الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
لا زلنا في شروط الصلاة، وتحديدًا في شرط ستر العورة. الفقهاء على عادتهم يذكرون بعض الألبسة التي تُكرَه في الصلاة، وكذلك بعض الهيئات في كيفية لُبس اللباس.
👕 مكروهات اللباس وهيئاته في الصلاة
من المكروهات التي ذكرناها:
- السَّدْلُ: وهو طرح ثوب على كتفيه ولا يَرُدّ طرفه على الأخرى.
- اشتمال الصَّمّاء: وهو أن يَلتحِف بثوب ليس عليه غيره.
- تغطية وجهٍ، وتَلَثُّمٌ على فمٍ، وكذلك تَلَثُّمٌ على أنفٍ: تُكرَه تغطية الوجه، ويُكره اللثام على الفم أو الأنف، إلا لحاجة، فمتى احتاج الإنسان إلى شيء زالت الكراهة.
وَلَفُّ كُمٍّ: يُكره لَفّ الكُمِّ (أي جمعه وكفّه) لكي يمنعه من السجود؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: “وَلَا أَكُفَّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا” (متفق عليه). حتى لو كان ملفوفًا قبل الصلاة، فالسنة أنه يُعيده إلى ما كان عليه.
وَشَدُّ وَسَطٍ يُشْبِهُ الزُّنَّارَ: يُكره شَدّ الوَسَط بشيء يُشبه الزُّنَّار (وهو الخيط الغليظ الذي تشده النصارى على أوساطهم)، أما شدّ الوسط بالزُّنَّار نفسه فهو مُحرَّم. وكيفية ما يشبه الزُّنَّار -كما ذكر الشيخ عثمان- هو بأن يُرخي طَرَفيْ ما يشدّ به وسطه تزيُّنًا، وهذا مكروه لأنه يُشبه الزنار الذي تشدّه النصارى على أوساطهم.
🚫 محرمات اللباس المتعلقة بالخيلاء والتصوير
وَتَحْرُمُ خُيَلَاءُ فِي ثَوْبٍ وَغَيْرِهِ: تحرم الخُيَلاء (وهي الكِبْر والإعجاب). يحرم على الإنسان أن يلبس ثوبًا ناويًا به الخيلاء والتكبر والإعجاب بالنفس، وهذا محرم في الثوب وغير الثوب (كالعمامة مثلًا)، ومحرم في الصلاة وخارجها. أما الإسبال (إطالة الثوب) من غير خيلاء، فحكمه على المذهب مكروه. ومع الحاجة (كأن تكون في قَدَمِه حساسية أو عيب يريد ستره)، فيُباح بلا كراهة.
وَتَصْوِيرٌ وَاسْتِعْمَالُهُ: التصوير (وهو فِعل وعمل صورة الحيوان) محرم. والمراد بالصورة هي الصورة الكاملة، أو التي يُفقد منها شيء تبقى معه الحياة (مثل صورة بلا يد أو بلا قَدَم). أما التصوير الضوئي الموجود الآن (بالجوالات والكاميرات)، فقد أدركه ابن بدران رحمه الله وتكلّم عليه، وأنه مُباح. وكذلك تصوير الفيديو مُباح من باب أولى.
واستعماله أيضًا محرم. يحرم عليك أن تستعمل ما فيه صورة، سواء كان إناء أو لباسًا أو ملعقة أو غيره.
فِي غَيْرِ فَرْشٍ وَتَوَسُّدٍ: إلا إذا كانت الصورة في الفُرُش (كالسجاد) أو في الوسائد (يتكئ عليها الإنسان)، فتباح؛ لما فيه من إهانة للصورة.
🧵 أحكام استعمال الحرير والذهب للرجال
وَعَلَى ذَكَرٍ مَا غَالِبُهُ حَرِيرٌ ظُهُورًا: يحرم على الذكر أن يستعمل منسوجًا غالبه (أكثره) حرير ظهورًا (في الظاهر من القماش).
وَمَنْسُوجٌ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ مُطْلَقًا: المنسوج بالذهب والفضة محرم مطلقًا على الذكر، سواء كان الظهور له أو لغيره. ويُستثنى ما كان الذهب والفضة فيه قليلًا جدًا بحيث لو عُرض على النار استحال ولا يبقى منه شيء، فإنه يكون مباحًا.
