماء البحر طهور.

الفائدة الثانية: لماذا سأل الصحابة عن ماء البحر؟

هل سألت نفسك يومًا – مع مرور هذا الحديث بكثرة – لماذا سأل الصحابة هذا السؤال؟ هو تساؤل في محله في الحقيقة لماذا سألوا؟ أجاب الشراح بجوابين:

  1. الجواب الأول: أن الصحابة رأوا أن البحر متغير مُنْتِن رائحة، فظنوا أنه ليس بـطهور.
  2. الجواب الثاني: أنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن تحت الماء نار، ولهذا سأل الصحابة واستوضحوا. أن الحديث ضعيف، وليس هذا هو السبب. بقينا في السبب الأول. ربما يكون السبب الأول هو السبب، وهو أنهم رأوا أنه فيه نُتُونَة. لكن البحر – أنا أتساءل – البحر مشهور يذكرون أن فيه نُتُونَة. هو فيه نُتُونَة البحر؟ يعني أنا ما يبدو لي أنه فيه نُتُونَة. فيه تغير صحيح، هو يختلف عن الماء الذي من الآبار أو في الأنهار، لكن ليس فيه نُتُونَة. أنا الشراح قرروا أنه فيه نُتُونَة وتغيرًا. لكن يبدو لي أنه ليس فيه رائحة كريهة، أليس كذلك؟ مهم: أنا من حين قرأت هذا وأنا يشكل عليّ أنهم يقولون فيه نُتُونَة. النتن لا تقربه، كما لو تغير الماء بمجاورة ميتة لا تستطيع أن تقرب هذا الماء لو سقطت ميتة فيما تغير. لكن بل بالعكس يرون أن زيادة الملوحة من أسباب طهورية ما فيه من الأشياء. على كل حال، هكذا هم ذكروا السبب.

الفائدة الثالثة: في طريقة جواب النبي صلى الله عليه وسلم.

أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سألوه أن يتوضأ بماء البحر لم يقل “نعم”، وإنما قال: “هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ”. وسبب هذا أمران:

  1. الأول: أنه لو قال “نعم” لكان الجواز يختص بما جاء في السؤال. والسؤال هو أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: “يا رسول الله إنا نركب البحر ونحمل معنا الماء القليل، فإن توضأنا منه خشينا من العطش، أفنتوضأ بماء البحر؟”. لو قال النبي صلى الله عليه وسلم “نعم” لكان معنى هذا الجواب أنه لا يجوز أن نتوضأ بماء البحر إلا إذا كان الماء قليلًا. ولهذا لم يجب النبي صلى الله عليه وسلم بـ”نعم”.
  2. السبب الثاني في عدم إجابته صلى الله عليه وسلم بـ”نعم”: أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يعلل الحكم. فكأنه قال: “يجوز أن تتوضأ بماء البحر؛ لأنه طهور”. ولهذا قال: “هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ”. وهذا من أقوى أدلة التعليل وبناء الأحكام على المعاني والعلل.

الفائدة الرابعة: جواز ركوب البحر.

وأنتم علمتم الآن أن هذه الفائدة لا تتأتى مع سياق الحافظ ابن حجر؛ لأنه لم يذكر السؤال. الحافظ ابن حجر لم يذكر السؤال، إذًا هذه من المواضع التي صار النقص في المتن نقصًا في المسائل.

​نرجع فنقول: من فوائد الحديث جواز ركوب البحر. ولم يخالف في هذا إلا بَعْض السلف، منهم عمر بن الخطاب ومنهم الإمام مالك بن أنس. فرأوا أن ركوب البحر مكروه. وعلَّلَ هؤلاء الكراهة بـأمرين:

  1. الأمر الأول (تعليل الإمام مالك): أن ركوب البحر يؤدي إلى نقص أداء الصلاة؛ لأنه قد لا يتمكن من الصلاة قائمًا فسيصلي جالسًا.
  2. العلة الثانية (تعليل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب): أن في ركوب البحر تعريض للنفس للهلاك في سبيل تحصيل الأموال، ولا يحسن ذلك. ولكن استقر الأمر بعد هذين العالمين على الجواز المطلق من غير كراهة.

الفائدة الخامسة: جواز السفر وركوب البحر من غير أن يحمل الإنسان ماءً ليتطهر به، ولو كان قادرًا على حمله. وهذا يؤخذ من قول الصحابي: “وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ”.

