الدرس 3 من شرح كتاب التوحيد (1444هـ) – عبيد البيضاني

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

أما بعد: فقد أتممنا الكلام على قول الله جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾.

ووقفنا عند قوله جل وعلا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، إلى آخره.

قال رحمه الله تعالى وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.

قوله “وقضى” يعني: أمر، ووصَّى، وألزم. والقضاء هنا قضاء شرعي، لأن القضاء ينقسم إلى قسمين: قضاء كوني وقضاء شرعي.

القضاء الكوني: الذي لا بد من وقوعه، كقوله جل وعلا: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾. هذا قضاء كوني.

القضاء الشرعي: وهو الأمر والوصية والإلزام. وهو هنا قضاء شرعي، يأمرهم ويوصيهم ويُلزمهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، لكن قد يحصل هذا وقد لا يحصل. فالأمر الشرعي ممكن أن يقع وممكن أن لا يقع. وهنا يأمر الله عز وجل ويُلزم ويوصي بأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا.

فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾. وذكر الربوبية ولم يقل: “وقضى الله”، إشارة إلى أنها ربوبية رحمة وإحسان؛ كي يستشعر الإنسان هذه الربوبية العظيمة. فكما أن رزقنا وإيجادنا من الله عز وجل، وقيامنا، وتقلبنا في صحة وعافية وأولاد وعيش في هذه الحياة، وأيضًا رحمة وجنة في الآخرة، فهي ربوبية تخيَّر.

قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. هنا كما سبق لنا أن “أن” هنا تفسيرية، فسرت هذا القضاء. القضاء الذي قضاه ربنا جل وعلا: ألا نعبده ولا نشرك به شيئًا.

قال: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. هذا نفي وإثبات، وهو حصر للعبادة لله جل وعلا. “لا تعبدوا إلا إياه”، وهذا هو التوحيد الذي أمر الله عز وجل به، المتضمن النفي والإثبات: نفي العبادة عما سوى الله جل وعلا، وإثبات العبادة لله سبحانه وتعالى.

ثم قال جل وعلا: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ (بقية الآية). قوله: ﴿إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا﴾… إلخ، نحن نريد أن نتكلم عما يتعلق بالآيات في التوحيد، فالشاهد من الآية: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾. أما ما يتعلق بالوالدين إحسانًا إلى آخره، فهذا لا نتكلم عليه هنا حتى نكتفي بالكلام على التوحيد.

وقال الشيخ رحمه الله تعالى وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. لا يزال الشيخ يسرد الآيات ويستدل بها على توحيد الله جل وعلا.

قال وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. أيضًا هذه أمر بعبادة الله جل وعلا، ولا تشركوا به غيره. وقد سبق تعريف العبادة: هي الذل والخضوع والمحبة والانقياد لله جل وعلا، ويشمل اسمًا جامعًا لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. لكن هنا أيضًا أخص العبادة وهو التوحيد وإخلاص العمل لله جل وعلا.

فقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. فهذه الآية فيها أمر بالتوحيد ونهي عن الشرك بأنواعه. تنهى عن الشرك الأكبر، وتنهى عن الشرك الأصغر. وقد مر معنا أن أي دليل للشرك الأكبر، يُنص به على الشرك الأصغر. فلو رأيت إنسانًا مثلًا يحلف بغير الله، تأتي إليه وتقول له: هذا شرك. ما هو الدليل؟ قل له: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. فبدليل الشرك الأكبر نستدل على الشرك الأصغر.

وهذه الآية عامة تشمل النهي عن الشرك الأكبر والشرك الأصغر، والدليل على عمومها أن فيها عمومًا. وهذا من أقوى العموم أن يكون في الأمر أو النهي أن يكون فيه عموم.

قال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. عندنا الآن عمومان:

العموم الأول: المصدر. المصدر مستكن ومختفٍ في الفعل المضارع. قوله: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا﴾ هذا فعل مضارع، لكنه متضمن لمصدر: “واعبدوا الله لا إشراكًا به”. إذًا العموم الأول: المصدر المستكن في الفعل المضارع.

العموم الثاني: النكرة. قوله “شيئًا”. النكرة أتت في سياق النهي: ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. وهذا يدل على العموم، على النهي عن الإشراك بالله شركًا أكبر وعن الإشراك بالله شركًا أصغر. فتضمنت هذه الآية نفي العبادة لغير الله عز وجل، وإثبات العبادة لله جل وعلا.

فقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾.

ثم قال رحمه الله تعالى: وقوله ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾.

