الدرس 2 من فقه الأربعين النووية – الصغير بن عمار

📖 النص بعد التنسيق والتحرير

​الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

​لقد تكلمنا في الدرس الماضي على مقدمة قبل دراسة الأربعين النووية. قلنا إن هذا الكتاب جعل الله جل وعلا له القبول بين الناس، وكثرت شروحه، وخدمه أهل العلم خدمة عظيمة. لكن قبل ذلك، وحتى نرى أنكم قد كنتم حاضرين في الدرس ذهنياً، كم عدد أحاديث الأربعين النووية؟ اثنين وأربعون حديثًا.

​طيب، لماذا سُمِّيَتْ الأربعين؟ حُذف الكسر للتخفيف. نعم، إذا كان تسعة وثلاثين تقول أربعين ولا إشكال.

​أصل أحاديث الأربعين النووية وشروحها

​مما فاتني التنبيه عليه في الدرس الماضي هو أن أصل هذه الأحاديث، لا أدري هل ذكرت هذا أم لا؟ أنَّ النووي لم يجمع اثنين وأربعين حديثًا.

​الذي جمع الأول هو أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى، صاحب المقدمة المشهورة في المصطلح. دُعِيَ الشافعية ومحدثوهم، كان عنده مجالس في دمشق اسمها مجالس إملائية، يأخذ حديثًا جامعًا ويشرحه للناس، حتى جمع ابن الصلاح رحمه الله تعالى ستة وعشرين حديثًا. لما جاء النووي زاد عليها ستة عشر حديثًا، فصارت اثنين وأربعين.

​إذًا، النووي عمله هذا الكبير كله من فعل؟ زاد ستة عشر فقط! هذا ما فعله النووي رحمه الله تعالى، فجاء هذا الكتاب العظيم.

​الأمر الآخر، قلنا بأن العلماء اعتنوا بهذا الكتاب عناية عظيمة. طيب، من يذكر لي شرحًا من شروح هذا الكتاب ويذكر لي مذهب الشارح؟ نحن قلنا شرحوه من المذاهب الأربعة، شرحوه عمدة الأحكام، شرحوه أصحاب المذاهب الأربعة. وإذا رأيت العلماء من شتى المذاهب اتفقوا على شرح كتاب دلَّ على أنه جامع.

​طيب، من يذكر لي شرحًا من شروح الأربعين؟ طبعًا شروح المتقدمين، ابن رجب الحنبلي. جاوب: ما اسم شرحه؟

جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم. هذا هو أعظم شرح تقريبًا، ومن أكثر الشروح فائدة.

​طيب، من يذكر شرحًا آخر؟ هل المالكية شرحوا الكتاب؟ مَنْ يعرف واحدًا مالكيًّا شرحه؟ كما قلت لكم: الفاكهاني المالكي النحوي رحمه الله تعالى شرح الكتاب، وهو تلميذ ابن دقيق العيد. ولهذا تجد كل المذاهب في هذا الكتاب، وقد ذكرت لكم ذلك في الدرس الماضي.

​طيب، النووي، هل شرح هو نفسه الكتاب؟ النووي نفسه شرح الكتاب أم لا؟ أنا لا أوافق، أنتم توافقون؟ لم يشرح الكتاب. شرح فقط المفردات، يعني غريب الحديث. يعني جاء إلى الأحاديث وقال: المراد بهذا كذا وهذا كذا وهذا كذا. إذًا، هو شرح كلمات ولا يسمى شرحًا من جهة الشرح الكامل. وما طُبع باسم شرح النووي غير صحيح، كذلك ما طُبع باسم نزهة المتقين في شرح رياض الصالحين للنووي. النووي لم يشرح رياض الصالحين، لكن كعادته رحمه الله تعالى، إذا ذكر حديثًا ذكر غريبه. وفعل هذا في جل كتبه رحمه الله تعالى، فهذه طريقته.

​نبذة عن الإمام النووي

​طيب، تكلمنا عن النووي وقلنا أن النووي عالم كبير. ما المذهب الذي ينتمي إليه؟ شافعي. طيب، مات وكم عمره؟ خمسة وأربعون سنة. هل تزوج؟ نعم، لم يتزوج.

​ألف بعض المعاصرين رحمه الله تعالى كتابًا سماه: العلماء العُزَّاب الذين آثروا العلم على الزواج. فرد عليه بعض أهل العلم بكتاب آخر سماه: طبقات العُزَّاب، بيَّن أن هذا غلط. مَنْ يقول: “إني سأترك الزواج من أجل العلم”؟ هذا ليس بصحيح، هذه سُنَنُ الأنبياء والمُرسَلين. أنت لا تقتدي لا بفلان ولا بفلان، القدوة الكبرى هي النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء ثم بعدهم الصحابة. وإذا تأملت أحوالهم وجدتهم تزوجوا وخلفوا وعندهم الأبناء والبنين وغير ذلك. بل تجد الواحد منهم عنده أربع زوجات مع السَّراري بالعشرات، وهذا لا ينقص من قدرهم شيئًا، فإن حب النساء أمر طبيعي لا إشكال فيه. والنبي صلى الله عليه وسلم حُبِّبَت إليه من هذه الدنيا أمور، منها النساء.

​لكن فرق بين الحب العفيف والحب الخبيث فرق كبير. إذًا، غلط من قال: “أنا سأترك هذا من أجل هذا”. وإنما ما وقع إما للنووي أو لشيخ الإسلام ابن تيمية أو لغيرهم من أهل العلم ممن تقدم، وإلى هذا العصر هناك من ترك الزواج، لم يتزوج. نعم، ابن تيمية. حتى في هذا العصر هناك من ترك الزواج، وهذه أحوال خاصة.

​ولهذا العلماء يا إخوة إذا تكلموا عن الزواج في كتب الفقه يقولون: والزواج حكمه خمسة أحكام. لا يمكن أن تقول حكم واحد للزواج، إنما قد يكون واجبًا وقد يكون مستحبًا وقد يكون مباحًا وقد يكون مكروهًا وقد يكون مُحَرَّمًا. فهمتم؟ لماذا اختلف حكمه؟ اختلف حكمه باعتبار اختلاف الأحوال.

​فمن لم تكن له صَبْوَة أي ليس له شهوة بالكلية، وعنده أعمال كثيرة من دعوة وعلم وجهاد وغير ذلك، فهذا لا بأس أن يترك الزواج لأنه ليس عنده ميل للنساء طبيعي. فهمتم؟ إذًا، أحوال الناس تختلف. لكن عامة الناس يميلون للنساء، إذًا لا تذهب تجري وراء العلم وأنت ضعيف في دينك. أول فتنة تأتيك تُكبك على أم رأسك. ولهذا أعرف أقوامًا قال: “سأترك الزواج من أجل العلم”، ضيَّع العلم وضيع الزواج. تزوج إذا استطعت أن تتزوج. شف النبي:

​(مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ)

 

​أي القدرة الجسدية والمادية، فليتزوج. فهمتم؟ إذًا، هذا حديث من النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين، وخير النصائح نصائح النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة.

​إذًا، النووي رحمه الله تعالى لم يتزوج لعارض، لأحوال خاصة به رحمه الله عليه. لا يُقتدى بالعالم في مثل هذا الأمر.