الفائدة السادسة: جواز ترك الماء والتطهر بغيره أو التيمم إذا خشي الإنسان على نفسه من العطش، لقوله: “فَإِنْ تَوَضَّأْنَا مِنْهُ عَطِشْنَا”. وهذه الفائدة السابقة لا تؤخذ من سياق الحافظ ابن حجر.

الفائدة السابعة: جواز أكل ميتة البحر مطلقًا، في قوله: “الْحِلُّ مَيْتَتُهُ”. وهذه المسألة محل خلاف:

  1. القول الأول (الذي سمعتموه): جواز أكل ميتة البحر مطلقًا.
  2. القول الثاني (مذهب الأحناف): أنه لا يجوز أن يأكل الإنسان من ميتة البحر إلا السمك فقط، ما عداه لا يجوز أن يؤكل. واستدلوا على هذا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالسَّمَكُ وَالْجَرَادُ”. قالوا: هذا الحديث يخصص الحديث الذي ذكره المؤلف.
  3. القول الثالث: جواز جميع ميتات البحر إلا الضفدع والتمساح. أما الضفدع فلأنه نُهِيَ عن قتله، وأما التمساح فلأن له نابًا يفترس به.
  4. القول الرابع (الراجح): أن جميع ما يعيش في البحر فقط فإن ميتته حلال، وما يعيش في البر والبحر فإنه ليس من ميتة البحر.

الفائدة الثامنة: أنه يستحب للعالم أن يجيب بأكثر مما سُئل عنه. ويتأكد الاستحباب إذا ظن العالم أن السائل يجهل هذا الحكم الذي أراد أن يبينه.

يؤخذ هذا من فتوى النبي صلى الله عليه وسلم حيث أفتاهم في طهورية ماء البحر وأيضًا في حِلِّ السمك مع أنهم لم يسألوا عن السمك. ولكن وجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى أنهم يجهلون الأمر الأسهل وهو طهورية الماء، علم أنهم يجهلون الأمر الأصعب وهو حِلُّ ميتته. ولهذا بيَّن لهم الأمرين. وهذا من حسن تعليمه صلى الله عليه وسلم.

اختيار المؤلف: تقدم الكلام عن صحة الحديث وضعفه، لكن اختار المؤلف لفظ ابن شيبة. لعله لأنه أتم الألفاظ أو كان المتيسر بين يديه حينئذ. مع أنه لو اختار اللفظ الموجود في السنن الأربعة لكان أولى؛ لأنها أشهر وأصح وأكثر قبولًا عند أهل العلم.

حديث بئر بضاعة

نعم. هذا الحديث يسمى حديث بئر بضاعة.

“وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ”

​هذا الحديث صححه الإمام أحمد وصححه أيضًا ابن معين. هذا الحديث يرويه الوليد بن كثير عن محمد بن كعب عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج وهذا الإسناد صحيح. ولهذا صححه الإمام أحمد وابن معين.

نعم، الآن تبيَّن معنا أن هذا الحديث صحيح.

​1. ألفاظ الحديث:

​ننتقل إلى ألفاظه. لكن قبل أن ننتقل إلى ألفاظه، ابن القطان نفسه يصحح هذا الحديث بشواهده وطرقه. وجواب عما ذكره ابن القطان أن هذا عبيد الله أولاً من التابعين، والقاعدة تقول أن الجهالة في التابعين تُغتفر ما لا يُغتفر في تابع التابعين ومن بعدهم؛ لأن الغالب على طبقة التابعين الصدق والعدالة. ثانيًا، هذا الحديث له شواهد ومتابعات كثيرة قوية. ولهذا لم يتردد الإمام أحمد في تصحيحه.

قوله: “سُئِلَ عَنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ”: بُضَاعَة هذا اسم حي من أحياء المدينة، وقيل بل هو اسم رجل هو الذي حفر هذا البئر. والأقرب الأول لأنه هو الأشهر في التاريخ أن في المدينة موضعًا (حيًا من أحياء الأنصار) يسمى بُضَاعَة.

قوله: “وَمَا يُلْقَى فِيهَا مِنَ النَّتْنِ”: النَّتْن هو كل شيء له رائحة كريهة.

قوله: “لُحُومِ الْكِلَابِ”: معروفة.

“الْحِيَضُ”: هي الخِرَقَة التي تستعملها المرأة أثناء الحيض.

​فإذًا هذا البئر يُلقى فيه هذه الأشياء: لُحوم الكلاب، والنِّتْن، والحِيَض. هذه هي الألفاظ الغريبة.

