بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
توقفنا في الدرس السابق عند قول المؤلف رحمه الله: “وإن نواه صلى كل وقته فروضًا ونوافلاً”.
أحكام مُتعلّقة بِنِيَّة التيمم
(الشرح): يعني لو نوى بتيممه الفرض (استباحة فرض)، فإنه يصلي كل وقته (يعني في وقت ذلك الفرض الذي نوى استباحته) فروضًا ونوافلاً.
إذا نوى الفرض، فقد شَمِلَ ما هو أخف شأنًا منه وهي النوافل، ولذلك إذا نوى الفرض، استباح الفرض وما دونه. والقاعدة في النية هنا:
“من نوى شيئًا، استباحه ومثله ودونه، لا ما فوقه”.
🛑 مُبْطِلات التيمم
قال رحمه الله: “ويَبْطُلُ تيممُه”.
التيمم يبطل مطلقًا بعدة أشياء:
1. خروج الوقت
“بخروج وقت”.
(الشرح): والمراد خروج وقت الذي تيمم فيه، كما قال في “الغاية”: “خروج وقت تيمم فيه”. فإذا تيمم مثلاً للظهر، فخرج وقت الظهر، فإنه يبطل تيممه. كذلك لو تيمم في وقت العصر لقراءة القرآن، فإن تيممه يبطل بخروج وقت العصر (بأذان المغرب).
وكما قال الشارح هنا: يبطل التيمم أيضًا بدخول الوقت (إذا كان التيمم لجمع الصلاتين مثلاً).
ويستثني العلماء مسألتين لا يبطل فيهما التيمم ولو خرج الوقت:
- المسألة الأولى: إذا كان في صلاة الجمعة وخرج الوقت (أي دخل وقت العصر أثناء صلاة الجمعة)، فإن تيممه لا يبطل.
- المسألة الثانية: إذا تيمم في وقت الأولى ناوياً جمع التأخير في وقت الثانية. فإذا خرج وقت الأولى التي تيمم فيها ناوياً جمعها مع الصلاة الثانية، فإن تيممه لا يبطل بخروج وقت الأولى.
2. مُبْطِلُ ما تيمم له
“ومُبْطِلِ ما تيمم له”.
(الشرح): أي أن مبطل التيمم هو مبطل الشيء الذي تيمم لأجله:
- إن كان تيممه عن حدث أصغر، فمبطلات التيمم هي نواقض الوضوء.
- وإن كان تيممه عن حدث أكبر، فمبطلات ذلك التيمم هي موجبات الغسل.
3. وجود الماء
“ووجود ماء ولو في صلاة لا بعدها”.
(الشرح): إذا وجد ماء مقدورًا على استعماله بلا ضرر، فإن تيممه يبطل، ولو في صلاة. وكيف يُتَصوَّر هذا؟ يُتَصوَّر مثلاً لو كان يصلي بتيممه، ثم أتاه صاحبه وعنده الماء في أثناء صلاته، فإن تيممه يبطل بوجود وحصول الماء.
- “لا بعدها”: أما إذا وجد الماء بعد الصلاة، فإن صلاته لا تبطل، ولا يلزمه إعادتها. لكن تيممه نفسه يبطل، ويُشرع له (ولا يجوز له) أن يمس به مصحفًا أو يصلي به صلاة أخرى.
- ذكر العلماء أنه لو وجد الماء وهو يقرأ القرآن (بتيمم حدث أكبر)، فإنه يجب عليه الترك.
- كذلك لو وجد الماء بعد تيمم الميت، فإنه يجب أن يُغسَل الميت (بالماء)، ولو صُلِّي عليه، وتُعاد الصلاة عليه.
4. زوال المبيح للتيمم (لم يذكره المؤلف)
هذا هو الأمر الرابع الذي لم يذكره المؤلف، ومتى زال المبيح للتيمم فإنه يبطل تيممه، مثل:
- مرض أو جرح تيمم له، إذا برئ الجرح (أو زال المرض)، فإنه يبطل تيممه.