​طيب، من يذكر لي كتابًا آخر للنووي؟ خلا الأربعين ورياض الصالحين. من يعرف له كتابًا آخر؟ أحسنت، المجموع شرح المهذب وشرح صحيح مسلم.

​يعني لو لم يكتب النووي في حياته إلا شرح صحيح مسلم لكفاه. منذ عصر النووي لهذا الوقت، يعني قَلَّ أن تجد كتابًا لا يَنقل عن شرح مسلم للنووي. مع العلم أن شرحه المالكية، المازري والقاضي وغير ذلك، لكن شرح النووي لصحيح مسلم أعجوبة. ومن العلماء المعاصرين من قرأ شرح مسلم للنووي خمسين مرة! مطبوع في إحدى عشر مجلدًا، وطُبع الآن في طبعة قرابة عشرين مجلدًا. خمسين مرة يكرره؛ بعذوبة الشرح وسهولة ما فيه وغزارة العلم الذي فيه. هذه أسئلة فقط أردنا أن نذكركم بها.

​شرح حديث “إنما الأعمال بالنيات”

​تكلمنا عن الحديث الأول وهو: “إنما الأعمال بالنيات”.

​طيب، قلنا “إنما الأعمال بالنيات”، ما معنى هذه الكلمة؟

​إذًا، الأعمال لا تصح شرعًا إلا بالنية.

​طيب، ما معنى “وإنما لكل امرئ ما نوى”؟

​كل عمل… الأول: النية قبل الفعل. لا بد من نية تصحح لتصحح الفعل.

​الثاني: “وإنما لكل امرئ ما نوى”، أي إذا فعلت عملًا، لن يبقى لك من ذلك العمل إلا ما نويت فيه. فهمتم؟ “وإنما لكل امرئ ما نوى”. ولهذا بعد سيمثل. فمن نوى الخير وجد الخير ومن نوى الشر وجد الضَّيْر (الشر). فهمتم؟

​ولهذا قال بعدها رحمه الله تعالى:

​(فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ)

 

​قول النبي صلى الله عليه وسلم: “فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله”.

الهجرة تكلمنا عليها في درس السيرة، وهي من جهة اللغة الترك. وأما في الشرع، الهجرة ترك، لكنه ترك لمكان الخوف إلى مكان الأمن، ومن مكان الكفر إلى مكان الإسلام، ومن مكان البدعة إلى مكان السنة، ومن مكان المعصية إلى مكان الطاعة. ولهذا في قصة الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا قال: “اخرج من هذه القرية الظالم أهلها” فخرج فاختصم فيه الملائكة. إذًا، أمره ذلك العالم أن يغادر تلك القرية، لماذا؟ لأن كانوا على ظلم كبير، لو بقي معهم لكان من الهالكين كما يهلكون.

​إذًا، الهجرة ترك، لكن كانت تُطلق، والأصل أن تُطلق الهجرة على ترك بلد الكفر إلى بلد الإسلام. وقلنا بأن الهجرة كانت في أول الإسلام من مكة إلى المدينة، ثم لما فُتحت مكة قال النبي صلى الله عليه وسلم:

​(لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ)

 

​يعني يبقى الجهاد وتبقى النية، هذه تبقى إلى يوم الدين. وقلنا بأن الهجرة من حيث حكمها لا تنقطع، بل هي باقية ما بقي الكفر. فكلما بقي كفر بقيت حرب ما بين الكفر والإسلام، بقيت دار كفر ودار إسلام، إذًا بقيت هجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام.

​قول النبي صلى الله عليه وسلم هنا: “فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله”. إذًا، هنا شرط. في اللغة إذا كان هناك شرط، أنت تنتظر أن يكون بعدها جواب الشرط أو جزاء لذلك الشرط. أقول لك: من آمن بالله واتبع رسوله صلى الله عليه وسلم دخل الجنة، من كفر بالله وبرسوله دخل النار. شفتم؟ شرط وجزاء.

​لكن هنا النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الشرط وذكر الجزاء نفس الشرط، قال: “فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله”، لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا، قال: “فهجرته إلى الله ورسوله”. فاتَّحد هنا الشرط والجزاء.

والجواب أن يُقال: إن الشرط والجزاء اتحدا لفظًا واختلفا معنًى. فإنهما اتحدا من جهة اللفظ، نعم، الأول: هجرته إلى الله ورسوله، والثاني: هجرته إلى الله ورسوله. أما من جهة المعنى لا، فيكون معنى الجملة الأولى: “فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدًا، كانت هجرته إلى الله ورسوله ثوابًا وأجرًا”. فهمتم؟ إذًا، هنا هناك شرط وهناك جزاء، وهو أن من أخلص النية ربح في الدنيا والآخرة، ومن ضيع النية ضاع في الدنيا والآخرة.

​إذًا، يكون معنى الحديث: “من كانت هجرته إلى الله ورسوله نية وقصدًا، فهجرته إلى الله ورسوله ثوابًا وأجرًا”.

​ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه”.

​ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أمرين:

  1. ​الأمر الأول: دنيا يصيبها، من مال وجاه وسلطان.
  2. ​والثاني ذكر: النساء.

​وأغلب فتنة الناس وين؟ في المال والنساء. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم الدنيا أن تُفتح عليكم كما فُتحت عليهم فتنافسوها كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم”. ليس الفقر هو الإشكال.

​ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كلام له حَسَن أظن في كتاب الحسنة والسيئة يقول: “والفقر يصلح عليه خَلْقٌ كثير من الناس، أما الغنى لا يصلح عليه إلا القليل”. ولهذا أغلب الناس فيهم الفقر، ليس فيهم الغنى، لأن الغنى لا يصلح بعض الناس، يُهبَل بالمال. أما الفقر يصلح عليه حال أغلب الناس. فهمتم؟

​إذًا، قال: من أوَّل الدنيا والمال وما فيها من زينة. والثاني: لـ “امرأة يصيبها”. وهذه غالبًا أغراض الناس، إما مال أو دنيا أو ما يوصل إلى المال والمرأة، هذا هو.

​ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “وإنما كانت فتنة بني إسرائيل في النساء”.

​قال: “فمن كانت هجرته إلى الله” نعم، قال بعد: “ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أي يدركها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه”.

​لم يذكر النبي صلى الله عليه وسلم الجزاء، وإنما قال: “فهجرته إلى ما هاجر إليه”. قال العلماء: عدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم للجزاء هنا من باب التحقير، أي لا يحتاج أصلاً أن تتحدث عنه. لماذا؟ لأن هذه نية لا قدر لها. الأولى قال: “فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله”. كرَّر الأمر تأكيدًا وإقرارًا بهذه الغاية العظيمة أنك تهاجر من مكة إلى المدينة وأنت ترجو الله والدار الآخرة.

​ولهذا الله تعالى قال:

​﴿وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (سورة النساء: 100)

 

​لماذا؟ لأنه هاجر لله نية ومن أجل رسوله حبًا واتباعًا ونصرة. ولو مات في الطريق كُتب في سبيل أو في صف المهاجرين إلى الله ورسوله.

​أما الذي هاجر للدنيا، هذا أحقر من أن نتكلم عليه. فقال: “ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه” تحقيرًا له. كما قال جل وعلا:

​﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (سورة النجم: 19 – 20)

 

​هذا عند العرب من أعظم التحقير. فهمتم؟ فقول النبي صلى الله عليه وسلم: “فهجرته إلى ما هاجر إليه” هذا من باب التحقير.

