بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ
الحَمدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ أَجمَعِينَ.
أَمَّا بَعدُ:
اللَّهُمَّ اغفِر لَنَا وَلِشَيخِنَا وَلِلحَاضِرِينَ وَلِجَمِيعِ المُسلِمِينَ.
قال الشيخ منصور البهوتي في “عمدة”:
فصل: وَيُبَاحُ كُلُّ إِنَاءٍ، وَلَو ثَمِينًا، غَيرَ إِنَاءِ ذَهَبٍ أَو فِضَّةٍ، أَو نَحْوِ مَطلِيٍّ بِهِمَا، إِلَّا مُضَبَّبًا بِيَسِيرٍ مِن فِضَّةٍ لِحَاجَةٍ، وَتَصِحُّ (الطَّهَارَةُ) مِن إِنَاءٍ مُحَرَّمٍ. وَتُبَاحُ آنِيَةُ كُفَّارٍ وَثِيَابُهُم إِن جُهِلَ حَالُهَا. وَلَا يُطَهَّرُ المَيْتَةُ. فَلَا يَطهُرُ جِلدُ مَيتَةٍ بِدَبْغٍ، وَيُبَاحُ استِعمَالُهُ بَعدَهُ فِي يَابِسٍ إِن كَانَ مِن طَاهِرٍ فِي حَيَاتِهِ. وَكُلُّ أَجزَاءِ المَيْتَةِ وَلَبَنِهَا نَجِسٌ، غَيرَ نَحْوِ شَعرٍ وَصُوفٍ، وَمَا أُبِينَ مِن حَيٍّ كَمَيْتَتِهِ.
أَحسَنَ اللهُ إِلَيكُم.
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ.
الحَمدُ للهِ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلَى رَسُولِ اللهِ، نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصحَابِهِ وَمَن اهتَدَى بِهُدَاهُ.
بَعدَ: أَن انتَهَى المُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ مِن بَابِ المِيَاهِ، تَكَلَّمَ عَن مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَوَانِي؛ لِأَنَّ المَاءَ جَوهَرٌ -كَمَا قَالُوا- سَيَّالٌ، فَيَحتَاجُ لِاستِعمَالِهِ إِلَى الأَوَانِي. وَلِذَلِكَ تَكَلَّمَ الفُقَهَاءُ بَعدَ بَابِ المِيَاهِ عَن مَا يَتَعَلَّقُ بِالأَوَانِي.
وَذَكَرتُ أَنِّي سَأَذكُرُ فِي كُلِّ بَابٍ أَو فَصلٍ ضَوَابِطَ، يَعنِي تَضبُطُ هَذَا الفَصلَ أَو هَذَا البَابَ.
ضَوَابِطُ فَصلِ الأَوَانِي:
أَوَّلًا: نَقُولُ الأَصلُ فِي الأَوَانِي جَوَازُ اتِّخَاذِهَا وَاستِعمَالِهَا، إِلَّا مَا استَثنَاهُ الشَّارِعُ كَالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَالمَغصُوبِ.
ثَانِيًا: الأَصلُ فِي الكُفَّارِ وَثِيَابِهِم الطَّهَارَةُ، مَا لَم تُعلَم نَجَاسَتُهَا.
ثَالِثًا: الحَيَوَانَاتُ تَنقَسِمُ إِلَى قِسمَينِ: طَهَارَةٍ وَنَجَاسَةٍ.
القِسمُ الأَوَّلُ: مَا كَانَ مَأكُولَ اللَّحمِ، وَهُوَ طَاهِرٌ. كُلُّ مَا كَانَ مَأكُولَ لَحمٍ فَهُوَ طَاهِرٌ كَالإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالطُّيُورِ المُبَاحَةِ.
الثَّانِي: مَا لَا يُؤكَلُ لَحمُهُ مِنَ الحَيَوَانَاتِ، وَهُوَ نَجِسٌ، إِلَّا مَا كَانَ مِثلَ الهِرَّةِ وَمَا دُونَهَا خِلقَةً. الحَيَوَانَاتُ عِندَنَا فِي المَذهَبِ الأَصلُ فِيهَا أَنَّ الغَالِبَ فِيهَا النَّجَاسَةُ، إِلَّا إِذَا كَانَت مَأكُولَةَ اللَّحمِ أَو إِذَا لَم تَكُن مَأكُولَةَ اللَّحمِ فَهِيَ نَجِسَةٌ إِلَّا مَا كَانَ فِي حَجمِ الهِرَّةِ وَمَا دُونَهَا فِي الخِلقَةِ.
رَابِعًا: لَا يَطهُرُ جِلدُ مَيتَةٍ بِدَبْغٍ. وَهَذِهِ مَسأَلَةٌ مَشهُورَةٌ بَينَ العُلَمَاءِ: هَل يَطهُرُ جِلدُ المَيتَةِ بِالدَّبْغِ أَو لَا يَطهُرُ؟ المَذهَبُ أَنَّهُ لَا يَطهُرُ جِلدُ المَيتَةِ بِالدَّبْغِ.
خَامِسًا: مَا أُبِينَ مِن حَيٍّ فَهُوَ كَمَيتَتِهِ. وَهَذَا سَيَأتِينَا إِن شَاءَ اللهُ.
وَالآنِيَةُ هِيَ الأَوعِيَةُ، وَهِيَ جَمعٌ. وَالأَصلُ فِي حُكمِ استِعمَالِ وَاتِّخَاذِ الأَوَانِي الإِبَاحَةُ. وَهَذَا ابتَدَأَ بِهِ المُؤَلِّفُ فَقَالَ: “وَيُبَاحُ كُلُّ إِنَاءٍ وَلَو ثَمِينًا”، يَعنِي وَلَو كَانَ غَالِيَ الثَّمَنِ. فَيُبَاحُ الِاتِّخَاذُ وَالاستِعمَالُ، الِاتِّخَاذُ وَالاستِعمَالُ. وَالِاتِّخَاذُ هُوَ تَحصِيلُ الآنِيَةِ بِنَحوِ شِرَاءٍ أَو اهتِمَامٍ، مَثَلًا يَتَّخِذُهَا عَندَهُ. أَمَّا الِاستِعمَالُ فَهُوَ التَّلَبُّسُ بِالانتِفَاعِ بِهَا. التَّلَبُّسُ بِالانتِفَاعِ بِهَا. فَإِذَا كَانَت مِلعَقَةً يَأكُلُ بِهَا، وَإِذَا كَانَ قِدرًا يَطبُخُ فِيهِ وَنَحوَ ذَلِكَ. فَهُنَاكَ فَرقٌ بَينَ الِاتِّخَاذِ وَالاستِعمَالِ. كِلَاهُمَا يُبَاحُ اتِّخَاذُ الآنِيَةِ وَاستِعمَالُهَا. الأَصلُ فِيهِ أَنَّهُ مُبَاحٌ، وَلَو كَانَت هَذِهِ الآنِيَةُ غَالِيَةَ الثَّمَنِ.
