الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومَن اهتدى بهداه.
توقفنا في الدرس الماضي عند الشرط الثامن، وهو استقبال القبلة. وذكرنا أنه لا تصح الصلاة بدون استقبال القبلة، ويُستثنى صورتان من هذا الشرط:
🕋 الشرط الثامن: استقبال القبلة
- الصورة الأولى: الْعَاجِزُ عَنِ اسْتِقْبَالِهَا. العاجز عن استقبال القبلة أنه يصلي حيث استقبل أي جهة. كالمصلوب لغير القبلة، والمربوط لغير القبلة، أو المريض الذي ليس عنده مَن يُديره إلى القبلة، ولا يستطيع هو أن يتجه إلى القبلة.
- الصورة الثانية: المسافر في صلاة النافلة. المسافر في صلاة النافلة لا يُشترط لصحة الصلاة استقبال القبلة، بل قبلته هي جهة قصده.
- لكن قال: وَيَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ إِلَيْهَا إِنْ لَمْ يَشُقَّ. المسافر المتنفل يفتتح الصلاة إلى القبلة، يعني يكبر تكبيرة الإحرام مستقبلاً القبلة إذا لم يشق عليه. إن شق عليه، فإنه لا يلزمه. وسواء كان المسافر المتنفل هو القائد الذي يسوق السيارة، أو الراكب، فإنه يجوز له أن يتنفل في السفر.
- قال: وَيَرْكَعُ وَيَسْجُدُ أَيْضًا إِلَيْهَا مَاشِيًا. هذا الراكب، شرطه أن يستقبل القبلة أثناء تكبيرة الإحرام إذا أمكنه. وأما المسافر الماشي، لا يلزمه الاستقبال حين تكبيرة الإحرام، وحين الركوع، وحين السجود.
- ثم قال: وَمَنْ قَرُبَ مِنَ الْكَعْبَةِ فَفَرْضُهُ إِصَابَةُ عَيْنِهَا.
- مَن قَرُبَ من الكعبة ضابطه هو مَن أمكنه معاينة الكعبة، أو مَن يخبره عن يقين. وهذا الذي يُعتبر قريباً من الكعبة، وفرضه أن يصيب بكل بدنه القبلة والكعبة.
- وأما مَنْ بَعُدَ، فيستقبل جِهَتَهَا.
- فإن كانت جهة القبلة الغرب، كما هي في الأحساء، فيستقبل الغرب. وإن كانت قبلته الجنوب، فيستقبل جهة الجنوب لمَن هم في المدينة.
- إلا في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، كما استثناه العلماء، يقولون: قبلة النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده متيقنة، فيلزمه أن يستقبل عين الجهة التي يستقبلها المحراب. قبلة النبي صلى الله عليه وسلم متيقنة، لا يُقر النبي صلى الله عليه وسلم على خطأ. أما غيره، فحتى لو كان في مساجد المدينة، محتمل للخطأ.
- قال: وَيَعْمَلُ بِخَبَرٍ عَنْ يَقِينٍ. يعمل مَن جهل القبلة أو جهة القبلة بخبر عن يقين، يعني بخبر مُكلَّف ثقة عدل ظاهراً وباطناً عن يقين، إذا أخبره عن الجهة مُتيقناً، لا عن اجتهاد وظن.
- وأيضاً يستدل ويعمل وَمِحْرَابٍ إِسْلَامِيٍّ. وهذا بالنسبة للمسلم الذي في البلدان (بلاد المسلمين). إما أن يسأل أهل البلد (ولابد أن يكون المسؤول ثقة عدلاً مكلفاً عن جهة القبلة)، أو لا يسأل، ولكن ينظر إلى محاريب المسلمين أين هي متجهة، فيتجه نحوها.
- قال: وأَمَّا فِي السَّفَرِ، قالوا: وَيَسْتَدِلُّ عَلَيْهَا فِي السَّفَرِ بِالْقُطْبِ وَغَيْرِهِ. ذكرنا أن العلماء ذكروا سبعة أشياء يُستدل بها على القبلة: القطب، والشمس، والقمر، والرياح، والأنهار، والجبال، والمجرة. وذكرنا أن العلماء المعاصرين زادوا البوصلة.
