الأبواب في الحقيقة لطالب العلم في حياته، وهو الصلاة، كما عَلِمنا أنها أول ما يُحاسب عنه العبد يوم القيامة. فإن صلحت، صَلُح سائر العمل، وإن فسدت، فَسَد سائر العمل. فينبغي، بل يجب، على طالب العلم أن يهتم بصلاته، وهي من أهم أركان الإسلام، أولها بعد الشهادتين.
ونسينا الأسبوع الماضي أن نذكر ضوابط هذا الباب، فنذكر بعض الضوابط القليلة التي ستمر معنا إن شاء الله في هذا الباب.
⚙️ ضوابط صفة الصلاة
الضابط الأول: يُسَنُّ الْقِيَامُ لِلصَّلَاةِ عِنْدَ قَدْ قَامَتْ مِن إِقَامَتِهَا؛ سيقوم الإمام، فالمأموم إن رآه.
الضابط الثاني: السُّنةُ ضَمُّ الأَصَابِعِ فِي الصَّلَاةِ، إِلَّا فِي الرُّكُوعِ فَيُسَنُّ تَفْرِيجُهَا عِنْدَ وَضْعِهَا عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ.
- ضم الأصابع في الصلاة: الأصابع لا تكون إلا مضمومة؛ في التكبير، وفي وضع اليدين على الركبتين، وفي وضع اليدين في الأرض، ما تكون إلا مضمومة. إلا في حالة واحدة فقط تكون مُفرَّجة، وهي في حال الركوع، فيُفرِّج الإنسان المصلي أصابعه ويلقم بهما ركبتيه. إذاً، نقول: السنة ضم الأصابع في الصلاة، إلا في الركوع فيُسَنّ تفريجها عند وضعها على الركبتين.
الضابط الثالث: مَوْضِعُ التَّكْبِيرِ فِي الصَّلَاةِ أَثْنَاءَ الِانْتِقَالَاتِ، إِلَّا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ.
- موضع التكبير في الصلاة أثناء الانتقال للركوع مثلاً، وللسجود، وللرفع من السجود، والجلسة بين السجدتين، ومن الجلوس إلى السجود، هذا هو محل التكبير. لا يجوز على المذهب التأخير ولا التقديم. لا يجوز أنك تكبر مثلاً قبل الركوع ثم تركع، أو بعد ما تركع تكبر، لا يجوز، تبطل الصلاة عندهم. تبطل الصلاة لو كبَّر الإنسان ثم ركع، أو ركع ثم كبَّر لتكبيرة الركوع، لا يجوز وتبطل الصلاة. تكبيرة الإحرام تكون من أول الصلاة، وليس فيها انتقال.
الضابط الرابع: يُسَنُّ التَّجَافِي فِي الصَّلَاةِ حِينَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، إِلَّا الْمَرْأَةَ.
- التجافي يقصد به الإبعاد (إبعاد العضوين على الجنبين)، وأيضاً البطن عن الفخذين أثناء السجود. بعض الناس يُفرِّج في السجود لكن في الركوع يهمل. حتى الركوع تفريج، إلا طبعاً إذا آذى جاره، فحينئذٍ لا يُسَنّ التجافي. يُسَنّ التجافي في الصلاة حين الركوع والسجود، إلا المرأة، فلا يُسَنّ لها التجافي كما سيأتي إن شاء الله.
الضابط الخامس: ضَابِطُ الرُّكُوعِ الْمُجْزِئِ: أَنْ يَنْحَنِيَ بِحَيْثُ يُمْكِنُ الْوَسَطُ فِي الْخِلْقَةِ مَسَّ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ.