​ولهذا يقول ابن عبد البر المالكي في الكافي وفي التمهيد يقول: “مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِلَّهِ فَالْقَلِيلُ مِنْهُ يَكْفِيهِ، وَمَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِلدُّنْيَا فَحَوَائِجُ النَّاسِ لَا تَنْتَهِي”. يعني من طلبه للدنيا يطلبه للجاه، يطلبه للسلطان، يطلبه للمدح والثناء وغير ذلك. أغراض الناس كثيرة. ما لم يكن لله لا قيمة له وإن تعددت سُبُلُهُ. وأما ما كان لله هو الذي يبقى.

​ولهذا هذا الحديث يا إخوة يجعلك تفهم لماذا جُعل أهل الجنة فيها خالدين. قال أهل العلم: من أَثَر هذا الحديث.

​ليش؟ أنت الآن لو عَمَّرْتَ في الأرض دهرك، هل تفكر لحظة تقطع الصلاة؟ يعني في واحد يقول: أنا لو عشت مئة وخمسين سنة أوقف الصلاة بعد مئة وخمسين سنة. أجيبوا: ولا واحد. إذًا، أنت لو عَمَّرْتَ إلى الأبد صليت بغير حَجّ لا تتوقف. ولهذا كان جزاء المؤمن أنه إذا دخل الجنة لا يخرج منها. قال أهل العلم: “هذا من آثار النية التي عند المؤمن”. لأن المؤمن لا يمكن أن يفكر أن يقطع الصلاة مرة.

​طيب، والكافر؟ كذلك. ولهذا قال جل وعلا:

​﴿وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (سورة الأنعام: 28)

 

​الكافر يكذب لما يرى العذاب ويشاهد الويلات الكبار يقول: أرجعوني لعلي أعمل صالحًا فيما تركت. كلا انتهى. ليش كلا؟ لأنه كان في الدنيا وكان يعرف الحق ويعرف الباطل واختار الباطل. هذا لو رُدَّ إلى الدنيا لعاد لما كان.

​والله تعالى يعلم الشيء إذا لم يقع، لو وقع كيف كان سيقع؟ قال تعالى:

​﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (سورة الأنفال: 23)

 

​شفتم؟ الله تعالى قال: حتى لو سمعوا ما كانوا ليستجيبوا. ولهذا لما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين الذين ماتوا صغارًا، قال: “الله أعلم بما كانوا عاملين”. يعني الله يعلم كل واحد لو عَمَّر وعاش وبلغه إسلامًا سيقبله أم لا. لكن الله تعالى يتركك في الدنيا لتقوم عليك الحجة، وكل واحد يختار طريقه. هذا بحثناه في مسألة القدر أكثر من مرة، وسنعيد الكلام عليه بإذن الله تعالى عند حديث جبريل.

​إذًا، واضح يا إخوة؟ إذًا، النبي صلى الله عليه وسلم قال: “فهجرته إلى ما هاجر إليه” تحقيرًا له وإذلالاً له.

​النية ومحلها والتلفظ بها

​الأمر الآخر الذي يكون في هذا الحديث وينبغي فهمه أن النية وإن عظُم شأنها، فإن محلها وين؟ القلب. والتلفظ بها بدعة.

​بعض الناس يريد أن يصلي: “اللهم إني نويت صلاة كذا وراء إمام كذا في يوم كذا”. ضياع وقت. الله تعالى مُطَّلع على نيتك، والنية محلها القلب. وأجيبك بجواب سهل: كم صلى النبي مع الصحابة؟ لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يسمي هذه النية كل صلاة، أتظن الصحابة لا ينقلون هذا الأمر؟ الصحابة نقلوا أقل دقيقة. في الصحيحين، أبو هريرة قال: “يا رسول الله رأيتك إذا كبرت سكتَّ هنيهة”. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أقول دعاء الاستفتاح” ثم ذكره. الصحابة يقولون: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلَّم التفت تارة عن اليمين، وإذا سلَّم أحيانًا التفت عن الشمال. يعني الصحابة نقلوا أدق التفاصيل في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. هل يمكن أن يغفلوا عن أمر عظيم كهذا؟ لا يمكن.

​إذًا، عدم النقل دليل على عدم الوجود. فالنية لا تُقال إلا ما استثنى أهل العلم. قالوا: أما في الحج فيجوز أنك في الحج ماذا تقول؟ “اللهم لبيك عمرة أو حجًا أو حجًا إلى عمرة” إلى غير ذلك. وهذا أيضًا غير مُسَلَّم، لأن أهل العلم قالوا: التلبية في الحج كتكبيرة الإحرام في الصلاة وليست نية. قُل: “الله أكبر”. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: “تكبيرها التحريم” أي “تحريمها التكبير”. وكذلك التلبية هي بداية على دخولك في النُسك، فهي ليست نية. ولهذا لا تقل: “اللهم إني نويت حجًا سنة كذا”. لا، تقول: “لبيك”.

​إذًا، التلبية بمنزلة تكبيرة الإحرام. فإن قال واحد: “لا، التلبية نية”. يقال: طيب، جاء الشرع بجواز النية في الحج ولم يأت بجواز النية في الصلاة. ولا يجوز القياس في العبادات على هذه الطريقة. فهمتم؟ وعليه فإن النية محلها القلب، والتلفظ بها بدعة.

​النية يا إخوة يُنظر إليها من جهتين:

  1. ​الجهة الأولى: النية في العبادة.
  2. ​والثاني: النية للمعبود.

​وبعضهم يقول: النية إما أن تكون للعمل وإما أن تكون للمعمول له. ما معنى هذا الكلام؟

  • ​أما النية في العبادة فهي التي ذكرناها في الدرس الماضي، لأن النية إما أن تفرق بين عبادة وعبادة، أو أن تفرق ما بين عبادة وعادة. فهمتم؟ واحد لا يأكل الطعام لأنه مريض وواحد صائم. فرق، الصورة هي هي، فرق بينهما النية. ركعتان وركعتان، هذه نافلة وهذا فرض، الذي فرق بينهما النية. إذًا، هذه نية العبادة.
  • ​قالوا: والشق الثاني هي نية المعبود، وهي الإخلاص والصدق. فقد تكون نيتك فعلاً فعل الصلاة، لكنك لست خالصًا لله. إذًا، النية يُنظر إليها من جهتين: من جهة العمل، وهذه مبحثها وين؟ كتب الفقه، الكتب الفقهية التي تميز بين هذه نية صلاة كذا وهذا نية كذا وهذا عمل كذا. والثاني وين تُبحث؟ في كتب الرقائق والإخلاص والصدق مع الله وغير ذلك. ولهذا الثانية هي التي يعرفها السلف بقولهم: “الإخلاص هو الخلاص من رؤية الأشخاص”. وقال بعضهم: “الإخلاص هو ألا تريد بعملك إلا الله”. وقال بعضهم: “الإخلاص تصفية العمل من سِوى الله”.

​قال الناظم:

إخلاصنا لله صفِّي القلبِ

من إرادة سواه فافهم يا فطن

 

​لو كنت ذكيًّا تفعل يعني هذا الإخلاص.