وَيُبَاحُ مَا سُدِّيَ بِإِبْرَيْسَمٍ وَالْحِمْ فِي غَيْرِهِ: السدى من الثوب ما مُدّ طولًا في النسج. فإذا كانت الخيوط الطولية (السدى) من الحرير، والخيوط العَرضية (اللُحْمَة) من غير الحرير (مثل القطن والكتان والصوف)، فهذا يسمونه الخز، وحكمه مباح للذكور؛ لأن الظهور في غالب الأقمشة يكون للخيوط العَرضية.
وَخَالِصٌ لِحِكَّةٍ وَحَرْبٍ وَقَمْلٍ: يُباح الحرير الخالص للذكر إذا كان لحكّة (حساسية)، وكذلك في الحرب (إذا تراءى الجمعان إلى انقضاء القتال)، ولحاجة القمل، وإذا كان مريضًا ينتفع به.
وَحَشْوٌ وَعَلَمُ ثَوْبٍ وَرِقَاعٌ وَسَجْفٌ: يُباح الحرير إذا كان حشوًا بين قِطعتي قماش، وكذلك عَلَمُ الثوب (طراز الثوب أي الخيط الذي يكون زينة فيه)، والرِّقاع (ما يُرَقَّع به الثوب المخرّق)، والسَّجف (ما يُركَّب على حواشي اللباس). كل هذه الأمور مُقيَّدة بأن تكون أَرْبَعَ أَصَابِعَ عَرْضًا مَضْمُومَةً فما دون.
وَكُرِهَ لِرَجُلٍ مُعَصْفَرٌ وَمُزَعْفَرٌ: يُكره للرجل أن يلبس الثوب المُعَصْفَر (المصبوغ بلون نبات العُصفر، وهو لون أحمر يميل إلى الحُمرة)، ويُباح في غير الإحرام. وكذلك يُكره لبس الثوب المصبوغ بالزعفران للرجل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الرجال عن التزعفر (متفق عليه).
🚫 الشرط السابع: اجتناب النجاسة
ثم ذكر الشرط السابع من شروط الصلاة، قال: وَمِنْهَا اجْتِنَابُ نَجَاسَةٍ لَا يُعْفَى عَنْهَا.
يُشترط لصحة الصلاة أن يجتنب الإنسان النجاسة التي لا يُعفَى عنها في ثلاثة أمور: في بَدَنِهِ، وَثَوْبِهِ، وَبُقْعَتِهِ.
فَمَنْ:
- حَمَلَ نجاسة لا يُعفى عنها (ولو بقارورة).
- أو لَاقَاهَا (بَاشرَ النجاسة ببَدَنه أو ثوبه).
لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ.
وَإِنْ طَيَّنَ أَرْضًا نَجِسَةً أَوْ فَرَشَهَا صَفِيقًا (سميكًا) طَاهِرًا صَحَّتْ مَعَ كَرَاهَةٍ. تصح الصلاة مع الكراهة.
وَتَصِحُّ عَلَى طَاهِرٍ بِطَرَفِهِ نَجَاسَةٌ: تصح الصلاة على طاهر بطرفه نجاسة؛ لأن المهم أن تكون المواضع التي لأعضاء السجود طاهرة.
إِلَّا أَنْ تَعَلَّقَ بِهِ نَجِسٌ يَنْجَرُّ بِمَشْيِهِ: هذا هو الاستعمال الثالث للنجاسة، وهو الاستتباع. إذا كان مُستَتبَعًا للنجاسة (مربوط فيه شيء نجس يمشي معه)، فإن صلاته لا تصح؛ لأنه كأنه صلى والنجاسة معه.
وَمَنْ وَجَدَ نَجَاسَةً بَعْدَ صَلَاتِهِ وَعَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ فِيهَا، لَكِنْ نَسِيَ وَنَحْوُهُ أَعَادَ: لو صلى ثم وجد نجاسة وعَلِمَ أنها كانت معه في الصلاة، ولكنه نسيها أو جَهِلَها قبل الصلاة، فالمذهب أنه يُعيد صلاته.
وَإِلَّا فَلَا: أي وإن لم يَعلم كونها في الصلاة (كانت موجودة ثم علِمَ بها بعد الصلاة)، فإنه لا يجب عليه الإعادة (وهي الرواية الصحيحة في المذهب التي اختارها أكثر المتأخرين؛ لحديث صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بنعليه).