- حد القيام يقولون: ما لم يَصِرْ راكعاً. وإذا لم يصل إلى حد الركوع فهو قائم. وهذا يهمنا كثيراً في الصلاة، بحيث أنك إذا أدركت الركوع مع الإمام مثلاً، متى تكون مُدرِكاً للركعة؟ إذا أدركت الركوع مع الإمام. كيف تُدركه؟ إذا أدركته قبل أن يُزيل يديه من ركبتيه. أما إذا ارتفعت يداه وابتعدت يداه عن ركبتيه، فإنه قد زال من الركوع، وحينئذٍ لا تكون مُدرِكاً للركعة مع الإمام.
- وَمِنْ قَاعِدٍ: مُقَابَلَةُ وَجْهِهِ مَا وَرَاءَ رُكْبَتَيْهِ مِنْ أَرْضٍ أَدْنَى مُقَابَلَةٍ. يعني ينحني إلى الأمام حيث يقابل بوجهه الأرض. إذا قابل بوجهه الأرض فهو راكع الآن، أما إذا لم يقابل بوجهه الأرض، وإنما هو مُستقبل للقبلة، هذا من جالس، فإنه لا يُعد راكعاً. ما وراء المقصود به أمام ركبتيه.
هذه الضوابط المهمة في باب صفة الصلاة.
📚 متابعة صفة الصلاة (المتن المشروح)
بدأنا في الأسبوع الماضي في كلام المؤلف: يُسَنُّ قِيَامُ إِمَامٍ فَمَأْمُومٍ رَآهُ عِنْدَ قَوْلِ “قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ” وَتَسْوِيَةُ الصَّفِّ وَقُرْبُهُ مِنْ الْإِمَامِ، وَيَقُولُ “اللَّهُ أَكْبَرُ”. ذكرنا أن التكبير يبدأ من حين الرفع وينتهي عند انتهاء الرفع. إذا وقفت يداه هنا انتهى من التكبير، ثم يَنْزِلُهما ويقبض اليد اليمنى باليسرى من غير ذكر، يحطهما يقولون من غير ذكر، ولا يتكلم.
- قَائِمًا رَافِعًا يَدَيْهِ إِلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ. إذا انتهى من التكبير حطهما.
- مَضْمُومَةً أَصَابِعُهُ مَمْدُودَةً (ليست مقبوضة).
- وَيُسْمِعُهُ إِمَامٌ مَنْ خَلْفَهُ كَتَسْمِيعٍ وَتَسْلِيمَةٍ أُولَى. يُسَنّ للإمام أن يُسمع مَن خلفه التكبير، وكذلك يُسَنّ له أن يُسمعهم التسميع الذي هو قول “سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ”، وتسليمة أولى فقط، ويُسِرّ بالثانية.
- وَقِرَاءَةٌ فِي أُولَتَيْنِ غَيْرِ الظُّهْرَيْنِ. يعني يُسَنّ الجهر في الركعتين الأوليين لغير الظهر والعصر، أي المغرب والعشاء والفجر. وغير الإمام يسمع نفسه، وهذا في الحقيقة واجب ليس بسنة. المأموم والمنفرد لا بد حتى يُعدَّ قارئاً أن يتلفظ بالحروف ويسمع نفسه، وإلا لم يسمع نفسه، فلا يكون قارئاً للقرآن، وبذلك لا تصح صلاته.
- ثُمَّ يَقْبِضُ كُوعَ يَسْرَاهُ بِيُمْنَاهُ وَيَجْعَلُهُمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ إن استطاع. هذا السنة. أما وضعهم على الصدر، فالمذهب أنه مكروه.
- وَيَنْظُرُ مَسْجِدَهُ. يُسَنّ أن ينظر موضع سجوده.
- وَيَقُولُ “سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، وَتَبَارَكَ اسْمُكَ، وَتَعَالَى جَدُّكَ، وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ”. هذا دعاء الاستفتاح الذي يختاره الحنابلة.
- ثُمَّ يَسْتَعِيذُ سِرًّا بهذه الصيغة المستحبة عندهم: “أعوذ بالله من الشيطان الرجيم”.
