بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
🕌 تمهيد وشرح سيرة المؤلف والمتن
تكلمنا في الدرس السابق عن مقدمة في كيفية دراسة المتن الفقهي، وذكرنا مقدمات في تكوين المذهب. واليوم، سنبدأ إن شاء الله في شرح المتن والتعليق على المتن. لكن قبل ذلك، سنتكلم عن المؤلف بشكل مختصر، والمؤلف هو عمدة الطالب.
وقد تكلَّمتُ عن عمدة الطالب والفرق بينه وبين زاد المستقنع. والمؤلف لعمدة الطالب هو العلامة الشيخ منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن بن أحمد البهوتي المصري، المولود سنة ألف من الهجرة، والمتوفى في العاشر من شهر ربيع الثاني من سنة ألف وإحدى وخمسين من الهجرة.
الشيخ رحمه الله من العلماء المتقنين المحررين في المذهب. وقد بلغت مؤلفات الشيخ رحمه الله الغاية القصوى في الإتقان والتحرير من حيث البيان، والاستنباط، والاستدلال. فيكتسب المتعلم من كتبه الفقه ودقائقه ومآخذ أقوال الأصحاب الحنابلة وأدلتهم، وكذلك قواعدهم وضوابطهم. وكان رحمه الله دقيقًا في تحريراته؛ يبيِّن المسألة بكل ما يتعلق بها من حكم، ومن بيان حكم للمسألة، وذكر قيد، وكذلك يُردِفُ ذلك بذكر الدليل، ويُشير للخلاف في كثير من الأحيان.
والخلاف طبعًا المراد به الخلاف المذهبي، بطريقة سهلة مفهومة، بلا تعقيد ولا تطويل ممل، ولا سجع متكلَّف. وكان رحمه الله متأدبًا مع العلماء وأقوالهم. وكان قلمه سيَّالًا، وكتابته هادئة، تنمُّ عن رقَّة طبع وخلق رفيع وتواضع جم.
مؤلفات الشيخ طبعًا لم تكتمل؛ تقريبًا هي عشرة أو تسعة مؤلفات. أول مؤلف للشيخ رحمه الله هو حاشية المنتهى، انتهى منها في سنة ألف وستة وثلاثين. ثم حاشية الإقناع، انتهى منها في سنة ألف وأربعين. ثم بدأ في شرح المعاملات من الروض المربَّع، ثم عاد إلى العبادات وانتهى منه في سنة ألف وإحدى وأربعين. ثم شرح الإقناع – كتاب الإقناع للحجاوي – وهو كتاب كما ذكرت كبير جدًا، وانتهى منه في سنة ألف وخمسة وأربعين. ثم ألَّف المنح الشافيات شرح المفردات، وانتهى منه في سنة ألف وسبعة وأربعين. ثم شرح المنتهى – منتهى الإرادات – وانتهى منه بسنة ألف وتسعة وأربعين، يعني قبل أن يموت بسنتين.
ثم ألَّف أيضًا مَنسَكًا له، لكن لا يُعرف متى انتهى منه؛ لأنه مفقود، وهو الكتاب الوحيد المفقود الذي لم يُطبع ولم يُعثر عليه، وذكره في كشاف القناع. وهو كما قال بعض العلماء: إنه أوراق يسيرة؛ يعني ثلاث أوراق أو أربع أوراق، مَنسَكٌ في الحج.
ثم ألَّف بعد ذلك، وختم مؤلفاته بـ عمدة الطالب الذي انتهى منه في شوال سنة ألف وخمسين، وهو المتن الذي سنشرحه إن شاء الله تعالى. ألَّفه قبل أن يموت بستة أشهر تقريبًا.
ومما تميَّزت به كتب الشيخ رحمه الله – وهي كما ذكرت لم تُكمِل عشر مؤلفات فيما عُدَّ له وذُكر في سيرته – أنها تتميز شروحه بالجديد، فليس مُتابعًا لأحد، بل غيره تابع له. ويُعد كشاف القناع موسوعة علمية. ومن قرأ وعرَف الإقناع، والإقناع كما ذكرت سابقًا أنه ذكر مسائل من مصادر شتى، والشيخ رحمه الله يوثِّق هذه المصادر. إذا نقل الشيخ الحجاوي مسألة، يوثِّق الشيخ منصور من أين ذكر الحجاوي هذه المسألة، ويذكر أنها إحدى الروايات، أو إحدى الأوجه في المذهب، أو اختارها فلان أو فلان. يعني الشيخ تتبَّع مسائل الإقناع بذكر الأصول، بذكر أصول هذه المسائل ومن قال بها.
والشيخ كما ذكرت ليس مُقلِّدًا صرفًا فقط؛ يعني هو مجتهد أيضًا، مجتهد في المذهب وله تخريجات. والمراد بالتخريج: هو أن يذكر العالم حكم مسألة نازلة قياسًا على مسألة منصوصة، يذكر حكم مسألة نازلة مستجدة قياسًا على مسألة منصوصة. وهذا مرتبة عظيمة كبيرة جدًا في العالِم؛ يعني لا يتجرأ الطالب ويُخرِّج. يعني لا يأتي إلى مسائل معاصرة ويُخرِّجها على المذهب؛ لأنه ليس أهلًا، أصلًا حتى يتأهل. إذا تأهل مثل الشيخ منصور رحمه الله فحينئذ له الحق في التخريج. وتخريجات هؤلاء العلماء المتأخرين كما ذكر المرداوي أن تخريجات المتأخرين تكون أقل ممن سبقهم، وإن كانت طبعًا اليوم المسائل المستجدة أكثر بكثير مما سبق. المسائل المستجدة اليوم أكثر بكثير من وقت الشيخ منصور وما قبله.