وَمَنْ جُبِرَ عَظْمُهُ أَوْ خِيطَ بِنَجَسٍ لَمْ يَجِبْ إِزَالَتُهُ مَعَ ضَرَرٍ. إذا تضرّر بإزالة العظم النجس أو الخيط النجس، فإنه لا يجب عليه إزالته.
وَمَنْ سَقَطَ مِنْهُ مِنْ عُضْوٍ أَوْ سِنٍّ طَاهِرٍ أَعَادَهُ أَمْ لَمْ يُعِدْهُ؛ لأن ما أُبِينَ من حيّ كميتته، وميتة الآدمي طاهرة.
🚫 المواضع التي لا تصح الصلاة فيها
قال: وَلَا تَصِحُّ صَلَاةٌ فِي مَقْبَرَةٍ: عندنا سبعة مواضع لا تصح الصلاة فيها، وهي:
- الْمَقْبَرَةُ: مَدْفَنُ الموتى.
- الْحَمَّامُ: وهو الحمامات القديمة، وليس المقصود الموجود الآن.
- عَطَنِ إِبِلٍ: وهو ما تُقِيم فيه الإبل وتأوي إليه.
- الْحُشِّ: وهو ما نسميه الحمامات ودورات المياه، لا تصح الصلاة فيه.
- مَجْزَرَةٍ: ما أُعِدّ للذبح فيه.
- الْمَزْبَلَةِ: مَرْمَى الزبالة (ولو كانت طاهرة).
- وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ: الطريق مَحَلّ قَرْع الأقدام (ما كَثُرَ سُلوكه).
- وَلَا أَسْطِحَتِهَا: كذلك أسطح هذه الأمور السبعة لا تصح فيها الصلاة.
- وَالْمَغْصُوبِ: لا تصح الصلاة في الدار المغصوبة (وهذه مسألة مشهورة عند الحنابلة).
وَلَا تَصِحُّ فَرِيضَةٌ فِي الْكَعْبَةِ وَلَا عَلَى ظَهْرِهَا، وَالْحِجْرُ مِنْهَا: لا تصح الفريضة في الكعبة ولا على سقفها وظَهرها، والحِجر (حِجر إسماعيل) منها.
وَتُسَنُّ النَّافِلَةُ فِيهِمَا: (في الحجر وفي الكعبة).
وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ إِلَيْهَا: تُكره الصلاة إلى ما لا تصح الصلاة فيه (مثل مجزرة أمامك، أو مزبلة).
🕋 الشرط الثامن: استقبال القبلة
وَمِنْهَا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ (الشرط الثامن من الشروط)؛ لقوله تعالى: “فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ”. القبلة هي الكعبة، فلا تصح الصلاة بدون الاستقبال.
ويُستثنى من ذلك:
- الْعَاجِزُ عَنِ اسْتِقْبَالِهَا: كالمربوط والمصلوب إلى غير القبلة، أو المريض الذي لا يجد مَن يُحَوّله إلى القبلة.
- الْمُسَافِرُ الْمُتَنَفِّلُ: يصح أن يُصلي إلى غير القبلة، لكن قال: وَيَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ إِلَيْهَا (إلى القبلة إن لم يَشُقّ)، وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ أَيْضًا إِلَيْهَا مَاشِيًا (أي المسافر المتنفل الماشي).
وَمَنْ قَرُبَ مِنَ الْكَعْبَةِ فَفَرْضُهُ إِصَابَةُ عَيْنِهَا: ضابط القُرب هو الذي يُعايِن الكعبة أو يُخبره شخص عن يقين. فَرْضُه إصابة العين، أي يستقبل الكعبة بكُلِّ بَدَنه.
وَمَنْ بَعُدَ فَجِهَتُهَا: الواجب عليه استقبال الجهة فقط.
وَيَعْمَلُ بِخَبَرٍ عَنْ يَقِينٍ، وَمِحْرَابٍ إِسْلَامِيٍّ: إذا كان الإنسان في البلد، يعمل بخبر شخص مُتيقِّن أو يعمل بمحاريب المسلمين. أما في السفر، فيستدل فيها بسبعة أشياء (كالقطب والقمر والشمس والرياح والجبال والمجرة والأنهار)، ومِمَّا ألحقه الفقهاء لاحقًا البوصلة.
نتوقف إلى هنا. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.