- وَيُبَسْمِلُ نَدْبًا سراً. فيُسَنّ ألا يجهر بشيء من ذلك. التعوُّذ يكون في أول ركعة فقط، وأما البسملة فتكون في كل ركعة.
- قال: وَلَيْسَتْ مِنَ الْفَاتِحَةِ.
- ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ مُرَتَّبَةً وُجُوبًا (فلا يصح أن يقرأها مُنَكَّسة)، مُرَتَّلَةً (يتمهل في قراءتها ويقف عند كل آية)، وَمُتَوَالِيَةً (يجب أن تكون متوالية، لا يقطع القراءة بين آيات الفاتحة).
- قال: فَإِنْ قَطَعَهَا (المخاطَب بهذا الإمام) بِذِكْرٍ أَوْ سُكُوتٍ غَيْرِ مَشْرُوعَيْنِ وَطَالَ، أَوْ تَرَكَ مِنْهَا تَشْدِيدَةً (فيها إحدى عشرة تشديدة) أَوْ حَرْفًا، أَعَادَهَا وُجُوبًا غَيْرُ مَأْمُومٍ. أما المأموم، فالإمام يتحملها عنه؛ لأن قراءة الإمام لِمَن خلفه قراءة.
- ثُمَّ يَقُولُ “آمِينَ” جَهْرًا فِي جَهْرِيَّةٍ. يُستحب أن يُؤمِّن الإمام والمأموم معاً في نفس اللحظة.
- ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً كاملة.
- قال: وَتَكُونُ فِي الصُّبْحِ مِنْ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ (يبدأ من سورة ق إلى آخر المرسلات)، وَفِي الْمَغْرِبِ مِنْ قِصَارِهِ (من سورة الضحى إلى سورة الناس)، وَفِي الْبَاقِي مِنْ أَوْسَاطِهِ (الظهر والعصر والعشاء). لو خالف يجوز، إلا فقط في صلاة الفجر، فيُكره فيها القراءة بقِصار المفصل إلا لعذر (كنُعاس أو مَرض).
- قال: وَلَا تَصِحُّ بِقِرَاءَةٍ تَخْرُجُ عَنْ مُصْحَفِ عُثْمَانَ. أي لا تصح الصلاة بالقراءة التي تخرج عن مصحف عثمان، فلابد أن يقرأ بقراءة توجد كل كلماتها وسورها في مصحف عثمان.
- ثُمَّ يَرْكَعُ مُكَبِّرًا (يبدأ التكبير من أول الانحناء وينهيه قبل أن يستتم راكعاً) رَافِعًا يَدَيْهِ (كرفعهما في تكبيرة الإحرام)، جَاعِلًا رُكْبَتَيْهِ فِي رُكْنِ الْيَدَيْنِ، مُفَرَّجَةً أَصَابِعُهُمَا (يُفرِّج أصابعه)، وَيُسَوِّي ظَهْرَهُ وَرَأْسَهُ بِحِيَالِهِ (أي بإزاء ظهره).
- وَيَقُولُ “سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ” (واجبة مرة، وأدنى الكمال ثلاث تسبيحات، وأعلاها للإمام عشر).
- ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ (كرفعهما في تكبيرة الإحرام)، قَائِلًا: “سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ” إِمَامٌ وَمُنْفَرِدٌ مُرَتَّبًا وُجُوبًا (لا يستتم ثم يقولها).
- قال: وَإِذَا اسْتَتَمَّ قَائِمًا قَالَ (الإمام والمنفرد): “رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاءِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ” (يجوز نصبها ورفعها).
- ومَأْمُومٌ يَقُولُ فِي رَفْعِهِ فَقَطْ: “رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ”. والمأموم إذا استتم قائماً يسكت، ليس له ذكر مشروع هنا، والإمام يتحمل “ملء السماء والأرض” عنه.
- ثُمَّ يَخِرُّ مُكَبِّرًا سَاجِدًا عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ، يَضَعُ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَدَيْهِ ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ وُجُوبًا.