وأسرة الشيخ رحمه الله الذي يظهر أن أسرة الشيخ أسرة علمية. وقد ذكر رحمه الله في كتاب الوقف في فتوى فيه ابن عم والده، وهو الشيخ أحمد البهوتي في كشاف القناع. وذكر أيضًا ابن عمه المعمَّر الشيخ عبد الرحمن البهوتي في كتاب الإجارة في كشاف القناع، وقال عنه: “شيخي”. وهذا الشيخ عبد الرحمن البهوتي رحمه الله – شيخ الشيخ منصور – هذا أخذ الفقه عن ابن النجار الفتوحي صاحب منتهى الإرادات. يعني النسب والسلسلة والسند متصل بعلماء المذهب؛ الشيخ أخذ عن ابن عمه، وابن عمه أخذ عن الشيخ ابن النجار، وابن النجار هو إمام المذهب الذي ألَّف كتاب منتهى الإرادات.
من صفاته رحمه الله جاء في ترجمته رحمه الله أنه كان صارِفًا أوقاته في العلم وخاصة في الفقه، وخاصة في الفقه وتحرير مسائل الفقه. وانفرد في عصره بالفقه، ورحل الناس إليه. واتفق من ترجم له أنه كان كريمًا سخيًا جوادًا. وهذه هي صفة أهل العلم وطلاب العلم أنهم أسخياء وكرماء أيضًا.
أما شيوخ الشيخ منصور، فكما ذكرت ابن عمه الشيخ عبد الرحمن البهوتي، وأيضًا منهم الشيخ محمد الشامي وهو عالم مُتقدِّم أخذ عنه الشيخ منصور، وأخذ أيضًا عن الشيخ يحيى بن موسى الحجاوي، يعني ابن صاحب الإقناع.
وأما من أخذ عنه الفقه – يعني أخذ الفقه عن الشيخ منصور – فهم علماء كُثر. لكن كالعادة أن الذين يأخذون عن العالم كُثر، لكن لا يبرز منهم إلا القليل. فمن تلاميذه هو الشيخ محمد بن أحمد الخلوتي، صاحب حاشية على منتهى الإرادات، توفي عام ألف وثمانية وثمانين. كذلك من طلابه الشيخ عبد الله بن عبد الوهاب المشرف النجدي الحنبلي، توفي سنة ألف وستة وخمسين. كذلك من تلاميذه إبراهيم الصالحي العوفي، المتوفى سنة ألف وأربعة وتسعين، وله حاشية على دليل الطالب، أو شرح مختصر على دليل الطالب.
ذكرت أن من أهم طلاب الشيخ ابن أخته، وابن أخته هذا – محمد الخلوتي – كان يقرأ على الشيخ منصور رحمه الله في كتاب شرح المنتهى، حتى وصل إلى الحكم الثالث من أحكام الحَجْر، ثم توفي الشيخ منصور. توفي الشيخ منصور في هذا الموضع من شرح المنتهى. فكتب الشيخ على نسخته – الشيخ محمد الخلوتي – كتب قال: “بلغت قراءة على شيخنا العلامة مَن طنَّت حصاة فضله الأقطار، ومن لم تكتحل عين الزمان بثانيه، ولا اكتحلت فيما مضى من الأعصار، وهو أستاذي وخالي الراجي لُطف ربه العلي، منصور بن يونس البهوتي الحنبلي. مرض من يوم الأحد خامس شهر ربيع الثاني، ومات يوم الجمعة عاشره من سنة ألف وإحدى وخمسين، وكانت ولادته على رأس الألف وعمره إحدى وخمسون سنة كسنة وفاته، عمره واحد وخمسون سنة كسنة وفاته وتوفي كم؟ ألف وإحدى وخمسين. قال: ورفعه من الفردوس أعلى غرفاته”.
طبعًا يُؤخذ من هذه القطعة التي كتبها الشيخ الخلوتي رحمه الله أشياء كثيرة، منها:
- أولًا: أنه ينبغي للعالم أن يدرس العلم الشرعي إلى أن يموت، كما هو حال الشيخ منصور؛ فقد قرأ عليه كتابه إلى وفاته، ما ترك التعليم أبدًا. العالم المفروض أنه يدرس، ما يأتي زمن يقول: خلاص أنا اكتفيت، انتهيت، أنا هذا حدِّي. لا، المفروض العالم يدرس لئلا ينسى العلم؛ فبتدريسه للعلم مراجعة للعلم، والدروس العلمية حياة للعالم. فلا ينبغي لمن هو أهل طبعًا للتدريس – ليس كل إنسان مؤهل لأن يجلس للناس ويدرِّسهم – حتى يتأهل. إذا تأهل في العلم ودرَّس.
- ذكرت أيضًا أن الإنسان ينبغي أن يجمع بين التدريس والتصنيف للتحقيق فقط؛ لأن بعض الناس يُحقِّق، وأنا التقيت بكثير من المحققين لكتب الحنابلة وغير كتب الحنابلة. المحققون في الغالب أنهم قليلوا العلم صراحة، ليس عندهم علم كثير. هو فقط يُخرِّج نصوص الكتاب ويوثِّقها وينظر في النسخ، في نسخة كذا وفي نسخة كذا. لكن في العلم في الحقيقة أنهم قليلون، قليلوا العلم. أنا رأيت كثيرًا منهم، من محققين، عندهم قصور في العلم. لكن بعض المحققين يرى أنه إذا حقَّق كتابًا للشيخ منصور أو للشيخ فلان يرى أنه عالم، أنه بلغ المنزلة، وهو في الحقيقة ليس عنده علم كثير. فالجمع بين التدريس والتصنيف وإجابة أسئلة الناس؛ فبهذه الأمور الثلاثة يترقى الإنسان في درجات العلم ويزداد علمًا. وما حال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي عنا ببعيد؛ الشيخ رحمه الله جمع بين هذه الثلاثة أمور: التدريس والتصنيف وإجابة أسئلة الناس. وله فتاوى مكتوبة، وله مصنفات مكتوبة، ودروسه أيضًا حتى بعض دروسه سجَّلها الشيخ وكتبها ومطبوعة إلى اليوم.
