بسم الله الرحمن الرحيم
على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
توقفنا عند قول المؤلف رحمه الله في باب الأذان، حيث ذكر شروط صحة الأذان وصفات المؤذن، فقال:
📢 بَابُ الْأَذَانِ
وَلَا يُجْزِئُ إِلَّا مِنْ ذَكَرٍ
ذكرنا أن هذه من شروط المؤذن؛ يُشترط أن يكون المؤذن ذكرًا، فلا يصح من المرأة، بل يُكره.
وَعَبْدٍ
أي: ظاهر فقط. ولكن اشتراط العدالة الظاهرة والباطنة في هذا مسنون، أما الشرط فهو اشتراط العدالة الظاهرة.
وَمُرَتَّبًا
أي: يجب أن يكون الأذان مرتبًا كأركان الصلاة، وهذه من شروط صحة الأذان.
وَمُتَوَالِيًا عُرْفًا
يعني لا يحصل فَصْل بين جُمَل الأذان. وهذا سيأتي أنه إذا كان الفاصل كثيرًا، فإنه يُبطِل الأذان.
وَلَوْ مُلَحَّنًا
يعني ولو كان مُطَرَّبًا، وملحونًا (أي ولو كان فيه لحن لا يُحيل المعنى) ويُكره. يعني يُكره لو كان الأذان مُلَحَّنًا به، وكذلك يُكره إذا كان فيه لحن لا يُحيل المعنى. أما إذا كان في الأذان لحن يُحيل المعنى، فإنه لا يصح، فإنه لا يصح.
إجزاء أذان المميز ومُبْطِلَاتُهُ
ثم قال رحمه الله: وَيُجْزِئُ مِنْ مُمَيِّزٍ
ويجزئ الأذان من مميز، يعني لو أَذَّنَ في البلد مُمَيِّزٌ للبالغين، فإن الأذان يُجزئ، ويَسْقُط به فرض الكفاية. وهذا خلافًا لشيخ الإسلام رحمه الله، فإن الشيخ يرى أنه لا يجزئ أذان المميز للبالغين، بل لا بد أن يُؤذِّن للبالغين بالغٌ مِثلُهم، ولا يسقط فرض الكفاية إلا ببالغ. أما الحنابلة، فيُجزئ عندهم لو أذَّن شخص واحد في البلد فقط مميز (وهو مَن استكمل سبع سنين ولم يبلغ)، فإنه يجزئ. أما شيخ الإسلام -كما في “الاختيارات”- فذكر أن فرض الكفاية لا يسقط إلا بأذان البالغ؛ لأنه هو الذي يُرجَع إلى خبره، لا إلى المميز.
ثم ذكر ما يُبطِل الأذان والإقامة، فقال: وَيُبْطِلُهُمَا فَصْلٌ كَثِيرٌ
إذا وُجِدَ فصل كثير بين جُمَل الأذان، فإنه يبطل ويلزمه أن يستأنف ويَبدأ الأذان من جديد. مقدار الفصل -كما قال الشيخ عثمان- هو ما تفوت به الموالاة في الوضوء.
وَكَلَامٌ مُحَرَّمٌ
لو وُجِدَ كلام مُحَرَّم أثناء الأذان أو الإقامة، فإنه يبطل أيضًا. لكن هل لو وُجِدَ فعل مُحَرَّم من المؤذن (كأن يُؤذِّن وينظر إلى المحرمات مثلًا) هل يبطل الأذان أو لا يبطل؟ الظاهر أنه لا يبطل. لا يبطل إلا إذا أذَّن وتكلَّم في أثناء الأذان بكلام مُحَرَّم.
وقت الأذان وأحكام الجمع والقضاء
قال: وَلَا يُجْزِئُ قَبْلَ وَقْتٍ إِلَّا لِفَجْرٍ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ
هذه قاعدة ذكرتها: أنه لا يجزئ الأذان قبل الوقت إلا لفرض واحد فقط وهو الفجر؛ فإنه يجزئ أن يُؤذَّن له. يجوز، لا يُستحب، يجوز أن يُؤذَّن للفجر من بعد منتصف الليل. لكن الأفضل هو أن يُؤذَّن بعد طلوع الفجر الثاني. لكن لو أذَّن بعد منتصف الليل ثم أذَّن مرة أخرى بعد طلوع الفجر الثاني، فهذا هو الأفضل. ويُكره الاقتصار على الأذان من بعد منتصف الليل وقبل طلوع الفجر الثاني، بل السُّنة أن يُؤذَّن مرة أخرى أيضًا في الوقت بعد دخول وقت الفجر. “إِلَّا لِفَجْرٍ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ”: يصح أن يكون بعد نصفه.