​وهذا الذي قال فيه القاضي الفضيل بن عياض: “ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما”. أي أن الإخلاص ألا ترى الناس. ولهذا قال بعض السلف: “إذا كنت تصلي وجاءك الشيطان وقال: أنت تصلي رياء، زد في الصلاة”. ليش؟ حتى تُرغِم الشيطان، أي لا مدخل لك عليَّ. الشيطان يأتي يُنغص عليك العمل. طيب، حتى لو دخل الرياء في وقت ما، ادفعه كما سيأتي معنا في المسألة التالية. فهمتم؟

​إذًا، النية تُبحث في كتب الفقه لتمييز العبادة عن العادة والعبادة عن العبادة. وتُبحث في كتب الرقائق ليُذكِّر العبد نفسه بالإخلاص. وهذه تكلمنا عليها في قصيدة السير إلى الله والدار الآخرة وغير ذلك من المواطن.

​آفات الإخلاص: الرياء

​المسألة الأخرى وهي دخول الرياء على العبادة. طبعًا آفة الإخلاص هي الرياء. ومما يُكَدِّرُ الإخلاص هو الشرك. والرياء شرك خفي. ليش خفي؟ لأنه أخفى كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في أمتي من دبيب النمل. أنت تسمع أن مالك يَمُرُّ؟ لا تسمع. هو أخفى من دبيب النمل. يدخل عليك يُفسد عليك دينك وأنت لا تدري، خاصة من ظن أنه قد بلغ الإخلاص.

​قال السلف: “مَنْ رَأَى فِي إِخْلَاصِهِ الْإِخْلَاصَ، فَإِنَّ إِخْلَاصَهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِخْلَاصٍ”. لو كنت صادقًا لا يمكن تقول: “أنا مُخلِص”، لا يمكن. فهمتم؟ ولهذا قال بعض السلف: “ما جاهدت شيئًا أشدَّ عليَّ من نيتي، وكأنها تتقلب عليَّ”. ذكرت لكم هذا في السير إلى الله. لماذا قال: “وكأنها تتقلب عليَّ”؟ أحسنت، لأن النية وين؟ هي وين محل النية؟ القلب. طيب، والقلب لماذا سُمي قلبًا؟ لأنه يتقلب. سهلة العملية، ما سُمي القلب إلا من تقلبه:

فَاحْذَرْ عَلَى القَلْبِ مِنْ قَلْبٍ وَتَحْوِيلِ

 

​القلب يتقلب يا إخوة، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم وما أدراكم يقول: “يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك”. بل هذا كان من أكثر دعائه. بل كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقسم بالله قال: “لا ومُقلِّب القلوب”. يعني دائمًا النبي يستحضر ويُذكِّر أصحابه بأن قلوبكم تتقلب.

​ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قال:

​(بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا)

 

​كان مؤمنًا ولا كافرًا؟ بشيء من الدنيا تغيَّر كامل. المؤمن يخاف على نفسه.

الرياء يا إخوة يُكَدِّر العبادة. لكن أهل العلم فصَّلوا: متى يُفسد الرياء العبادة ومتى لا يُفسدها؟ وأنا سأذكر لكم أصلاً جامعًا تضبط به المسألة.

​أولاً: لا يخلو الرياء مع العبادة من عدة صور سأذكرها.

​الصورة الأولى: الرياء هو الباعث للعبادة

​أنت دخلت صليت ركعتين ولم تكن تريد أن تقرأ القرآن، شفت جماعة داخلين للمسجد، شدَّ المصحف وبدأ يقرأ. إذًا، هذا – نحن لا نقول كل واحد مَسك المصحف مُرائي والعياذ بالله – لكن هذا لو كانت صورته الرياء، هذا يكون قد حرَّكه للعمل ماذا؟ الرياء. طيب، هذا عبادته صحيحة؟ هذا عبادته باطلة من أصلها. عبادته باطلة أصلاً. لماذا؟ لأن أصل العمل فاسد وما بُني على الباطل فهو باطل. هذا من البداية لم يُرد أن يصلي أو لم يُرد أن يقرأ أو لم يُرد أن يجلس، ولكنه لما رأى الناس أراد الناس أن يصفوه بكيت وكيت.

​ولهذا من باب الطُرفة، يعني رجل حدَّث على كلّ عن رجل كان حَسَن اللباس، جميل المَنظَر. دخل للمسجد وصلى ركعتين، فمن البياض الذي عليه وكأن هيبته أثَّرت في الناس وهو يصلي، والناس ينظرون إليه. فلما أنهى الصلاة نظر إليهم وقال: “وراني صايم وفلوس”! فهمتم؟ يعني هذا ما… هذا أخبث صورة من صور الرياء. يعني زيدوا شَيخوا رواحكم راهو صايم مع هذا. فهمتم؟ والعياذ بالله.

​ولهذا كان يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى وهذا كلام متين له في تلبيس إبليس يقول: “بعض الناس إذا دعوته إلى طعام وهو يكون صائمًا، لا يقول أنا صائم بل يقول: اليوم اثنين”. قال ابن الجوزي: “قوله: اليوم يوم اثنين أعظم من أنه لو قال: أنا صائم”. لأنه لو قال: “أنا صائم”، يكون صائم اليوم. قوله: “اليوم اثنين” أي أنا من عادتي أن أصوم كل اثنين. شفتم؟ الثانية أخطر من الأولى. وذكر صورًا أخرى من أعجب… تقول: أنت سبحان الله وكأنه يَصفُنا. ليش؟ لأن مداخل الشيطان علينا عظيمة يا إخوة. ومن ظن أنه قد وصل بر الأمان، غلط. وإنما بر الأمان إذا رضي الله جل جلاله. وما قبل ذلك فأنت في صراع عظيم مع نيتك، مع نفسك، مع غير ذلك من الأمور. والله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ (سورة العنكبوت: 69). هذا لا بد لك من جهاد عظيم. واضح؟

​ولهذا قال أهل العلم: إذا كان الباعث هو الرياء فهذا عمله باطل. والله تعالى يقول: “من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه”. وهذا حال مَن يا إخوة؟ بحال المنافقين. ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ (سورة النساء: 145). وقال الله تعالى قال: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (سورة النساء: 142). قال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (سورة النساء: 142).

​ولهذا كان المنافقون لا يأتون إلى صلاة العشاء وصلاة الفجر. ليش؟ المساجد ليست كالآن، المساجد مُظلمة. في الليل من سيراهم؟ لا أحد. إذًا، لا حاجة لهم بالقدوم لأنهم لا يأتون محبة في الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، لا، بل يأتون ليقال قد أتى القوم. فهمتم؟ ولهذا المرائي إذا كان حياته هذا هلك والعياذ بالله هالك.

​الصورة الثانية: الرياء في أثناء العبادة

​لكن أغلب الناس يُعرَض عليهم هذا ويَذهب، وهذا الذي يجعلنا نَمُرُّ إلى الصورة الثانية، وهي الأكثر. قليل من المسلمين من يُنشئ عبادة كاملة من أجل الرياء، لكن لو فعل ذلك فعمله حابط والعياذ بالله.

الصورة الثانية: أنشأ عبادة لله، ولكن في تلك العبادة جاء الرياء وشارك تلك العبادة. وهذه ينبغي أن نفرق فيها بين الصورتين:

  1. هل هذه العبادة عبادة يتصل أولها بآخرها؟
  2. أم عبادة لا يتصل أولها بآخرها؟

​مثال ذلك: الصلاة، يتصل أولها بآخرها، ولا صلاة واحدة، من التكبير إلى التسليم. طيب، واحد يتصدق بالمال مثلاً، عنده ألف دينار، تصدق في الصباح بمئة وبعد الظهر بمئة وهكذا إلى أن وصل في الليل أكمل دينار تصدق بها. طيب، هل هذا عمل متصل؟ إذًا، لا بد أن نفرق. بل هل هو عمل متصل ولا غير متصل؟

  • ​فما كان غير متصل كالصدقة، يقال: إذا أخلص في المئة دينار الأولى له أجرها، وإذا راءى في التسعمائة دينار الأخيرة، ليس له أجرها. إذًا، يُنظر كل شيء أنفقه، هل كان فيه مخلصًا ولا لا؟ عدم إخلاصه في بقية المال لا يضر بالأول، لأن العبادة منفصل بعضها عن بعض. فهمتم؟
  • ​الصورة الثانية وهي العبادة التي يتصل أولها بآخرها. الصيام من الفجر إلى المغرب، الصلاة من التكبير إلى التسليم. هذه أهل العلم قالوا: هذه ينبغي أن يُنظر فيها إلى عدة حالات:
    • الحالة الأولى: أن يأتيه الرياء ثم يدفعه، ثم يرجع إلى الإخلاص ويتم مخلصًا لله. فهذا لا إشكال فيه. صورة ذلك: واحد يصلي، أحس بأن الناس قد ازْدَحَمُوا في المسجد، فحسَّن صوته ليُمدح، ثم بعدين تذكَّر وخاف من الله جل وعلا فدفع ذلك العارض. وعاد إلى إخلاصه. فهذا يقال: عارض أتاه ودفعه فلا يضره وصلاته صحيحة.
    • الحالة الثانية: هي أن يأتي الرياء ويستمر بالعبد إلى آخر العبادة. كان مخلصًا في أولها، دخل عليه الرياء في أثنائها واستمر به الرياء إلى الآخر. هذا عبادته حابطة، لأن الرياء خالط العبادة فأفسدها. هو أحسن من الذي بدأ رياء، لكن حاله مثل الذي بدأ رياء. لأن الأول بدأ رياء وانتهى رياء، وأنت ابتدأت مخلصًا وانتهيت رياء. والأعمال بالخواتيم. إذًا، هذه العبادة حابطة بالكلية.

​الصورة الثالثة: الرياء بعد انتهاء العبادة

الصورة الثالثة: أن ينهي العبادة، متصلة كانت أو منفصلة، ثم يأتيه الرياء بعد أن أنهى العبادة. وهو أنهى العبادة، جاءه المدح من الناس، أحس في نفسه نوع رياء وعُجب. هذا يضره؟ يضره في نفسه، لكن لا يضر تلك العبادة، لأن العبادة انتهى وقتها. ولما أنهاها، أنهاها مخلصًا. إذًا، هو له أجر تلك العبادة لأنه أداها على السنة ومخلصًا لله. لكن هذا الرياء واسترساله به فيما بعد هو الذي يضره.

​والأمر الآخر وهو أن أهل العلم نبهوا على أن فرح العبد بالطاعة لا يسمى رياء. ولهذا لما ذُكر للنبي صلى الله عليه وسلم ثناء الناس على بعض الناس، وأن العبد يفرح بأن يُثني الناس عليه خيرًا، وليس كحال المنافقين الذين ﴿يُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ (سورة آل عمران: 188). ولهذا يقول ابن سعدي عند تفسير هذه الآية من آخر آل عمران: قول الله جل وعلا: ﴿يُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ دل على أن من أحب أن يُمدح بما فَعَل، لا رياء لكن فرحًا، لا يضره. فهمتم؟

​ولهذا قال أهل العلم: “من فَرِحَ بالطاعة بعد إنهائها”، قال النبي صلى الله عليه وسلم: “تلك عاجل بشرى المؤمن”. وفسر بعضهم قول الله جل وعلا في إبراهيم: ﴿وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ (سورة الشعراء: 84). قالوا: هو الثناء الحسن من الخَلْق على إبراهيم. الآن لا يضر إبراهيم. فثناء الناس عليك بحق وأنت لم تفعل العبادة ليُثني الناس عليك، يَفرح الإنسان بذلك. يفرح لماذا؟ لأن الله وفقه أن أحبه الناس، لكن لم يكن قصده ثناء الناس ومدحه ومدح الناس.

​وهذا الفرح يا إخوة كائن في الدنيا وكائن أيضًا في الآخرة. ولهذا صاحب الكتاب الذي يأخذ كتابه باليمين ماذا يقول؟ ﴿هَاْؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ (سورة الحاقة: 19). قال أهل العلم: أظهر الفرح بكتابه إظهارًا لفضل الله عليه يوم القيامة. فهمتم؟ إذًا، تفرح بعبادتك في الدنيا وستفرح إن شاء الله تعالى بها في الآخرة. هذا ليس من الرياء.

​لكن بعض الناس يبدأ مخلصًا، يأتيه مدح الناس. العبادة التي بعدها لا يكون مخلصًا. أنت ينبغي إذا أتاك مدح الناس هنا تُخلِص أكثر وأكثر. ولهذا الإمام أحمد رحمه الله تعالى كان إذا أثنى الناس عليه قال: “أنا أعلم منكم بنفسي”. لا تخطئوا.

​ولهذا أهل العلم إيش يقولوا؟ العبد إذا جاءه الثناء من أهل العقل – لا إذا بعض الناس يُثني حتى على المنافق خفيف – لكن إذا جاءك الثناء من أهل العقل، هذا يَسُرُّ المؤمن، ولكن لا يَغُرُّ المؤمن. أنت ينبغي لك أن تُسَرَّ لا أن تُعجَب وتَغتَرَّ، لأن الغرور والعُجْب هو أول منازل الهلاك. فهمتم؟ إذًا، هذا مسألة دخول الرياء في العبادة.

​إرادة الدنيا بالعمل الصالح

​المسألة التي بعدها: هنا تفهمون يا إخوة بأن العلم بحر. شوفوا حديث: “إنما الأعمال بالنيات”. شفتم كم من مسألة نذكرها عليه من استنباطات أهل العلم؟ رأيتم؟ لأن هذا العلم بحر، وتستطيع أن تشرحه في كلمة، تشرحه في مجالس، ولكل مقام مقال.

​المسألة التي بعدها وهي: إذا عمل الإنسان طاعة بقصد دنيوي مع إخلاصه لله، هل يضره هذا ولا لا يضره؟

​المسألة هذه غير المسألة الأولى. ولهذا حتى في كتاب التوحيد بَوَّبَ بابين:

  1. ​الأول: باب ما جاء في الرياء.
  2. ​الثاني بعده: باب ما جاء في إرادة الدنيا ببعض الأعمال، أو في إرادة العبد بعبادته الدنيا.

​بعضهم قال: باب هذا وهذا متشابهين. لا، الأول في الرياء، والثاني في الدنيا.

​ليش؟ أهل العلم قالوا: الذي يريد بعبادته الدنيا (المال والجاه والمرأة) أعقل من الذي يريد الرياء، لأن الذي يريد الرياء يريد فقط كلمة يقولها الناس له. هم الاثنين غير مخلصين. أريد كلامًا، وواحد يريد مالاً. من جهة العقل أيهما أعقل؟ الثاني. فقط سيحصل كلامًا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “من راءى، راءى الله به، ومن سَمَّعَ سَمَّعَ الله به”.