- ثانيًا: مما يؤخذ من كلام الشيخ الخلوتي رحمه الله أنه ينبغي للطالب ألَّا يترك شيخه ولا التعلُّم عند المشايخ حتى يعجز عنهم بموت أو غيره. حتى يعجز عن طلب العلم عند المشايخ إلى أن يموت الشيخ، كما هو حال الشيخ الخلوتي مع الشيخ منصور؛ قرأ عليه إلى أن مات الشيخ منصور. بعض الطلاب يستمر في الدرس أو في الدروس سنة، سنتين، عشر سنوات، وبعدين خلاص يقول: أنا تأهَّلت. لا، ينبغي أن الإنسان يُلازم شيخه إلى أن يموت. قال الشيخ الخلوتي: إنه قرأ المنتهى – الشيخ يقول: إنه قرأ المنتهى بطرفيه – كيف بطرفيه؟ يعني أوله إلى آخره، على الشيخ منصور مِرارًا، ليس مرتين ولا ثلاث، مرارًا. انتهى مرارًا مع جمع غفير من الفضلاء.
- أيضًا مما يؤخذ من هذه القطعة أهمية التتلمذ. وهذا ما فرَّط فيه أكثر طلاب العلم في هذه الأزمنة المتأخرة، اكتفاءً بالسماع عن بعد مع حضور الشيخ معه في نفس البلد. الشيخ وهو يسمع له عن بُعد في التسجيل، في سماع صوتي. ولا شك كما ذكرت سابقًا أن حضور الطالب والشيخ في المسجد مع الإمكان أكثر أجرًا وبركة وفتحًا من الله على العالِم والمتعلِّم؛ كلاهما سيُفتح عليه، وفيه تأدُّب أيضًا بآداب طالب العلم. كيف تتأدَّب بآداب طالب العلم؟ إذا أتيت في الدرس وحضرت في المسجد. وأنا ذكرت أنه كم رأيت عندما تتلمذت على العلماء من العلم والعبادة والتواضع والسمت واحترام العلماء وبذل العلم ما لا يوجد عند غير مَن لم يتتلمذ. فيحرص الإنسان على حضور الدروس العلمية ما استطاع.
- ورابعًا وأخيرًا: أن يحرص العالم على الجلوس مع المتقدمين في العلم، مشايخ وطلاب؛ يحرص على الجلوس مع المتقدمين في العلم. يعني تجلس مع زملائك طلاب علم صغار وطلاب علم كبار أيضًا، كما هو حال الشيخ منصور مع تلميذه محمد الخلوتي. الشيخ منصور كان يقرأ شرحه ويعرض شرحه على الطلاب؛ يعني يأخذ منهم ويسمع منهم ويُقيِّد ويُصلِح. ومن نظر في حاشية الخلوتي على المنتهى عرَف معنى هذا. الشيخ الخلوتي في حاشية على المنتهى يذكر بعض آراء الشيخ منصور التي ليست موجودة في كتبه، وإنما هي مأخوذة من الشيخ منصور في الدروس فقط، في الحلقات العلمية. فمن قرأ حاشية الشيخ الخلوتي على المنتهى يجد آراء للشيخ منصور ليست موجودة في كتبه، وإنما الشيخ أخذها مشافهة من شيخه الشيخ منصور. وهي أحيانًا يذكر أنه يعرض للشيخ منصور رأيًا من عنده أو فهمًا من عنده، الشيخ يُقوِّم هذا الفهم أو يرده أحيانًا.
نسأل الله عز وجل أن يرحم الشيخ منصور البهوتي وأن يسكنه الفردوس الأعلى من الجنة، وأن يلحقنا به مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. ونكتفي بذكر هذه الكلمات في سيرة الشيخ رحمه الله.
📘 التعليق على المتن (عمدة الطالب)
والآن نبدأ في المقصود وهو التعليق على المتن.
نعم يا شيخ. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين ولجميع المسلمين.
قال شيخ البهوتي في عمدة الطالب:
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وتابعيهم أجمعين. وبعد: فهذا مختصر في الفقه على مذهب الإمام الأمثل أحمد بن محمد بن حنبل، تشتدُّ إليه حاجة المبتدئين. سألني بعض المُقصِّرين والعاجزين، جعله الله خالصًا لوجهه الكريم وسببًا ونفع به، إنه هو الرؤوف الرحيم.
ضوابط باب المياه
قبل أن ندخل في كتاب الطهارة، أنا سأذكر بإذن الله في أول كل باب ضوابط تقريبية للباب الذي سنقرأ فيه؛ يعني ضوابط فقهية ليست مضبوطة بضابط دقيق، وإنما هي تقريبية. سأذكر بعض الضوابط في هذا الباب – باب المياه.
- الضابط الأول: أنواع المياه ثلاثة: ما هي أنواع المياه الثلاثة؟ طهور، وطاهر، ونجس. هذا هو المذهب طبعًا.
- الضابط الثاني: ضابط الماء القليل هو أقل من قُلَّتين، والكثير قُلَّتان فأكثر. إذًا هذا ضابط؛ يعني إذا قيل لك، أو جُمِعَ أن هذا إذا أُضيف إليه الماء قليل أو الكثير، فالمقصود بالقليل هو ما كان أقل من قُلَّتين، والكثير هو قُلَّتان فصاعدًا.
- الضابط الثالث: وهو في الحقيقة قاعدة: “اليقين لا يزول بالشك”. وهذا سيأتي له عدة مسائل.
- الضابط الرابع: الواجب في الاشتباه في مسائل الطهارة والعبادة العمل بالأحوط واليقين. وهذا سيُذكر وسيأتي في كلام المؤلف أكثر من مثال على هذا الضابط.
- الضابط الخامس: الذي سيأتينا في هذا الباب: “المشقة تجلب التيسير”.
هذه ضوابط سنتناولها إن شاء الله في هذا الكتاب – كتاب الطهارة – في باب المياه.
كتاب الطهارة
قال رحمه الله: كتاب الطهارة.
والطهارة في اللغة هي النزاهة والنظافة، والنزاهة عن الأقذار حسية كانت أو معنوية. هذا معنى الطهارة في اللغة.
وأما في الشرع، فالطهارة هي: ارتفاع الحدث وما في معناه، وزوال النجس أو الخبث. يعني الطهارة تُطلق على عدة أمور:
- أولًا: تُطلق على ارتفاع الحدث. فارتفاع الحدث يُسمى طهارة.