ثم قالوا: وَمَنْ جَمَعَ أَوْ قَضَى فَوَائِتَ أَذَّنَ لِلْأُولَى، ثُمَّ أَقَامَ لِكُلٍّ
هذا يدل عليه حديث جابر رضي الله عنه في الحج، لَمَّا حج النبي صلى الله عليه وسلم في عرفة أذَّن للأولى وأقام لصلاة الظهر وصلاة العصر. وكذلك لَمَّا جمع في مزدلفة، أذَّن للمغرب وأقام للمغرب وللعشاء. ومَن جمع بين صلاتين -كما في جمع المطر أو في السفر- فإنه يُسَنّ له أن يُؤذِّن للأولى أذانًا واحدًا، ويُقيم لكل صلاة. وكذلك لو قضى الإنسان صلوات فاتته؛ فإنه يُؤذِّن للأولى ويُقيم لكل فريضة، حتى لو كانت الفوائت أكثر من اثنتين (لو فاتته ثلاث صلوات أو أربع) يُؤذِّن للأولى ويُقيم لكل فريضة.
مُتَابَعَةُ الْمُؤَذِّنِ وَدُعَاؤُهُ
قال: وَتُسَنُّ مُتَابَعَتُهُمَا سِرًّا بِمِثْلِهِ
يُسَنّ لِمَن سمع الأذان والإقامة أيضًا متابعتهما (أي: المؤذن والمقيم) سرًّا لا جهرًا، وبِمِثل ما يقول. وهذا مُقَيَّد بما إذا كان السامع مَدْعُوًّا بهذا الأذان، أما إذا كان السامع للأذان غير مدعو به، فلا يُسَنّ متابعته. ويُسَنّ للمرأة أيضًا أن تُتابِع المؤذن حتى تحصل على الفضيلة.
إِلَّا فِي الْحَيْعَلَةِ
يُستثنى من قوله “بِمِثْلِهِ” في قول المؤذن: “حي على الصلاة، حي على الفلاح”، فلا يقول مثل ما يقول، وإنما يقول: “لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ”.
وَفِي التَّثْوِيبِ
إذا قال المؤذن: “الصلاة خير من النوم”، فإنه لا يقول مثل ما يقوله، وإنما يقول: “صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ”.
وَفِي لَفْظِ الْإِقَامَةِ
إذا قال المؤذن: “قد قامت الصلاة”، فيقول السامع: “أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا”.
ثم بعد الأذان يُصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم للحديث الوارد في ذلك. ويقول الدعاء المشهور: “اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته”. ثم يَدعو؛ يُسَنّ له أن يدعو؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يُرَدُّ الدعاء بين الأذان والإقامة”.
حُكم الخروج من المسجد بعد الأذان
ثم ذكر المؤلف رحمه الله مسألة جديدة، وهو حُكم الخروج من المسجد بعد الأذان. المذهب أن الخروج من المسجد بعد شُروع المؤذن في الأذان مُحَرَّم.
قال: وَيَحْرُمُ بَعْدَهُ إِنْ أَذَّنَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ خُرُوجٌ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ
إلا إذا وُجِدَ عُذر لِمَن أراد الخروج، فإنه يجوز له أن يخرج. والأعذار التي أُبيح الخروج لأجلها بعد أذان المؤذن في المسجد هي الأعذار التي تبيح ترك الجمعة والجماعة. ويدل عليه أدلة، منها قول النبي صلى الله عليه وسلم: “مَن أدركه الأذان في المسجد ثم خرج، ثم لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة، فهو مُنافق” (رواه أبو داود).
بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ ✨
والآن ندخل في باب شروط الصلاة. وشروط الصلاة (جمع شرط)، المراد بها ما يتوقف عليها صحتها، وتجب للصلاة قبلها إلا النية (تكفي مقارنتها، بل هو الأفضل).