​إذًا، هذه الصورة غير الصورة الأولى، وهي أن العبد يفعل طاعة بقصد النفع الدنيوي. وهذه أيضًا لنا فيها تفصيل كالذي سبق.

​الحالة الأولى: الثمرة الدنيوية هي الأمر الوحيد المطلوب

​إذا كانت الثمرة الدنيوية هي الأمر الذي يريده ذلك الفاعل. يعني جاء يصلي الفجر فقط حتى يكون في ذمة الله. النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من صلى الفجر فهو في ذمة الله، لا يطلبنكم الله بذمتي من شيء” حديث صحيح مسلم. ذهب أو دفع الزكاة فقط ليبارك الله له في ماله، لا ينظر لا للعبادة ولا لحق الفقراء ولا لشيء، يريد أن يدفع زكاته ليبارك وليزاد ليزيد. يَصل الرحم فقط ليزاد في أجله ويكثر رزقه.

​إذًا، فهمتم الصورة؟ هو يعمل ليس للرياء للناس، لا، يعمل لنفسه، لكنه يريد نفعًا دنيويًا.

​قال أهل العلم: إذا كان لا يرجو الله والدار الآخرة وفعل الأمر فقط للدنيا، هذا ليس له في الآخرة نصيب.

​قال تعالى:

​﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة هود: 15 – 16)

 

​وهذه الآية الله تعالى شوفوا إيش قال. قال: ﴿كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا﴾. لقائل منكم أن يقول: رأينا بعض الناس يريد الدنيا ولا يحصلها، والله هنا تعالى قال: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ﴾، فوعده الله بأن يفي له ما يريد.

الجواب: لا، لا تأخذ العلم من آية واحدة، وإنما انظر إلى كل القرآن وانظر إلى السنة. شيخ هشام قرأ ابن أبي آيات الإسراء بعدها:

​﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (سورة الإسراء: 18)

 

​فهمتم؟ إذًا، الله تعالى في آية الإسراء قَيَّد. قال: ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ﴾. فقد يُعطى وقد لا يُعطى. لكن العذاب حتمًا سيُعطى، لأنه لم يُرد الدار الآخرة.

​إذًا، الصورة الأولى يا إخوة: من فعل العبادة فقط للدنيا. ذهب يجاهد فقط ليأخذ الغنائم، ولا عنده أي شيء في نصرة الدين ولا نصرة المسلمين.

​الحالة الثانية: ابتغاء وجه الله مع قصد نفع دنيوي تبعًا للدين

الصورة الثانية: أن يبتغي بعمله وجه الله، لكنه يريد معه أيضًا النفع الدنيوي. يأتي يصلي الفجر لله ويرجو أن يحفظه الله. يذكر الله تعالى يقول: “بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء” ثلاث مرات، يريد الطاعة والذِكر، ولكن في نفس الوقت يريد أنه أن يحفظه الله جل وعلا في الصباح والمساء، إلى غير ذلك من الأمور.

​هذه أهل العلم قالوا: إذا كان الباعث الأصلي هو الدنيا والدين تَبَعٌ، هذا لا شك سيئ ويُخشى عليه من الإثم وحبوط العمل.

إذا كان الباعث هو الله، ويقصد العبد الدنيا تبعًا للدين، وليس الدين تابعًا للدنيا، هذا لا بأس به. لأن لو كان الدنيا أن تنوي الدنيا لا يمكن أن يكون… طيب، لماذا النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الأجر؟ النبي قال: “من قتل قتيلاً فله سَلَبُه”. قال: “من صلى الفجر فهو في ذمة الله”. “من أراد أن يُنسأ له في رزقه ويُبسط له فيُنسأ له في عمره ويُبسط له، فليَصِلْ رَحِمَه”. لماذا النبي صلى الله عليه وسلم ذكر هذه الفضائل؟ هل ذكرها فقط لنقرأها؟ ولا لنؤمن بها ونرجو الله جل وعلا أن يعطينا؟ الأول والثاني. الثاني. لكن لا يعني أنك تريد هذا النفع الدنيوي. أنك إذا أديت زكاة مالك زاد الله في مالك وبارك لك فيه. لكن لا ينبغي أن يكون ذلك هو الأساس. الدين يأتي بعده. لا، كل عمل تعمله لا بد أن يكون القصد الأول هو الله، وما شئت من النفع الدنيوي تبعًا للدين.

​وأنا أضرب لكم صورة: بعض الناس إذا رفع يديه للدعاء، إذا لم تأته الإجابة مباشرة يرى وكأنه ضيَّع وقته. يعني هل هذا حق؟ باطل. رفعك لليدين وتضرعك لله هذا من أعظم العبادات. النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الدعاء هو العبادة”. لأن أغلب الناس يَنقدح في ذهنه أن الدعاء طَلَب. لا، الدعاء عبادة قبل أن يكون طلبًا. قد تُعطى وقد لا تُعطى وقد يُدَّخر وقد يُعطى الآن وقد لا يُعطى العبد لمانع وقد لا يكون ليس هناك مانع لكن الله أراد أن يَصرف عنه مصيبة، إلى غير ذلك من الأمور التي ذكرناها لكم في أكثر من موطن.

​إذًا، الدعاء صورة تُفهمك المسألة. فأنت إذا رفعت يديك للدعاء أنت تدعو الله وتُناجيه. ولهذا بعض السلف يقول: “وربما أتتني حاجة فدعوت الله تعالى ففتح الله عليَّ حين دعائه من لذة المناجاة وحلاوة الأنس به، ما جعلني أنسى ما أريد”. أحيانًا الواحد تأتيه مصيبة يدعو، وإذا به في تلك المناجاة لذلك الدعاء يحس أموره الدنيا لا قيمة لها أصلاً. فهمتم؟ لأن ما فُتح عليك في ذلك الدعاء أكثر بكثير مما طلبت من مال أو ولد أو غير ذلك من الأمور. وقد يعطيك الله تعالى هذا وهذا، يصلح قلبك وأحوالك ويصلح دنياك، ولا يستقيم الدين إلا بالدنيا.

​إذًا، يا إخوة، نقول: من كان ينوي هذا وهذا يُنظَر للباعث. فينبغي دائمًا أن يكون الباعث هو الدين والدنيا تكون تَبَعًا لذلك الدين.

​أما إذا كان القصد فقط الدنيوي، هذا نراه عند بعض الناس كما قال تعالى:

​﴿وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ﴾ (سورة التوبة: 58)

 

​بعض الناس كان مع النبي صلى الله عليه وسلم إذا أُعطِيَ المال يرضى. لا يُعطَى المال يسخط. هذا يعبد من أجل المال.

​ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال:

​(تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ، تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيصَةِ، تَعِسَ عَبْدُ الْقَطِيفَةِ، تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ)

 

​هذه قماش أنواع متاع قماش. ثم قال: “تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ”.

​مَن يفسر الحديث؟ تعرفوا أنا دائمًا من باب الطرفة واحد يجي يقول لي: “الدين ساهل”. كيقول له: “لا نحتاج روح الحديث ولا نحتاج أن نقرأ شروح البخاري”. لغة عربية. طيب، فسر لي: “تَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ”. ثم قلنا له: النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين قال: “الْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ”. يلا ما معناها؟ أنت مدهامتان، لا تعرف ما معناها أصلاً. هذه آية واحدة. أنتم فلتكبروا على العلم أحقر ما يكون عند الناس.

​طيب، ما معنى “شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ”؟ انتكس هو أراد شيئًا فانتكس عليه. و**”إذا شِيكَ”** أيضًا، آه، دقته شوكة. يعني أُصيب بشوكة “فَلَا انْتَقَشَ”. لأن الشوكة بماذا ننزعها؟ بالمنقاش. و**”إذا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ”**. أي النبي صلى الله عليه وسلم دعا عليه أن يُصاب بالشوك ويجد الألم ولا يُزيح ذلك الألم. فهمتم؟ ليش؟ لأن عابد الدرهم والدينار. فهمتم؟ والعبد المؤمن لا يكون عابد درهم والدينار.

​بعض الناس يقول: “دعوت ولم يُستَجب لي، إذًا أنا لا أدعو”. يأتي وكأن… كما قال تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُم﴾ (سورة الحجرات: 17). من الذي يمن على الآخر؟ فهمتم؟ بعض الناس وكأنه يَمُنُّ بأنه قد استقام. بعض النساء تَمُنُّ وكأنها تحجبت هي. طيب، أنت تحجبت في زمن صعب التحجب والاستتار. وآمن الصحابة والصحابيات في زمن من أسلم فيه قُتِل.

​ولهذا لما جاء خَبَّابُ بن الأَرَتِّ النبي صلى الله عليه وسلم عند الكعبة قال: “ألا تدعو الله لنا؟”. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

​(كَانَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يُمَشَّطُ لَحْمُهُ مِنْ عَظْمِهِ، وَلَا يَرُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ. وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ)

 

​إلى آخر ما قال. ثم قال: “وَلَكِنَّكُمْ قَوْمٌ تَسْتَعْجِلُونَ”. فهمتم؟ والله تعالى قال: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾ (سورة الإسراء: 11). الإنسان عجول في طبعه.

​إذًا، هذا تفصيل ما يتعلق بـ الرياء. احفظوه. والثاني: مخالطة الدنيا أو إرادة النفع الدنيوي للعمل.

​تخريج الحديث والتعريف بصاحبي الصحيحين

​المسألة التي بعدها قبل أن نختم الحديث. قال النووي رحمه الله تعالى قال: “رواه إماما المحدثين أبو عبد الله محمد ابن إبراهيم ابن المغيرة بن بَرْدِزْبَةَ البخاري وأبو الحسن مسلم بن الحجاج بن مسلم القُشَيري النَّيْسَابُوري في صحيحيهما الذين هما أصح الكتب المصنفة”.

​النووي رحمه الله تعالى هنا ذكر أمورًا:

  1. ​الأمر الأول: ذكر أن هذا الحديث خرَّجه البخاري ومسلم.
  2. ​وذكر أنهما خرَّجا هذا الحديث في الصحيحين. صحيح البخاري وصحيح مسلم. والبخاري هو شيخ الإمام مسلم.
  3. ​ثم قال: “اللذين هما أصح الكتب المصنفة”.

​قوله: “أصح الكتب المصنفة” لا نحتاج أن نقول بعدها: “بعد كتاب الله”. العادة العلماء ماذا يقولون؟ أصح الكتب بعد كتاب الله. صح. لكن هنا قال: “أصح الكتب المصنفة”. لا نحتاج، لأن القرآن هل هو مُصَنَّف؟ لا، القرآن… خاطئ هذا. أصلاً كلام الله رب العالمين. إذًا، إما أن تقول: “أصح كتاب بعد كتاب الله” وهذا لا بأس. أما إذا قلت: “الكتب المصنفة” لا تحتاج بعدها أن تذكر ذلك القيد.

​اختلف أهل العلم: أيهما أفضل صحيح البخاري أو صحيح مسلم؟ خلاف قديم. خلاصته بأن البخاري أعلى وأولى في التقديم. ليش؟ لأن البخاري أصح. إذًا، هما صحيحان والبخاري أصح.

​لكن مسلمًا رحمه الله تعالى وهو تلميذ البخاري، من جهة حُسن سياق الحديث أفضل من البخاري. البخاري يفرق المواضيع. مسلم يجمع الحديث ورأيته في سياق واحد.

​ولهذا قال الناظم:

تَشَاجَرَ قَوْمٌ فِي الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ (بالضرورة الشعرية لدي)

وَقَالُوا أَيُّ ذَيْنِ تُقَدِّمُ؟

فَقُلْتُ لَقَدْ فَاقَ الْبُخَارِيُّ صِحَّةً

وَفَاقَ فِي حُسْنِ الصِّيَاغَةِ مُسْلِمُ

 

​إذًا، المسلم صياغته أحسن والبخاري أصح.

​ثم مسلم يا إخوة لم يُبَوِّبْ كتابه، إنما قسَّمه إلى كتب: كتاب الإيمان، كتاب كذا، إلى غير ذلك. أما الأبواب التفصيلية، إنما التبويب الذي ترونه الآن في صحيح مسلم هو من تبويب الشُراح: النووي رحمه الله تعالى والقاضي عياض وغير ذلك. إذًا، هذا التبويب. ولذا بعض الناس يخطئ يقول: “قال الإمام مسلم باب كذا”. لم يقل الإمام مسلم باب، لأنه لم يُبَوِّبْ كتابه أصلاً. إنما هذا من فعل الشُرَّاح.

​طيب، البخاري بَوَّبَ؟ بَوَّبَ البخاري كتابه تبويبًا دقيقًا تَعَجَّبَ وتَحَيَّرَ العلماء فيه إلى هذا الوقت. لا تزال كتب والدراسات الجامعية تتكلم على فقه البخاري. لهذا قالوا كما لا يخفى عليكم: فقه البخاري في تراجمه. يعني البخاري إذا قال: “باب كذا”، هو فَهِمَ الحديث واستنبط منه أمورًا أنت ربما تبقى تتأمل أيامًا لا تجد ما الذي أراده البخاري. فهمتم؟ فالبخاري يا إخوة عبقري في جهة الاستنباط وسياق الأبواب. وحتى لو فَرَّقَ الحديث يذكر لفظًا هنا ولفظًا هنا وسندًا هنا وسندًا هنا. واحد يقول: هذا تكرار. هو في الحقيقة ليس تكرارًا. إنما إذا وضع البخاري ذلك الحديث في ذلك الموطن، إنما هو لأمور أرادها رحمه الله تعالى. لا يزال العلماء يتسابقون في استنباط واستخراجها.

​ولهذا قال بعضهم – يعني في المقارنة أيضًا بين مسلم والبخاري أو بالبخاري وغيره من الكتب، بعض المالكية فضيلة هذا الوقت يفضل الموطأ على البخاري – والصحيح أن البخاري أصح، لا شيء مع جلالة قدر موطأ الإمام مالك رحمه الله تعالى.

​قال بعضهم:

قَالُوا لِكُلِّ فَضْلٍ قُلْتُ الْبُخَارِيُّ أَعْلَى

قَالُوا الْمُكَرَّرُ فِيهِ قُلْتُ الْمُقَرَّرُ أَحْلَى

 

​فهمتم؟ يعني واحد يدافع عن البخاري. يعني هم قالوا: المكرر فيه. قلت: المُقرَّر أحلى. لأن تكرير البخاري للحديث وتكرار عفوا البخاري للحديث، هذا لحِكَم يعرفها المحدثون.

