الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكفى بالله شهيدًا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا به وتوحيدًا. وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا مزيدًا. أما بعد:
إذًا، كما اتفقنا، درس اليوم سيكون في بداية كتاب جديد، وهو كتاب الأربعين النووية. وهذا الكتاب سنتحدث عنه فيما بعد، لكن قبل ذلك، نذكر مقدمة، ثم ندخل في جملة الكلام على الكتاب بإذن الله تعالى.
أولًا: ينبغي للعبد أن يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم مات وقد ترك أمته على محجة بيضاء. ما المقصود بـ المحجة البيضاء؟ هي الطريق الواضح. المحجة هي الطريق، والبيضاء لوضوحها. لو كانت ليلة لما كانت واضحة. وقد فسّر النبي صلى الله عليه وسلم هذا البياض بقوله: [تركتُكم على البيضاءِ، ليلُها كنهارِها، لا يَزيغُ عنها بعدي إلَّا هالِكٌ]، أو: [لا يحيد عنها إلا ظالم]. فأنتم، حتى تفهموا هذا الحديث، أي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [تركتكم على أمر واضح، بيِّن الطريق]. وهذا الطريق أبيض، لا يمكن للطريق الأبيض أن تقول: “لا أراه”.
والطريق الأبيض الواضح يستفيد منه العبد أمرين:
- الأمر الأول: أنه ظاهر للعين، يسهل اتباعه.
- الأمر الثاني: أن الثوب إذا كان أبيض، النقطة السوداء تبين فيه ولا؟ (؟) فالعيب في هذا الطريق يظهر. والمقصود بالعيب هو مخالفة الكتاب والسنة.
فهذه المحجة البيضاء قوامها أمران بيّنهما النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: [تركتُ فيكم أَمْرَينِ، لنْ تضلُّوا ما تمسَّكْتُمْ بهما: كتابَ اللهِ وسُنَّةَ نبيِّهِ]. فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أمرين:
- الأمر الأول: أن عندنا طريق الدين، محجة بيضاء، ظاهر بيِّن.
- الثاني: أن هذا الطريق قوامه بالكتاب وبالسنة.
أما الكتاب يا إخوة، فهو محفوظ بين دفتي المصحف، لا يستطيع واحد أن يقول: “أنا عندي سورة جديدة”، بل “آية جديدة”، بل “حرف جديد”. إذًا، الكتاب محفوظ. قال جل وعلا:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (سورة الحجر: 9).
أنزلنا، عفوًا: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾. ونزلنا -أو أنزلنا- اختلطت عليَّ الآية، لأنني أنا أفكر في آية أخرى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (سورة النحل: 44) وهي السنة.
فالكتاب محفوظ، وقال أهل العلم: وكما أن الكتاب محفوظ، السنة أيضًا محفوظة؛ لأنه يمكن أن يُحفظ الكتاب وتضيع السنة، ولضاع الدين. لكن فرق بين كتاب حفظه الله بنفسه ووكل حفظه إلى نفسه، وبين السنة الذي جعل الله جل وعلا حفظ السنة عن طريق علماء السنة والحديث. ولهذا لو جاء واحد وزاد حديثًا، العلماء يعرفونه ولا إشكال.
ولهذا لما قبض على أحد الزنادقة في عهد ربما هارون الرشيد أو غيره، حصل في عهد الدولة العباسية، أتوا بذلك الرجل ليقتلوه. قال: “إن قتلتموني، فلا يُرغم، لأني دسست في دينكم كيت وكيت ألف حديث موضوع”. فقال له من كان معه: “لا تخف، فينا ابن المبارك” يقصد عبد الله بن المبارك المحدِّث، أي أن العلماء يميزون ما بين الصحيح والضعيف والحسن، وما ليس بحسن، والحسن لغيره، والحسن لذاته، والشاذ والمنكر والمقلوب، وغير ذلك. بل لو زيد حرف واحد يعرفه المحدثون ويميزون.
إذًا، عندما نقول: الكتاب محفوظ، أي أن حفظه تكفّل الله به في دفتي المصحف. السنة أوسع، والكلام فيها كثير، لكنها هي أيضًا محفوظة. بل نقل المعلم عبد الرحمن بن يحيى الديماني رحمه الله تعالى الإجماع في أكثر من موطن من كتابه الأنوار الكاشفة بأن السنة محفوظة كما أن القرآن محفوظ.
والكتاب يا إخوة مات النبي صلى الله عليه وسلم وقد أوضحه للصحابة إيضاحًا تامًا. وهاهنا جواب على مسألة معروفة: هل فسَّر النبي صلى الله عليه وسلم القرآن للصحابة كاملًا أم لا؟ فسّره كاملًا، لكن مات وهو واضح ولا لا (؟) الكتاب؟ لأن الصحابة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عما أشكل عليهم ففسّره النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة، والباقي الصحابة أصحاب علم وعقل ولغة، فيفهمون الكتاب. إذًا، لا يأتي واحد يقول: بما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفسّر الكتاب، بقي في الكتاب غوامض. لا، الكتاب واضح بيِّن، لكن الله تعالى جعل أفهام الناس مدارك، فيفهم منهم البعض الكثير، ويفهم بعضهم منه القليل. ولهذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس، ابن عمه، أن يفقهه الله في الدين وأن يعلّمه الله التأويل. ولهذا كان يسمى ترجمان القرآن. حتى ذكر عن ابن عباس أنه فسّر في الحج سورة البقرة. قال الراوي: “فسّر ابن عباس سورة البقرة في الحج تفسيرًا لو شهدته فارس والروم لأسلموا”. فهمتم؟ لماذا لأسلموا؟ من شدة النَّزْع وقوة الفهم وحسن البيان.
ولهذا الصحابة ماتوا وبيَّنوا لغيرهم كما بيَّن لهم النبي صلى الله عليه وسلم. ليش؟ لأنه إذا ابتعدنا عن عهد النبوة، ضعف العلم وقل نور الوحي. ولهذا الصحابة أعلى من التابعين، والتابعون أعلم من تابعي التابعين، وهكذا.
فالآن الفاتحة تحتاج تفسير، بل البسملة تحتاج تفسير، والاستعاذة تحتاج تفسير، وكل شيء يحتاج تفسير الآن؛ لأن مدارك الناس ضعفت، والعهد بنور الوحي والنبوة ضعف. ولكن الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم لم يكونوا محتاجين لهذا كله، لكن مات النبي صلى الله عليه وسلم والدين واضح؛ لأن لو لم يكن واضحًا لما قال: [تركتكم على محجة بيضاء]. فبياضها ووضوحها دليل على أن الدين كان واضحًا من جهة الكتاب ومن جهة السنة.
والصحابة لأنفسهم فسّروا القرآن للتابعين، ولهذا قرأ مجاهد بن جبر القرآن على ابن عباس ثلاث مرات من الفاتحة إلى الناس، يستوقفه عند كل آية، وابن عباس يفسّر له القرآن كاملًا. فهمتم؟ إذًا، الصحابة وضحوا أكثر؛ لأن من جاء بعد الصحابة فيه أقل علم من عهد الصحابة رضي الله عنهم.
السنة، فقد جُمعت: المصحف كان مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو منتشر عند الصحابة، جاء عمر وجمعه، وبقي في بيت حفصة، حتى جاء عثمان رضي الله عنه وجمعه في كتاب واحد وهو المصحف الذي بين أيدينا الآن. ومن ذاك الوقت والأمة متفقة على هذا المصحف الذي يسمى المصحف الإمام بقراءاته وبرواياته وغير ذلك، كله محصور في هذا المصحف. وهذا بحثه في غير هذا الموضع.
لكن المصحف يجمع كل القرآن. أما السنة، الأمر فيها أوسع، ولهذا جُمعت السنة يا إخوة في دواوين الإسلام. وقد بدأ تدوين السنة مبكرًا. ومن الدواوين الكبرى موطأ الإمام مالك رحمه الله تعالى، سماه بـ الموطأ؛ لأنه وطَّأه للناس، أي هيَّأه للناس رحمه الله تعالى. ثم جاء بعد الإمام مالك رحمه الله تعالى أصحاب الصحاح الستة، ويسمّون بـ الصحاح تجوزًا، والمقصود بهما البخاري ومسلم، وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. هؤلاء هم أصحاب الصحيحين و السنن الأربعة. يضاف إليهم شيخهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى، صاحب المسند. فتجد أن في هذه الكتب عندنا: هذه الستة مع المسند والموطأ صارت ثمانية، مع سنن الدارمي صارت تسعة. هذه عليها دواوين الإسلام، وهي لم تجمع كل الأحاديث، لكن جل أحاديث الدين هي موجودة في هذه الكتب.
هذه الكتب يا إخوة جمعها العلماء في كتب كبيرة، فلهذا الكتاب الواحد تجد فيه آلاف الأحاديث. فلا يستطيع كل واحد أن يقرأ صحيح البخاري كاملًا، والواحد لا يستطيع أن يقرأ رياض الصالحين كاملًا. فهمتم؟ فضلًا عن أن يقرأ المستدرك محمد المطبوع في خمسة وثلاثين مجلدًا (35 مجلد). فهمتم؟ يعني لا يستطيعه كل واحد، بل يحتاجه الباحث وطالب العلم وغير ذلك. ولهذا جاء أهل العلم فيما بعد وذللوا ويسروا دراسة السنة، فجمعوا أحاديث في أبواب معينة. فهمتم؟
وهذا قد عُمل أيضًا في القرآن، ولهذا تجد في القرآن بعض العلماء اعتنى بآيات معينة في أبواب معينة. أضرب لكم مثالين:
- المثال الأول: من أهل العلم من اعتنى بالآيات الخاصة بالتوحيد والعقيدة، ومن أهل العلم ذلك كتاب الدين الخالص لصديق حسن خان، وجاء من بعده وفاقه في كثير من الأمور تقي الدين الهلالي المغربي رحمه الله تعالى التطواني في كتابه سبيل الهدى والرشاد رحمه الله تعالى، وهو مطبوع في ستة أجزاء.
- ومن أهل العلم من جمع يا إخوة فيما يسمى بـ آيات الأحكام، يعني لا يأخذ من الآيات إلا ما يتعلق بالأحكام الفقهية. وهذه هي الكتب التي طُبعت باسم أحكام القرآن. ومن أشهرها ومن أعظم المذاهب عناية بهذا المذهب المالكي بلا منازع. ومن أجمع الكتب في هذا الباب الجامع لأحكام القرآن لأبي عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى، ومن قبله ابن العربي المالكي، و الجصَّاص عند الأحناف، و الكيَّا الطبري عند الشافعية، إلا الأحناف ليس لهم كتابه في هذا إلا عند المتأخرين.
هذه آيات الأحكام، وهذه آيات العقيدة. إذًا، تخصيص بعض المواطن بالتأليف هذا أمر معروف.
لكن الذي يعنينا في هذا الدرس هو من خصص أحاديث وجمعها في السنة، فمنهم من جمع في السيرة، ومنهم من جمع في الآداب، ومنهم من جمع في أحاديث الأحكام. مثال: كتاب عمدة الأحكام، بلوغ المرام، المنتقى (منتقى الأخبار) للمجد ابن عبد السلام ابن تيمية، و المحرر لابن عبد الهادي وغير ذلك. فهذه أحاديث في أغراض معينة، يعني يأتي إلى أحاديث الفقه ويجمعها. وتجد أن بعضهم يجمعها خاصة الخاصة، فهو يجمع في الأحكام لكن من كتابين. فـ عمدة الأحكام جمع في الأحكام لكن في الأحكام من الصحيحين فقط. فهمتم؟ أما بلوغ المرام فتجد فيه كل الكتب، و المنتقى أوسع منه وهكذا.
رياض الصالحين ماذا فعل النووي؟ جمع الأحاديث في أي شيء؟ في فضائل الأعمال والآداب عمومًا، وهكذا. وكل هذه أغراض حسنة.
ومن هذه الكتب التي هي جمع للأحاديث: كتاب الأربعين النووية، واسمه: الأربعون في مباني الإسلام وقواعد الأحكام، المشهورة بـ الأربعين النووية. واسم الكتاب هو هكذا. هذه الأربعين جمعها يحيى بن شرف النووي رحمه الله تعالى، المتوفى سنة ست وسبعين وستمائة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. وكم له من العمر؟ خمسة وأربعون سنة (45 سنة)، رحمه الله تعالى. فهذا العالم الذي ملأ الدنيا بالتصانيف مات وهو دون الخمسين. فهمتم؟
والنووي أشهر من أن يُترجم له، شيوخه معروفون وطلابه معروفون. ومات أعزب رحمه الله تعالى ولم يتزوج، وكان فيه زهد معروف كبير، وكان نابغًا في العلم منذ الصغر. وبارك الله جل وعلا له في حياته، فكتب كتبًا لو قسمتها اليوم على لجان علمية لم تستطع أن تأتي بمثلها، لكن الله تعالى يبارك لخلقه في خلقه بما يشاء متى يشاء. فتجد أن بعضهم مات دون الأربعين وعنده من المصنفات ما يكتبه الناس لو عاشوا ثمانين وتسعين سنة ولا يكتبونه. لكن الله تعالى يبارك لعباده بما شاء. ولهذا اسألوا الله تعالى دائمًا يا إخوة البركة، لا تسألوا الكثرة، اسألوا البركة. فقد يبارك الله تعالى في القليل، وقد تُعطى الكثير ولا بركة فيه.
فالنووي رحمه الله تعالى مثال على هذه البركة، فكل ما كتب النووي معروف. تجد أن بعض العلماء كتبوا -يعني الأربعين النووية- سنتكلم فيما بعد بإذن الله تعالى في مقدمة الكتاب على كتب كثيرة كتبت باسم الأربعين في هذا العصر وفي القديم، لكن إذا أطلقت لفظ الأربعين، إيش تفهم منه؟ إلا كتاب النووي، إلا كتاب النووي فقط. ليش؟ لأن الله تعالى بارك له في هذا الكتاب. وكذلك كتابه رياض الصالحين، يعني لا يكاد يخلو بيت من رياض الصالحين. فهمتم؟
ومن كتبه الكبرى: المجموع في شرح المهذَّب. هذا المهذَّب للشيرازي من علماء الشافعية، شرحه النووي في كتابه المجموع. وهو لو تم كان يكون من أوسع كتب الإسلام. واضح؟ من أوسع كتب الإسلام، ولكن النووي توفي رحمه الله تعالى وقد وصل فيه إلى باب الربا من كتاب البيوع. جاء السبكي وأتمه، ومات ولم يكمله؛ لأن الكتاب نفسه واسع، وهو كتاب في الخلاف النازل والعالي. ثم جاء معاصره محمد بخيت المطيعي رحمه الله تعالى وأتم الكتاب، وهو المطبوع الآن. المطبوع الآن ليس للنووي فقط، إنما هو للنووي والسبكي والمطيعي. وهو من أوسع كتب الإسلام أيضًا، كُتب في الفقه الشافعي، وهذا بابه معروف عند الشافعية كـ روضة الطالبين وغير ذلك من الكتب. كتب في آداب القرآن وكتب في عدة أبواب.
من جلالة قدر النووي أنه إذا قيل في متأخري الشافعية: قال الشيخان، قصد به الرافعي والنووي. يعني صار في المذهب عِلمًا. إذا قيل اسمه، كما في المذهب المالكي إذا قيل: القاضيان، قصد به أصالة القاضي عبد الوهاب. فمن شهرة الشافعي ومن تحريره لمذهب الشافعي رحمه الله تعالى، صار معول متأخري الشافعية على ما كتب وحرَّر النووي رحمه الله تعالى.
هذا الكتاب يا إخوة منذ أن جمعه النووي اعتنى به العلماء الكثير، وبدأت العناية به مبكرًا. ومن الذين اعتنوا به ابن العطار، وهو من أخص تلاميذ النووي، بل يسمى مختصر النووي هو نفسه؛ لأنه عارف لفقه شيخه. و ابن العطار للفائدة هو أخو الذهبي من الرضاعة، والذهبي شافعي. فـ ابن العطار شرح كتاب شيخه الأربعين.
ثم تتابع العلماء على شرحه. وأنا طبعًا لن أستقصي كل الشروح، وإلا المطبوع والمعروف نحو مائة شرح. هذا المعروف، وربما ما خفي ولا نعلمه كثير. ومن عناية المسلمين بـ الأربعين النووية كتب أحد المعاصرين كتابًا سماه: إتحاف الأنام بذكر شروح العلماء على الأربعين في مباني الإسلام وقواعد الأحكام، يعني كتب كتابًا ليس في شرح الأربعين، لا، في بيان عناية العلماء بـ الأربعين.
يعني من المذهب الحنفي، ثانيًا المذهب المالكي: عندنا المنهج المبين للفاكهاني رحمه الله تعالى، وهو تلميذ ابن دقيق العيد. واختصر شرحه المنهج المبين في شرح آخر أتى فيه بمختصر مع زيادات ليست في الأصل. وشرح الفاكهاني يعتني بالناحية اللغوية؛ لأنه نحوي، وهو نظير شرحه رياض الأفهام لـ عمدة الأحكام. والفاكهاني صاحب كتاب المورد في عمل المولد، فهو من شيوخ المالكية المشهورين. وأيضًا شرحه -وهذا لعلكم لم تسمعوا به- الشَّبرخيتي. هذا من علماء المالكية في مصر، مات في القرن الحادي عشر، له شرح على الأربعين النووية.
أما الشافعية -يعني النووي شافعي- فعناية الشافعية بكتاب أحد علمائهم كثيرة جدًا. ومن أعظم شروح الشافعية شرح ابن الملقن، شيخ الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى صاحب التصانيف المشهورة، وشرح ابن حجر الهيتمي وشرح ابن جماعة وآخرين. ومن شروح الحنابلة شرحان معروفان: الأول شرح ابن رجب، والثاني شرح الطوفي.
وشرح ابن رجب يا إخوة، ابن رجب جاء إلى الأربعين -وهي اثنان وأربعون (42) حديثًا- زاد عليها ثمانية، صارت كم؟ خمسين (50). وشرح الكل في كتاب سماه: جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم. وهو أعظم شرح على الأربعين النووية. فهمتم؟ يعني أعظم شرح على الأربعين من جهة التأصيل واتباع عقيدة السلف وفقه السلف، مع لطائف ونكت علمية قل نظيرها. هو شرح العلامة ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى.
لكن هذا الشرح لا يصلح للمبتدئ إذا أراد أن يقرأ شرحًا على الأربعين؛ لأن الشرح نفسه طويل وموسَّع، طبع في مجلد وطبع في مجلدين وطبع في ثلاث مجلدات. فهمتم؟ الكتاب واسع وكبير، وربما مكث في الحديث الواحد عشرات الصفحات مع استطرادات وتفصيلات وتفريعات، من لم يكن مُحكِمًا لأصل العلم ضاع فيها وضيع أصل الكتاب. ولهذا لا أنصح من لم يقرأ شرحًا على الأربعين أن يأتي إلى جامع العلوم والحكم ويقرأه. لا يعني أن الكتاب ليس عظيمًا، الكتاب من أعظم ما يكون، لكن لكل مقام مقال. والناصح هو الذي يوجهك إلى الكتاب الذي ينفعك.
ولهذا توالت شروح المعاصرين على كتاب الأربعين النووية. بل لا يُعلم عالم جلس للتدريس إلا وشرح الأربعين، إن لم يكن مرات فهي على الأقل مرة. وعيب على العالم أو طالب العلم أن يشرح الأربعين النووية مرة واحدة. هذا ليس من الكتب يا إخوة التي تكون في مرحلة دون مرحلة. هذه أحاديث قالها النبي صلى الله عليه وسلم تدخل في كل شؤون الحياة. إذًا، لا بد لكم أن تجددوا العهد بها. ونحن شفتوا اليوم نبدأ هذا الشرح. في درس آخر أنهيته الأسبوع الماضي في الأربعين النووية، لكن كان شرحًا مختصرًا. هذا سيكون شرحًا فيه توسع أكثر من الأول، وربما ييسر الله تعالى شرحًا يكون أوسع من هذا وهكذا؛ لأن كل مرة تعيد النظر في هذه الأحاديث الجامعة سيظهر لك فيها من العلم والفوائد والحكم، مع ما تفهم به واقع الناس الشيء الكثير. فهذا ليس من الكتب التي تُقرأ مرة ثم يُستغنى عنها، بل ينبغي أن تقرأ مرة بعد مرة.
قلت لكم: شروح المعاصرين كثيرة جدًا، لكن من أراد منكم أن يقرأ شرحًا -وهو الذي سأعتمد عليه نوعًا ما مع زيادات كثيرة لكن أصله عنه- هو شرح الشيخ عبد المحسن العباد. لماذا هذا الشرح؟
- أولًا: هذا الشرح مُحرَّر مكتوب وليس صوتي.
- ثانيًا: انتقاه من ابن رجب مع فتح الباري مع شروح أخرى لبعض المعاصرين.
- ثالثًا: الكتاب سهل العبارة.
- رابعًا: اعتنى فيه بفوائد في آخر كل حديث.
فلو كنت مقتنيًا شرحًا واحدًا فخذ هذا الكتاب. وهو قد شرح الأربعين وتتمة الخمسين، وسماه: فتح القوي المتين في شرح الأربعين وتتمة الخمسين. فهمتم؟ من لم يجده فليقرأ الشروح الأخرى المختصرة، واجعل لك كتابًا واحدًا، وكلما زدت فائدة أخرى من شرح كتاب آخر لـ الأربعين زدها على ذلك الكتاب، فيكون عندك كتاب هو الأصل، وما تحفظه وما تتعلمه من الكتب الأخرى تكون زيادة.
ولكن بعض الإخوة يشري -وموجود عندنا هنا- هذا أظن هذا الكتاب ليس هذا، لكن رأيت مرة كتبًا يسموها الجامع لشروح الأربعين، تجد فيه شرح النووي والطوفي وفلان وفلان، خمسة شروح. الحديث الواحد يقرأه شرح الشيخ الأول والثاني والثالث والرابع، يعني ما يوصل الحديث الرابع كان قد عدَّ عام. هذا لا يستطيع أن يُفلح في العلم. هذه طبعات مصرية تجارية، يعني تحب الكمية بالقُرب. فهمتم؟ يبيع لك يعني يشرح في كتاب واحد، تجدها رخيصة تفرح، لكن إذا دخلت مكتبتك لا تستفيد منها. أنت تحتاج كتابًا واحدًا ولو كان في وريقات.
أنا أضرب لكم مثالًا من المعاصرين: كتاب حصن المسلم. تعرفونه؟ قلَّ من لا يعرف حصن المسلم. أصله كتاب كبير لا يكاد يعرفه إلا القليل. ونفع الله بهذا الكتاب الصغير من جهة الحجم، والعظيم من جهة القدر. ومؤلفه كتب مئة وثلاثين كتابًا تقريبًا في مجلدات كبيرة، لكن إذا قيل فلان قيل: صاحب حصن المسلم. فهمتم؟ وهو كتاب في الأذكار، يعني لم يأت بجديد. ليش؟ لأن الله تعالى يضع بركته حيث يشاء. ولذا بعض الإخوة أزوره وأجد أن مكتبته قليلة، وكأن بعضهم يستحي. لا، من العلماء المعاصرين الكبار من كانت مكتبته أقل من مكتبتنا، يعني مكتبة بعض طلاب العلم، وهو عالم كبير، إمام من الأئمة. فهمتم؟ ليش؟ ليست العبرة بكثرة الكتب، هكذا يشري ويكدس. ولهذا يقول شيخ الإسلام في الوصية الصغرى: “ومن لم يجعل الله له نورًا لم تزده كثرة الكتب إلا حيرة وضلالة”. ثم ضرب شيخ الإسلام مثال اليهود والنصارى عندهم التوراة والإنجيل أم لا؟ لكن ضلوا بها، مع العلم أنه ما زال فيها بعض الحق الذي حرّفوه، لكن ما زال أصل بعض الحق، ومع هذا هم ضُلال. ويسمون بـ أهل الكتاب. ولهذا الله تعالى في القرآن إذا خاطبهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ هذا مدح؟ هذا ذم، يعني: أنتم ضللتم مع أنه عندكم الكتاب، خلاف المشركين الأميين ليس عندهم كتاب، نشأوا في الشرك وعاشوا عليه ودعوا إليه.
الأربعون النووية يا إخوة كتاب أريد منكم أن تحفظوه. ونحن عندنا درس في الأسبوع، ربما في أسبوع إن شاء الله تعالى نشرح حديثًا، وربما في درس نشرح أحاديث، وربما نمكث دروسًا في حديث واحد، ليس كحديث جبريل، كحديث ابن عمر: [بُني الإسلام على خمس]، وليس كحديث أبي ذر: [يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي] وهكذا. فالأحاديث تتفاوت من جهة المسائل التي فيها ومن جهة الطول في تلك الأحاديث. فأنت كلما أنهينا حديثًا وفهمته في الدرس تحفظه. ثم إذا حفظته ويكون عندك متن الأربعين النووية ماذا تفعل؟ تأتي إلى تلك الفوائد التي سمعتها في الدرس وتحاول على الأقل أن تشرح الكلمات وتعلِّم تلك الفوائد.
متى تعرف نفسك بأنك فهمت الحديث؟ إذا طلبت منك أن تشرحه لي وشرحته لي. وشرح كريم لا يطلب منك شرح ساعة، لكن أقول لك: ما معنى [إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى]؟ إن استطعت أن تشرحه فأنت قد فهمته. وهنا بداية الإفلاح في العلم بالحديث. بالحديث كما ذكرت لكم في أكثر من موطن قول ابن شهاب الزهري: “مُرَامُ العلم جملةً ضاع عنهُ جملةً”. إنما يُطلب العلم على مَرِّ الأيام والليالي، اليوم علم وغدًا مثله، من نُخب العلم التي تلتقط، يحصل المرء بها حكمة، وإنما السيل اجتماع النقط. بل ذكر الخطيب البغدادي في كتابه الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، ذكر رجلًا طلب العلم ولم يفلح فيه، يعني طلب وطلب لكن لم يتيسر له، قال فملَّ وترك العلم. فذات مرة كان مارًا وإذا به عند صخرة، وكان هذه الصخرة يسقط عليها الماء. فلما نظر وجد أن الماء قد أحدث حفرة في تلك الصخرة. فقال هذا الرجل متأملًا: “سبحان الله! الماء على لطافته أثَّر في الصخر على كثافته. فليس العلم بألطف من الماء، وليس قلبي بأكثف من الصخر”. قال الخطيب: فعاد وطلب العلم وصار فيه من المشهورين البارزين. فهمتم؟
لا ينبغي لك أن تزدري، قل: “أنا أحضر درس واحد ودرس في الأربعين النووية”. بعد النووي صار العلماء إذا ترجموا لكثير من الأئمة لا يقولون في ترجمته: حفظ الألفية في الحديث والألفية في المصطلح عفوا الحديث، وألفية ابن مالك في النحو، وجمع الجوامع وكذا في الأصول، و حفظ الأربعين النووية. وهم يترجمون لعالم كبير. وحد آخر يقول: “هذا عالم كبير”. لماذا يبدأون بكتاب صغير؟ ستقرأ في حياتك كثيرًا، لكن لا يبقى إلا ما حفظت. فإذا كانت ذاكرتك ضعيفة كرر عشرين مرة، كرر مئة مرة، مرة تسمع مرة تقرأ مرة يقرأ عليك وهكذا حتى ترسخ هذه الأحاديث. وأنا إن شاء الله سأذكركم مرة بعد مرة، أريد أننا إذا أكملنا إن شاء الله هذه الأربعين أن يحفظ كلكم أو جلكم على الأقل هذه الأربعين النووية. وإذا حفظها الإنسان عنده من الأحاديث التي يدور عليها الإسلام كاملًا بإذن الله تعالى.
هذا الكتاب الأربعين النووية جرت عادة كثير من أهل العلم أنهم إذا شرحوه بدأوا بقوله: [قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عمر بن الخطاب: إنما الأعمال بالنيات] لكن هذه هي الأحاديث الأربعين النووية، وليس كتاب الأربعين النووية. كتاب الأربعين النووية قدم له النووي بمقدمة، ثم ذكر الأحاديث، ثم ذكر شروح ألفاظ الحديث في آخر الكتاب. إذًا، النووي الأربعين النووية في ثلاثة أمور:
- الأمر الأول: المقدمة.
- الثاني: الأحاديث التي غالبًا كل الناس يشرحونها.
- والثالث: هي عبارة عن ألفاظ شرح بها، وفيها ما ينبغي وما يحتاجه دارس الأربعين.
وليت النووي رحمه الله تعالى ذكر هذه الألفاظ عقب كل حديث، فوضعها في آخر الكتاب حال دون الاستفادة منها. وإلا الأحسن أنك إذا أنهيت حديث [إنما الأعمال بالنيات] تجد شرح الألفاظ تحته، كما فعل عبد الغني المقدسي مثلًا في عمدة الأحكام.
قال النووي رحمه الله تعالى:
“بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، قيوم السماوات والأراضين، مدبِّر الخلائق أجمعين، باعث الرسل صلواته وسلامه عليهم إلى المكلفين، لهدايتهم وبيان شرائع الدين بالدلائل القطعية وواضحات البراهين. أحمده على جميع نعمه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه”.
إذًا، بيَّن الإمام النووي رحمه الله تعالى في هذه المقدمة بعد حمد الله تعالى أن الله تعالى قيوم السماوات والأرض. ومعنى قيوم: أي القائم عليها سبحانه وتعالى، بل به يقوم كل شيء. فالله تعالى قائم بنفسه قائم بغيره، فلا يقوم شيء في السماوات ولا في الأرض إلا إذا أقامه الله، وهو سبحانه وتعالى يقوم بنفسه جل جلاله.
ثم قال بعد: “مدبر الخلائق أجمعين”. تدبير الله جل وعلا لهم هو خلقهم ورزقهم وإحاطته بهم وغير ذلك من الأمور. فهذا كله داخل في تدبير الله جل وعلا. فإذا أراد إفقار أحد أفقره، وإذا أراد أن يغنيه أغناه، وإذا أراد إحياءه عاش، وإذا أراد إماتته مات. فهو المدبر، ولا يكون شيء في الخلق إلا بإذنه جل جلاله.
ثم رحمه الله تعالى قال: “وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الواحد القهار”. القهار هو الذي غلب جميع خلقه، فالكل ذليل إلى الله جل وعلا؛ لأن الجميع تحت قهره.
قال بعدها: “الكريم الغفار”. إذا ذكر في الأول أن الله واحد قهار، وذكر في الثاني أنه كريم غفار. وهذا يستوجب منك أمرين:
- الأمر الأول: غاية الخوف.
- والثاني: غاية الرجاء.
إذا علمت أن الله قهار تخافه، وإذا علمت أنه كريم غفار ترجوه. والمؤمن يعيش في هذه الدنيا يا إخوة ما بين خوف ورجاء، تخاف النار وترجو الجنة وثواب الله جل وعلا، ولا يتم ذلك إلا بـ المحبة.
قال بعد: “وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وحبيبه وخليله، أفضل المخلوقين، المكرَّم بالقرآن العزيز المعجزة المستمرة على تعاقب السنين، وبالسنن المستنيرة للمسترشدين، المخصوص بجوامع الكلم وسماحة الدين، صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر النبيين والمرسلين، وآل كل وسائر الصالحين”.
ذكر هنا الحافظ النووي رحمه الله تعالى ما يسمى عند أهل البلاغة بـ براعة الاستهلال. براعة الاستهلال ما هي؟ هي أن يدمج المصنِّف أو المتكلم في صدر كلامه ألفاظًا تدل على محتوى الكتاب الذي سيكتبه. فهنا الكتاب في الأربعين النووية، وهذه الأربعون النووية من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا قال: “المكرَّم بالقرآن العزيز المعجزة”، فالقرآن فيه جوامع الكلم. وكذلك السنة، قال بعد: “المخصوص بجوامع الكلم وسماحة الدين”.
فالنبي صلى الله عليه وسلم خصه الله بجزالة اللفظ وغزارة المعنى، فدينه دين حنيف سمح. ولهذا في الحديث الصحيح: [بُعثتُ بالحنيفيةِ السمحةِ]. حنيفية في الاعتقاد، سمحة في التشريع. قال: “وجوامع الكلم” هي ماذا؟ هي أن الله يختصر لنبيه صلى الله عليه وسلم الكلام الكثير في اللفظ القليل. وهذه الأحاديث الأربعون كلها من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم. قل: [آمنتُ باللهِ ثمَّ استقمْ]، [الدينُ النصيحةُ]، زوج كلمات، وتجد فيها من المعاني الشيء الكبير. ليش؟ لأن الله تعالى اختصر لنبيه صلى الله عليه وسلم الكلام اختصارًا. ولهذا لو عدّ كلام النبي صلى الله عليه وسلم يُعد، كان يخرج من ثغره صلى الله عليه وسلم كالخرز. لو أراد العادّ أن يعد كلمات النبي صلى الله عليه وسلم في اليوم يعدها. ولهذا الصحابة ما تركوا شيئًا من حياته إلا ونقلوه.
فلم يكن صلى الله عليه وسلم يتكلم الكلام… تقرأ “روينا” وتقرأ “روينا” أي نقل إليه ذلك بالأسانيد عن شيوخه. هذا العلم يا إخوة يؤخذ بالسماع أصالةً، كابرًا عن كابر. فأنت تأخذه عن شيخك وشيخك عن شيخه وهكذا. فمثلًا هذه الأربعين أنا الآن أدرسكم الأربعين، وسندي بها متصل إلى الإمام النووي رحمه الله تعالى. فلو شئت أن أقرأ عليكم -وربما نفعله إن شاء الله تعالى في آخر الأربعين– فأذكر لكم السند من هذا الدرس إلى الحافظ النووي بسلسلة الرجال؛ لأن هذا العلم، لكن هذا ما يسمى بـ الإجازات، هذه من ملح العلم وليست من متين العلم.
وإلا بعض الناس يتتبع الأسانيد في الشرق والغرب ولو سألته عن تفسير الفاتحة لا يُحسن، بل بعضهم يتتبع الأسانيد وتراه مُقِرًّا أمام قبر يعبده، هذا لا ينفعه. العبرة على العمل بالعلم. وأما الأسانيد فهي من ملح الدين.
قال: “فقد روينا عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء، وابن عمر، وابن عباس، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهم أجمعين، من طرق كثيرات، بروايات متنوعة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [مَنْ حَفِظَ عَلَى أُمَّتِي أَرْبَعِينَ حَدِيثًا مِنْ أَمْرِ دِينِهَا بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي زُمْرَةِ الْفُقَهَاءِ وَالْعُلَمَاءِ] وفي رواية: [بَعَثَهُ اللَّهُ فَقِيهًا عَالِمًا] وفي رواية أبي الدرداء: [وَكُنْتُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَافِعًا وَشَهِيدًا] وفي رواية ابن مسعود: [قِيلَ لَهُ: ادْخُلْ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتَ] وفي رواية ابن عمر: [كُتِبَ فِي زُمْرَةِ الْعُلَمَاءِ وَحُشِرَ فِي زُمْرَةِ الشُّهَدَاءِ]”.
إذًا، شفتم روايات الحديث، حاصل هذا الحديث أن من حفظ عن هذه الأمة أربعين حديثًا من أمر دينها كان له هذا الأجر: كُتب في زمرة الفقهاء والشهداء، وقيل له يوم القيامة: “ادخل الجنة من أي الأبواب شئت”.
هذا الحديث قال بعدها النووي: “قال واتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف وإن كثرت طرقه”. إذًا، هذا الحديث شفتم طرقه كثيرة، لكنه ضعيف. فلا تدل كثرة طرق الحديث على صحته. فإن قال قائل منكم ممن درس علم المصطلح: ألسنا نقول بأن الحديث الضعيف إذا جاء معه حديث ضعيف وحديث ضعيف صار حسنًا لغيره؟ يقال: نعم، بشرط أن لا يكون الضعف شديدًا، ولا شديد الضعف مع شديد الضعف لا يفيده. فهمتم؟ ولذا ربما بعض العلماء تساهل في التصحيح بكثرة الطرق. لا، ليست كل الطرق تفيد، بدليل هذا الحديث. وهنا تعلمون أن العبرة ليست بالكثرة.
حديث [إنما الأعمال بالنيات] الذي سيأتي معنا حديث فرد مطلق، لم يروه عن عمر إلا علقمة بن وقاص الليثي، ولم يروِ عنه إلا محمد بن إبراهيم التيمي، ولم يروِ عن التيمي إلا يحيى بن سعيد الأنصاري. إذًا: عمر، ثم واحد، ثم واحد، ثم واحد، ثم رواه عن الأنصاري فئات من الناس كثيرة، بلغوا المئات حتى أوصله بعضهم إلى سبعمائة وهو مبالغة، والأقرب أنهم يعني دون المائتين. إذًا، شفتوا حديث [إنما الأعمال بالنيات] من من الأمة لا يحفظه؟ قليل. وهو حديث في الصحيحين وغيرهما، واتفقت الأمة على قبوله، وهو حديث رواه واحد عن واحد عن واحد عن واحد ثم انتشر. فهمتم؟ وهذا رواه جماعة من الصحابة وعن الصحابة أيضًا جماعة، لكن الأسانيد لا تصح إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالحديث ضعيف.
ثم قال النووي: “قال وقد صنّف العلماء في هذا الباب ما لا يُحصى من المصنّفات، فأول من علمته صنّف فيه عبد الله بن المبارك، قال ثم محمد بن أسلم الطوسي العالم الرباني، ثم الحسن بن سفيان النسوي، وأبو بكر الآجري، وأبو بكر محمد بن إبراهيم الأصبهاني، والدارقطني، والحاكم، وأبو نعيم، وأبو عبد الرحمن السلمي، وأبو سعيد الماليني، وأبو عثمان الصابوني، وعبد الله بن محمد الأنصاري، وأبو بكر البيهقي، وخلائق لا يُحصون من المتقدمين والمتأخرين”.
إذًا، الأربعون كُتبت كثير جدًا جدًا، عملًا بتلك الأحاديث التي رأى بعض أهل العلم صحتها أو إثباتها أو وإن خفت عنده رجا ثوابها وغير ذلك.
ثم قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: “وقد استخرت الله تعالى في جمع أربعين حديثاً اقتداءً بهؤلاء الأئمة الأعلام وحفاظ الإسلام”. يعني أردت أن أجمع مثلما جمعوا. قال: “وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال”.
إذًا، النووي قال: “هاممت واستخرت الله تعالى في أن أجمع الأربعين مثلما جمع هؤلاء الأئمة من ابن المبارك إلى من قبل النووي”، وهم أئمة كبار. لكن النووي بعدين إش قال؟ قال: “وقد اتفق العلماء على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال”. وهذا الإجماع الذي نقله النووي رحمه الله تعالى، الحافظ النووي استدرك عليه، بل هو نفسه حكى في ذلك خلافًا. إذًا، لو جاءك واحد قال: “العلماء مُجمعون على جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال”؛ لأن النووي قال، يقال له: لا، الخلاف معروف في القديم والحديث. ثم النووي رحمه الله تعالى نفسه حكى في ذلك الخلاف. إذًا، هذا الإجماع يُقبل ولا لا يُقبل؟ والعالم يخطئ ولا إشكال، ويسهو وينسى وغير ذلك، وهذا الظاهر أنه من نسيانه رحمه الله تعالى؛ لأنه في موضع آخر حكى غير هذا. فهمتم؟
إذًا، لا يمكن أن يأتي واحد: “اتفق العلماء”. ونضرب لكم مثال: أبو بكر بن العربي المالكي صاحب أحكام القرآن ذكر بأنه لا يجوز العمل بالحديث الضعيف مطلقًا لا في فضائل الأعمال ولا غيرها. فهمتم؟ شيخ الإسلام جعل له ضوابط. وفي هذا العصر شيخ ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى في مقدمته على صحيح الترغيب والترهيب قال: “لا يجوز العمل بالحديث الضعيف مطلقًا”، واستدرك على النووي رحمه الله تعالى في هذا الإجمال. إذًا، لا يجيك واحد يقول: “يجوز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال بإطلاق”؛ لأن النووي رحمه الله تعالى قال. فليُجَب عليه بأن كثيرًا من العلماء ممن هم قبل النووي رحمه الله تعالى حكوا في ذلك خلافًا.
وهاهنا مسألة يا إخوة ينبغي أنتم أن تفهموها، وهي: ما معنى جواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال؟ الجواب يُقال: أن من جوّز من أهل العلم العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال ذكر له شروطًا، منهم النووي رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه الأذكار، ذكر شروطًا لم يذكرها هنا. والعالم قد يبحث مسألة باختصار في موطن ويفصلها في موطن آخر؛ لأن كل كتاب له غرض ومقاصد.
إذًا، قال أهل العلم، قالوا: يجوز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال بعدة شروط:
- الشرط الأول: أن لا يكون شديد الضعف. واضح؟ يعني يكون ضعيف لكن لا يكون شديد الضعف، وخاصة لا يكون منكرًا أو خاصة حديث موضوع؛ لأن حتى الحديث الموضوع من قبيل الضعيف إجمالًا. لا يأتي واحد يجيب حديث موضوع ويقول: “يجوز العمل بالحديث الضعيف”. كلام فارغ هذا. إذًا، الأول: لا ينبغي أن يكون شديد الضعف.
- ثانيًا: لا ينبغي لك أن تُنشئ عبادة جديدة بحديث ضعيف. وليش قالوا العلماء: في فضائل الأعمال؟ ولا يجوز في العقائد والأحكام. فلا يأتي واحد يأتي بعبادة جديدة ويقول: “دليلي فيها هذا الحديث الضعيف؛ لأنه يجوز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال”. يقال: في فضائل الأعمال نعم، لا في الأعمال. فرق بين العمل به في الأعمال يعني تُنشئ عملًا جديدًا، وأن تعمل به في فضائل الأعمال. فإن قال واحد يقول: ما معنى العمل به في فضائل الأعمال؟ أي أن عبادة تكون ثابتة بالنص، يأتي حديث ضعيف في فضل تلك العبادة. إذًا، هي ثابتة بنص صحيح. فالزيادة وين جاءت؟ جاءت في أصل التشريع ولا في فضل ذلك التشريع؟
ثانيًا أنا أضرب لكم مثال: سنة الفجر ثابتة ولا جاسوس؟ في فضائلها ولا؟ طيب لو واحد جاب حديث ضعيف في أن من جاء إلى من صلى صلاة الفجر في بيته سنة الفجر فله كيت وكيت من الحور العين مثلًا. إذًا، هنا هل ستنشئ أنت عبادة جديدة بهذا الحديث؟ لا، لكن جاء ثواب لعبادة ثابتة بالنص. هنا يجوز لك أن تعمل به. ما معنى تعمل به؟ وضّحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى في كلام متين له، قال: “العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال يستفيد منه العبد أمرين”:
- الأمر الأول: جواز روايته حتى تحفّز الناس على تلك العبادة.