حديث “إذا بلغ الماء قلتين” (لأنه بنفس المعنى)

​قبل أن نتكلم عن المسائل نقرأ الحديث الثاني لأنه بنفس المعنى.

“وَلَهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ: وَإِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الْخَبَثَ”

​نعم، هذا الحديث فيه زيادة الاستثناء عن الحديث السابق فقط. فأصل الحديث صحيح كما تقدم. بقينا في هذا الاستثناء.

هذا الاستثناء ضعيف باتفاق أهل العلم. لأن في إسناده راوي يسمى رشدين بن سعد. هذا رشدين بن سعد رجل صالح صاحب عبادة، فيه خير كثير، لكن ضبطه وحفظه ضعيف، ويدركه دائمًا غفلة الصالحين. ولهذا ضعفه الإمام أحمد وابن معين وابن حاتم والنسائي، يعني لا أمل في توثيقه. وهذا الاستثناء معلول بأمر آخر وهو أن رشدين بن سعد – مع ضعفه – خُولِفَ، فرواه أبو أسامة مرسلًا لم يذكر أباء أمامه رضي الله عنه. فهذا الحديث لا يصح. هذا الاستثناء لا يصح مطلقًا. لكن مع ذلك أجمع العلماء على معناه. وممن حكى الإجماع الإمام الشافعي والإمام ابن المنذر. والذي يظهر أن ابن المنذر نقل الإجماع عن الشافعي.

​2. مسائل الحديثين:

المسألة الأولى: أن الماء الأصل فيه أن يبقى طهورًا ولو وقعت فيه نجاسة إذا لم تُغَيِّرْهُ. أن الأصل في الماء أنه طهور إذا وقعت فيه نجاسة ما لم تُغَيِّرْهُ.

المسألة الثانية: حمل كثير من العلماء هذا الحديث على أن ما يُلقى في هذا البئر لا يُلقَى عمدًا وقصدًا؛ لأن الصحابة يُنَزَّهُون عن مثل هذا الفعل، باعتبار أن المياه كانت قليلة في المدينة، فيَبْعُد أن يصنعوا مثل هذا الأمر. وحملوا هذا على أنهم يُلْقُونَها في مكان بعيد، فتأتي الأمطار وتجرف هذه الأشياء وتوقعها في بئر بضاعة. وبئر بضاعة موجود في مكان منخفض من الأرض. وهو محمل سليم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجزي العلماء خير الجزاء على هذا الحمل؛ لأن فيه ذَبًّا عن الصحابة.

من فوائد الحديث: نجاسة هذه الأشياء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سألوه لم ينكر أن هذه الأشياء نجسة.

من فوائد هذا الحديث والحديث السابق: أنه يجب على الإنسان وجوبًا إذا جَهِلَ حُكم مسألة أن يسأل. فإن النبي صلى الله عليه وسلم ما قرَّعهم على السؤال ولم يعتبر هذا من التنطع. وما عليه كثير من العوام اليوم أنهم يتعمدون عدم السؤال هو ملكة في الواقع وجهل؛ لأن الشرع إنما نزل ليُتَعَلَّم ويُعْمَل به. وهذا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم – سادة الناس وخيرهم وأقربهم لمعرفة نصوص الكتاب والسنة – يسألون مرارًا وتكرارًا.

بهذا انتهى الكلام عن فوائد هذا الحديث.

حديث القلتين

“وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ. أَخْرَجَهُ الْأَرْبَعَةُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ”

​رواية البيهقي هذه كالرواية السابقة لا فرق بينهما إلا أن الحافظ أوردها لتصريح رواية البيهقي بوقوع النجاسة. وفي الواقع لسنا بحاجة لهذه الاستثناء، فإن الحديث الأصل فيه وقوع النجاسة؛ لأنهم سألوا عن ما يقع في البئر من هذه الأمور، وهذه الأشياء نجسة كما تقدم معنا.

​هذا الحديث يسمى حديث القُلَّتَيْن وهو من الأحاديث المهمة التي تنبني عليها مسائل كثيرة.

​1. صحة الحديث:

​نبدأ بـصحته. هذا الحديث صححه الأئمة. جمهور الأئمة صححوا هذا الحديث المتقدمون، فصححه أحمد والبخاري والبيهقي وغيرهم.

​ومع ذلك ضعفه بعض العلماء، فضعفه ابن حزم وابن القيم والمزي وشيخ الإسلام في أحد قوليه.