 

قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم. قول الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: “قل يا محمد: تعالوا”. الأمر خطير، هذا يتعلق بتوحيد الله جل وعلا والنهي عن الإشراك به، فأقبلوا إليه بقلوبكم وأبصاركم وأسماعكم. ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ﴾: أقرأ وأقص عليكم ما حرمه. وهذه ما تسمى بـ “الوصايا العشر” في سورة الأنعام.

ولكن الشاهد منها أولها، شاهد منها قوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. فقال: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾.

إذًا ما الذي سيتلوه هنا عليهم؟ “أن” هنا تفسيرية، فسرت الشيء الذي يريد عليه الصلاة والسلام أن يتلوه عليهم. قال: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾. وفيه تحريم الكفر والشرك، وفيه تحريم لما دون ذلك وهو ما سيُذكر بعده. لكن الذي يهمنا في هذا الكتاب هو أول هذه الوصايا، قال: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾.

وأيضًا هنا الآية تنهى عن الشرك الأكبر وعن الشرك الأصغر، تنهى عن الشرك بأنواعه، لماذا؟ لأن فيها عمومًا:

العموم الأول: المصدر المختفي والمستكن في الفعل المضارع: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ يعني “لا إشراكًا به”.

وعندنا الآن النكرة “شيئًا” في سياق النهي، فإنه يدل على العموم، على النهي عن الإشراك بالله جل وعلا بأنواعه: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. سواء شرك أكبر أو شرك أصغر أو شرك خفي وهو يسير الرياء، كل هذا يجب على المسلم أن يبتعد عنه.

فإن وقع بشيء منه، فعلى التفصيل السابق:

الشرك الأكبر مُخرج من الملة، صاحبه مخلد في النار (نعوذ بالله).

الشرك الأصغر وهو أكبر من الكبائر، وصاحبه على خطر عظيم.

عافانا الله وإياكم من الشرك بأنواعه ومخالفة أمر ربنا جل وعلا.

﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. ثم قال: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ﴾ إلى آخر الآية، الذي يهمنا في هذا الكتاب هو قوله: ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾.

أثر ابن مسعود وحديث معاذ

ثم ذكر المصنف أثر ابن مسعود رضي الله عنه في هذه الوصية العظيمة، ثم قال: قال ابن مسعود: “من أراد أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم التي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾”.

“من أراد أن ينظر”: أراد أن يرى بعين العين الباصرة وبعين البصيرة، أن ينظر إلى هذه الوصية ببصره ويقرأها ويشهدها، وأيضًا ببصيرته يعي حقيقة ما فيها ويفهمها.

“وصية محمد”: وصية، لماذا وصية؟ لأن الوصية هي العهد بالشيء والإلزام به، فإذا أردت أن توصي شخصًا بوصية مهمة عظيمة، فإنك تعهد إليه بها وتلزمه. فالوصية عهد من الله عز وجل إلينا وإلزام لنا بها.

“التي عليها خاتمه”: يعني كاملة هذه الوصية. لماذا قُصد منها هذا الشيء؟ لأن الشيء إذا خُتم، معناه لا يُزاد فيه، مثل الخطاب إذا كُتب الآن وانتهى من الخطاب يُختم في آخره بشعار، بأن الخطاب اكتمل وأيضًا أنه لا يمكن لأحد أن يزيد من هذا الخطاب أو يُنقص. فهذه الوصية خُتمت لكمالها ولعدم اعتداء أحد عليها بزيادة أو نقص، فهي مختومة كاملة، لا نقص فيها بوجه من الوجوه، ولا يستطيع أحد أن يُجدد هذه الوصية أو يُحرف أو يُنقص. فعلينا أن نقرأ هذه الوصية وأن نعيها حقيقة. ولهذا قال: “التي عليها خاتمه”، هذه الوصايا العشر في سورة الأنعام.

قال: “فليقرأ قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾”. وسبق الذي حرم ربنا علينا هذه العشر، لكن تحريمها لم يكن متساويًا، فهذا تحريمه تحريم كفر ومحرم شرعًا، وهذا تحريمه تحريم كبيرة ومعصية. فهي كلها محرمة ويجب الابتعاد عن مخالفتها، لكن أولها الابتعاد عن الشرك بالله جل وعلا، سواء الشرك الأكبر أو الشرك الأصغر لوجود العمومية في هذه الآية: المصدر والنكرة “شيئًا”. ويجب على المسلم أن يبتعد عن الشرك الأكبر وعن الشرك الأصغر. وأن هذا هو حق الله عز وجل على العبيد. وقد كافأهم جل وعلا، كما سيأتي، كافأهم إن حققوا هذا، فإن الله يُدخلهم الجنة.

ثم ذكر رحمه الله تعالى حديث معاذ. والشيخ رحمه الله بدأ استدلاله بآيات من القرآن، فلما انتهت الآيات شرع في السنة، فإذا فرغ من السنة شرع في الآثار إذا كان هناك آثار للسلف، ثم يختم بابه، كطريقة البخاري، يبدأ في الاستدلال بالآيات ثم السنة ثم الآثار وهكذا.

قال: وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه. معاذ بن جبل رضي الله عنه أعلم أمتي بالحلال والحرام، بعثه النبي صلى الله عليه وسلم قاضيًا ومُعلمًا إلى اليمن رضي الله عنه، وتوفي في السنة الثامنة، سنة عشر من الهجرة، وهو من كبار الصحابة ومن علمائهم.

 

“وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار”. والرديف هو من يُحمل خلف الراكب على ظهر الدابة. فمعاذ بن جبل كان راكبًا خلف النبي صلى الله عليه وسلم على الحمار. وقوله: “كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم” هذا تحديث منه عن وصف الحدث وقربه منه، وأنه ملاصق وملازم له. فكونه رديف النبي صلى الله عليه وسلم معناه أنه يعي ما يقول ويسمع ما يقول لقربه منه وملاصقته له. وقد ورد في الصحيحين تسمية هذا الحمار بـ “عُفير”.

“فقال لي: يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: حق الله على العباد…” إلى آخره.

والشيخ رحمه الله اختصر الحديث. الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: “يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد”، سار ثم سار ثم نادى، هو شعله، كل هذا لأهمية الأمر، لكن الشيخ هنا أراد أن يأتي بالشاهد المتعلق بكتاب التوحيد.

فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم – قال معاذ -: “يا معاذ”. ناداه والمناداة لأجل أن يتهيأ لمعرفة ما يُقال. فقال: “يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟” وهنا نداء، والشخص إذا نودي ثم وُجه إليه السؤال قبل الجواب، فإن هذا من أعظم دواعي الانتباه والاجتهاد والتهيئة لما يقال وللإجابة على ما يُطرح عليه من السؤال. أولًا نادى، ثم قال: “أتدري ما حق الله على العباد؟” يعني أعطاه السؤال قبل الجواب ليكون متهيئًا.

“ما حق الله على العباد”: يعني ما هو الحق الذي أوجبه الله على عباده؟ والمراد بالحق هنا الذي أوجبه: أعظم الحقوق. فالله عز وجل أوجب على عباده حقوقًا كثيرة، لكن قوله: “ما حق الله” أضاف الحق إلى الله، فهذا أعظم الحقوق. وإلا هناك حقوق أخرى أوجبها الله على عباده، وإنما المراد بالحق هنا أعظم الحقوق. فقوله: “أتدري ما حق الله على العباد” يعني: ما هو أعظم الحقوق التي أوجبها الله على عباده؟ وإذا كان التوحيد أعظم الحقوق، يليق بعاقل أن يخدشه أو يلوثه؟ لا يليق بعاقل عالم بحق التوحيد وعظمة التوحيد، وما يكفّر من الذنوب، وأنه لا يُخلد في النار، وقد يُغفر له ويُرى خروجه من أول وهلة. أن يشرك عاقل بتوحيد ربه جل وعلا وهو يعلم أنه أعظم الحقوق التي أوجبها الله عليه. الحق الذي أوجبه الله عز وجل على العبيد الذين كلفهم الله عز وجل.

“وما حق العباد على الله؟” وهل تعلم أتدري ما حق العباد على الله عز وجل؟ هذا العباد لهم حق على الله. يقول بعض العلماء هنا: إن الحق هذا أوجبه الله على نفسه. فالله يُوجب على نفسه ما يشاء ويُحرم على نفسه ما يشاء، فأوجب هنا مكافأتهم على التوحيد، كما حرم على نفسه وجعله محرمًا: ﴿حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي﴾.

ومن العلماء من قال: إن المراد بقوله: “وما حق العباد على الله” يعني: الحق الذي تفضل الله به، تفضل لهم بحق عليه إذا قاموا بالتوحيد، وهو أن لا يُعذبهم، كما سيأتي.

قال: “قلت: الله ورسوله أعلم”. الإسناد للسؤال عظيم، والجواب عظيم، فأرجعه إلى الله وإلى رسوله، ليتهيأ معاذ لأخذ الجواب والاستعداد لهذا الأمر العظيم. وتأتي التكملة. صلى الله وسلم على نبينا محمد.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *