بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
نحمد الله عز وجل أن يسَّر هذا اللقاء، ونسأله سبحانه أن يُتِمَّ نعمته على المسلمين، وأن يُعَجِّل برفع هذا الوباء عن المسلمين، وأن يعيد المسلمين إلى حياتهم الطبيعية، وصلاتهم، وعباداتهم، واجتماعاتهم.
سنبدأ اليوم إن شاء الله في كتاب الحيض؛ لأننا شرحنا ما يتعلق بإزالة النجاسة، وأيضًا شرحنا ما قبله، وهو التيمم. واليوم سنُكمل من المكان الذي توقفنا فيه، وهو باب الحيض.
🩸 ضوابط بَابِ الْحَيْضِ
وقبل أن ندخل في هذا الباب، هناك بعض الضوابط نذكرها كالعادة قبل الدخول في الباب الجديد. هناك ثمانية ضوابط في أول هذا الباب.
تعريف الحيض:
الحيض كما تعلمون في اللغة هو السيلان. وأما في الشرع فهو دم طبيعة (جِبِلَّة، يعني خِلقة) يُلقيه الرحم، يعتاد الأنثى إذا بلغت في أوقات معلومة. هذا المراد بالحيض في اللغة وفي الشرع.
وحكم الحيض ثابت بالإجماع وبالكتاب والسنة، واستفاضت الأدلة على أن الحيض خاص بالنساء، وله أحكام تخصه. ولذلك عقد الفقهاء للحيض بابًا مستقلًا.
نختصر ضوابط هذا الباب في ثمانية:
- الضابط الأول: الحيض يمنع من ثمانية أشياء (وهذه الأشياء الثمانية سيذكرها المؤلف إن شاء الله).
- الضابط الثاني: يجب بوطء الحائض التصدق بدينار أو نصفه.
- الضابط الثالث: إذا انقطع الدم عن الحائض، لم يُبَحْ غير الصوم والطلاق.
- الضابط الرابع: المستحاضة هي من جاوز دمها خمسة عشر يومًا.
- الضابط الخامس: الصفرة والكدرة في زمن العادة حَيْضٌ.
- الضابط السادس: يَلْزَمُ مَن حَدَثُهُ دائم (أو سَلَس الريح أو سَلَس الغائط لا يستمسك) غَسْلُ المحلِّ وشدُّهُ، والوضوءُ لوقت كل صلاة.
- الضابط السابع: إذا عاد الدم على النُّفَساء فمشكوك فيه؛ تَصوم وتصلي وتقضي الواجب. بخلاف الحائض، إن الدم إذا عاوَدَها في عِدَّتِها فإنه حَيْضٌ. (هذا ضابط فرق فقهي).
- الضابط الثامن: النِّفَاس كالحيض إلا فيما استُثني (دم النفاس كدم الحيض إلا في بعض الأشياء التي ستأتي في آخر الباب إن شاء الله).
📜 مَتْنُ أَحْكَامِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ
قال رحمه الله:
“بَابُ الْحَيْضِ: يَمْنَعُ الْغُسْلَ لَهُ، وَالْوُضُوءَ، وَفِعْلَ الصَّلَاةِ، وَوُجُوبَهَا، وَفِعْلَ صَوْمٍ، وَطَوَافًا، وَاعْتِكَافًا، وَوَطْءَ فَرْجٍ، إِلَّا لِمَنْ بِهِ شَبَقٌ بِشَرْطِهِ. وَيَجِبُ بِوَطْئِهَا دِينَارٌ أَوْ نِصْفُهُ كَفَّارَةً. وَيَسْتَمْتِعُ مِنْ الْحَائِضِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ. وَإِذَا انْقَطَعَ لَمْ يُبَحْ قَبْلَ الْغُسْلِ غَيْرُ الصَّوْمِ وَالطَّلَاقِ. وَتَقْضِي الصَّوْمَ لَا الصَّلَاةَ. وَلَا حَيْضَ قَبْلَ تِسْعِ سِنِينَ، وَلَا بَعْدَ خَمْسِينَ، وَلَا مَعَ حَمْلٍ. وَأَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَغَالِبُهُ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ. وَإِنْ اسْتُحِيضَتْ مَنْ لَهَا عَادَةٌ بِأَنْ جَاوَزَ دَمُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ جَلَسَتْهَا إنْ عَلِمَتْهَا. وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فِي زَمَنِ الْعَادَةِ أَيْ حَيْضٌ. وَقَدْرُ طُهْرِ ثَمَانِ عَشْرَةَ يَوْمًا. وَيَلْزَمُ مَنْ حَدَثُهُ دَائِمٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ. وَأَكْثَرُ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا. وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ. فَإِنْ ظَهَرَتْ فِيهِ طَهُرَتْ وَصَلَّتْ. وَإِنْ عَاوَدَهَا الدَّمُ فَمَشْكُوكٌ فِيهِ: تَصُومُ وَتُصَلِّي وَتَقْضِي الصَّوْمَ الْمَقْضِيَّ. وَهُوَ كَحَيْضٍ فِيمَا تَقَدَّمَ”.
🚫 مَمْنُوعَاتُ الْحَيْضِ وَأَحْكَامُهُ
قال رحمه الله: “بَابُ الْحَيْضِ: يَمْنَعُ” ثمانية أشياء (وهي في الحقيقة أكثر من ثمانية، تصل إلى خمسة عشر شيئًا).
الممنوعات الثمانية:
- “الْغُسْلَ لَهُ”: يمنع الغسل للحيض فقط. أما لغيره (كالجنابة)، فلا يمنعه الحيض، بل يُسَنّ الاغتسال للجنابة تخفيفًا للحدث، ويُسَنّ للمُحرِمة الاغتسال ولو كانت حائضًا.
- “وَالْوُضُوءَ”: يمنع المرأة من الوضوء، ولا يصح منها (بالإجماع).
- “وَفِعْلَ الصَّلَاةِ”: لا يصح للمرأة الحائض أن تُصلي، حتى سجود التلاوة؛ لأنه عندنا في المذهب يُعَدُّ صلاةً. بل لو صلت، أثمت (حكم تكليفي) ولا تصح (حكم وضعي).
- “وَوُجُوبَهَا”: يمنع الحيض وجوب الصلاة (بالإجماع)، فلا يجب على الحائض أن تقضي الصلاة إذا طَهُرت.
- “وَفِعْلَ صَوْمٍ”: يمنع الحيض فعل الصوم، فصوم الحائض غير صحيح. ولكن لا يمنع وجوبه؛ فيجب عليها أن تقضي الصوم الواجب (بالإجماع)، لقوله صلى الله عليه وسلم: “أليست إحداكن إذا حاضت لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ؟ قلنا: بلى”.
- “وَطَوَافًا”: يمنع فعل الطواف (لا يصح من الحائض)، ولكن لا يمنع وجوب الحج أو العمرة. ودليل المنع قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: “افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تَطُوفي بالبيت حتى تَطْهُري”.
- “وَاعْتِكَافًا”: يمنع فعل الاعتكاف، فلا يصح الاعتكاف مع وجود الحيض، لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا أُحِلُّ المسجد لحائض ولا جُنُب”.
- “وَوَطْءَ فَرْجٍ”: يمنع الحيض الوطء في الفرج، لقوله تعالى: {فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ}. ويُباح الاستمتاع بكل شيء عدا الوطء في الفرج.
مسألة الشَّبَق والكَفَّارة
- “إِلَّا لِمَنْ بِهِ شَبَقٌ بِشَرْطِهِ”: الشَّبَق هو شدة شهوة النكاح. يجوز لمن به شبق أن يطأ الحائض بشرطه (أربعة شروط ذكرها العلماء).
- “وَيَجِبُ بِوَطْئِهَا دِينَارٌ أَوْ نِصْفُهُ كَفَّارَةً”: يجب بوطء الحائض في الفرج قبل انقطاع الدم كفارة: دينار أو نصفه. وهذا الوجوب له ثلاثة شروط (وجود الدم، أن يكون الواطئ ممن يُجامع مثله – ومن استكمل عشر سنوات، أن يُولِج الحشفة أو قدرها).
- هذه المسألة من مفردات الحنابلة.
- يُخيَّر الواطئ بين إخراج دينار (أربعة غرامات وربع من الذهب) أو نصف دينار.
- المذهب تجب الكفارة ولو كان مُكرَهًا أو ناسيًا أو جاهلًا، وتجب أيضًا على المرأة إذا طاوعت.
- “وَيَسْتَمْتِعُ مِنْ الْحَائِضِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ”: للزوج أن يستمتع بزوجته الحائض (أو النفساء) بكل شيء وفي كل مكان في بدنها إلا الوطء في الفرج. ويُسَنّ ستر الفرج.