- قال: وَيَكُونُ عَلَى أَطْرَافِ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ مُوَجِّهَهَا الْقِبْلَةَ (يُفرِّق أصابع قدميه ويوجهها إلى القبلة)، وَيُجَافِي عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ وَبَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ وَهُمَا عَنْ سَاقَيْهِ، وَيُفَرِّقُ رُكْبَتَيْهِ وكذلك رجليه.
- قال: وَيُكْرَهُ تَرْكُ مُبَاشَرَةِ الْجَبْهَةِ بِالْمُصَلَّى بِلَا عُذْرٍ. (الجبهة والأنف واليدين).
- قال: وَيَقُولُ “سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى” وَأَدْنَى كَمَالِهِ مَا سَبَقَ.
- ثُمَّ يَرْفَعُ مُكَبِّرًا وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا يَسْرَاهُ (يجعل ظهرها على الأرض ويجلس عليها) وَيَنْصِبُ يُمْنَاهُ، وَيَقُولُ “رَبِّ اغْفِرْ لِي” ثَلَاثًا.
- ثُمَّ يَسْجُدُ الثَّانِيَةَ كَالْأُولَى، ثُمَّ يَنْهَضُ مُكَبِّرًا قَائِمًا عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ (مقدمة القدمين مما يلي الأصابع) مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ إِنْ سَهُلَ (لا يعتمد على الأرض).
- قال رحمه الله: فَيُصَلِّي الثَّانِيَةَ كَذَلِكَ غَيْرَ التَّحْرِيمَةِ (تكبيرة الإحرام) وَالِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ إِنْ تَعَوَّذَ فِي الْأُولَى.
- ثُمَّ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا (يفترش يسراه وينصب يمناه، ويجعل أصابعها متوجهة إلى القبلة)، وَوَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ مَضْمُومَةً أَصَابِعُهُمَا، قَابِضًا خِنْصَرَ الْيُمْنَى وَبِنْصَرَهَا مُحَلِّقًا إِبْهَامَهَا مَعَ الْوُسْطَى، مُشِيرًا بِسَبَّاحَتِهَا عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ فَقَطْ فِي التَّشَهُّدِ. (الإشارة هنا المراد بها أن يرفعها عند ذكر الله في أربعة مواضع، ثم يخفضها).
- وَيَقُولُ: “التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ”. 1هذا التشهد الأول.
- فَإِنْ كَانَتْ ثُنَائِيَّةً صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَتَعَوَّذَ مِنْ أَرْبَعٍ وَدَعَا وَسَلَّمَ. (يُصلي على النبي بالصيغة الإبراهيمية التي اختارها العلماء، ثم يُسَنّ أن يتعوذ من أربع، ثم له موطن دعاء بما يتعلق بأمور الآخرة). ثم يقول عن يمينه ثم عن يساره: “السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ”.
- وَإِنْ كَانَتْ ثُلَاثِيَّةً أَوْ رُبَاعِيَّةً قَامَ مُكَبِّرًا بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ (لا يرفع يديه)، وَصَلَّى مَا بَقِيَ كَالثَّانِيَةِ بِالْحَمْدِ فَقَطْ (بالفاتحة فقط)، ثُمَّ يَجْلِسُ مُتَوَرِّكًا (بأن يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى ويُخرجهما عن يمينه، ويجعل أليتيه على الأرض).
- قال: وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ إِلَّا أَنَّهَا تَضُمُّ نَفْسَهَا، وَتَسْدِلُ رِجْلَيْهَا فِي جَانِبِ يَمِينِهَا أَوْ تَتَرَبَّعُ. المرأة تضم نفسها (لا يسن لها التجافي)، وتسدل رجليها في جانب يمينها وتجلس على الأرض (وهذه أفضل)، أو تتربع.
بهذا ننتهي من صفة الصلاة. والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.