5. خلع ما يمسح عليه (لم يذكره المؤلف)
هذا هو الأمر الخامس الذي لم يذكره المؤلف، وهو خلع ما يمسح عليه من تيمم. لو تيمم وهو عليه جوارب على طهارة، ثم عَدِمَ الماء وتيمم، ثم خلع الجوارب، فإن تيممه يبطل قياسًا على الوضوء.
وقت التيمم لراجي الماء
ثم قال المؤلف رحمه الله: “والتيمم آخر الوقت لراجي الماء أولى”.
(الشرح): المراد بـ”آخر الوقت”: آخر الوقت المختار. التيمم آخر الوقت المختار لراجي الماء (يعني راجي وجود الماء) أفضل وأولى. الأولى له أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقت مُختار، بحيث يصليها كلها في الوقت المختار.
لكن لو تيمم (راجي وجود الماء) وصلى أول الوقت (ولم يؤخر)، أجزأه ولو وجد الماء بعده.
🌫️ صفة التيمم
ثم ذكر المؤلف رحمه الله صفة التيمم:
“وصفته أن ينوي ثم يسمي ويضرب التراب بيديه مُفرِّجَتَي الأصابع بعد نزع نحو خاتم، ضربة، يمسح وجهه بباطن أصابعه وكفيه براحتيه ويُخلِّل أصابعه”.
(الشرح):
- أن ينوي: النية هنا تكون نية استباحة ما يتيمم له (مثل صلاة العصر)، ونية ما يتيمم منه (مثل الحدث الأصغر). فينوي استباحة صلاة العصر من الحدث الأصغر، أو من الحدث الأكبر، أو من النجاسة، أو من كلها.
- ثم يسمي: التسمية هنا وجوبًا مع الذكر، كالوضوء، وتسقط سهوًا.
- ويضرب التراب بيديه مُفرِّجَتَي الأصابع: يضرب التراب بيديه مفرجتي الأصابع استحبابًا ليصل التراب إلى ما بينهما.
- بعد نزع نحو خاتم: يلزمه وجوبًا نزع الخاتم (أو الحلقة) ونحوه مما يمنع وصول التراب. ولا يكفي تحريكه، بخلاف الوضوء، لأن التراب لا يسيل كالماء.
- ضربة: المراد بها ضربة واحدة.
- يمسح وجهه بباطن أصابعه وكفيه براحتيه:
- يمسح جميع وجهه بباطن أصابعه.
- يمسح كفيه براحتيه (والراحة هي بطن اليد).
- ويُخلِّل أصابعه: تخليل الأصابع هنا استحبابًا. وصفة التيمم: يضرب التراب، ثم يمسح وجهه بباطن أصابعه هكذا، وكفيه هكذا براحتيه، ويخلل أصابعه اليمنى ثم اليسرى هكذا.
بذلك نكون قد انتهينا من التيمم.
💧 بَابُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ
نعم، باب إزالة النجاسة. أحسن الله إليكم.
(سؤال حول مسألة الترك): لو وجد الماء وهو يقرأ القرآن، يجب عليه الترك (للقراءة). فما معنى يجب عليه الترك؟
(الجواب): يعني يجب عليه ترك القراءة. وهذا فيما لو تيمم عن حدث أكبر. أما إذا كان تيممه عن حدث أصغر، فلا يجب عليه الترك إلا إذا كان ماسًّا للمصحف. إذا كان ماسًّا للمصحف ووجد الماء، فيجب عليه ترك المصحف.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين ولجميع المسلمين.