أحكام بعد انقطاع الدم
“وَإِذَا انْقَطَعَ لَمْ يُبَحْ قَبْلَ الْغُسْلِ غَيْرُ الصَّوْمِ وَالطَّلَاقِ”.
(الشرح): إذا انقطع دم الحيض، لم يُبَحْ قبل أن تغتسل إلا:
- الصوم: فلها أن تصوم، وإذا انقطع دمها قبل الفجر وبقيت لم تغتسل حتى طلع الفجر، فإن صومها صحيح.
- الطلاق: الطلاق في أثناء الحيض مُحَرَّم (بدعي ومُحَرَّم)، ويقع. لكن إذا انقطع الدم، يُباح للزوج أن يُطلِّق.
“وَتَقْضِي الصَّوْمَ لَا الصَّلَاةَ”.
(الشرح): تقضي الحائض الصوم الواجب (بالإجماع)، ولا تقضي الصلاة (بالإجماع). ويستثني العلماء ركعتي الطواف، فلو حاضت المرأة بعد الطواف، فإنها تُصلي ركعتي الطواف متى ما طَهُرت.
⌛ أقلُّ وأكثرُ سِنِّ وزَمَنِ الحيض
قال رحمه الله:
“وَلَا حَيْضَ قَبْلَ تِسْعِ سِنِينَ، وَلَا بَعْدَ خَمْسِينَ، وَلَا مَعَ حَمْلٍ”.
(الشرح):
- ولا حيض قبل تسع سنين: ما يأتي المرأة من الدم قبل أن تستكمل تسع سنين هلالية فليس بحيض، ولو أتاها بصفات الحيض وانتظم.
- ولا بعد خمسين: إذا أتمت المرأة خمسين سنة هلالية، فالمذهب عندنا أن الدم الذي يأتيها ليس بحيض، ولو انتظم. وفي هذه الحالة، تصوم وتصلي، وتكون كالمستحاضة.
- ولا مع حَمْلٍ: إذا حملت المرأة، فإن الدم الذي يأتيها ليس بحيض، حتى لو انتظم، لأن من علامات الحمل انقطاع الحيض.
“وَأَقَلُّهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَأَكْثَرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَغَالِبُهُ سِتٌّ أَوْ سَبْعٌ”.
(الشرح):
- أقله يوم وليلة: المراد بذلك أربع وعشرون ساعة. من أول ما يأتيها الدم، لا بد أن تستكمل أربعًا وعشرين ساعة، وإلا فليس بحيض.
- أكثره خمسة عشر يومًا: فإن زاد على ذلك، فهي مستحاضة.
- غالبُهُ سِتٌّ أو سَبْعٌ: غالب أيام الحيض للنساء ستة أيام أو سبعة أيام.
🧽 أَحْكَامُ الْمُسْتَحَاضَةِ والصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ
قال رحمه الله:
“وَإِنْ اسْتُحِيضَتْ مَنْ لَهَا عَادَةٌ بِأَنْ جَاوَزَ دَمُهَا أَكْثَرَ الْحَيْضِ جَلَسَتْهَا إنْ عَلِمَتْهَا”.
(الشرح):
- اسْتُحِيضَتْ: يعني أتاها الدم وجاوز خمسة عشر يومًا.
- هذه امرأة لها عادة مستقرة (مثل ثمانية أيام)، ثم في شهر من الشهور زاد الدم أكثر من خمسة عشر يومًا.
- جَلَسَتْهَا: أي تجلس فقط أيام عادتها (ثمانية أيام)، وما زاد لا تنظر إليه ويكون دم فساد.
- إن علمتها: إن علمت وقت وزمن ومكان عادتها.
“وَالصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ فِي زَمَنِ الْعَادَةِ أَيْ حَيْضٌ”.
(الشرح):
- الصفرة والكدرة: الصفرة هي شيء كالصديد يعلوه لون أصفر، والكدرة هي لون بني يشبه لون الدم.
- المذهب عندنا: إن كانت في زمن العادة (مثل أيامها السبعة المعتادة)، فهي حَيْضٌ.
- وإن كانت خارج زمن العادة (قبلها أو بعدها)، فليس بحيض.
نكتفي بهذا القدر، ونكمل إن شاء الله في الأسبوع القادم، ونبدأ فيما يجب على من حدثه دائم، ثم ننتقل إلى كتاب الصلاة إن شاء الله. نسأل الله عز وجل أن يبارك لنا في الوقت. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.