- وما المراد بالحدث؟ المراد بالحدث الوصف القائم بالبدن الذي يمنع من الصلاة ونحوها.
- وما بمعناه: يعني ارتفاع ما هو بمعنى الحدث، ويُمثِّلون له بـ غسل الميت؛ لأن تغسيل الميت ليس عن حدث، وإنما هو تعبُّدي.
- وزوال الخبث: إذًا الطهارة تُطلق على زوال الخبث. فإذا زال الخبث عن الشيء أو النجاسة – الخبث هو النجاسة طبعًا – إذا زالت عن الشيء، فإنه يُسمى طهارة.
- كذلك تُطلق الطهارة كما في التعريف: ارتفاع الحدث وما بمعناه، وزوال الخبث، أو ارتفاع حُكم ذلك. يعني أو ارتفاع حُكم الحدث، وارتفاع حُكم النجس.
- متى يرتفع حُكم الحدث؟ بالتيمم. يرتفع حُكم الحدث بالتيمم.
- متى يرتفع حُكم الخبث؟ بالاستجمار. يرتفع حُكم الخبث والنجس بالاستجمار.
فالطهارة تُطلق على عدة أمور – خمسة أمور ذكرناها – كلها يُطلق عليها طهارة. هذا معنى التعريف.
المياه ثلاثة
ثم قال رحمه الله: المياه ثلاثة.
ذكرت لكم أن المياه على المذهب ثلاثة، وهذا هو المذهب المعتمد وهو رأي الجمهور. أما شيخ الإسلام فيرى أن المياه تنقسم إلى قسمين وهي: إما طهور وإما نجس فقط. وذكر هذا رأي للشيخ، وذكره – يعني هو قائل به في المذهب – ذكره الشيخ منصور في كشاف القناع وفي الإنصاف أيضًا.
نعم، اقرأ يا شيخ.
قال رحمه الله تعالى: المياه ثلاث:
1. طهور
طهور يرفع الحدث ويزيل النجس الطارئ، وهو الباقي على خلقته ولو حكمًا، لمتغيِّر بمُكثه أو طحلب أو ورق شجر أو مَمَرِّه ونحوه، أو بمجاورة نجس، كَمَا لو استُعْمِلَ لِغُسْلِ الْكَافِرِ لَا إِنْ غَمَسَ فِيهِ يَدَهُ نَاوِياً الْغُسْلَ.
طهور يرفع الحدث: هذا القسم الأول من أقسام المياه. وذكرت لكم الحدث المراد به: الوصف القائم بالبدن الذي يمنع من الصلاة ونحوها. فلا يرفع الحدث إلا الماء الطهور فقط.
ويزيل النجس الطارئ: يعني المقصود بها النجاسة الحُكمية. أما النجاسة العينية فالماء لا يُطهِّرها. الماء لا يُطهِّر البول – أعزكم الله – ولا يُطهِّر الغائط، وإنما يُطهِّر الشيء الطاهر المتنجِّس الذي طرأت عليه نجاسة. مكان طاهر ثم طرأت عليه نجاسة، فالماء الطهور يُطهِّر هذا المكان، أو يُطهِّر هذا الثوب الذي أصابته النجاسة.
قال: “ويزيل النجس الطارئ”، يخرج الطارئ: “الأصلي والعيني”، فلا يُطهَّر بالماء الطهور.
وهو الباقي على خلقته: عرَّف الماء الطهور فقال: “وهو الباقي على خلقته”، يعني صفته التي خُلق عليها من حرارة أو برودة، إما حقيقة بأن لم يطرأ عليه شيء يُغيِّره، وإما حُكمًا. أحيانًا يتغيَّر الماء لكنه هو طهور حُكمًا، وسيذكر المؤلف الأحوال التي يتغيَّر فيها الماء مع بقاء طهوريته.
إذًا الماء الطهور هو الباقي على خلقته، إما حقيقة بأن لم يتغيَّر بشيء، وإما باقي على صفته التي خُلق عليها حُكمًا، يعني أنه سيتغيَّر بأشياء لكن هذه التغيرات لا تسلبه الطهورية.
كمتغيِّر بمُكثه: يعني بطول إقامته، وجد الماء في مكان مدة طويلة، فإنه سيتغيَّر. وهذا التغيُّر يُبقي الماء على طهوريته.
أو طُحلُب: والطحالب هي التي أشياء خضراء تنبت أو تكون تتكوَّن في الماء. فتُغيِّر لونه، فإذا تغيَّر الماء بلون هذه الطحالب، فإن الماء لا يزال على طهوريته، فهذا متغيِّر، ويعني باقٍ على خلقته التي خُلق عليها، لكنها حُكمًا لا حقيقة؛ حُكمًا لأنه متغيِّر وهذا التغيُّر لا يُؤثر فيه.
أو ورق شجر: يشق – كما قال في زاد المستقنع – صون الماء عنه. فالمتغيِّر بورق الشجر إذا سقط ورق الشجر على الماء وتغيَّر، فإنه طهور، لا يزال طهورًا. لكن هذا طبعًا قيَّدوه الحنابلة بأنه سقط بدون قصد. أما لو جاء شخص وأخذ الأوراق ورماها في الماء وتغيَّر، فإنه يسلبه الطهورية. أما إذا سقط ورق الشجر بدون فعل فاعل، فإنه لا يزال على طهوريته إذا تغيَّر.
أو مَمَرِّه: متغيِّر بسبب مروره في مكان معين، مرَّ في مكان معين فتغيَّر بسبب المرور في هذا المكان، فإنه لا يزال على طهوريته.
ونحوه، أو بمجاورة نجس: لو وُجِدَ ماء مُجاوِر – يعني قريب – من نجاسة، ثم تغيَّرت رائحته بهذه النجاسة، هل يسلبه الطهورية؟ لا يسلبه الطهورية. هذا التغيُّر في رائحته لا يسلبه الطهورية. هذا الماء المُباح.