ثُمَّ استَثنَى المُؤَلِّفُ قَالَ: “غَيرَ إِنَاءِ ذَهَبٍ أَو فِضَّةٍ”. فَالأَصلُ فِي اتِّخَاذِ وَاستِعمَالِ الأَوَانِي أَنَّهَا مُبَاحَةٌ، هَذَا الحُكمُ التَّكلِيفِيُّ، إِلَّا إِذَا كَانَ الإِنَاءُ مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ. لِحَدِيثِ حُذَيفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَشرَبُوا فِي آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَلَا تَأكُلُوا فِي صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُم فِي الدُّنيَا وَلَكُم فِي الآخِرَةِ”. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. فَالإِنَاءُ الَّذِي يُصنَعُ مِنَ الذَّهَبِ أَو يُصنَعُ مِنَ الفِضَّةِ أَو يَدخُلُ فِيهِ ذَهَبٌ أَو فِضَّةٌ، حَتَّى لَو لَم يُصنَع مِن الخَشَبِ وَدَخَلَ فِيهِ ذَهَبٌ أَو فِضَّةٌ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مُحَرَّمًا.
قَالَ: “وَنَحْوِ مَطلِيٍّ بِهِمَا”، يَعنِي مَطلِيٌّ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ. وَالطِّلَاءُ كَمَا يَقُولُ الفُقَهَاءُ أَن يُجعَلَ الذَّهَبُ أَو الفِضَّةُ كَالوَرَقِ وَيُطلَى بِهِ الإِنَاءُ. هَذَا هُوَ الطِّلَاءُ. بَعضُ العُلَمَاءِ يُفَسِّرُ الطِّلَاءَ بِالمُمَوَّهِ، يَعنِي بِأَن يُذَابَ الذَّهَبُ وَالفِضَّةُ ثُمَّ يُلقَى فِيهِ الإِنَاءُ مِنَ النُّحَاسِ أَو مِن غَيرِهِ فَيَكتَسِبُ مِن لَونِهِ. فَالإِنَاءُ الَّذِي مِنَ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ أَو مَطلِيٌّ بِالذَّهَبِ أَو الفِضَّةِ فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ.
“إِلَّا مُضَبَّبًا بِيَسِيرٍ مِن فِضَّةٍ لِحَاجَةٍ”: ثَلَاثُ قُيُودٍ بِهَذَا الِاستِثنَاءِ: الأَوَّلُ إِذَا كَانَ الإِنَاءُ مُضَبَّبًا بِيَسِيرٍ، وَالقَيدُ الثَّانِي إِذَا كَانَ مِن فِضَّةٍ، فَلَا يَجُوزُ أَن يَكُونَ مِن ذَهَبٍ، وَالقَيدُ الثَّالِثُ إِذَا كَانَت هُنَاكَ حَاجَةٌ. وَالحَاجَةُ كَمَا قَالَ الفُقَهَاءُ هِيَ أَن يَتَعَلَّقَ بِهَا غَرَضٌ غَيرُ الزِّينَةِ، وَلَو وُجِدَ غَيرُ الفِضَّةِ. وَالدَّلِيلُ مَشهُورٌ لِهَذِهِ المَسأَلَةِ: حَدِيثُ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ انكَسَرَ فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعبِ سِلسِلَةً مِن فِضَّةٍ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. الضَّبَّةُ هِيَ كَالسِّلكِ الَّذِي يُربَطُ بِهِ بَينَ طَرَفَيِ المُنكَسِرِ. وَهَذَا طَبْعًا فِي السَّابِقِ، أَمَّا الآنَ لَا يَكَادُ النَّاسُ يَستَخدِمُونَ المُضَبَّبَ.
قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: “وَتَصِحُّ (الطَّهَارَةُ) مِن إِنَاءٍ مُحَرَّمٍ”. هَذَا الحُكمُ الوَضعِيُّ. الحُكمُ التَّكلِيفِيُّ أَنَّهُ يَحرُمُ عَلَى المُسلِمِ أَن يَستَعمِلَ الإِنَاءَ الَّذِي هُوَ مُحَرَّمٌ، سَوَاءٌ كَانَ مِن فِضَّةٍ أَو ذَهَبٍ أَو مَغصُوبٍ مَثَلًا أَو مَسرُوقٍ. حُكمُهُ التَّكلِيفِيُّ أَنَّهُ يَحرُمُ استِعمَالُهُ، لَكِن لَو استَعمَلَهُ فِي الطَّهَارَةِ وَتَوَضَّأَ مِنهُ أَو اغتَسَلَ مِنهُ، فَإِنَّ طَهَارَتَهُ تَكُونُ صَحِيحَةً.
ثُمَّ تَكَلَّمَ رَحِمَهُ اللهُ عَن أَوَانِي الكُفَّارِ، قَالَ: “وَتُبَاحُ آنِيَةُ كُفَّارٍ وَثِيَابُهُم إِن جُهِلَ حَالُهَا”، يَعنِي إِذَا لَم تُعلَم نَجَاسَتُهَا. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَأَصحَابَهُ تَوَضَّؤُوا مِن مَزَادَةِ امرَأَةٍ مُشرِكَةٍ. مُتَّفَقٌ عَلَيهِ. وَالمَزَادَةُ هِيَ الرَّاوِيَةُ، وَتُصنَعُ مِنَ الجِلدِ. وَالمُقَصُودُ الآنِيَةُ الَّتِي صُنِعَت مِنَ الجِلدِ عِندَ الكُفَّارِ، فَإِنَّ هَذِهِ الآنِيَةَ الأَصلُ فِيهَا أَنَّهَا طَاهِرَةٌ، لِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مِن مَزَادَةِ رَاوِيَةِ امرَأَةٍ مُشرِكَةٍ. ذَبحُ المُشرِكِ لَا يَحِلُّ، يَعنِي تَزكِيَةُ الكَافِرِ لَا تَحِلُّ الذَّبِيحَةُ إِلَّا إِذَا كَانَ يَهُودِيًّا أَو نَصرَانِيًّا. فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مِن رَاوِيَةٍ وَجَرَّةٍ مَصرُوعَةٍ مِن جِلدِ مُشرِكِينَ وَلَم يَسأَل: هَل هَذَا الجِلدُ مُبَاحٌ أَو غَيرُ مُبَاحٍ؟ هَل الحَيَوَانُ الَّذِي أُخِذَ مِنهُ هَذَا الجِلدُ ذُكِّيَ أَو لَم يُذَكِّهِ؟ فَالقَصدُ -وَاللهُ أَعلَمُ- بِهَذِهِ المَسأَلَةِ هُوَ الجِلدُ، لَيسَ الأَوَانِي المَوجُودَةَ اليَومَ -القِدرَ وَالصَّحنَ وَالمِلعَقَةَ-، هَذِهِ أَصلًا طَاهِرَةٌ، لِأَنَّهَا مَصرُوعَةٌ مِن شَيءٍ طَاهِرٍ. لَكِنَّ المَقصُودَ الآنِيَةُ الَّتِي يُشَكُّ أَنَّهَا صُنِعَت وَاتُّخِذَت مِن شَيءٍ نَجِسٍ.