وشروط الصلاة تسعة. ذكر المؤلف منها ستة. الثلاثة التي لم يذكرها المؤلف -وعادة المؤلفين أنهم لا يذكرونها- هي: شروط القلوب في كل عبادة، وهي: الشرط الأول: الإسلام، الشرط الثاني: العقل، الشرط الثالث: التمييز. وهذه الشروط الثلاثة هي شروط في كل عبادة، إلا التمييز فليس شرطًا في عبادة واحدة وهي الحج؛ الحج يصح حتى من الذي في المهد وهو طفل.
نذكر قبل أن ندخل في هذا الباب بعض الضوابط التي ستأتينا فيه:
- الضابط الأول: يُسَنّ تعجيل كل الفروض إلا العشاء؛ فالسنة تأخيرها إلى ثُلُث الليل.
- الضابط الثاني: يُدرك وقت الصلاة بتكبيرة الإحرام في وقتها. كل الصلوات تُدرَك أداءً إذا كبَّرَ قبل خروج وقتها تكبيرة الإحرام.
- الضابط الثالث: لا يُصلِّي المسلم قبل غَلَبَةِ ظَنِّه بدخول وقت الصلاة، إما باجتهاد أو إخبار ثقة مُتَيَقِّن. العمل بالتقاويم الآن جائز للضرورة؛ لأن الناس لا يستطيعون العلم بدخول الوقت، ولا يوجد ثقة مُتيقن.
- الضابط الرابع: يجب قضاء الفوائت بالترتيب إلا ما استُثني.
- الضابط الخامس: لا تصح الصلاة في سبعة مواطن (ستأتي إن شاء الله).
- الضابط السادس: فَرْضُ مَن قَرُبَ مِن القبلة إصابةُ عَيْنِها، ومَن بَعُدَ جِهَتُها.
شُرُوطُ الصَّلَاةِ (الطهارة والوقت)
الشرط الرابع: قال منها: الطَّهَارَةُ
المراد الطهارة من الحدث والخبث، للحديث: “لا يقبل الله صلاة بغير طهور” (رواه الإمام مسلم).
الشرط الخامس: الْوَقْتُ
المراد دخول الوقت. دخول الوقت شرط من شروط صحة الصلاة، فإذا صلى الإنسان في غير الوقت، فإن صلاته لا تُقبَل. يبدأ الفقهاء في المذهب عندنا ببيان وقت الظهر اقتداءً بصلاة جبريل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم.
قال: فَوَقْتُ الظُّهْرِ مِنَ الزَّوَالِ
الزوال هو مَيْل الشمس إلى المغرب. وتُعرَف علامته بزيادة الظل بعد تناهي قِصَرِهِ. وقت الظهر يبدأ من الزوال، والمقصود به مَيْل الشمس إلى المغرب.
إِلَى مُسَاوَاةِ الشَّاخِصِ ظِلُّهُ بَعْدَ ظِلِّ الزَّوَالِ
ويستمر وقت الظهر إلى أن يصير طول ظِلّ الشاخص مُساويًا لطول الشاخص نفسه بعد إزالة ظل الزوال. فإذا كان الشاخص طوله متر، يخرج وقت الظهر ويدخل وقت العصر إذا صار الظل طوله مترًا واحدًا بعد ظل الزوال.
وَتَعْجِيلُهُ أَفْضَلُ
كل الصلوات يُسَنّ تعجيلها إلا صلاة العشاء، لكن يُستثنى من التعجيل:
إِلَّا فِي شِدَّةِ حَرٍّ
يُسَنّ تأخير الصلاة حتى يَنكسر الحر (وهو الإبراد)، ولو صلى الإنسان وحده. والمقصود أن يتكون ظِلّ كبير للحوائط يَسير فيه الناس.
أَوْ مَعَ غَيْمٍ لِمَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً
يُسَنّ تأخير صلاة الظهر إلى قُرب وقت العصر لِمَن يُصلي جماعة.
ثم قال رحمه الله: وَيَلِيهِ وَقْتُ الْعَصْرِ
وذكرت لكم أنه إذا كان ظل الشيء مثله (بعد ظل الزوال)، خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر.
نتوقف عند وقت العصر هنا حتى نُكمل إن شاء الله الأسبوع القادم بإذن الله. والله تعالى أعلم، صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.