قال المؤلف رحمه الله تعالى بعلومه وعلوم شيخنا في الدارين آمين:
“بَابُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ: يَجِبُ لِكُلِّ مُتَنَجِّسٍ سَبْعُ غَسَلَاتٍ إنْ أنْقَتْ وَإِلَّا فَحَتَّى تُنْقِيَ بِمَاءٍ طَهُورٍ، مَعَ حَتِّ وَقَرْصٍ لِحَاجَةٍ، وَعَصْرٍ كُلَّ مَرَّةٍ خَارِجَ الْمَاءِ. فَإِنْ كَانَتْ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ وَجَبَ تُرَابٌ طَهُورٌ أَوْ نَحْوُهُ كَأُشْنَانٍ يَعُمُّ الْمَحَلَّ مَعَ الْمَاءِ، إلَّا فِيمَا يَضُرُّ فَيَكْفِي مُسَمَّاهُ. وَيَكْفِي فِي أَرْضٍ تَنَجَّسَتْ بِمَائِعٍ غَسْلَةٌ تَذْهَبُ بِالنَّجَاسَةِ. وَلَا تَطْهُرُ بِشَمْسٍ وَرِيحٍ وَلَا دَلْكٍ وَلَا اسْتِحَالَةٍ، إلَّا خَمْرَةً تَنْقَلِبُ خَلًّا بِنَفْسِهَا. وَلَا يَطْهُرُ دُهْنٌ بِغَسْلٍ، وَلَا حُبٌّ تَشَرَّبَهَا، أَوْ سِكِّينٌ سُقِيَتْهَا. وَيُجْزِئُ فِي بَوْلِ غُلَامٍ لَمْ يَأْكُلْ طَعَامًا لِشَهْوَةٍ غَمْرُهُ. وَإِنْ خَفِيَ مَوْضِعُ نَجَاسَةٍ غَسَلَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ زَوَالَهَا. وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِ دَمٍ وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ بِثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ. وَعَنْ أَثَرِ اسْتِجْمَارٍ بِمَحَلِّهِ. وَلَا يَنْجُسُ آدَمِيٌّ وَلَا مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ بِمَوْتٍ. وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ وَمَنِيُّهُ وَمَنِيُّ آدَمِيٍّ، وَرِيقُهُ طَاهِرٌ. وَكَذَا سُؤْرُ هِرَّةٍ وَمَا دُونَهَا خِلْقَةً. وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ مِمَّا فَوْقَ الْهِرَّةِ، وَالْحِمَارُ وَالْبَغْلُ مِنْهُ نَجِسٌ. وَعَرَقُهُ وَرِيقُهُ. وَكُلُّ مُسْكِرٍ يَبِسَ”.
تعريفات وضوابط الباب
(الشرح): النجاسة هي الشيء المُستَقْذَر. المرجع في كون هذا نجسًا أو ليس بنجسٍ هو إلى الشارع. والمراد بالنجاسة هنا هي النجاسة الحكمية، والمراد بها الطارئة على محل طاهر، لا النجاسة العينية (كالبول والغائط) التي لا يمكن تطهير عينها.
الضوابط لهذا الباب:
- النجاسات ثلاثة أنواع:
- مُخَفَّفَة: التي على الأرض، وما تنجس ببول الغلام.
- مُغَلَّظَة: نجاسة الكلب والخنزير.
- مُتَوَسِّطَة: وهي بقية النجاسات.
- لا تطهر النجاسات إلا بماء طهور: جميع النجاسات لا تطهر إلا بالماء، ولا تطهر بغير الماء (كالقهوة أو الشاي)، ولا تطهر إلا بالماء الطهور.
- لا تطهر النجاسات بالاستحالة: لا تطهر بشمس، ولا ريح، ولا استحالة (التحول من مادة إلى مادة أخرى).
- يُعفى عن يسير بعض النجاسات: يُعفى عن يسير بعض النجاسات في غير مائع (كالبدن والثوب)، أما في المائعات، فلا يُعفى عن يسير النجاسات.
- المُسْكِر محرَّم ونجس: كل مُسكر محرم ونجس، كما سيأتي.
أحكام النجاسة المتوسطة
بدأ المؤلف رحمه الله في أحكام النجاسة المتوسطة (وهي جميع النجاسات ما عدا نجاسة الكلب والخنزير، وما عدا النجاسة التي على الأرض وبول الغلام).
قال: “يَجِبُ لِكُلِّ مُتَنَجِّسٍ سَبْعُ غَسَلَاتٍ إنْ أنْقَتْ وَإِلَّا فَحَتَّى تُنْقِيَ بِمَاءٍ طَهُورٍ”.
(الشرح): يجب (يُشترط) لكل متنجس على غير الأرض سبع غسلات (الشرط الأول في العدد).
- إن أنقت: يعني إن أذهبت هذه السبع غسلات النجاسة من المكان، وإلا (وإن لم تُنْقِ السبع غسلات)، يغسل المكان حتى تذهب جميع النجاسة عن المحل.
- بماء طهور: الشرط الثاني، أن يكون بماء، فلا يُجزئ غير الماء. والشرط الثالث: أن يكون طهورًا.
“مَعَ حَتِّ وَقَرْصٍ لِحَاجَةٍ، وَعَصْرٍ كُلَّ مَرَّةٍ خَارِجَ الْمَاءِ”.
(الشرح):
- مع حتّ وقرص لحاجة: الحتّ هو الحكّ بطرف حجر أو عود، والقرص هو الدلك بأطراف الأصابع. مع حت وقرص النجاسة لِحَاجَةٍ (إذا وجدت حاجة)، وذلك بالدلك بأطراف الأصابع والأظفار مع صب الماء.
- وعصر كل مرة خارج الماء: هذا هو الشرط الرابع، وهو شرط ليحصل انفصال الماء النجس عنه.
- فإن لم يمكن عصره، يطهر بدَقِّهِ وتقليبه (مثل دَقّ المكان المتنجس وتقليبه) حتى يذهب عنه الماء النجس.
- وإن لم يمكن عصره ولا تقليبه، يطهر بتثقيله (يوضع عليه شيء ثقيل) حتى يزول عنه الماء، وتُحسب غسلة واحدة.
أحكام النجاسة المُغلَّظة
قال رحمه الله: “فَإِنْ كَانَتْ مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ وَجَبَ تُرَابٌ طَهُورٌ أَوْ نَحْوُهُ كَأُشْنَانٍ يَعُمُّ الْمَحَلَّ مَعَ الْمَاءِ”.
(الشرح): هذه هي النجاسة المُغلَّظة.
- الكلب منصوص عليه. والحنابلة ألحقوا الخنزير بالكلب لأنه أخبث.
- يجب مع الغسلات السبع تراب طهور، أو نحوه كأشنان (الأشنان مادة تستعمل في غسيل الثياب والأيدي كالصابون)، والنص على التراب فيه تنبيه على ما هو أبلغ منه في الإزالة. كذلك يُجزئ نحو الصابون والنخالة ونحو ذلك مما له قوة في الإزالة.
- يجب أن يعم التراب ونحوه المحل المتنجس مع الماء، حتى يوصل الماء التراب إلى كل المحل المتنجس.
- الأولى جعل التراب المخلوط بالماء في الغسلة الأولى.
“إلَّا فِيمَا يَضُرُّ فَيَكْفِي مُسَمَّاهُ”.
(الشرح): إلا في محل يضره التراب (كمطعوم مثلاً)، فيكفي مُسَمَّاه، أي: يكفي أقل شيء يُسمى ترابًا (شيء يسير من التراب مع الماء) حتى لا يتضرر المحل المغسول.
أحكام النجاسة على الأرض والاستحالة
قال: “وَيَكْفِي فِي أَرْضٍ تَنَجَّسَتْ بِمَائِعٍ غَسْلَةٌ تَذْهَبُ بِالنَّجَاسَةِ”.
(الشرح): هذا هو النوع الثالث من النجاسات (أحكام النجاسة على الأرض). يكفي في أرض تنجست بمائع غَسْلَة واحدة، لكن اشترط العلماء حتى تكفي هذه الغسلة أن تذهب عين النجاسة (بلونها وريحها). فإن لم تذهب، وجب غسلها مرة ثانية، وهكذا حتى تذهب.