- قال رحمه الله: وَلَا يَتَّبِعْ مُجْتَهِدٌ مُجْتَهِداً خَالَفَهُ. إذا وجد عندنا مجتهدان في تحديد القبلة واختلفا في الجهة (أحدهما قال: القبلة جهة الغرب، والآخر قال: جهة الشرق)، فلا يتبع أحدهما الآخر، ولا يقتدي أحدهما بالآخر.
- أما لو اتفقا في الجهة، واختلفا في الانحراف (هذا يقول: جهة الغرب لكنها يسار، والثاني يقول: جهة الغرب لكنها يمين)، فيجوز أن يقتدي أحدهما بالآخر.
- قال: وَلَا يَقْتَدِي بِهِ. يعني لا يصلي خلفه.
- ويَتْبَعْ مُقَلِّدٌ الْأَوْثَقَ عِنْدَهُ. المقلد الذي لا يستطيع الاجتهاد ليعرف القبلة أو جهة القبلة، يتبع الأوثق عنده. وهذا هو الموطن الوحيد الذي يُوجبون على المقلد أن يتبع الأوثق. أما ما عداها، فيجوز للمقلد أن يتبع أي عالم.
- قال: وَمَنْ صَلَّى بِلَا اجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدٍ مَعَ الْقُدْرَةِ أَعَادَ. صلى بلا اجتهاد (مع أنه قادر على الاجتهاد)، أو لا يستطيع الاجتهاد لكن يستطيع التقليد وصلى بلا تقليد (أي صلى إلى جهة بدون اجتهاد ولم يُقلد أحداً)، يلزمه أن يعيد؛ لترك الواجب عليه.
- وَإِلَّا (يعني وإن لم يقدر على اجتهاد ولا يوجد أحد عنده يقلده)، تَحَرَّى؛ يصلي إلى أي جهة يغلب على ظنه أو يظن أنها القبلة.
- ثم قال: وَيَجْتَهِدُ عَارِفٌ لِكُلِّ صَلَاةٍ. يجتهد العارف (المقصود به العالم بأدلة القبلة) لكل صلاة. فإذا اجتهد في وقت الظهر، ثم تغير مكانه، سيجتهد مرة أخرى. وظاهر كلامهم حتى لو لم يتغير مكانه، يلزمه أن يجتهد لكل صلاة.
- قال: وَيَعْمَلُ بِالثَّانِي لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ عن الاجتهاد الأول، يعمل بالاجتهاد الثاني.
- وَلَا يَقْضِي مَا صَلَّى بِالِاجْتِهَادِ الْأَوَّلِ؛ لأن الاجتهاد لا يُنقض بالاجتهاد.
🤲 الشرط التاسع: النية
- قال: وَمِنْهَا النِّيَّةُ. هذه الشرط التاسع.
- والنية لغةً هي القصد، وشرعاً: العزم على فعل عبادة تقرُّباً إلى الله تعالى.
- ومحل النية القلب، ولا يجب عليه أن يتلفظ بها.
- قال: فَيُعْتَبَرُ أَنْ يَنْوِيَ عَيْنَ مَا يُصَلِّيهِ مِنْ نَحْوِ ظُهْرٍ أَوْ رَاتِبَةٍ. لا تخلو الصلاة إذا كانت مُعيَّنة، سواء كانت فريضة كصلاة الظهر والعصر، أو نافلة مُعيَّنة كصلاة الرواتب والوتر والضحى، يلزمه أن ينوي شيئين: أولاً ينوي أنه يصلي، وثانياً ينوي عين ما يُصليه.
- والمعتمد عندنا أنه لابد أن يقصد وينوي ما سوف يصلي. القول الثاني الذي اختاره ابن عثيمين أنه يكفي أن ينوي فرض الوقت.
- قال: وَلَا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ فَرْضٍ؛ يعني لا يُشترط إذا أردت أن تصلي صلاة العشاء أن تنوي أنها صلاة عشاء فرض، لأنك لما نويت أنها عشاء، تعيَّنت كونها فرضاً (أن العشاء فريضة).
- كذلك وَلَا أَضْحَاهَا (يعني ولا ضدها، وهي النافلة)، وَلَا ضِدَّهُمَا (كالأداء والقضاء). فلا يُشترط أن ينوي كونها أداءً ولا قضاءً، ولا فرضاً ولا نفلاً. يكفي إذا نوى عين ما سوف يُصليه.
- قال: وَيَنْوِي مَعَ التَّحْرِيمَةِ أَوْ قَبْلَهَا بِيَسِيرٍ فِي الْوَقْتِ.
- النية تكون متى؟ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، أو قَبْلَهَا بِيَسِيرٍ فِي الْوَقْتِ.
- وقدر هذا اليسير قالوا: ما لا تفوت به الموالاة في الوضوء (يعني نصف دقيقة تقريباً أو أقل). لابد أن ينوي في هذا الوقت، يعني لو نوى قبل ساعة من الصلاة أنه سوف يصلي صلاة العصر أو الظهر، لا يصح، لابد أن يجدد نية قبل أن يكبر تكبيرة الإحرام.
- قال: فِي الْوَقْتِ أيضاً، لابد أن ينوي في الوقت، يعني لا يصح أنك تتوضأ قبل الظهر وتنوي أنك سوف تصلي الظهر، ثم يؤذن الظهر وتذهب إلى الصلاة، لا يصح. لابد أن يكون الوقت قد دخل.
- قال: وَإِنْ قَطَعَهَا أَوْ تَرَدَّدَ بَطَلَتْ. إذا قطع المصلي نية الصلاة، فإن الصلاة تبطل حتى لو لم يفعل شيئاً (إذا قطع في قلبه قال: خرجت من الصلاة أو قطعت نية الصلاة)، فإن الصلاة تكون باطلة. أو تردد في القطع (تردد هل يقطع الصلاة أو لا يقطع)، فإن نيته تبطل، وتبطل معها الصلاة، ويلزمه أن يستأنف.
- قال: وَيَجُوزُ قَلْبُ فَرْضِهِ نَفْلًا إِنِ اتَّسَعَ وَقْتُهُ. يجوز قلب الفرض نفلاً، ولكن القاعدة عندنا أن مَن دخل في فرض مُوسَّع، حَرُم قطعه بلا سبب. لكن يجوز أن تقلب نية الفرض إلى نفل، بشرط أن اتَّسَعَ وَقْتُهُ.
- قال: وَكُرِهَ بِلَا غَرَضٍ. يُكره أن يقلب المصلي فرضه إلى نفل بلا غرض صحيح. ومثال الغرض: أن يصلي الفريضة وهو منفرد، ثم يسمع بإقامة الجماعة بجواره، فيقلب هذه الفريضة إلى نافلة، ويدخل مع الجماعة حتى يصلي الفريضة جماعة.
- قال: وَيَنْوِي إِمَامٌ وَمَأْمُومٌ حَالَهُمَا. هذا شرط في الصلاة ولا يعلم به الكثير من طلاب العلم فضلاً عن العوام. يُشترط أن ينوي المأموم أنه مأموم، ويُشترط أن ينوي الإمام أنه إمام، وهذا يُشترط أن يكون من أول الصلاة.
- قال: فَإِنْ نَوَى مُنْفَرِدٌ الْإِمَامَةَ (أثناء الصلاة بعد ما كبر الإحرام)، أَوِ الِائْتِمَامَ (هو منفرد، فرأى جماعة تقام بجواره، فنوَى أن يأتَمَّ بهم)، لَمْ يَصِحَّ؛ لأنه لابد أن ينوي هذا من أول الصلاة.
- قال: وَتَبْطُلُ إِنِ انْفَرَدَ بِلَا عُذْرٍ يُبِيحُ تَرْكَ جَمَاعَةٍ. يجوز للمصلي المؤتم أن ينفرد بعذر يبيح ترك الجمعة والجماعة (مثل المرض، أو تطويل الإمام، ونحوها).
- لكن إذا انفرد المؤتم بلا عذر، فإنها لا تصح صلاته.
- قال: وَبُطْلَانُ صَلَاةِ إِمَامٍ (بِبُطْلَانِ صَلَاةِ مَأْمُومٍ). هذه قاعدة عندنا في كتاب الصلاة: صلاة المأموم مرتبطة بصلاة الإمام، فمتى بطلت صلاة الإمام، بطلت صلاة المأموم، إلا أن هذه القاعدة لها مستثنيات.
- ثم قال رحمه الله: وَلِإِمَامٍ أَنْ يَسْتَخْلِفَ لِمَرَضٍ وَحَصَرٍ عَنْ وَاجِبٍ. الإمام له أن يستخلف لمَرضٍ أصابه أثناء الصلاة، وكذلك لو حَصَر (مُنِع) عن واجب، ما استطاع أن يكمل القراءة الواجبة (وهي الفاتحة فقط)، أو تسبيحة الركوع، أو تسبيحة السجود.