​والذين ضعفوا هذا الحديث ذكروا له عللاً:

  • العلة الأولى: أن هذا الحديث مضطرب. فله عدد من الأسانيد المتداخلة ويُروى على أكثر من وجه. والقاعدة تقول: إن اضطراب الأسانيد والتداخل بينها دليل على عدم ضبط الراوي لها. والجواب على هذا التعليل: أن هذا الحديث وإن اضطربت أسانيده فإنها تدور على ثقة. فهذا الحديث وإن اضطربت أسانيده فإنها لا تدور إلا على ثقة، فسواء كان هذا الإسناد هو المحفوظ أو ذاك فكلاهما رجاله ثقة.
  • العلة الثانية: أنه معلول بـالوقف. فهذا الحديث رواه عُبَيْد الله وعبد الله ابن عبد الله بن عمر – يعني رواه ابنا عبد الله بن عمر: عبيد الله وعبد الله. وخالفهما مجاهد فرواه عن ابن عمر موقوفًا. وهما روياه عن ابن عمر مرفوعًا. قالوا: مجاهد أحفظ من عبيد الله وعبد الله بن عمر. وأجابوا عن هذا التعليل: بأن عُبَيْد الله بن عبد الله بن عُمَر طويل الصحبة لأبيه، ضابط لحديثه. ويتأيد هذا بـرواية أخيه عبد الله بن عمر. ويتأيد هذا بـتصحيح الأئمة للطريق المرفوعة.
  • العلة الثالثة: أن هذا الحديث شاذ. وجه الشذوذ أنه لم يروِ هذا الحديث عن ابن عمر إلا ابنه عُبَيْد الله وابنه عبد الله. قالوا: أين أصحاب عبد الله بن عمر سادة التابعين عن هذا الحديث العظيم؟ سالم ومجاهد – باعتبار أنه رواه موقوفًا – لم يقفوا على الطريق المرفوعة. كل هؤلاء هم عن هذا الحديث العظيم.
  • العلة الرابعة: أن الحديث لم يبين مقدار القلتين. ويُحال أن الشارع يحيل الناس على أمر غير معروف المقدار. وأجابوا عن هذا: بأن القلتين معروفتان وهما قِلال هَجَر لأمرين:
    1. الأمر الأول: أن هذا وارد في بعض الطرق، وهذه الطرق ضعيفة.
    2. الأمر الثاني: أن القلال إذا أُطلقت عند العرب فإنما تنصرف إلى قِلال هَجَر.

الراجح: هذا الحديث لولا أن البخاري وأحمد والدارقطني صححوه لكنت أرى بلا تردد أنه حديث ضعيف. لكن أقول كما قال الخطابي: يكفي أن مشاهير العلماء من أهل العلم المتقدمين صححوه. كأنه يَرْكَنُ إلى هذا.

​ومما يدل على تردد القول في هذا الحديث أن شيخ الإسلام ابن تيمية في موضع قال: “هذا الحديث لا يصح مرفوعًا وإنما هو موقوف على ابن عمر، كان يفتي بهذا، فظن ابن عبيد الله أن هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم”. وفي موضع آخر قال: “وهو حديث صحيح ثابت، صححه الأئمة مرفوعًا إلى النبي”. فتردد قوله.

​أما المزي وابن القيم فيُجزمون بـعدم صحة الحديث. هو في الحقيقة حديث – يعني لولا تصحيح الأئمة – لكان الإنسان ما يتوقف أبدًا بتضعيفه:

  1. ​أولًا: لأنه غير معروف المقدار مطلقًا. القلتين إذا رجعت إلى التحديد ستجد عشرات الأقوال.
  2. ​ثانيًا: أنه يُعَارِض الأحاديث الصحيحة، في الحديث السابق: “إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ” حديث ثابت صحيح لم يضعفه أحد، وهو يعارض هذا الحديث. ودائمًا من علامات ضعف الحديث أن يكون معناه معارضًا لمعاني أحاديث أخرى صحيحة.

​لكن لما رأينا أن الإمام أحمد والدارقطني وهؤلاء – وابن معين – يصححون هذا الحديث، الإنسان لا يجرؤ طرفة عين أنه يخالف مثل هؤلاء، لا سيما أنه لم نجد واحدًا من المتقدمين – على الأقل – يكون يعني له رأي بالتضعيف حتى الواحد يركن إلى قوله. ولذلك نحن نقول: نَعْرِفُ أن هذا الحديث صحيح تقليدًا، تقليدًا لهؤلاء الأئمة. وإلا من حيث النظر لأوجه كثيرة هذا الحديث لا يصح.

​هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *