بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. أما بعد،
لما انتهى المؤلف -رحمه الله- من الوضوء وصفة الوضوء، تكلَّم عن المسح على الخفين. وللمسح على الخفين شروط، لكن نذكر بعض الضوابط لهذا الفصل:
- أولًا: يصح المسح على ما يَستر القدم كخف ونحوه، وعلى ما يَستر الرأس كالعمامة والخمار، وعلى الجبيرة.
- ثانيًا (الضابط الثاني): مدة المسح مُؤقتة في غير الجبيرة بيوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر.
- ثالثًا (الضابط الثالث): يُشترط للمسح على الحوائل الطهارة بالماء. فإذا كانت الطهارة بالتيمم، فإنه لا يصح المسح على الحوائل. يعني لو تيمم ثم لبس خفيه، ثم توضأ بعد ذلك ووجد الماء وتوضأ، فإنه لا يصح المسح على الخفين؛ لأنه لبسهما على طهارة بالتراب. والشرط عندنا أنه لا بد أن تكون الطهارة التي لُبِس فيها الحائل بالماء. هذه ضوابط ثلاثة لهذا الباب.
الخفان طبعًا هما ما يُلبسان على الرجل من الجلد، ويُلحق بهما الجوارب، وهو ما يُلبس أيضًا على الرجل من غير الجلد، كالشرابات في هذا العصر. وللمسح على الخف وكذلك الجوارب عدة شروط.
قال المؤلف -رحمه الله-: “يصح المسح على خف”. هذا أول الحوائل التي يصح المسح عليها، ويدل عليه حديث المغيرة وحديث جرير: “رأيت النبي صلى الله عليه وسلم قال: ثم توضأ ومسح الخفين”، وأحاديث أخرى كثيرة قد بلغت تقريبًا حد التواتر.
“ونحوه”: نحو الخف -أي مثله- هو ما يُلبس على القدم من غير الجلد، سواء كان من القماش كما هو في الشرابات اليوم، أو من خشب، أو من حديد، أو من أي شيء، لكن بشروط ستأتي إن شاء الله.
قال رحمه الله: “ومباح”: هذا الشرط الأول لشروط المسح على الخفين. المؤلف ذكر بعضها فقط.
- الشرط الأول: أن يكون الخف ونحوه مباحًا. فلا يصح المسح على غير المباح كالمغصوب والمسروق؛ لأن المسح رخصة، والرخص لا تُستباح بها المعاصي.
- الشرط الثاني: قال: “ساتر لفرض”، يعني ساتر لمحل الفرض. ومحل الفرض في الجورب هو كل القدم مع الكعبين. ويُشترط حتى يجوز المسح على الخفين أن يكون ساترًا لكل القدم.
- الشرط الثالث: قال: “يثبت بنفسه”. يُشترط -حتى يصح المسح على الخف أو الجورب- أن يثبت بنفسه. يعني إذا مشى به الإنسان لا يسقط، بل هو ثابت يشد نفسه بنفسه. كذلك يجوز المسح على الخفين إذا ثبت الخفان أو الجوربان بالنعلين. لكنه يمسح على النعلين مع الجورب، ولا يُصلي إلا بالنعلين. فإذا خلع النعلين بطل وضوؤه.
- الشرط الرابع (إمكان المشي فيه): يُشترط أن يمكن متابعة المشي فيه. فإذا لم يمكن متابعة المشي فيه -ومثاله الجزمة التي تحتها عجلات- فإنه لا يصح المسح عليه.
- الشرط الخامس (طهارة عينه): ألا يكون مصنوعًا من جلد نجس. ويُشترط أن يكون طاهر العين. لكن لو كان طاهر العين متنجسًا، يصح المسح عليه، لكن لا يُصلَّى به حتى تُغسل النجاسة.
- الشرط السادس (ألا يصف القدم): ألا يَشِفَّ لون البشرة. يعني لو كان ساترًا لمحل الفرض، لكنه شفاف خفيف، فإنه لا يصح المسح عليه.
الحائل الثاني: العمامة.
قال: “وعلى عمامة محنكة”. يُشترط للمسح على العمامة ثلاثة شروط، ودليلها حديث عمرو بن أمية: “رأيته مسح على عمامته وخفيه”.
- الشرط الأول: قال المؤلف: “مُحَنَّكة” (التي دار طرف منها تحت الحنك)، أو “ذات ذؤابة” (إذا لم تُحَنَّك، يُشترط أن يكون لها ذؤابة -ذيل- يرخى).
- الشرط الثاني: قال: “ساترة للمعتاد” ستره من الرأس. ومما لا يُعتاد ستره: مقدم الرأس والأذنان وجوانب الرأس من الخلف.
- الشرط الثالث: قال: “لرجل”. فلا يصح المسح على العمامة التي تلبسها امرأة؛ لما فيه من تشبُّه بالرجال المحرَّم.
- الشرط الرابع (الذي لم يذكره المؤلف): أن تكون مباحة.
الحائل الثالث: خُمُر النساء.
والخمار هو ثوب تغطي به المرأة رأسها. ويُشترط لجواز المسح عليه قال: “مدارة تحت حلوقهنَّ”. يعني لا بد أن تكون مُدارة تستر الحلق والرأس كله وجوانب الرأس. وهذا يدل عليه حديث أم سلمة أنها كانت تمسح على خمارها.
قال: “في حدث أصغر”: وهذا شرط لكل ما تقدم (الخف ونحوه، والعمامة، والخمار). ويُفهم من ذلك أنه لا يُمسح عليها في الحدث الأكبر، إلا حائلًا واحدًا يجوز المسح عليه ولو في الحدث الأكبر، وهو الجبيرة.
مدة المسح:
قال: “يومًا وليلة لمقيم”: المراد بها أربع وعشرون ساعة. وهذا التوقيت لكل ما تقدم. ويسري على المقيم، وكذلك العاصي بسفره، ومن سافر سفرًا مكروهًا؛ فإنه لا يترخَّص برخص السفر (كالجمع والقصر والمسح ثلاثة أيام)؛ لأن السفر المكروه ليس محلًا للرخصة.
“وثلاثة بلياليهنَّ بسفر قصر”: يعني سفر تُقصر فيه الصلاة، وهو السفر المباح أو المستحب أو الواجب فقط.
مسألة: متى تبدأ مدة المسح؟
- المشهور في المذهب وجمهور العلماء: تبدأ المدة من الحدث بعد اللبس.
- القول الثاني (الذي يختاره ابن عثيمين): تبدأ من أول مسح بعد الحدث.
مسألة: المسح للمقيم والمسافر:
قال: “ومن مسح في سفر ثم أقام، أو عكسه فمسح مقيم”. يُتمُّ مسح مقيم تغليبًا للحَضَر.
ويُستثنى: لو أحدث في البلد ثم سافر ومسح في السفر، هنا يتم مسح مسافر.
الحائل الرابع: الجبيرة.
المسح عليها عزيمة وليس رخصة. وهي أخشاب ونحوها تُربط على كسر أو نحوه حتى يبرأ.
يُشترط لجواز المسح على الجبيرة شرطان:
- الشرط الأول: قال: “لم تتجاوز قدر حاجة”.
- الشرط الثاني (على المذهب): أن يلبسها على طهارة. والقول الثاني أنه لا يُشترط.
قال: “ولو في أكبر”: تتميز الجبيرة أنه يجوز المسح عليها ولو في الحدث الأكبر، لحديث صاحب الشَّجَّة.
قال: “إلى حَلِّهَا”: مدتها مفتوحة إلى نزعها أو إلى أن يبرأ ما تحتها؛ فإذا برئ ما تحتها، فلا يصح المسح عليها.
قال رحمه الله: “إذا لبس الكل بعد كمال طهارة بماء”.
هذا شرط للحوائل الأربعة. فلا يصح المسح إذا لُبس الحائل على طهارة غير كاملة (مثل أن يغسل رجله اليمنى ويلبس الخف، ثم يغسل اليسرى). ولا بد أن تكون الطهارة بالماء لا بالتيمم.
صفة المسح:
قال: “فيمسح ظاهر العمامة”: أي يمسح دوائرها فقط، ويُسن مسح ما جرت العادة بكشفه من الرأس والأذنين.
“وظاهر قدم وخف من أصابعه إلى ساقه”: يمسح أعلى القدم، ويُسن مسحهما معًا لحديث المغيرة.
“دون أسفله وعقبه”: فلا يُجزئ مسحهما.
صفة مسح الجبيرة: يُمسح جميعها، بشرط ألا تتجاوز قدر الحاجة، وأن تُلبس على طهارة.
صفة مسح خُمُر النساء: تُمَسح جميع أعلى الرأس كله.
مبطلات المسح:
قال: “ومتى ظهر بعض محل فرض بعد حدث”: سواء في القدم أو الرأس، فإنه ينتقض الوضوء، ويجب عليه أن يستأنف الطهارة.
“أو تمت مدته”: إذا تمت مدة المسح للمقيم أو المسافر، فإنه يستأنف الطهارة، ما عدا الجبيرة فليس لها مدة.
المبطل الثالث: زوال الجبيرة أو بُرء ما تحتها.
باب نواقض الوضوء
نواقض الوضوء هي مُفْسِدَاتُهُ، وهي ثمانية كما سيذكرها المؤلف.
- الناقض الأول: الخارج من السبيل. كل ما يخرج من السبيلين (القبل والدبر) فإنه ينقض الوضوء، سواء كان طاهرًا أو نجسًا، قليلًا أو كثيرًا؛ لقوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ}.
- الناقض الثاني: الخارج من باقي البدن. وفيه تفصيل:
- إن كان الخارج بولًا أو غائطًا (من غير السبيلين): ينقض مطلقًا.
- إن كان الخارج غير البول والغائط: لا ينقض إلا إذا كان كثيرًا نَجِسًا، كقيء ودم. وحد الكثير: ما فَحُشَ في نفس كل أحد بحَسَبِه، ومرجعه إلى العُرف.
- الناقض الثالث: زوال عقل. والمراد به زوال التمييز، سواء تمامًا بالجنون، أو تغطية عليه بالنوم أو الإغماء أو السُّكر.
- قال: “ولو بنوم”. لحديث: “العين وِكَاء السَّهِ، فإذا نامت العينان استطلق الوِكَاء، فمن نام فليتوضأ”.
- يُستثنى: النوم اليسير من قاعد أو قائم غير مستند ونحوه (كالمُتَّكئ والمُحْتَبِي) لا ينقض الوضوء.
- ضابط الكثير: إذا رأى رؤيا في نومه، فهو كثير، ولو كان زمنه قليلًا.
- الناقض الرابع: مس فرج بيد.
- يُشترط للنقض: أن يكون الفرج مُتَّصِلًا أصليًا من آدمي، وأن يكون المس باليد بلا حائل.
- قال: “أو الذكر بفرج غيره”. مس الذَّكَر بفرج غير الذَّكَر ينقض الوضوء.
- الناقض الخامس: لمس ذكر أو أنثى الآخر لشهوة.
- يُشترط للنقض: أن يكون بشهوة، وبلا حائل، وأن يكون الملموس أكثر من سبع سنوات.
- لا ينقض: مس الشَّعر أو الظُّفر أو السِّنّ (لأنها في حكم المنفصل)، ولا مس الأَمْرَد.
- الممسوس فرجه أو بدنه لا ينتقض وضوؤه، ولو وجد شهوة، إنما ينتقض وضوء اللامس.
- الناقض السادس: غُسل ميت. النقض هنا تعبُّدي. الغاسل هو الذي يُقلِّب الميت أو يُباشر تغسيله ولو مرة واحدة.
- الناقض السابع: أكل لحم إبل خاصة. النقض هنا تعبُّدي، وهو خاص باللحم فقط، دون الكبد والمَرَق ونحوهما.
- الناقض الثامن: كل ما أوجب غُسلًا سوى موت. كل ما أوجب الغُسل فإنه ينقض الوضوء.
- الثمرة: يجب على من وجب عليه الغسل أن ينوي رفع الحدث الأصغر مع الحدث الأكبر.
- سوى موت: الموت يوجب الغُسل على المسلمين، وتوضئة الميت مُستحب لا واجب.
- (الناقض التاسع الذي يذكره بعضهم): الردة؛ لقوله تعالى: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ}.
قاعدة اليقين لا يزول بالشك:
قال: “ومن تيقن طهارة أو شك في حدث، أو عكسه، بنى على يقينه”. فمن تيقن الطهارة وشك في الحدث، بنى على الطهارة، ومن تيقن الحدث وشك في الطهارة، بنى على الحدث.
ما يحرم بالحدث:
قال: “ويحرم بحدث صلاة وطواف ومس مصحف وبعضه بلا حائل”.
- صلاة.
- طواف: لأنه في حكم الصلاة.
- مس مصحف وبعضه بلا حائل: لقوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}. أحكام متفرقة:
- “وله حَمْلُهُ بلا مسٍّ”: يجوز للمحدث أن يحمل المصحف بلا مسٍّ.
- “وتصفحه بكُمِّهِ وبعُود”: يجوز للمحدث أن يقلب أوراقه بكُمِّهِ أو بعود.
- استثناء: يجوز للولي أن يُمَكِّن الصغير من مس اللوح الذي فيه قرآن، لكن من المحل الخالي من القرآن.
نكتفي بهذا القدر، والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.