قَالَ: “وَتُبَاحُ آنِيَةُ كُفَّارٍ وَثِيَابُهُم كَذَلِكَ”، يَعنِي ثِيَابُ الكُفَّارِ مُطلَقًا سَوَاءٌ كَانُوا يَهُودَ أَو نَصَارَى أَو غَيرَهُم، لَكِن بِقَيدِ: “أَن جُهِلَ حَالُهَا”، يَعنِي بِأَن لَم نَعلَم نَجَاسَتَهَا. فَإِذَا عَلِمنَا نَجَاسَتَهَا فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ استِعمَالُهَا حَتَّى تُغسَلَ وَتُزَالَ تِلكَ النَّجَاسَةُ.
ثُمَّ ذَكَرَ مَسأَلَةً مَشهُورَةً ذَكَرتُهَا ضَابِطًا، وَهِيَ قَولُهُ: “وَلَا يُطَهِّرُ المَيْتَةَ. فَلَا يَطهُرُ جِلدُ مَيتَةٍ بِدَبْغٍ”. وَالمَيتَةُ هُوَ مَا مَاتَ حَتفَ أَنفِهِ أَو قُتِلَ عَلَى هَيئَةٍ غَيرِ مَشرُوعَةٍ، إِمَّا فِي الفَاعِلِ وَإِمَّا فِي المَفعُولِ. أَمَّا فِي الفَاعِلِ بِأَن يَكُونَ الذَّابِحُ أَو المُذَكِّي لَا تَحِلُّ زَكَاتُهُ، أَو المَفعُولِ بِأَن لَم يُذَكَّ تَذكِيَةً شَرعِيَّةً. وَحِينَئِذٍ يَكُونُ حُكمُهُ حُكمَ المَيتَةِ، فَلَا يَطهُرُ جِلدُ المَيتَةِ الَّذِي يَنجُسُ بِمَوتِهَا بِدَبْغٍ لَهُ. وَهَذِهِ مَسأَلَةٌ مِثلَمَا ذَكَرتُ فِي الخِلَافِ فِيهَا قَدِيمٌ وَكَثِيرٌ. وَاستَدَلَّ الحَنَابِلَةُ بِحَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ عُكَيمٍ قَالَ: “أَتَانَا كِتَابُ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَبلَ وَفَاتِهِ بِشَهرٍ أَو شَهرَينِ: أَلَّا تَنتَفِعُوا مِنَ المَيتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ”. رَوَاهُ الخَمسَةُ.
قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: “وَيُبَاحُ استِعمَالُهُ بَعدَهُ”، يَعنِي بَعدَ الدَّبْغِ. وَالدَّبْغُ هُوَ أَن يُفعَلَ بِالجِلدِ مَا يُطَهِّرُهُ وَيُزِيلُ عَنهُ الأَذَى. وَيُبَاحُ استِعمَالُ جِلدِ المَيتَةِ بَعدَ الدَّبْغِ، لَكِن هَل يَطهُرُ؟ لَا يَطهُرُ، وَإِنَّمَا فَقَط يُبَاحُ استِعمَالُهُ. قَالَ: “فِي يَابِسٍ”، يَعنِي لَا يُبَاحُ استِعمَالُهُ فِي رَطبٍ أَو مَائِعٍ، لِمَاذَا؟ لِأَنَّ لَو استَعمَلنَاهُ فِي رَطبٍ أَو مَائِعٍ سَتَتَعَدَّى النَّجَاسَةُ الَّتِي فِي الجِلدِ إِلَى هَذَا الرَّطبِ وَالمَائِعِ.
“إِن كَانَ مِن طَاهِرٍ فِي حَيَاتِهِ”. وَمَا هُوَ الحَيَوَانُ الطَّاهِرُ فِي الحَيَاةِ؟ مَا يُؤكَلُ لَحمُهُ أَو مَا كَانَ فِي حَجمِ الهِرَّةِ وَمَا دُونَهَا خِلقَةً. يَعنِي حَتَّى الهِرَّةُ جِلدُهَا طَاهِرٌ، لَكِنَّهَا غَيرُ مَأكُولَةِ اللَّحمِ، لَا يَجُوزُ. وَمَا كَانَ دُونَهَا فِي الخِلقَةِ، لِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَ أَنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيكُم وَالطَّوَّافَاتِ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ تَنجِيسِهَا لِلأَشيَاءِ لِمَا فِيهِ مِنَ المَشَقَّةِ. أَمَّا إِذَا كَانَ هَذَا الجِلدُ مِن حَيَوَانٍ لَيسَ طَاهِرًا فِي الحَيَاةِ، كَجِلدِ الأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالفِيلِ، فَهَذِهِ الحَيَوَانَاتُ كُلُّهَا لَا يُبَاحُ استِعمَالُهُ.
لَكِن هُنَاكَ أَيضًا قَاعِدَةٌ عِندَنَا: مَا حُكمُ الانتِفَاعِ بِالنَّجَاسَاتِ؟ هَل يَجُوزُ الانتِفَاعُ بِالنَّجَاسَاتِ أَو لَا يَجُوزُ؟ المَذهَبُ أَنَّهُ يُكرَهُ الانتِفَاعُ بِالنَّجَاسَاتِ، فِي غَيرِ طَبعًا الأَكلِ وَالشُّربِ. وَهُنَاكَ مُستَثنَيَاتٌ لِهَذِهِ القَاعِدَةِ، لَعَلَّهَا تَأتِينَا إِن شَاءَ اللهُ فِي أَبوَابٍ أُخرَى. يُستَثنَى مَثَلًا جُلُودُ السِّبَاعِ، يَحرُمُ افتِرَاشُهَا لِلنَّهيِ مَعَ أَنَّهَا نَجِسَةٌ. كَذَلِكَ استَثنَوا -كَمَا سَيَأتِي فِي بَابِ البَيعِ- الأَدهَانَ المُتَنَجِّسَةَ، يَحرُمُ الانتِفَاعُ بِهَا. لَكِنَّ الأَصلَ أَنَّ مُبَاشَرَةَ النَّجَاسَاتِ تُكرَهُ، مَا لَم يُرِدِ الصَّلَاةَ. إِذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيهِ أَن يَبتَعِدَ عَن النَّجَاسَةِ.
قَالَ: “وَكُلُّ أَجزَاءِ المَيْتَةِ وَلَبَنِهَا نَجِسٌ”. كُلُّ أَجزَاءِ المَيتَةِ: اللَّحمُ وَالعَصَبُ وَالشَّحمُ، كُلُّ شَيءٍ فِيهَا نَجِسٌ، وَكَذَلِكَ لَبَنُهَا. غَيرَ نَحْوِ شَعرٍ وَصُوفٍ. الشَّعرُ الَّذِي عَلَى الغَنَمِ فَإِنَّهُ طَاهِرٌ وَإِن كَانَ مِن المَيتَةِ، وَالصُّوفُ الَّذِي يَكُونُ لِلضَّأنِ كَذَلِكَ، وَرِيشُ الطَّائِرِ. فَهَذِهِ لَيسَت نَجِسَةً، هَذِهِ فِي حُكمِ المُنفَصِلِ، فَلَا تَتَنَجَّسُ بِالمَوتِ.
ثُمَّ ذَكَرَ القَاعِدَةَ المَشهُورَةَ: “وَمَا أُبِينَ مِن حَيٍّ كَمَيْتَتِهِ”. مَا أُبِينَ، يَعنِي قُطِعَ وَفُصِلَ مِن حَيٍّ، فَحُكمُ هَذَا المُنفَصِلِ حُكمُ الحَيَوَانِ المَفصُولِ مِنهُ إِذَا كَانَ مَيِّتًا. فَإِذَا كَانَ هَذَا الحَيَوَانُ المَفصُولُ مِنهُ هَذَا اللَّحمُ يَتَنَجَّسُ بِالمَوتِ، فَإِنَّ هَذِهِ القِطعَةَ مِنَ اللَّحمِ نَجِسَةٌ. أَمَّا إِذَا كَانَ هَذَا الحَيَوَانُ الَّذِي قُطِعَت مِنهُ اللَّحمُ لَا يَتَنَجَّسُ بِالمَوتِ، فَإِنَّ هَذِهِ اللُّحمَةَ طَاهِرَةٌ، مِثلَ السَّمَكِ وَالحُوتِ. هَذَا يَعنِي لَو قُطِعَ شَيءٌ مِن الحُوتِ أَو مِن السَّمَكَةِ فَإِنَّ هَذِهِ القِطعَةَ طَاهِرَةٌ. لَكِن لَو قُطِعَ شَيءٌ مِنَ الشَّاةِ مَثَلًا، مَيتَةُ الشَّاةِ نَجِسَةٌ، نَعَم نَجِسَةٌ، فَيَكُونُ حُكمُ هَذِهِ القِطعَةِ أَيضًا نَجِسَةً. وَيُستَثنَى مِن ذَلِكَ خَمسُ صُوَرٍ: أَوَّلًا: الوَلَدُ، إِذَا الشَّاةُ مَثَلًا حَامِلٌ وَمَاتَت، ثُمَّ وُلِدَت، أُخرِجَ مِنهَا وَلَدُهَا، فَإِنَّ هَذَا الوَلَدَ طَاهِرٌ. ثَانِيًا: البَيضَةُ الَّتِي صَلُبَ قِشرُهَا إِذَا كَانَت فِي الدَّجَاجَةِ الَّتِي مَاتَت. ثَالِثًا: الصُّوفُ وَنَحوُهُ، وَهَذَا تَقَدَّمَ. رَابِعًا: المِسكُ وَفَأرَتُهُ، المِسكُ الَّذِي فِي الغَزَالِ وَفَأرَتُهُ الِوِعَاءُ الَّذِي فِيهِ المِسكُ. خَامِسًا: الطَّرِيدَةُ مِنَ الحَيَوَانَاتِ الَّتِي لَا يُقدَرُ عَلَى تَذكِيَتِهَا، فَإِنَّهَا تَكُونُ تَذكِيَتُهَا بِجَرحِهَا فِي أَيِّ مَوضِعٍ كَانَ مِن بَدَنِهَا، فَإِذَا جُرِحَت مَثَلًا وَسَقَطَ مِنهَا شَيءٌ، فَإِنَّ هَذَا السَّاقِطَ يَكُونُ طَاهِرًا. وَلَكِن هَل يُشتَرَطُ أَن تَمُوتَ الطَّرِيدَةُ بَعدَ ذَلِكَ أَو لَا يُشتَرَطُ؟ هَذَا يَأتِينَا إِن شَاءَ اللهُ فِي كِتَابِ الأَطعِمَةِ.
ثُمَّ قَالَ المُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ:
بَابُ الاِستِنجَاءِ.
وَنَذكُرُ ضَوَابِطَ لِهَذَا البَابِ قَبلَ أَن نَدخُلَ فِي شَرحِهِ.
ضَوَابِطُ بَابِ الاِستِنجَاءِ:
أَوَّلًا: لِدُخُولِ الخَلَاءِ وَقَضَاءِ الحَاجَةِ آدَابٌ وَأَفعَالٌ مُستَحَبَّةٌ وَمَكرُوهَةٌ وَمُحَرَّمَةٌ.
ثَانِيًا: وُجُوبُ التَّنَزُّهِ عَن النَّجَاسَاتِ وَالحِرصُ عَلَى ذَلِكَ.
ثَالِثًا: مَشرُوعِيَّةُ الاِستِتَارِ فِي أَثنَاءِ قَضَاءِ الحَاجَةِ، وَغَيرِهَا أَولَى.
رَابِعًا: ضَابِطُ الإِنقَاءِ فِي الاِستِنجَاءِ: عَودُ خُشُونَةِ المَحَلِّ كَمَا كَانَت، وَظَنُّهُ كَافٍ.
خَامِسًا: ضَابِطُ الإِنقَاءِ فِي الِاستِجمَارِ: أَن يَبقَى بَعدَهُ أَثَرٌ لَا يُزِيلُهُ إِلَّا المَاءُ.
سَادِسًا: يَجُوزُ الِاستِجمَارُ وَلَو مَعَ وُجُودِ المَاءِ.
وَالِاستِنجَاءُ فِي اللُّغَةِ مِن نَجَوتُ الشَّجَرَةَ إِذَا قَطَعتَهَا. وَأَمَّا فِي الشَّرعِ فَهُوَ إِزَالَةُ الخَارِجِ مِن السَّبِيلِ بِمَاءٍ أَو حَجَرٍ وَنَحوِهِ. إِزَالَةُ خَارِجٍ مِن سَبِيلٍ بِمَاءٍ أَو حَجَرٍ وَنَحوِهِ. تَقَدَّمَ أَنَّ حُكمَ الِاستِنجَاءِ طَبْعًا بِمَاءٍ هَذَا الِاستِنجَاءُ، وَهُوَ حَجَرٌ هُوَ الِاستِجمَارُ. وَتَقَدَّمَ مَعَنَا أَنَّ الِاستِنجَاءَ وَالِاستِجمَارَ مَتَى يَجِبُ؟ عِندَ إِرَادَةِ الصَّلَاةِ كَمَا قَالَهُ الشَّيخُ مَنصُورٌ فِي الرَّوضِ المُربِعِ.
نَعَم، اِقرَأ يَا شَيخُ. أَحسَنَ اللهُ إِلَيكُم.
قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:
بَابُ الاِستِنجَاءِ:
“يُستَحَبُّ عِندَ دُخُولِ خَلَاءٍ قَولُ: بِسمِ اللهِ، أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ، وَعِندَ خُرُوجِهِ: الحَمدُ للهِ الَّذِي أَذهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي، وَتَقدِيمُ يُسرَى رِجلَيهِ دُخُولًا، وَاِعتِمَادُهُ عَلَيهَا جَالِسًا، وَاليُمنَى خُرُوجًا، عَكسَ مَسجِدٍ وَنَحوِهِ، وَبُعدُهُ فِي فَضَاءٍ، وَاستِتَارُهُ، وَطَلَبُ مَكَانٍ رَخوٍ، وَمَسحُ ذَكَرِهِ بِيُسرَى يَدَيهِ إِذَا فَرَغَ مِن دُبُرِهِ إِلَى رَأسِهِ ثَلَاثًا، وَنَتْرُهُ كَذَلِكَ، وَتَحَوُّلُهُ لِيَستَنجِيَ إِن خَشِيَ تَلَوُّثًا. وَيُكرَهُ دُخُولُهُ بِمَا فِيهِ ذِكرُ اللهِ بِلَا حَاجَةٍ، وَرَفعُ ثَوبِهِ قَبلَ دُنُوِّهِ مِن أَرضٍ، وَكَلَامٌ فِيهِ، وَبَولُهُ فِي نَحْوِ شَقٍّ، وَمَسحُ فَرْجِهِ بِيَمِينِهِ، وَاِستِنجَاؤُهُ بِهَا بِلَا عُذرٍ، وَاستِقبَالُ شَمسٍ أَو قَمَرٍ. وَحُرِّمَ لُبثُهُ فَوقَ حَاجَتِهِ، وَبَوْلُهُ وَتَغَوُّطُهُ بِطَرِيقٍ، أَو ظِلٍّ نَافِعٍ، أَو مَوْرِدِ مَاءٍ، أَو تَحتَ شَجَرٍ عَلَيهَا ثَمَرٌ. وَيَستَجمِرُ ثُمَّ يَستَنجِي، وَيُجزِئُ أَحَدُهُمَا، إِلَّا إِذَا جَاوَزَ الخَارِجُ المُعتَادَ فَيَجِبُ المَاءُ. وَلَا يَصِحُّ اِستِجمَارٌ إِلَّا بِطَاهِرٍ مُبَاحٍ مُنقٍ غَيرِ عَظمٍ وَرَوثٍ وَطَعَامٍ. وَيُشتَرَطُ ثَلَاثُ مَسَحَاتٍ مُنقِيَةٍ تَعُمُّ كُلُّ مَسحَةٍ المَحَلَّ، فَإِن لَم تُنقِ زَادَ. وَيُستَحَبُّ قَطعُهُ عَلَى وِتْرٍ. وَيَجِبُ لِكُلِّ خَارِجٍ غَيرَ رِيحٍ وَطَاهِرٍ وَمَا لَا يُلَوِّثُ. وَلَا يَصِحُّ وُضُوءٌ وَلَا تَيَمُّمٌ قَبلَهُ”.
نَعَم، ذَكَرَ فِي هَذَا البَابِ آدَابًا مُستَحَبَّةً، وَآدَابًا مَكرُوهَةً، وَآدَابًا مُحَرَّمَةً.
أَوَّلُ هَذِهِ المُستَحَبَّاتِ: هَذِهِ آدَابُ دُخُولِ الخَلَاءِ. وَالخَلَاءُ هُوَ المَكَانُ المُعَدُّ لِقَضَاءِ الحَاجَةِ. وَأَيضًا أُلحِقَ بِهِ -كَمَا قَالَ ابنُ فَيْرُوزَ- أَنَّهُ مَا نَوَى الإِنسَانُ أَن يَقضِيَ فِيهِ حَاجَتَهُ، فَإِنَّهُ يَكُونُ خَلَاءً. فَمَتَى مَا أَرَادَ الإِنسَانُ أَن يَقضِيَ حَاجَتَهُ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنَّهُ يَأخُذُ حُكمَ الخَلَاءِ وَلَو كَانَ جَدِيدًا.
يُستَحَبُّ عِندَ، وَالمُرَادُ بِهَا -كَمَا فَسَّرَهَا الشَّيخُ عُثمَانُ، وَوَرَدَت فِي البُخَارِيِّ مُعَلَّقَةً- المُرَادُ بِهَا قَبلَ دُخُولِ الخَلَاءِ، يَعنِي مَكَانَ قَضَاءِ الحَاجَةِ. أَوَّلُ هَذِهِ الآدَابِ قَولُ: بِسمِ اللهِ فَقَط، وَيَقتَصِرُ عَلَى بِسمِ اللهِ وَلَا يَزِيدُ عَلَيهَا، لِحَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ مَرفُوعًا: “سِترُ مَا بَينَ الجِنِّ وَعَورَاتِ بَنِي آدَمَ إِذَا دَخَلَ كَنِيفًا: أَن يَقُولَ: بِسمِ اللهِ”. رَوَاهُ ابنُ مَاجَه. ثُمَّ يَقُولُ بَعدَ ذَلِكَ: “أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الخُبُثِ وَالخَبَائِثِ”. هَذَا يُستَحَبُّ قَولُهُ مَعَ التَّسمِيَةِ. وَالخُبُثُ كَمَا قَالَ العُلَمَاءُ هُوَ الشَّرُّ، وَالخَبَائِثُ هُم الشَّيَاطِينُ. فَيُسَنُّ أَن يَقُولَ قَبلَ أَن يَدخُلَ الخَلَاءَ هَذَا الذِّكرَ. فَإِذَا كَانَ فِي صَحرَاءَ فَيَقُولُهُ قَبلَ أَن يُقَدِّمَ رِجلَهُ اليُسرَى إِلَى المَكَانِ الَّذِي يُرِيدُ أَن يَقضِيَ حَاجَتَهُ.
المُستَحَبُّ الثَّانِي قَالَ: “وَعِندَ خُرُوجِهِ”، وَالمُرَادُ عِندَهُ هُنَا بَعدَ خُرُوجِهِ مِن نَحوِ خَلَاءٍ، أَن يَقُولَ: “الحَمدُ للهِ الَّذِي أَذهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي”. وَالمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ أَسقَطَ كَلِمَةَ “غُفرَانَكَ”، وَهِيَ أَصَحُّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ. فَيُستَحَبُّ أَن يَقُولَ الإِنسَانُ: غُفرَانَكَ، الحَمدُ للهِ الَّذِي أَذهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي.
المُستَحَبُّ الثَّالِثُ قَالَ: “وَتَقدِيمُ يُسرَى رِجلَيهِ دُخُولًا”، يَعنِي فِي حَالَةِ الدُّخُولِ إِلَى نَحوِ الخَلَاءِ يُقَدِّمُ رِجلَهُ اليُسرَى، لِمَا هُوَ مَعرُوفٌ فِي القَاعِدَةِ مِن أَنَّ اليُسرَى لِمَا فِيهِ أَذًى، وَاليُمنَى بِعَكسِ ذَلِكَ.
المُستَحَبُّ الرَّابِعُ قَالَ: “وَاِعتِمَادُهُ عَلَيهَا جَالِسًا”. يُستَحَبُّ لِقَاضِي الحَاجَةِ أَن يَعتَمِدَ عَلَى رِجلِهِ اليُسرَى، يَعنِي يَتَّكِئُ وَيَمِيلُ عَلَى رِجلِهِ اليُسرَى وَيَرفَعُ وَيَنصُبُ القَدَمَ اليُمنَى. وَهَذَا لِحَدِيثِ سُرَاقَةَ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ. وَقَالُوا أَيضًا بِأَنَّهُ أَسهَلُ لِخُرُوجِ الخَارِجِ، وَهَذَا أَثبَتَهُ بَعضُ الأَطِبَّاءِ.