أ. الماء الطهور المكروه
الآن سيذكر النوع الثاني من أنواع الماء الطهور وهو المكروه.
وَكُرِهَ مِنْهُ شَدِيدُ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ وَمُسَخَّنٌ بِنَجَسٍ إِنْ لَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهِ، أَوْ مُتَغَيِّرٌ بِغَيْرِ مُمَازِجٍ، كَدُهْنٍ وَقِطَعِ كَافُورٍ وَمِلْحٍ مَائِيٍّ.
وكُرِهَ منه شديد حَرٍّ: الحرارة الشديدة، فإنه يُكره استعماله. لماذا؟ لأنه يمنع من كمال الطهارة.
أو بَرْدٍ: البارد جدًا، يُكره استعماله في الطهارة لأنه يمنع من كمال الطهارة.
ومسخَّن بنجس: كذلك المُسخَّن بنجاسة، ولو بَرَدَ، فإنه يُكره. لماذا؟ لأنهم يقولون: الغالب أنه لا يسلم من أجزاء النجاسة أن تقع في هذا الماء، لا يسلم في الغالب أنه لا يسلم. لكن لو تيقَّنا أن أجزاء النجاسة التي سُخِّن بها وقعت في الماء، هل يسلبه الطهورية أو لا يسلبه؟ يسلبه إذا كان قليلًا.
إن لم يُحْتَج إليه: وهذه أيضًا قاعدة نسينا أن نذكرها، وهو المكروه إذا احتيج إليه، فإنه تزول عنه الكراهة. كل مكروه يُحتاج إليه تزول عنه الكراهة، وهذه قاعدة شيخ الإسلام وهي المذهب أيضًا. كل مكروه يُحتاج إليه. المفروض أن ما عندك إلا هذا الماء البارد جدًا – شديد البرد – واحتجت إليه، ما يوجد غيره، فحينئذ نقول: تزول الكراهة.
أو متغيِّر بغير مُمَازِج: بغير مُخالِط يعني. تغيَّر بشيء لا يختلط مع الماء، لا يمتزج مع الماء، فانه لا يسلبه الطهورية.
كَدُهْن: الدهن الذي يكون في الماء. الدهن مستحيل يختلط مع الماء، مستحيل. والغالب أنه إذا اختلط مع الماء يكون في الأعلى. فإذا تغيَّر الماء بهذا الدهن، فإنه يكون مكروهًا. لماذا؟ لاختلاف العلماء في سَلْبِه الطهورية؛ لأن بعض العلماء يقول: يسلبه الطهورية. علماء الحنابلة يقولون: إنه يُكره.
وقِطَعِ كافور: هذا يُفهم منه لو وضعت قطع كافور في الماء وتغيَّرت رائحة الماء، وهذا الغالب أنه ستتغيَّر رائحته، هل يسلبه الطهورية؟ لا يسلبه. لأنهم يقولون: التغيُّر هنا تغيُّر عن مُجاورة لا عن مُمازجة. لكن يقول العلماء: قطع كافور، هذا له مفهوم. مفهومه أنها لو تغيَّر بـ الكافور المطحون – إذا دُقَّ الكافور وصار مطحونًا ووُضِعَ في الماء وغيَّره – فإنه يسلبه الطهورية. فقولهم: “قطع كافور” هذا له مفهوم؛ يُفهم منها أنه لو دُقَّ وصار ناعمًا واختلط بالماء وغيَّره، فإنه يسلبه الطهورية. فإذا لم يُدَقَّ، وإنما كان قِطعًا كبيرة، فإنه يُكره الماء الذي اختلط بقِطَع الكافور.
أو مُتَغَيِّرٌ بملح مائي: والملح المائي هو الذي يُرسَل على السِّبَاخ فيصير مِلحًا. إذا تغيَّر بالملح المنعقد من الماء، فإنه يُكره. أما الملح المعدني المُستَخرَج من الصخور، لو تغيَّر به الماء، فإنه يسلبه الطهورية. الملح المائي هو المُلَح المنعقد من الماء.
هذه ست صور ذكرها المؤلف في الماء المكروه، وهو كما قال العلماء: المفروض المؤلف أخَّر قوله: “إن لم يُحْتَج إليه” إلى هذا المكان؛ لأن هذه الصور الست كلها مكروهة إلا إذا احتجنا إليها فتزول الكراهة.
ب. الماء الطهور المباح
لَا مُسَخَّنٌ بِشَمْسٍ أَوْ بِطَاهِرٍ.
لا مسخَّن بشمس: فإنه ليس مكروهًا. وهذا يتبع النوع الأول من الماء الطهور وهو الماء المباح.
أو مسخَّن بطاهر كالحطب مثلًا: الماء المُسخَّن بطاهر فإنه لا يُكره، ويكون من نوع الماء الطهور المباح.
ج. الماء الطهور الذي لا يرفع حدث الرجل
النوع الثالث من أنواع المياه الطهور، قال:
وإن خَلَتْ بِهِ مُكَلَّفَةٌ بِيَسِيرٍ لِطَهَارَةٍ كَامِلَةٍ عَنْ حَدَثٍ لَمْ يَرْفَعْ حَدَثَ رَجُلٍ.
هذا النوع الثالث هو متعلِّق فقط بأنه لا يرفع حدث الرجل فقط. هو طهور، لكنه لا يرفع حدث الرجل.
- خَلَتْ: هذا قيد أو شرط الأول.
- مُكَلَّفَةٌ: هذا الشرط الثاني.
- بِيَسِيرٍ: يعني يخرج الماء الكثير.
- لِطَهَارَةٍ: ما خلت به؟ لطهارة.
- كَامِلَةٍ: أما لو تطهَّرت منه طهارة غير كاملة فإنه لا يمنع منه الرجل.
- عَنْ حَدَثٍ: تكون طهارة خلت به لطهارة كاملة، هذه الطهارة تكون عن حدث، لا لتجديد مثلًا.
إذا توفرت هذه الشروط، لم يرفع حدث رجل.
استدلوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: نهي النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة، رواه الخمسة. فهذا النوع الثالث هذا متعلِّق بالرجل البالغ لا يرفع حدث رجل. لكنه لو استعملته امرأة أخرى – هذا الذي خلت به – هل يرفع حدثها ولا يرفع حدثها؟ لو استعملته مثلًا صغيرة، امرأة صغيرة أو غلام صغير، صبي صغير، هل يرفع حدثه؟ نقول: يرفع حدثه. هو لا يرفع فقط حدث الرجل. هل هذا الماء طهور ولا طاهر؟ طهور. انتبهوا، بعض الناس يعتقد أن هذا طاهر، هو طهور لكنه لا يرفع حدث الرجل.
والمقصود بـ الخلوة كما ذكر العلماء: ألَّا يُشاركها ولا يحضرها مُكلَّف ولا مميز. فإذا حضر معها مُكلَّف أو مميز، فإنه لا يُعتبر خَلَتْ به.
د. الماء الطهور المحرم
بقي النوع الرابع من أنواع المياه، هو المُحرَّم، مثل: الماء المغصوب والمسروق.
طيب، هذا الماء المحرَّم هل يرفع الحدث؟ لو توضأ به الإنسان يرفع الحدث؟ المذهب أنه لا يرفع الحدث. طيب هذا الماء المحرَّم هل يُزيل الخبث؟ نجاسة لو غسل به سبعًا، تزول به النجاسة؟ نعم، تزول به النجاسة. الماء المحرَّم لا يرفع الحدث ويزيل الخبث.
2. الطاهر
الآن سيتكلم عن الماء الطاهر. نعم، اقرأ يا شيخ.
قال رحمه الله تعالى:
الثَّانِي طَاهِرٌ: وَهُوَ مَا تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْ لَوْنِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ بِطَاهِرٍ، غَيْرَ مَا مَرَّ، أَوْ رُفِعَ بِقَلِيلِهِ حَدَثٌ، أَوْ غُمِسَ فِيهِ كُلُّ يَدِ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ، أَوْ كَانَ آخِرَ غَسْلَةٍ زَالَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ وَانْفَصَلَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ.
الطاهر: أنا دائمًا أذكر أن الماء الطاهر – طبعًا هم يقولون: هو الطاهر في نفسه غير المُطهِّر لغيره – هو في الحقيقة ليس تعريفًا. الحنابلة لم يُعرِّفوا الطاهر، وإنما يذكرون له صُورًا. وذكر المؤلف خمس صُور كلها من الطاهر.
والدليل على هذا القسم – شيخ الإسلام يقول: ما في شيء اسمه طاهر، يا طهور يا نجس – لكن الجمهور استدلوا بحديث سؤال الصحابة رضي الله عنهم عن ماء البحر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “هو الطهور ماؤه، الحل ميتته”. هذا يدل على أن هناك قسم من أقسام المياه ليس طهورًا ولا نجسًا. لأن ماء البحر ليس بنجس، وهم يسألون عنه: هل يُجزئ التوضؤ منه؟ فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه الطهور. معناه أن هناك نوع ثالث طاهر ليس بنجس ولا يجوز الوضوء منه.
الصورة الأولى:
وَهُوَ مَا تَغَيَّرَ كَثِيرٌ مِنْ لَوْنِهِ أَوْ طَعْمِهِ أَوْ رِيحِهِ بِطَاهِرٍ.
الماء الذي تغيَّرت إحدى صفاته الثلاث: الطعم واللون والرائحة، يكفي تغيُّر واحدة. لكن يُشترط أن يكون التغيُّر كثيرًا. إحدى الصفات الثلاث: اللون والرائحة والطعم، فإذا تغيَّرت إحدى الصفات تغيُّرًا كثيرًا، فإنه يسلب الماء الطهورية.
ومن باب أولى لو سلب هذا الطاهر الذي اختلط مع الماء الطهور سلبه اسمه، يعني رفع عنه اسمه. مثل الشاي مثلًا؛ وُضِعَ شاي في ماء طهور، فتحوَّل؛ الذي ينظر إلى هذا السائل يقول: هذا شاي أو هذا قهوة، فحينئذ سلبه اسمه، فمن باب أولى أنه يسلبه الطهورية.
غَيْرَ مَا مَرَّ: طبعًا يقصد: التي مرَّت في قسم المكروه؛ الذي تغيَّر بمجاورة ميتة، الذي تغيَّر بمكثه، الذي تغيَّر بسبب مروره. هذا لا يسلبه الطهورية.
الصورة الثانية:
أَوْ رُفِعَ بِقَلِيلِهِ حَدَثٌ.
ما المراد بـ القليل هنا؟ الماء الذي هو أقل من قُلَّتين. لو توضأ إنسان بماء أقل من قُلَّتين، فإنه توضأ ورُفِعَ به الحدث – سواء كان المتوضأ هو مُكلَّف أو مميز – فإنه يسلب الماء الطهورية. وسواء كان هذا الحدث أكبر أو أصغر.
ما المراد بالماء الذي رُفِعَ بقليله الحدث؟ هل هو الماء الذي أخذت منه واغترفت منه أنا وتوضأت، أو الماء المتقاطر؟ هو الماء المتقاطر. أما إذا كان هناك عندنا سَطْل وأنا أغرف منه وأتوضأ وأغسل أعضائي، فإن هذا الماء الذي في الإناء فإنه لا يزال طهورًا.
فقوله: “رُفِعَ بقليله الحدث” المراد به: المتقاطر. لكن أحيانًا قد يكون هو أيضًا كله مُستعمَل، كيف يكون كله مُستعمَل؟ مثلًا عندنا إناء كبير ويغتسل فيه، ينوي الاغتسال ويطبُّ فيه، وحينئذ يرتفع الحدث، فيُصبح هذا الماء مُستعمَلًا في رفع حدث.
الصورة الثالثة:
أَوْ غُمِسَ فِيهِ كُلُّ يَدِ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ.
أيضًا هذه لها قيود؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى: “إذا استيقظ أحدكم من نومه، فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا”. فالماء الطهور اليسير – اللي أقل من قُلَّتين – لو غُمِسَ فيه:
- كُلُّ هذا الشرط الأول.