- ثانيًا: ترجو أن يحصل لك ذلك الثواب لا على سبيل الجزم.
مثلًا لو جاء ثواب ضعيف في فضل تدريس الناس ما بين المغرب والعشاء أو في فضل تدريس الناس عمومًا. فعمل بالحديث الضعيف أن أرجو أن يجزيني الله تعالى ذلك الثواب في الدنيا والآخرة، لكنني لا أجزم به، لكنني أرجوه. فرجاؤك على عدم سبيل الجزم بحديث ضعيف، مع روايته دون نسبته للنبي صلى الله عليه وسلم، لا تقول: “قال” بل تقول: “روي” بصيغة التمريض. هذا هو العمل بالحديث الضعيف. فهمتم أم لا يا إخوة؟ وهذه مسألة يخلط فيها الكثير. فالمسألة ليست إنشاء عبادة جديدة. ولهذا عد أهل العلم من قواعد البدع أن تنشئ بدعة بحديث ضعيف، يعني من سبل البدعة الأحاديث الضعيفة. ولهذا بعض الكتب محشوة بالأحاديث الضعيفة. فهمتم؟ فأهل العلم من سبل الاستدلال على البدعة بأنها أنشئت بحديث ضعيف. إذًا، هذه المسألة لا بد من ضبطها. وقلت لكم بأنه لا يجوز أن تنسبه للنبي صلى الله عليه وسلم فلا تقول: “قال”، أنت لا تدري أنه قال، بل تقول: “روي”، ما يسمى بـ صيغة التمريض.
لكن الحافظ النووي يا إخوة لم يجمع الأربعين النووية من أجل هذا الحديث، بل جمع الأربعين النووية لأمر آخر وهو صحيح. قال: “ومع هذا فليس اعتمادي على هذا الحديث، بل على قوله صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة: [لِيُبَلِّغُ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الغَائِبَ] وقوله صلى الله عليه وسلم: [نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقالَتِي فَوَعَاهَا، فَأَدَّاهَا كما سَمِعَهَا] تتمة الحديث: فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ”. قد تبلغ الحديث إلى أحد يفقه منه أكثر مما تفقه أنت.
لكن هنا يقال، أجاب بعض أهل العلم عن مقال الحافظ النووي رحمه الله تعالى، يُقال: هذه الأحاديث صحيحة، لكن تحديد الجمع بـ الأربعين هو مأخوذ من الحديث الضعيف؛ لأنه لم يقل: “بلغوا عني أربعين”. فهمتم؟ لكنه رحمه الله تعالى استأنس بهذا العدد. وهو لم يجمع في الحقيقة أربعين، تم جمع اثنين وأربعين (42) حديثًا. لكن لماذا سميت بـ الأربعين النووية؟ حذفًا للكسر، من العرب إذا لا تقول: ثمانية وأربعون تقول: أربعون، ولو جاوزت مقاربة الخمسين تقول: خمسون وهي ثمانية وأربعون.
ثم قال النووي رحمه الله تعالى: “وقد رأيت ثم من العلماء من جمع الأربعين في أصول الدين أي في العقائد، وبعضهم في الفروع أي في الفقه، وبعضهم في الجهاد، وبعضهم في الزهد، وبعضهم في الآداب، وبعضهم في الخطب، وكلها مقاصد صالحة رضي الله عنهم”. ولا زال الناس لهذا العصر يجمعون الأربعين في المتعلمين والتعليم، الأربعين في كذا، الأربعين في تربية الأولاد، الأربعين وكلها إن شاء الله تعالى مقاصد حسنة. لكن النووي لم يجمع في باب معين، ولهذا قال بعدها: “وقد رأيت جمع أربعين أهم من هذا كله، وهي أربعون حديثًا مشتملة على جميع ذلك، وكل حديث منها قاعدة عظيمة من قواعد الدين، قد وصفه العلماء بأن مدار الإسلام عليه، أو هو نصف الإسلام أو ثلثه أو نحو ذلك”.
هناك أحاديث قال عنها العلماء: هي ثلث الإسلام، وربع الإسلام، نصف الإسلام وهكذا. ما معنى؟ كما قال الإمام الشافعي: “لو ما أنزل الله على خلقه إلا سورة العصر لكانت حجة على خلقه”. لا يعني بِدِين يُتعبَّد فيه بسورة العصر، لا، لأن سورة العصر أقامت الحجة على الخلق من جهة وجوب تعلم العلم والعمل به والدعوة إليه والصبر على الأذى فيه. فهمتم؟ وهكذا هذه الأحاديث. فمثلًا الحديث الذي سيأتي معنا إن شاء الله تعالى: [إنما الأعمال بالنيات] قال الإمام أحمد: “هو ثلث الإسلام”. والثلث الآخر وين؟ حديث عائشة، والثلث الآخر حديث النعمان بن بشير: [الحلال بيِّن والحرام بيِّن]. ليش؟ لأن الدين يا إخوة إما حلال أمر وإما نهي، وإما أمر مشتبه بين الأمر والنهي، أو أنت لا تدري أهو مأمور به أو منهي عنه أو معفو عنه. وهذا الأمر والنهي إذا فعلته لا بد أن تفعله خالصًا لله وهذا في حديث عمر، ومتبعًا لسنة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا وين؟ في حديث عائشة. ولهذا يكون الدين مجموع على هذه الأحاديث. وبعضهم قال: ربع الإسلام، وزاد فيها: [من حسن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه]. وبعضهم قال: خمس الإسلام وهكذا. فهمتم؟ وبعضهم قال: لا، حديث عائشة وحديث عمر يكفي؛ لأن الدين إما ظاهر وإما باطن. أما الباطن فهو في حديث [إنما الأعمال بالنيات]، وأما الظاهر فهو في حديث عائشة، وهو ميزان التشريع. ولهذا قال صاحب يس: ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَن لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (سورة يس: 20-21). قوله: ﴿لَّا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ هذا تنبيه على ماذا؟ على صلاح الباطن نفسه. ﴿وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ في الظاهر. فالظاهر والباطن إذا صَلُح صَلُح كله كل شيء.
ثم قال رحمه الله تعالى: “ثم ألتزم في هذه الأربعين أن تكون صحيحة، ومعظمها في صحيحي البخاري ومسلم، وأذكرها محذوفة الأسانيد؛ ليسهل حفظها ويعم الانتفاع بها إن شاء الله تعالى. ثم أتبعها بباب في ضبط خفي ألفاظها”. وليته كما قلت لكم قدّمه وراء كل حديث.
إذًا، أغلب هذه الأحاديث الصحيحين، لكن لم يلتزم، بل فيها أحاديث السنن وغير ذلك، والأصل فيها الصحة. وفيها أحاديث استُدرك عليه من جهة الصحة، بل حكم بعض أهل العلم على ضعف بعض الأحاديث التي ذُكرت. وضعف الحديث لا يضر لأمرين:
- الأول: مسألة التصحيح والتضعيف مسألة اجتهادية بين العلماء، فقد يصحح النووي حديثًا يراه غيره ضعيفًا والعكس.
- ثانيًا: قد يكون هذا الحديث ضعيفًا صح، لكن معناه تدل عليه أحاديث صحيحة كثيرة.
ولهذا بعض المعاصرين استمات في تضعيف حديث الافتراق: [ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة]. استمات في تضعيفه. فهمتم؟ ويُقال: هل أنك ضعفته؟ هل أحاديث الشريعة والنصوص العامة تدل على هذا الحديث أم لا؟ تدل، كثير النصوص منها في الصحيحين: [لا تزال فرقة أو جماعة أو طائفة من هذه الأمة ظاهرين]. طيب، ظهور فرقة يدل على أن الآخر غير ظاهر. والله جل وعلا يقول: ولهذا الحديث الضعيف قد يكون هو في نفسه ضعيفًا، لكن معناه صحيحًا وتدل عليه النصوص الأخرى. ولهذا أرى من الصنيع السيئ ما قام به بعض المعاصرين غفر الله له، بأنه طبع كتاب جامع العلوم والحكم وحذف منه الأحاديث التي هو يراها ضعيفة، وحذفها بشرح ابن رجب عليها. وهذا عجيب؛ لأنه يا ابن رجب لما شرح الحديث بعد أن ضعفه، شرح الحديث بالأحاديث الضعيفة ولا بالأحاديث الصحيحة؟ بالأحاديث الصحيحة. ثم معناه صحيح. ولهذا هذا صنيع مُستغرب.
ولهذا بعض الناس يقول: كتاب التوحيد فيه أحاديث ضعيفة. طيب، سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة و مسند أحمد يوجد فيه ولا؟ يوجد. بل استُدركت بعض الألفاظ على البخاري ومسلم وكتب الدارقطني في هذا. ومع هذا هما أصح الكتب بعد كتاب الله تعالى. فهمتم؟ فهذا كله صنيع غلط وفيه سوء أدب مع الأئمة رحمهم الله تعالى.
ثم قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: “وينبغي لكل راغب في الآخرة أن يعرف هذه الأحاديث، لما اشتملت عليه من المهمات، واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات، وذلك ظاهر لمن تدبَّره، وعلى الله الكريم اعتمادي، وإليه تفويضي واستنادي، وله الحمد والنعمة، وبه التوفيق والعصمة”.
إذًا، ذكر النووي رحمه الله تعالى أن هذه الأحاديث مشتملة على مهمات. ومهمات جمع مهمة، فهي أمور جميعها هامة، وإن كان بعضها أهم من بعض. والثاني قال: “واحتوت عليه من التنبيه على جميع الطاعات”. تجد أن الطاعات جميعًا مجموعة في هذه الأحاديث. ولهذا لو ما كان في الأربعين النووية إلا حديث جبريل فقط لـ كفى. حديث جبريل هو الدين كان، ولهذا كان يسمى أم السنة، كما أن الفاتحة هي أم القرآن، كما قال أبو العباس القرطبي. فهمتم؟
إذًا، هذه الأحاديث يا إخوة ينبغي حفظها وتحفيظها للصغار وفهمها واستنباط الفوائد منها. سترون بإذن الله تعالى إن وفق الله تعالى مُحدِّثكم في التعليق على هذه الأحاديث، سنستنبط نقلًا عن أهل العلم فوائد كثيرة تدخل إن شاء الله تعالى في كل شؤون الحياة.
كم بقي عندنا من الوقت؟ عشرين دقيقة، عشرة، عشرة، أربعة وعشرين ساعة، عشرين، سبعة عشر، هذا كله على وقت واحد. إذًا، نبدأ إن شاء الله. نبدأ الحديث [إنما الأعمال بالنيات] ولو لم نكمله إن شاء الله نكمله في الدرس القادم.
ثم قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى:
“عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: [إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوْ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ] رَوَاهُ إِمَامَا الْمُحَدِّثِينَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ بَرْدِزْبَةَ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ بْنِ مُسْلِمٍ الْقُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ فِي صَحِيحَيْهِمَا اللَّذَيْنِ هُمَا أَصَحُّ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ”.
هذا الحديث يا إخوة كما ذكرت لكم هو حديث فرد مطلق، أي رواه في الأول واحد عن واحد عن واحد عن واحد ثم انتشر هذا الحديث. فرواه كما قلت لكم عن عمر علقمة بن وقاص الليثي، وعنه محمد بن إبراهيم التيمي، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري، ثم رواه جماعات كثيرة.
البخاري يا إخوة لم يكتب في صحيحه مقدمة، بل تفتح الكتاب تجد هذا الحديث. قال أهل العلم: أراد البخاري أن يقيم هذا الحديث محل الخطبة من كتابه. يعني: أنا لن أتكلم وسأترك النبي صلى الله عليه وسلم يتكلم. وكلام النبي صلى الله عليه وسلم [إنما الأعمال بالنيات]. فأراد البخاري رحمه الله تعالى أن ينبه على النية في أول كتابه. وختم البخاري كتابه بحديث فرد مطلق أيضًا، وهو حديث: [كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ]. حديث أبي هريرة. قال بعض أهل العلم: صنيع البخاري هذا ربما أراد أن يشبّه كتابه الصحيح بـ الدين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا]. فاستفتح كتابه بحديث غريب يسمى في المصطلح غريبًا، وختمه بحديث غريب، وكأنه أراد أن يشبه كتابه بـ الدين. وقال بعضهم: لا، بل أراد البخاري رحمه الله تعالى أن يرد على من اشترط التواتر أو من اشترط أن يكون الحديث عزيزًا حتى يُقبل. و العزيز ما رواه عن اثنين عن اثنين عن اثنين إلى غير ذلك. فأراد البخاري أن يبين أن الخبر إذا صح ولو بواحد قبلناه. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أرسل معاذ بن جبل إلى اليمن وهو واحد، ففي هذا دليل على صحة خبر الواحد. صح ولا؟ لكن العبرة بماذا؟ هل هذا الواحد صادق ولا كاذب؟ ولا قد يكون جماعة كاذبين. فهمتم؟
إذًا، هذا الحديث كما قلت لكم يسمى غريبًا ويسمى فردًا مطلقًا. افتتح النووي به وافتتح البخاري به وافتتح المقدسي به والبغوي به وجماعات كثيرة. جرت عادة أهل العلم في من جمع الأحاديث أن يستفتحوا بهذا الحديث. بل قال عبد الرحمن بن مهدي: “ينبغي لكل من صنَّف في الحديث أن يبدأ بهذا الحديث”. ليش؟ لأنه لا بد من تنبيه الناس على النية. يا من أراد تعلم العلم وتعلم حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لا بد لك أن تصحح نيتك، هل أنت تطلبه لله ولا تطلبه للناس؟ والإخلاص يا إخوة أمر سهل على اللسان، صعب من جهة تحقيقه. ولهذا لما سئل الإمام أحمد: هل طلبت العلم لله؟ قال: “لله هذا عزيز”، لكنه شيء حَبَّب إليَّ فطلبته، سيما في أول الطريق.
ولهذا تجد المنفوخ هو طالب العلم الصغير، الكبير تجده متواضعًا. ليش؟ لأن القدر الفارغ هو اللي يعمل حس، إذا كان مليئًا ما يعملش حس. صح ولا؟ وهكذا الناس. ولهذا أحيانًا الرخيص هو اللي يُقربع، والغالي لا. في تونس يقولوا: مدخل دارك كالقمح والشعير، أما الفول يقربع، يعمل حس، الفول رخيص ينفخ الكرش. القمح والشعير خاصة القمح أغلى وأعظم. وكذلك صاحب العلم. ولهذا الشافعي يقول: “كلما زدت علمًا زادني علمًا بجهلي”. أما طالب العلم الصغير تجده ما زال حفظ حرفين يستدرك على الأئمة: “فلان أخطأ، وهذا عندي فيه كذا”. ولذا بعضهم يكتب يقول: “هذه أحاديث صححها الألباني أنا أراها ضعيفة، وهذه أحاديث ضعفها الألباني أنا أراها صحيحة”. أنت من أنت أصلًا حتى أن الألباني أخطأ أو غيره من العلماء. كفى بالمرء نبلًا أن تُعدم عيوبه. وقل أنت تكتب خمسين ألف صفحة بيدك ويجد الناس لك خمسين خطأ، واحد في الألف أنت فائز. أنت لو كتبت كتابًا نصفه نرميه. فهمتم؟
ولهذا يا إخوة إذا رأيتم واحد دخل في العلم الآن يكثر الاستدراك على الأئمة، عاقبته إلى هلاك. وقد شهدت هذا بعيني ممن نال شيئًا من العلم انتفخ، فصار يكثر الاستدراك على الأئمة، فترك الحرف حتى ترك الصلاة. فهمتم؟ ليش؟ لأن الله تعالى ينتقم لأوليائه. أما إذا رأيت طالب العلم يعرف قدره ويحترم العلماء، بل يحترم طالب العلم الذي مثله فضلًا على من هو أكبر منهم. وأهل العلم كانوا يضربون الأمثلة العظيمة في التواضع.
ولهذا كلكم يعرف كتاب مصابيح السنة للبغوي، هذبه وزاد عليه التبريزي الخطيب في كتاب مشكاة المصابيح. طيب، هذا يعني هو شرح مشهور، الشرح هذا يا إخوة اعتمده الحافظ ابن حجر في كتاب فتح الباري، وهو شرح الطيبي على مشكاة المصابيح. تسمعون به؟ شرح الطيبي على مشكاة المصابيح. تعجبت مرة لما قرأت بأن الطيبي شيخ التبريزي صاحب المشكاة. فهمتم؟ شفتوا صاحب الأصل الكتاب هو التلميذ، والذي شرح كتاب التلميذ هو الشيخ. فهمتم؟ وأنا تعجبت كنت أظن بأن الطيبي تلميذ التبريزي. لا، التبريزي تلميذ للطيبي. ولما رأى الطيبي كتاب تلميذه عظيمًا شرحه بلا تكبر. فهمتم؟ وهذا رأيناه في هذا العصر. ولهذا الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى شرح كتاب حلية طالب العلم لـ بكر أبو زيد. ولا شك أن هذا عالم وهذا عالم، لكن لا تقارن لا في الطبقة ولا في شهرة وغزارة العلم. ليش؟ لأن هذا لا يزيده عند الله جل وعلا إلا رفعة. ولهذا يا إخواني ونحن سنتكلم عنها إن شاء الله تعالى، أمر لا بد أن يجدد العبد به عهده. ولو قرأتم ما كتب ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس تخاف على نفسك. غاص ابن الجوزي رحمه الله تعالى في مكائد الشيطان لطالب العلم بشكل يجعلك حقيقة تخاف على نفسك. لكن أنا أبشركم بأمر قاله السلف وهو أن الإنسان قد يغتر في الأول لكن لا تيأس. ولهذا يقول الدارقطني -وهو الإمام المعروف- وجاء هذا عن ابن المبارك من قبل: “طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله”. شفتم؟ العلم قد تطلبه في البداية وليس لك فيه نية، بل هدفك العلو وغير ذلك، ثم تصلح هذه النية مع الأيام. ليش؟ لأنك كلما تقدمت في العلم كلما رأيت أنك قطرة في بحر عميق جدًا. فكلما تتقدم تعلم بأن البحر غرق، قبل أنت لا تراه، ترى طول هذا البحر يمكن يسبح فيه، لكن كلما تقدمت كلما علمت بأن الشيء كبير. ولهذا اسأل البحار الذي يذهب في البحار تراه خاف من المال. صح ولا؟ ليش يخاف؟ لأنه رأى من الأمواج ما لم ترَ أنت تعيش على الشاطئ. أنت لا ترى منه شيء. هذا البحر هو رأى حقيقة البحر، ورأى أن هذه الموجة قد تهدم جبلًا. ولهذا ترى إعظامه لبعضهم يقول: “الطبيعة” لكن لقدرة الله تعالى أمر كبير. فهمتم؟
ولهذا ينبغي للإنسان أن يراقب تلك النية. ولهذا ذكر العلماء بأهمية هذا الحديث، وهو حديث [إنما الأعمال بالنيات]. قال النبي صلى الله عليه وسلم هنا: [إنما الأعمال بالنيات]. قوله “إنما” حصر. و “الأعمال” قيل أن المقصود بها العموم، أي كل الأعمال تحتاج إلى نية. وقال بعضهم: لا، ليست كل الأعمال تحتاج إلى نية؛ لأن هذا يكون من العموم الذي أريد به الخصوص؛ لأن العموم في الأصول على ثلاثة أنواع:
- عموم بقي على عمومه.
- عموم جاءه مخصص خارج.
- وعموم في نفسه أريد به التخصيص.
وقالوا: ومنه هذا الحديث. ليش منه هذا الحديث؟ لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم [إنما الأعمال بالنيات] ذكر أهل العلم الاتفاق على أن هناك أعمال لا تفتقر إلى نية حتى تصح. ومن ذلك تطهير النجاسات. يعني لو أن عندك نجاسة طهرتها وليس عندك نية ثم صليت، صلاتك الصحيحة، صلاتك صحيحة. ولهذا لو جاء واحد آخر وطهرها لك، صحيح، النية الأعمال التي أنت مطالب بها لا تجوز فيها النيابة، لكن هنا يجوز، لو جاء واحد طهرها يجوز؛ لأن الشريعة لم تراعِ فعلك أنت في إزالة النجاسة، إنما راعت حقيقة الفعل كـ النفقة على الزوجة. يعني هل تحتاج نية خالصة حتى تنفق على زوجتك لتصح النفقة؟ لا، لكن لتنال الأجر لا بد من النية.
فهذه المسألة تسمى مسألة المتروكات، وهي الأمور التي جاءت الشريعة لتركها. هذه لا تفتقر إلى نية لتصح، وإنما تفتقر إلى نية للثواب. فهمتم؟ ولهذا كل شيء تستطيع أن تُدخله النية، حتى قال معاذ رضي الله عنه: “إني لأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي”. ولهذا لما ذكر الأصوليون المباح، قالوا: الناظم يقول: “ومن تفى الثواب والجناح في فعله وتركه المباح”. يعني ما ليس فيه ثواب ولا جناح أي إثم فهو المباح. لكن قالوا: إذا جاءت نية خالصة قد يصير المباح طاعة وقربة. ولهذا قال معاذ: [إني لأحتسب نومتي] يعني النوم، [كما أحتسب قومتي]. ليش؟ أنت تنام لترتاح، هو ينام ليقوم الليل. شفتم؟ فهو يتقوى بالنوم على العبادة، و الوسائل لها أحكام المقاصد. فهمتم؟ في باب النية كبير.
إذًا، قول النبي صلى الله عليه وسلم: [إنما الأعمال بالنيات] إنما يقال: إنما المراد به بعض الأعمال وليست كل الأعمال. و النية يا إخوة هي القصد. والنية تصل لأمرين:
- الأمر الأول: تمييز العبادة عن العادة.
- والثاني: تمييز العبادة عن العبادة.
أما تمييز العادة عن العبادة: واحد ذهب إلى البحر وغطس في الماء وقام، والثاني كذلك، هذا اغتسل وهذا لم يغتسل. واحد لا يأكل وواحد لا يأكل، هذا صائم وهذا ليس بصائم. ما الذي فرّق بينهما؟ نية هذا ترك الطعام لأنه يقلِقه في بطنه، والآخر ترك الطعام لله فصيامه. الأول استحمى وقال ونوى الغسل بقلبه وسمى الله تعالى وانغمس في الماء، والثاني ذهب ليستحم. ولذا بعض الناس يقول: “دخلت دَوّشت، هل هذا يحسب لي وضوء؟” النبي صلى الله عليه وسلم قال: [إنما الأعمال بالنيات]. ثم هذه عبادة لا بد لها من نية ولها من صفة وغير ذلك. إذًا، العادة والعبادة.
وتمَيِّز أيضًا بين العبادة والعبادة: تصلي ركعتين وتصلي ركعتين، هذه عبادة وهذه عبادة، هذه سنة الفجر وهذه صلاة الصبح، أو هذه ركعة الضحى وهذه تحية المسجد، وغير ذلك من الأمور. فما الذي ميّز بين هذا وهذا؟ النية. فهي أمر باطن يطلع عليه الله جل جلاله، وإن كانت صورة الأعمال… ولهذا تجد واحد يصلي عند واحد، واحد قلبه عند العرش، وواحد قلبه عند الحش. صورة العبادة هي هي، لكن الذي فرّق بينهما ما قام بقلب كل واحد منهما من الإخلاص والنية.
ولهذا قال -ونختم بهذا إن شاء الله تعالى-: [وإنما لكل امرئ ما نوى]. فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الأعمال لا تصح شرعًا إلا بالنية، يعني الأعمال التي تفتقر إلى نية لا بد لها من نية. فلو جاء واحد توضأ ولا يريد الوضوء ثم بعد أن قال: “هذا سأجعله وضوءًا”، يقال: لا؛ لأن الوضوء عبادة والعبادة تحتاج نية. إذًا، [إنما الأعمال بالنيات] أي إنما الأعمال صحيحة ومُعتبرة شرعًا بالنيات، وفي رواية: “بالنية”. ثم قال صلى الله عليه وسلم: [وإنما لكل امرئ ما نوى]. الثاني غير الأول، الثاني قبل: العبادة لا بد من نية. وإذا أنهيت العبادة لن يبقى لك فيها إلا ما نويته لله. فهمتم؟ ولهذا في الدرس القادم إن شاء الله تعالى سنتكلم على الرياء، إذا دخل في العبادة هل ينقصها أو يبطلها أو لا يضرها؟ سترون أنه بحسب دخول الرياء -عفوًا الرياء، والربا يمحق العمر- الرياء في العبادة من أولها إلى آخرها يختلف الحكم. هذا إن شاء الله تعالى سنبيّنه أيضًا في الأسبوع القادم بإذن الله تعالى، وسنرجع درس السيرة النبوية.
أسأل الله جل وعلا لي ولكم صلاح النية وصدق القصد والصلاح في الدنيا والآخرة. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.