المُستَحَبُّ الخَامِسُ قَالَ: “وَاليُمنَى خُرُوجًا”. يُقَدِّمُ رِجلَهُ اليُمنَى خُرُوجًا، عَكسَ مَسجِدٍ وَنَحوِهِ. فَيُستَحَبُّ أَن يُقَدِّمَ رِجلَهُ اليُمنَى دُخُولًا وَاليُسرَى خُرُوجًا.
المُستَحَبُّ السَّادِسُ قَالَ: “وَبُعدُهُ فِي فَضَاءٍ”. إِذَا أَرَادَ أَن يَقضِيَ حَاجَتَهُ فِي فَضَاءٍ، يَعنِي كَصَحرَاءَ مَثَلًا، فَإِنَّهُ يَبتَعِدُ حَتَّى لَا يُرَى جَسَدُهُ، لَكِن قَيَّدَهُ فِي “غَايَةِ المُنْتَهَى” قَالَ: “مَعَ أَمنٍ”. فَإِذَا ابتَعَدَ فِي مَكَانٍ لَا يَأمَنُ فِيهِ فَإِنَّهُ لَا يُشرَعُ لَهُ أَن يَبتَعِدَ إِلَى هَذَا المَكَانِ.
المُستَحَبُّ السَّابِعُ قَالَ: “وَاستِتَارُهُ”. يُستَحَبُّ أَن يَستَتِرَ أَثنَاءَ قَضَاءِ الحَاجَةِ حَتَّى لَو لَم يَرَهُ أَحَدٌ. وَقَد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: “مَن أَتَى الغَائِطَ فَلْيَستَتِرْ”. رَوَاهُ أَبُو دَاوُودَ. أَمَّا إِذَا كَانَ يَرَاهُ أَحَدٌ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيهِ الِاستِتَارُ.
المُستَحَبُّ الثَّامِنُ قَالَ: “وَطَلَبُ مَكَانٍ رَخوٍ” لِبَولِهِ. وَالرَّخوُ هُوَ اللَّيِّنُ الهَشُّ. وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: “إِذَا بَالَ أَحَدُكُم فَليَرْتَدْ لِبَولِهِ”. رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ وَأَبُو دَاوُودَ. لِذَلِكَ يُستَحَبُّ أَن يَطلُبَ مَكَانًا هَيِّنًا لَيِّنًا هَشًّا حَتَّى لَا يَرتَدَّ إِلَيهِ رَشَاشُ البَولِ. فَحِينَئِذٍ يَجِبُ عَلَيهِ أَن يَغسِلَ بَعدَ أَن يَقضِيَ حَاجَتَهُ. وَنَجَاسَةُ البَولِ كَمَا قَالَ الفُقَهَاءُ أَنَّهُ لَا يُعفَى عَن يَسِيرِهَا وَلَو كَانَت قَدرَ رُؤُوسِ الإِبَرِ. وَقَد قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: “اِستَنزِهُوا مِن البَولِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ القَبرِ مِنهُ”.
الآنَ سَيَذكُرُ الآدَابَ الَّتِي تُستَحَبُّ بَعدَ قَضَاءِ الحَاجَةِ، وَسَيَذكُرُ ثَلَاثَةَ أَشيَاءَ:
الأَوَّلُ: قَالَ: “وَمَسحُ ذَكَرِهِ بِيُسرَى يَدَيهِ إِذَا فَرَغَ”، يَعنِي إِذَا انقَطَعَ البَولُ فَإِنَّهُ يَمسَحُ ذَكَرَهُ بِيَدِهِ اليُسرَى ثَلَاثًا. يَبْدَأُ المَسحَ مِن دُبُرِهِ إِلَى رَأسِ الذَّكَرِ، حَتَّى يَخرُجَ مَا تَبَقَّى مِنَ البَولِ.
الثَّانِيَةُ: قَالَ: “وَنَتْرُهُ كَذَلِكَ”. يُستَحَبُّ نَثرُ الذَّكَرِ، وَالنَّثرُ هُوَ جَذبُ الذَّكَرِ بِعُنفٍ مِن غَيرِ مُبَالَغَةٍ. وَيَدُلُّ عَلَيهِ الحَدِيثُ المَشهُورُ: “إِذَا بَالَ أَحَدُكُم فَليَنْتُرْ ذَكَرَهُ ثَلَاثًا”. رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ. وَهَذَا أَيضًا زِيَادَةٌ فِي الِاستِبرَاءِ.
الثَّالِثُ: قَالَ: “وَتَحَوُّلُهُ لِيَستَنجِيَ إِن خَشِيَ تَلَوُّثًا”. يُستَحَبُّ أَن يَتَحَوَّلَ، يَعنِي يَنتَقِلَ مِن المَكَانِ الَّذِي قَضَى فِيهِ الحَاجَةَ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، إِن خَشِيَ تَلَوُّثًا. فَإِذَا خَشِيَ أَنَّهُ إِذَا استَنجَى فِي المَكَانِ الَّذِي قَضَى فِيهِ الحَاجَةَ أَنَّهُ يَتَنَجَّسُ، فَيُستَحَبُّ لَهُ أَن يَتَحَوَّلَ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ.
ثُمَّ ذَكَرَ الآنَ الآدَابَ المَكرُوهَةَ:
أَوَّلًا: قَالَ: “وَيُكرَهُ دُخُولُهُ بِمَا فِيهِ ذِكرُ اللهِ بِلَا حَاجَةٍ”. وَالأَولَى عِبَارَةُ “مُنتَهَى” “بِمَا فِيهِ اسمُ اللهِ”. قَالَ: “بِلَا حَاجَةٍ”. أَمَّا إِذَا احتَاجَ فَإِنَّهُ لَا يُكرَهُ. كَالنُّقُودِ مَثَلًا مَكتُوبٌ فِيهَا اسمُ اللهِ. فَلَا يُكرَهُ الدُّخُولُ بِهَا؛ لِأَنَّهُ قَد إِذَا وَضَعَهَا الإِنسَانُ فِي الخَارِجِ قَد يَنسَاهَا.
ثَانِيًا: قَالَ: “وَرَفعُ ثَوبِهِ قَبلَ دُنُوِّهِ مِن أَرضٍ”. يَعنِي إِذَا أَرَادَ أَن يَبُولَ قَاعِدًا، يُكرَهُ أَن يَرفَعَ ثَوبَهُ قَبلَ أَن يَدْنُوَ مِنَ الأَرضِ، أَيضًا بِلَا حَاجَةٍ.
ثَالِثًا: قَالَ: “وَكَلَامٌ فِيهِ”. يُكرَهُ الكَلَامُ فِي الخَلَاءِ سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الكَلَامُ مُستَحَبًّا أَو مُبَاحًا أَو مَثَلًا رَدَّ السَّلَامِ. لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيهِ وَهُوَ يَبُولُ فَلَم يَرُدَّ عَلَيهِ السَّلَامَ كَمَا فِي مُسلِمٍ. لَكِن قَيَّدَهَا العُلَمَاءُ بِمَا إِذَا كَانَ عَلَى حَاجَتِهِ.
رَابِعًا: قَالَ: “وَبَولُهُ فِي نَحْوِ شَقٍّ”. وَهُوَ مَا يَتَّخِذُهُ الهَوَامُّ بَيتًا فِي الأَرضِ، لِئَلَّا يَخرُجَ مِنهَا مَا يُؤذِيهِ. وَلِحَدِيثِ عَبدِ اللهِ بنِ سَرجِسَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: “نَهَى رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَن يُبَالَ فِي الجُحرِ”. رَوَاهُ الإِمَامُ أَحمَدُ وَأَبُو دَاوُودَ.
خَامِسًا: قَالَ: “وَمَسحُ فَرْجِهِ بِيَمِينِهِ”. يُكرَهُ أَن يَمسَّ الإِنسَانُ فَرجَهُ -يَعنِي القُبُلَ وَالدُّبُرَ- بِاليَدِ اليُمنَى، سَوَاءٌ فِي حَالِ البَولِ أَو فِي غَيرِ حَالِ البَولِ.
سَادِسًا: قَالَ: “وَاِستِنجَاؤُهُ بِهَا بِلَا عُذرٍ”. يُكرَهُ الِاستِنجَاءُ، يَتَنَظَّفُ بِاليَدِ اليُمنَى، قَالَ: “بِلَا عُذرٍ”. كَمَا إِذَا كَانَت يَدُهُ اليُسرَى مَقطُوعَةً مَثَلًا أَو مَشلُولَةً.
سَابِعًا: قَالَ: “وَاستِقبَالُ شَمسٍ أَو قَمَرٍ”. يُكرَهُ استِقبَالُ شَمسٍ وَقَمَرٍ طَبْعًا بِلَا حَائِلٍ.
ثُمَّ سَيَدخُلُ فِي آدَابِ قَضَاءِ الحَاجَةِ المُحَرَّمَةِ:
قَالَ: “وَحُرِّمَ لُبثُهُ فَوقَ حَاجَتِهِ”. يَعنِي أَن يَبقَى زَمَنًا زَائِدًا عَن حَاجَتِهِ، لَا يَجُوزُ أَن يَبقَى عَلَى حَاجَتِهِ زَمَنًا لَا يَحتَاجُ إِلَيهِ.
قَالَ: “وَبَوْلُهُ وَتَغَوُّطُهُ بِطَرِيقٍ”، وَالتَّغَوُّطُ مِن بَابِ أَولَى، لِقَولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: “اِتَّقُوا اللَّعَّانَينِ”.
أَو “ظِلٍّ نَافِعٍ”. وَكَذَلِكَ كَمَا قَالَ العُلَمَاءُ المُتَشَمَّسُ زَمَنَ الشِّتَاءِ، المَكَانُ الَّذِي يَتَشَمَّسُ، يَعنِي يَجلِسُ فِيهِ النَّاسُ فِي الشَّمسِ زَمَنَ الشِّتَاءِ، يَحرُمُ البَولُ وَالتَّغَوُّطُ فِيهِ.
أَو “مَوْرِدِ مَاءٍ”. المَكَانُ الَّذِي يُغَذِّي النَّاسَ بِالمَاءِ، يَعنِي عَينٌ مَثَلًا تَنبَعُ تُوَزَّعُ المَاءَ عَلَى النَّاسِ، فَهَذَا مَورِدٌ لِلمَاءِ فَيَحْرُمُ البَوْلُ وَالتَّغَوُّطُ فِيهِ.
أَو “تَحتَ شَجَرٍ عَلَيهَا ثَمَرٌ”. وَهَذَا الثَّمَرُ مُقَيَّدٌ بِأَنَّهُ يُقصَدُ. يَحرُمُ البَولُ وَالتَّغَوُّطُ تَحتَ أَشجَارِهَا؛ لِئَلَّا يُقَذِّرَهُ وَيَمنَعَ النَّاسَ مِن الِانتِفَاعِ بِهِ.
ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: “وَيَستَجمِرُ ثُمَّ يَستَنجِي”. هَذَا أَفضَلُ شَيءٍ أَنَّهُ أَوَّلًا يَستَجمِرُ بِالحِجَارَةِ وَنَحوِهَا، ثُمَّ يَستَنجِي بِالمَاءِ. قَالَ: “وَيُجزِئُ أَحَدُهُمَا”، يَعنِي يُجزِئُ الِاستِجمَارُ أَو الِاستِنجَاءُ، وَلَو مَعَ وُجُودِ المَاءِ.
“إِلَّا إِذَا جَاوَزَ الخَارِجُ المُعتَادَ فَيَجِبُ المَاءُ”. إِذَا جَاوَزَ الخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَينِ المَحَلَّ المُعتَادَ، فَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ استِعمَالُ المَاءِ. وَضَابِطُ التَّعَدِّي فِي الدُّبُرِ بِأَن يَنتَشِرَ الخَارِجُ عَلَى شَيءٍ مِن الصَّفحَةِ. وَأَمَّا فِي الذَّكَرِ، فَقَالُوا: أَن يَمتَدَّ إِلَى الحَشَفَةِ امتِدَادًا غَيرَ مُعتَادٍ. فَيَجِبُ المَاءُ لِلمُتَعَدِّي فَقَط، أَمَّا النَّجَاسَةُ الَّتِي لَم تَتَعَدَّ مَكَانَ الحَاجَةِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فِيهَا استِعمَالُ الِاستِجمَارِ بِالحِجَارَةِ وَنَحوِهَا.
ثُمَّ ذَكَرَ شُرُوطَ مَا يُستَجمَرُ بِهِ، قَالَ: “وَلَا يَصِحُّ اِستِجمَارٌ إِلَّا بِطَاهِرٍ”. هَذَا الشَّرطُ الأَوَّلُ، فَلَا يَجُوزُ نَجِسٌ. ثَانِيًا: “مُبَاحٍ”، فَلَا يَجُوزُ الِاستِجمَارُ بِشَيءٍ مُحَرَّمٍ كَالمَغصُوبِ مَثَلًا.
ثَالِثًا: “مُنقٍ”، أَن يُنقِيَ، كَالحَجَرِ وَالخَشَبِ وَالخِرَقِ.
رَابِعًا: “غَيرِ عَظمٍ وَرَوثٍ وَطَعَامٍ”. لَا يَجُوزُ الِاستِجمَارُ بِالعَظمِ، وَلَا بِالرَّوثِ. لِقَولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: “لَا تَستَنجُوا بِالرَّوْثِ وَلَا بِالعِظَامِ، فَإِنَّهُ زَادُ إِخوَانِكُم مِن الجِنِّ”. وَكَذَلِكَ يُنهَى عَن الِاستِجمَارِ بِالطَّعَامِ؛ لِأَنَّهُ طَعَامُ الإِنسِ، فَمِن بَابِ أَولَى. لَو استَجمَرَ بِمَا نُهِيَ عَنهُ، مَا يَكفِي، يَلزَمُهُ أَن يَستَنجِيَ بِالمَاءِ.
قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: “وَيُشتَرَطُ ثَلَاثُ مَسَحَاتٍ مُنقِيَةٍ”. هَذَا الشَّرطُ الأَوَّلُ، لِقَولِ سَلمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ: “نَهَانَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ أَن نَستَنجِيَ بِأَقَلَّ مِن ثَلَاثَةِ أَحجَارٍ”. رَوَاهُ مُسلِمٌ. فَلَا بُدَّ مِن ثَلَاثِ مَسَحَاتٍ، لَا ثَلَاثَةِ أَحجَارٍ.
الشَّرطُ الثَّانِي: أَن تَكُونَ مُنقِيَةً، يَعنِي مُزِيلَةً لِعَينِ الخَارِجِ، حَتَّى لَا يَبقَى أَثَرٌ لَا يُزِيلُهُ إِلَّا المَاءُ.
الشَّرطُ الثَّالِثُ: “تَعُمُّ كُلُّ مَسحَةٍ المَحَلَّ”، يَعنِي مَحَلَّ الخَارِجِ.
“فَإِن لَم تُنقِ زَادَ” وُجُوبًا، حَتَّى يُنقِيَ المَحَلَّ. وَيُستَحَبُّ قَطعُهُ عَلَى وِتْرٍ، هَذَا إِذَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ، يُستَحَبُّ أَن يَقْطَعَهُ عَلَى وِتْرٍ.
“وَيَجِبُ لِكُلِّ خَارِجٍ” مِن السَّبِيلَينِ الِاستِنجَاءُ وَالِاستِجمَارُ، غَيرَ ثَلَاثَةِ مُستَثنَيَاتٍ:
- غَيرَ رِيحٍ، فَلَا يَجِبُ عَلَيهِ أَن يَستَنجِيَ وَلَا يَستَجمِرَ.
- وَطَاهِرٍ، كَالمَنِيِّ وَالوَلَدِ بِلَا دَمٍ.
- وَمَا لَا يُلَوِّثُ.
وَخَتَمَ البَابَ بِقَولِهِ: “وَلَا يَصِحُّ وُضُوءٌ وَلَا تَيَمُّمٌ قَبلَهُ”. لِقَولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ المِقدَادِ: “يَغسِلُ ذَكَرَهُ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ”. فَأَتَى بِثُمَّ المُفِيدَةِ لِلتَّرتِيبِ.
قَالَ رَحِمَهُ اللهُ: بَابُ السِّوَاكِ.
بَعدَ انتِهَاءِ المُؤَلِّفِ مِن وُجُوبِ تَطهِيرِ البَدَنِ مِن النَّجَاسَاتِ، تَكَلَّمَ عَن تَطهِيرِ البَدَنِ مِنَ الأَوسَاخِ وَالأَقذَارِ الَّتِي تَنفِرُ مِنهَا النُّفُوسُ. ثُمَّ سَيَتَكَلَّمُ عَن تَجمِيلِ البَدَنِ بِالطِّيبِ وَالِاكتِحَالِ وَالصَّبغِ بِغَيرِ السَّوَادِ.
ضَوَابِطُ هَذَا البَابِ:
أَوَّلًا: السِّوَاكُ مَسنُونٌ عَلَى الأَسنَانِ وَاللِّسَانِ وَاللِّثَةِ (بِالتَّخفِيفِ) كُلَّ وَقتٍ، لِغَيرِ الصَّائِمِ.
ثَانِيًا: يَتَأَكَّدُ استِعمَالُ السِّوَاكِ فِي عَشَرَةِ مَوَاطِنَ.
ثَالِثًا: يَجِبُ خِتَانُ الذَّكَرِ وَالأُنثَى.
رَابِعًا: يُستَحَبُّ الاِستِحدَادُ، وَحَفُّ الشَّارِبِ، وَتَقلِيمُ الأَظفَارِ، وَنَتفُ الإِبطِ، كُلَّ أُسبُوعٍ.
خَامِسًا: يَحرُمُ مِنَ الزِّينَةِ النَّمْصُ وَالوَشْرُ وَالوَشْمُ.
ثُمَّ ابتَدَأَ المُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ بِالبَابِ بِقَولِهِ: “يُسَنُّ التَّسَوُّكُ”. وَالتَّسَوُّكُ كَمَا قَالَ الشَّيخُ مَنصُورٌ فِي “كَشَّافِ القِنَاعِ”: التَّسَوُّكُ شَرعًا هُوَ استِعمَالُ عُودٍ فِي الأَسنَانِ لِإِذهَابِ التَّغَيُّرِ وَنَحوِهِ. وَكَمَا ذَكَرتُ لَكُم أَنَّ السِّوَاكَ لَيسَ عَلَى الأَسنَانِ فَقَط، وَإِنَّمَا عَلَى أَيضًا اللِّسَانِ وَاللِّثَةِ. فَيُستَحَبُّ السِّوَاكُ وَاستِعمَالُ السِّوَاكِ فِي هَذِهِ المَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ. وَالأَصلُ أَنَّ التَّسَوُّكَ يُسَنُّ كُلَّ وَقتٍ، إِلَّا لِلصَّائِمِ بَعدَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ مَكرُوهٌ.
وَقَالَ رَحِمَهُ اللهُ: “عَرْضًا”. المُرَادُ التَّسَوُّكُ بِالنِّسبَةِ لِلأَسنَانِ يَكُونُ بِالعَرْضِ، وَلَيسَ هَكَذَا كَمَا يَقُولُ بَعضُ الأَطِبَّاءِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عَرْضًا. وَيَبْدَأُ التَّسَوُّكُ مِن الثَّنَايَا، ثُمَّ الجِهَةِ اليُمنَى، ثُمَّ يَعُودُ مِن الثَّنَايَا وَيَذهَبُ إِلَى الجِهَةِ اليُسرَى.
“بِيُسرَاهُ”. يَكُونُ أَيضًا التَّسَوُّكُ بِاليَدِ اليُسرَى؛ لِأَنَّ التَّسَوُّكَ فِي الحَقِيقَةِ هُوَ إِزَالَةُ أَذًى.
“بِعُودٍ لَيِّنٍ مِن نَحوِ أَرَاكٍ”. يُستَحَبُّ أَن يَستَاكَ بِعُودٍ لَيِّنٍ، كَمَا قَالَ الفُقَهَاءُ، إِمَّا يَابِسٍ وَإِمَّا رَطبٍ. وَأَفضَلُ مَا يُتَسَوَّكُ بِهِ هُوَ عُودُ الأَرَاكِ. وَيُلحَقُ بِهِ مَا مِثلُهُ، ذَكَرُوا العُرجُونَ وَالزَّيتُونَ. يُشتَرَطُ حَتَّى يُسَنَّ السِّوَاكُ بِالأَرَاكِ وَنَحوِهِ بِأَن يَكُونَ مُنقِيًا وَلَا يَجرَحُ وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَتَفَتَّتُ. وَيُكرَهُ بِمَا يَجرَحُ أَو يَضُرُّ أَو يَتَفَتَّتُ.
لَعَلَّنَا نَتَوَقَّفُ إِلَى هُنَا. وَاللهُ تَعَالَى أَعلَمُ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحبِهِ وَسَلَّمَ.