- يَدِ: يعني لو غمس رِجْلًا، فإنه لا يسلب الطهورية.
- مُسْلِمٍ: يعني لو غمس فيه كافر قائم من نوم ليل، هل يسلبه الطهورية؟ لا يسلبه.
- مُكَلَّفٍ: يعني بالغ عاقل. يعني لو غمس فيه صبي قام من نوم الليل وغمس يده في الماء الطهور، هل يسلبه الطهورية؟ لا يسلبه الطهورية.
- قَائِمٍ مِنْ نَوْمِ لَيْلٍ: هذا الشرط الخامس.
هذه إذا توفَّرت الشروط الخمسة في الماء الطهور، فإنه يسلب الماء الطهورية. وحينئذ لا يصلح استعماله لرفع حدث ولا لإزالة خبث.
ويُشترط أن يكون أيضًا من نوم الليل. أما لو كان من نوم النهار، فإنه لا يُشكَّى، فإنه لا يسلب الماء الطهورية.
والمراد بـ اليد هي التي من الكوع إلى أطراف الأصابع.
الصورة الرابعة:
أَوْ كَانَ آخِرَ غَسْلَةٍ زَالَتْ بِهِ النَّجَاسَةُ وَانْفَصَلَ غَيْرَ مُتَغَيِّرٍ.
المراد به ماء قليل. كان آخر غَسْلَة زالت به النجاسة. المذهب عندنا كم غَسْلَة تُغسَل النجاسات؟ سبع غسلات. في الغَسْلَة السابعة هذه، إذا كانت ماء يسيرًا قليلًا – يعني أقل من قُلَّتين – وانفصلت من المكان المغسول غير متغيرة بالنجاسة، فإنها تكون طاهرة؛ لا طهور ولا نجس، وإنما هي ماء طاهر. ويُشترط أن يكون هذا الماء قليلًا.
3. النجس
ثم نتكلم عن الماء النجس. نعم، اقرأ.
قال رحمه الله تعالى:
الثَّالِثُ نَجِسٌ: وَهُوَ مَا تَغَيَّرَ بِنَجَاسَةٍ، أَوْ يَسِيرٌ لَاقَى نَجَاسَةً.
النجس نوعان:
النوع الأول:
مَا تَغَيَّرَ بِنَجَاسَةٍ.
كل ما تغيَّرت إحدى صفاته الثلاث: اللون أو الطعم أو الرائحة بالنجاسة، فهو نجس، سواء كان قليلًا أو كثيرًا. هذا النوع الأول.
النوع الثاني: ذكره بقوله:
أَوْ يَسِيرٌ لَاقَى نَجَاسَةً.
يعني ماء يسير، ثم وردت عليه النجاسة، فإنه ينجس.
أما إذا كان كثيرًا – قلتان فأكثر – ووردت عليه النجاسة، فإنه لا ينجس إلا بالتغيُّر. فإن تغيَّر بالنجاسة فهو نجس، وإلَّا فهو طهور. طيب، لو تغيَّر هذا الماء الكثير تغيَّر بعضه بالنجاسة، هل ينجس كله؟ لا ينجس. ينجس فقط الجزء المتغيِّر.
أما إذا كان الماء أقل من قُلَّتين، فهو متى لاقى النجاسة، فإنه يكون نجسًا.
ويُفرِّقون الحنابلة بين الماء الوارد والمورود. هنا يقصد به الماء المورود؛ يعني هو موجود الماء ثم أتت عليه النجاسة. لكن لو كان بالعكس: النجاسة موجودة، وورَدَ عليها الماء – والورود هنا المراد منه أن نُطهِّر هذا المكان النجس – فهل يُحكم بنجاسته؟ لا يُحكم بنجاسته؛ لأنه الآن يعمل، ما دام يعمل في مكان النجاسة والآن يُطهِّر النجاسة، ما دام يعمل فإنه طهور. متى يُحكم بنجاسته؟ إذا انفصل.
تطهير الماء النجس
فَإِنْ بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ – وَهُمَا أَرْبَعُ مِئَةِ رِطْلٍ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعٍ مِصْرِيٌّ – لَمْ يَنْجُسْ إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ. وَيُطَهَّرُ بِإِضَافَةِ كَثِيرٍ، أَوْ بِزَوَالِ تَغَيُّرِهِ بِنَفْسِهِ، أَوْ بِنَزْحٍ إِنْ بَقِيَ بَعْدَهُ كَثِيرٌ.
وَيُطَهَّرُ بِإِضَافَةِ كَثِيرٍ: يطهر الماء المتنجِّس بإضافة كثير. ما مقدار هذا الكثير؟ القُلَّتان. إذا كان عندنا ماء نجس، فإنه يطهر بإضافة ماء كثير طهور، وحينئذ يُحكم بطهارته، متى؟ إذا زال التغيُّر عن الماء.
الماء الكثير فإنه يطهر بواحد من ثلاث:
- إما بإضافة ماء كثير.
- أو بزوال تغيُّره بنفسه. لو هو ماء كثير جدًا متغيِّر بالنجاسة، ثم مع مرور الزمن زال هذا التغيُّر، فإنه يُحكم بطهارته. أما الماء القليل فإنه لو زالت النجاسة منه، هل يُحكم بطهوريته؟ لا يُحكم عند الحنابلة.
- أو بِنَزْحٍ: ما المراد بالنزح؟ هو السَّحْب. بنزح إن بقي بعده كثير؛ يعني لا يبقى بالنزح أقل من قُلَّتين. لا بد أن يبقى بعده قُلَّتان فأكثر.
فَإِنْ بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ – وَهُمَا أَرْبَعُ مِئَةِ رِطْلٍ وَسِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ وَثَلَاثَةُ أَسْبَاعٍ مِصْرِيٌّ – لَمْ يَنْجُسْ إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ: البهوتي هنا قدَّر بالأرطال المصرية. والأصل عندنا في المذهب يُقدِّرون بالأرطال العراقية؛ فهي من الأرطال العراقية خمسمائة رطل. لذلك الحجاوي مع أنه شامي، قدَّر بالأرطال العراقية؛ الإمام أحمد هو الذي قدَّر بالأرطال العراقية، فهم يتبعونه.