- المستخلف هذا الذي استخلفه الإمام، انقلبت نيته من كونه مأموماً إلى كونه إماماً في أثناء الصلاة، وهذه الصورة مستثناة من قاعدة: “وَيَنْوِي إِمَامٌ وَمَأْمُومٌ حَالَهُمَا”.
- قال: وَيَبْنِي الْخَلِيفَةُ عَلَى صَلَاةِ إِمَامِهِ. يبني الخليفة (المأموم الذي استخلفه الإمام) على صلاة الإمام. فإن كان الإمام في الركعة الثانية، يكمل لهم من الركعة الثانية وهكذا.
- قال: وَإِنْ أَحْرَمَ الرَّاتِبُ بِمَنْ أَحْرَمَ بِهِمْ نَائِبُهُ، وَعَادَ النَّائِبُ مُؤْتَمًّا صَحَّتْ. إذا تأخر الإمام الراتب، وتقدم النائب وصلى بالناس وكبَّر تكبيرة الإحرام، ثم أتى الإمام الأصلي فكبر بهم، وعاد النائب مؤتماً، صحَّت. وهذا يدل عليه حديث أبي بكر رضي الله عنه. وهذا يدل على أن النائب حوَّل نيته من كونه إماماً إلى كونه مأموماً في أثناء الصلاة، وهذه الصورة مستثناة.
🕌 باب صفة الصلاة
قال رحمه الله: بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ.
- قال: يُسَنُّ قِيَامُ إِمَامٍ فَمَأْمُومٍ رَآهُ عِنْدَ قَوْلِ “قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ”. المذهب عندنا أنه يُسَنّ أن يقوم أولاً الإمام، ثم المأموم إذا رأى الإمام عند قول المؤذن: “قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ”. لقول الرسول عليه الصلاة والسلام: “إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَقُومُوا حَتَّى تَرَوْنِي”. فإذا رأى المأموم الإمام قام عند “قد قامت الصلاة”، حينئذٍ له أن يقوم ويتهيأ للصلاة.
- قال: وتَسْوِيَةُ الصَّفِّ بِالْمَنَاكِبِ وَالْأَكْعُبِ. يُسَنّ تسوية الصف بالمنكب، وبالأكعب (وهي العظمان الناتئان في أسفل القدم). التسوية تكون بالأكعب والمناكب، وليس بالأصابع كما يفعله الناس اليوم.
- قال: وقُرْبُهُ مِنْ إِمَامٍ. يُسَنّ أن يقترب الصف من الإمام. ويُكره أن يبتعد الصف عن الإمام فوق ثلاثة أذرع (أي متر ونصف)، أكثر من ثلاثة أذرع مكروه.
- قال: ويَقُولُ “اللَّهُ أَكْبَرُ” مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا. يقول المصلي (الإمام والمأموم والمنفرد) “الله أكبر” مرتباً، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: “تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ”. فلا تصح إن نَكَس، وقال “الله الأكبر” أو “أكبر الله”، فلا يصح.
- قال: قَائِمًا. يُشترط حتى تنعقد الصلاة أن يكبر تكبيرة الإحرام على كونه قائماً، فلا تصح قعوداً من القادر على القيام إذا كانت في صلاة فريضة.
- قال: رَافِعًا يَدَيْهِ إِلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ. يرفع يديه إلى حذو (مقابل) المنكبين.
- قال: مَضْمُومَةً مَمْدُودَةً مُسْتَقْبَلًا بِهَا الْقِبْلَةَ. تكون الأصابع مضمومة (لا تكون مُفرَّقة)، ممدودة، مستقبل بها القبلة.
- قال: وَيُسْمِعُهُ إِمَامٌ مَنْ خَلْفَهُ كَتَسْمِيعٍ وَتَسْلِيمَةٍ أُولَى. الإسماع هنا ندباً (استحباباً) في المذهب. يُسَنّ للإمام أن يُسمع مَن خلفه تكبيرة الإحرام، وهذا كالتسميع (كقوله: “سمع الله لمَن حمده”)، ويُسَنّ أن يُسمع الإمام المأمومين التسليمة الأولى فقط، ويُسِرّ بالثانية.
- قال: وَقِرَاءَةٌ فِي أُولَتَيْنِ غَيْرِ الظُّهْرَيْنِ. لعلنا نتوقف إلى هنا.
والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.