“وَلَا تَطْهُرُ بِشَمْسٍ وَرِيحٍ وَلَا دَلْكٍ وَلَا اسْتِحَالَةٍ”.
(الشرح): لا تطهر الأرض التي تنجست (أو غيرها من المتنجسات) بـ:
- شمس ولا ريح: لحديث الأعرابي الذي بال في المسجد، حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقة ذنوب ماء عليه، ولو كان الجفاف كافيًا لما أمر بالماء.
- ولا دَلْك: الدلك هو المَرْس والعَرْك.
- ولا استحالة: الاستحالة هي الانتقال من صفة إلى صفة، ولا تطهر النجاسة بها، ويدل على ذلك نهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الجَلاَّلة (التي تأكل النجاسات).
“إلَّا خَمْرَةً تَنْقَلِبُ خَلًّا بِنَفْسِهَا”.
(الشرح): هذا استثناء من الاستحالة، فالخمرة إذا انقلبت خلًا بنفسها فإنها تطهر. أما إذا خُلِّلت بفعل فاعل، فإنها لا تطهر، لحديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل عن الخمر تُتَّخذ خَلاً، فقال: “لا”.
الدهن، والحب، والسكين
قال رحمه الله: “وَلَا يَطْهُرُ دُهْنٌ بِغَسْلٍ، وَلَا حُبٌّ تَشَرَّبَهَا، أَوْ سِكِّينٌ سُقِيَتْهَا”.
(الشرح):
- ولا يطهر دهن بغسل: المراد به الدهن المائع. أما الدهن الجامد (ضابطه: ما لم تَسْرِ فيه النجاسة)، فإذا وقعت فيه نجاسة، تُلقى النجاسة وما حولها، والباقي يكون طاهراً. أما الدهن المائع إذا تنجس، فإنه لا يمكن تطهيره.
- ولا حُبٌّ تَشَرَّبَهَا: (الحاء مفتوحة) اختلف في ضبطها:
- الحُبّ (بالضم): وهي الخابية (الجرة الفخارية). إذا تشربت النجاسة، فلا يطهر باطنها، وذكروا أن ظاهرها يطهر.
- الحَبّ (بالفتح): كالحبوب (كالقمح والشعير) إذا تشربت النجاسة، فلا يطهر باطنها. وتصوّر هذه المسألة فيه إشكال ويحتاج إلى تأمل.
- أو سكين سُقِيَتْهَا: لا تطهر السكين التي سُقيت النجاسة (بأن تُوضع في النار وتُحمَى ثم تُغمس في ماء نجس). وهذه مسألة يندر وجودها في الوقت الحالي.
أحكام النجاسة المُخفَّفة والعفو عن النجاسات
قال: “وَيُجْزِئُ فِي بَوْلِ غُلَامٍ لَمْ يَأْكُلْ طَعَامًا لِشَهْوَةٍ غَمْرُهُ”.
(الشرح): هذا ملحق بالنجاسة المخففة. بول الغلام (الذكر) الذي لم يأكل طعاماً لشهوة (غير الحليب)، يُجزئ فيه غَمْرُهُ (ستره بالماء). يكفي غمر المحل بالماء، سواء كانت نجاسة بول الغلام على الثوب أو البدن أو الأرض، بغسلة واحدة، ولا يُشترط عصره أو مرسه، لحديث أم قيس بنت محصن، أن النبي صلى الله عليه وسلم نَضَحَ ثوبه من بول ابنه الصغير ولم يغسله.
“وَإِنْ خَفِيَ مَوْضِعُ نَجَاسَةٍ غَسَلَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ زَوَالَهَا”.
(الشرح): إذا خفي موضع نجاسة في بدن أو ثوب، غُسِلَ وجوباً حتى يُتَيَقَّن زوالها، ولا يكفي الظن.
“وَيُعْفَى عَنْ يَسِيرِ دَمٍ وَقَيْحٍ وَصَدِيدٍ بِثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ”.
(الشرح): هذا فيما يُعفى عنه من النجاسات (في غير مائع ومطعوم).
- اليسير: قدَّروه بما لا يَنقض الوضوء خروج قَدْرِه من البدن، أي: ما لا يفحُش في نفس كل أحد بحسبه.
- قيح: هو الأبيض الخاثر الذي لا يخالطه دم.
- صديد: هو الدم المختلط بالقيح.
- يُعفى عن يسير ذلك بثوب أو بدن، إذا كان هذا من حيوان طاهر (المأكول لحمه، أو ما دون الهرّة خِلقة)، ولو كان هذا الدم دم حيض ونفاس.
“وَعَنْ أَثَرِ اسْتِجْمَارٍ بِمَحَلِّهِ”.
(الشرح): يُعفى عن أثر الاستجمار إذا بقي بعد الاستجمار، لكن بشرط أن يكون بمحلِّه، ويُفهم منه أنه إذا تعدى محله فإنه لا يُعفى عنه.
الطاهر من الحيوانات وما في حكمه
قال: “وَلَا يَنْجُسُ آدَمِيٌّ وَلَا مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ بِمَوْتٍ”.
(الشرح):
- ولا ينجس آدَمِيٌّ: ولو كان كافراً، لقوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ}.
- ولا ما لا نفس له سائلة بموت: أي ما لا دم له سائل (كالعنكبوت، والذباب، والنحل، والنمل).
“وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَرَوْثُهُ وَمَنِيُّهُ وَمَنِيُّ آدَمِيٍّ، وَرِيقُهُ طَاهِرٌ”.
(الشرح):
- بول ما يؤكل لحمه وروثه: طاهر، لحديث العُرنيين أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يشربوا من أبوال الإبل وألبانها. ويدل على طهارة الأرواث أمره صلى الله عليه وسلم بالصلاة في مرابض الغنم.
- ومنيُّه (أي: مني ما يؤكل لحمه) ومَنِيُّ آدَمِيٍّ: طاهر، لقول عائشة رضي الله عنها: “كنت أفرك المَنِيَّ من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يذهب فيصلي فيه”. ويُستحب غسله أو فركه إن كان مني رجل.
- وعَرَقُهُ وريقُهُ (أي: عرق وريق ما يؤكل لحمه): طاهر.
“وَكَذَا سُؤْرُ هِرَّةٍ وَمَا دُونَهَا خِلْقَةً”.
(الشرح): السؤر هو فضلة طعامه وشرابه. سؤر الهِرَّة وما كان دونها في الخلقة (في الحجم) سواء كان طيراً أو غيره، فإنه طاهر.
النجس من الحيوانات
“وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ مِمَّا فَوْقَ الْهِرَّةِ، وَالْحِمَارُ وَالْبَغْلُ مِنْهُ نَجِسٌ”.
(الشرح):
- سباع البهائم والطير مما فوق الهرَّة: كالأسد والنمر والذئب، نجس.
- الحمار الأهلي والبغل منه: الحمار الأهلي نجس (وهو المذهب)، والبغل (المتولد من الحمار الأهلي والخيل) نجس، تغليباً للحظر. والقول الآخر أن الحمار الأهلي طاهر، وهو أولى.
“وَعَرَقُهُ وَرِيقُهُ”.
(الشرح): عرق ما ذُكر من سباع البهائم والطير (مما فوق الهِرَّة) وريقه نجس.
“وَكُلُّ مُسْكِرٍ يَبِسَ”.
(الشرح): أي: كل مسكر نجس، لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ… رِجْسٌ}. وظاهر المنتهى أنه يشمل المسكر مطلقاً، سواء كان مائعاً أو جامداً. وصُرِّح أن الحشيشة المُسكِرة نجسة. والأحوط أن يجتنب الإنسان المسكرات سواء كانت نجسة أو مائعة. والله تعالى أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.