مقدار القُلَّتين بالكيلو وباللتر كم؟ مائة وواحد وتسعون وربع (191.25 كيلو جرام أو لتر). فإذا كان عندنا الماء 191 وربع لتر، فإنه يكون كثيرًا. أقل من 191 يكون الماء قليلًا.
مسائل الشك والاشتباه
ثم ذَكَرَ الشيخ مسائل الشك، وهي كما ذكرت تندرج تحت قاعدة: اليقين لا يزول بالشك.
وَإِنْ شَكَّ فِي نَجَاسَةِ مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ، كَعَصِيرٍ أَوْ لَبَنٍ أَوْ دُهْنٍ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ.
وإن شكَّ في نجاسة ماء أو غيره: شكَّ في تنجُّسه، هل تنجَّس أو لم يتنجَّس؟ يبني على اليقين؛ يعني على أصله الذي كان قبل الشك. فإن كان قبل الشك طاهرًا، فهو الآن طاهر. وإن كان قبل أن يشك فيه نجسًا، فهو الآن نجس. إذًا يبني على أصله الذي كان قبل الشك.
الآن سيذكر مسائل الاشتباه، والاشتباه المراد بها الالتباس.
1. اشتباه طهور بنجس
وَإِنِ اشْتَبَهَ طَهُورٌ بِنَجِسٍ، لَمْ يَتَحَرَّ، وَتَيَمَّمَ لِعَدَمِ غَيْرِهِمَا.
إذا اشتبه طهور بنجس، عنده إناءان؛ طهور ونجس، لكن لا يعرف أيهما الطهور وأيهما النجس. يتصوَّر هذا على المذهب؛ لأن عندنا في المذهب لو كان أقل من قُلَّتين فإنه ينجس ولو لم يتغيَّر. فعندنا إناء وإناء، هذا لم يتغيَّر وهذا لم يتغيَّر، لكن أحدهما يقينًا وقعت فيه نجاسة لم تُغيِّره، ولا نعرف أيهما الطهور بيقين. ماذا يقول المؤلف؟ يقول: “لَمْ يَتَحَرَّ”، يعني لا يجوز له أن يتحرَّى. ماذا يفعل؟ “وَتَيَمَّمَ لِعَدَمِ غَيْرِهِمَا”؛ يعني ما عنده غير هذين الإناءين المشتبهين.
2. اشتباه طاهر بطهور
وَإِنْ اشْتَبَهَ طَاهِرٌ بِطَهُورٍ، تَوَضَّأَ وُضُوءًا وَاحِدًا بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذَا غُرْفَةً وَمِنْ هَذَا غُرْفَةً.
اشتبه طاهر بطهور. فماذا يفعل؟ يقول: “تَوَضَّأَ وُضُوءًا وَاحِدًا بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ”، من هذا غرفة ومن هذا غرفة. يعني أولًا يبدأ من هذا، يتمضمض ثم يتمضمض بالإناء الثاني، ثم يستنشق من هذا ثم يستنشق من الثاني، ثم يغسل وجهه من هذا ثم يغسل وجهه من الثاني، وهكذا إلى أن ينتهي من الوضوء. يكون الوضوء واحد بغرفتين من كل إناء غرفة.
3. اشتباه ثياب طاهرة بنجسة أو أمكنة ضيقة
وَكَذَا اشْتِبَاهُ ثِيَابٍ طَاهِرَةٍ بِنَجِسَةٍ، صَلَّى فِي كُلِّ ثَوْبٍ بِعَدَدِ النَّجِسَةِ وَزَادَ صَلَاةً. وَكَذَا أَمْكِنَةٌ ضَيِّقَةٌ تَنجَّسَ بَعْضُهَا وَاشْتَبَهَ. وَيُصَلِّي فِي وَاسِعَةٍ بِلَا تَحَرٍّ.
إذا اشتبهت الثياب الطاهرة بالنجسة، كلها متغيرة، لكن لا أدري يقينًا واحد من هذه الثياب متنجس.
الصورة الأولى: إذا علِمَ عدد النجس: يعلم عنده خمسة أثواب يعلم أن منها ثوبان نجسان. ماذا يفعل الآن؟ يقول: “صَلَّى فِي كُلِّ ثَوْبٍ بِعَدَدِ النَّجِسَةِ وَزَادَ صَلَاةً”. صلى في ثوبين ثم زاد صلاة؛ لأنه إذا فعل هذا، يقيناً صلى في ثوب طاهر.
الصورة الثانية: إن لم يَعْلَم عددها: إذا اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة لا يعلم عددها، ماذا يفعل؟ يصلي فيها كلها، لا يزيد.
وَكَذَا أَمْكِنَةٌ ضَيِّقَةٌ تَنَجَّسَ بَعْضُهَا وَاشْتَبَهَ: يعني هناك عنده أمكنة ضيقة – في غرفة أربع زوايا – بعض الزوايا نجسة تنجَّست وبعض الزوايا طاهرة. فماذا يفعل؟ يصلي فيها، إذا علم عدد الزوايا، فإذا كان يعلم أن هناك زاويتين فقط متنجستين، ماذا يفعل؟ يصلي في اثنتين ويزيد ثالثة. إذا لم يعلم، يصلي فيها كله حتى يتيقن أنه صلى في زاوية طاهرة.
وَيُصَلِّي فِي وَاسِعَةٍ بِلَا تَحَرٍّ: يعني في بقعة واسعة كالصحراء والحوش الكبير، كما قال العلماء: “بلا تحرٍّ”. هذا يدخل تحت قاعدة: المشقة تجلب التيسير. أنت في الصحراء ما تدري اشتبه عليك هل هذا المكان الذي أنت فيه طاهر ولا نجس؟ تصلي في أي مكان، تصلي بلا تحرٍّ؛ للحرج والمشقة.
وتوقف إلى هنا. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.