​النية والإخلاص في كتب النووي

​النقطة الأخيرة قبل أن نتكلم على فوائد الحديث. رحمه الله تعالى في كتابه هذا ذكر بدأ بحديث “إنما الأعمال بالنيات” قبل حديث جبريل. فهمتم؟ هذا الصنيع سبقه إليه جماعة منهم البغوي رحمه الله تعالى في شرح السنة ومصابيح السنة، بدأ بـ “إنما الأعمال بالنيات” ثم الثاني حديث جبريل. فبدأ هنا النووي بأول حديث في صحيح البخاري وهو “إنما الأعمال بالنيات”، وأول حديث في صحيح مسلم ما هو؟ حديث جبريل. إذًا، بدأ كتابه الأربعين بـ الحديث الأول الذي بدأ به البخاري، والثاني هو الحديث الأول الذي بدأ به مسلم. مسلم استفتح كتابه بحديث ابن عمر عن عمر في حديث جبريل الذي سيأتي معنا إن شاء الله تعالى.

​والنووي رحمه الله تعالى يا إخوة لو تأملتم كتبه تجد أنه قَلَّ أن يبدأ كتابًا بغير التذكير بالنية والإخلاص. شُف كل كتب النووي: الأربعين بدأ بذلك. شُفها في مقدمته على مستوى شرح مقدمته لـ المجموع عظيمة، بل أفردها العلماء بالشرح. في الأذكار، في التبيان في آداب حَمَلَة القرآن، في رياض الصالحين بدأ بـ باب النية والإخلاص. وهكذا. فتجد أن النووي رحمه الله تعالى كثير التذكير في كتبه ومصنفاته بالنية.

​حتى لَمَحَ هذا المعنى تاج الدين السُّبكي الشافعي رحمه الله تعالى فقال أبياتًا هي موجودة أيضًا في ديوان ابن الوَرْدِيّ يقول فيها – يعني يُشير إلى النووي كيف أن النووي رحمه الله تعالى كان يذكر الناس بالإخلاص:

لَقِيَتَ خَيْرًا يَا نَوًى وَوُقِيْتَ مِنْ أَلَمِ النَّوَى

​النَّوَى هو البُعْد. يعني يدعو للنووي.

فَلَقَدْ نَشَأَ بِكَ عَالِمٌ لِلَّهِ أَخْلَصَ مَا نَوَى

وَعَلَى سِوَاهُ فَضْلُهُ فَضْلُ الحُبُوبِ عَلَى النَّوَى

 

​أي أن الذين اتبعوا النووي رحمه الله تعالى في نصائحه في الإخلاص لا شك أنهم سيكونون سائرين إلى الله جل وعلا على أقوم حال، لأن من فات عنه الإخلاص انهدَّ بنيانه ولن يستمر.

​ولهذا يا إخوة من كان مُرائيًا لا بد أن يُفتضح يومًا من الأيام. ولهذا ذكرت لكم هذا في أكثر من موطن، لكن ما تكرر تَقَرَّر. ولهذا مدعي النبوة قلت لكم: لا بد أن يفضحه الله، ولا لا بد؟ لا بد. لأن الله تعالى يَغارُ على مَحارِمِه، فمن كذب على الله يفضحه الله، ومن كان يُرائي أمام عباد الله لا بد أن يفضحه الله. فإذا كنت لست مخلصًا وستر الله عليك الآن، قد لا تُستَر عند موتك.

​ولهذا يقول ابن القيم: “وعند الموت تُعصر القلوب عصرًا”. لا يمكن واحد مرائي في الدنيا إذا حضرت الوفاة يقول: “لا إله إلا الله” منشرح الصدر، لأن هنا تُبلَى السَّرائر.

​ولهذا بعضهم قيل له: “قل لا إله إلا الله”. قال: “تَاتَا نَاتَانَا”، يغني. وكان ظاهره الإخلاص. ولهذا يقول ابن القيم في إغاثة اللهفان: “فعاشوا على سنة المصطفى وماتوا على تاتانا تنتنة”. وبعضهم قيل له: “قل لا إله إلا الله”. قال: “عشرين بأربعين”. يعمل هذا ربا. عاش في الربا ومات على الربا. وبعضهم قال له: “قل لا إله إلا الله”. قال: “شاهْ رُخْ”. قضى حياته في الشطرنج. تكلمنا على خلاف العلماء فيه، والأقرب أنه مباح، لكن حتى المباح إذا استَحكَمَ من القلب خلاص.

​ولهذا بعضهم قيل له: “قل لا إله إلا الله”. قال: “يَا رَبِّ قَائِلَةً يَوْمًا وَقَدْ تَعِبَتْ / بَيْنِي الطَّرِيقَ إِلَى حَمَّامِ مَنْجَابِ”. لن أذكر لكم القصة لطولها، ذكرها ابن القيم في الجواب الكافي. لكن هذا رجل كان من عشقه بامرأة يُكرر هذا البيت. سبب البيت في قصة ربما أذكرها لكم في موطن آخر.

​ولهذا يا إخوة الله تعالى قال:

​﴿فَأَمَّا مَن خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ (سورة النازعات: 40 – 41)

 

​قال ابن القيم في الجواب الكافي: قول الله جل وعلا: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ﴾ ليست فقط جنة الآخرة، جنة الدنيا أيضًا. أي من عاش مخلصًا لله مخالفًا لهواه، هو في الدنيا في جنة. فهمتم؟ جنة عظيمة. جنة ماذا؟ جنة الإخلاص.

​ولهذا بعض الإخوة أحيانًا يرسل لي أمرًا يقول: “فعلت وقال لي بعض الإخوة كذا وبعضهم طلب مني كذا وبعضهم تكلم عليَّ في كذا”. قلت له: يا أخي أنصحك بأمر: لماذا أنت تُعَظِّم الخَلْق إلى درجة ترجو من الخَلْق؟ أنت لماذا ترجو من الناس أصلاً شيئًا؟ إذا كنت لا ترجو شيئًا أنت مرتاح. فهمتم؟ أما بعض الناس يرجو من الناس الكثير، والناس يتقلبون، يمدحك اليوم ويسبك في المساء، ويرضى عنك اليوم من الغد. لكن الله جل وعلا إذا أقبلت عليه مشيًا أتاك هَرْوَلَة. فهمتم؟ أما العبد تقبل عليه يهرب منك. الله تمشي له يجيك: “من أتاني مشيًا أتيته هَرْوَلَة”. واضح يا إخوة؟

​ولهذا ينبغي للعبد إذا تأمل حديث: “إنما الأعمال بالنيات” أن يملأ قلبه بالله ولا يَركن إلى الخَلْق. فإن الخلق الفهم كواحد كألف، وربما أنت تفرح بكثرة الخلق عندك، لكن إذا اسود قلبك وضاق صدرك وغضب عليك ربك، لا ينفعك لا دمعهم ولا شَمْعهم ولا جَمْعهم. لا ينفعك شيء بهذا. واضح يا إخوة؟

​ولهذا دائمًا أقول لكم: خَلِّ علاقتك بالناس طيبة، ومحبة الناس كنز عظيم، لكن لا تجعل ذلك مقصودك الأكبر، سيما في هذا الزمن، زمن الخلطة فيه أصبحت تضر. فكلما اعتزلت الناس قدر المستطاع – مش واحد يمشي يعيش في حفرة فهمتم – عش مع الناس، فهمتم؟ لكن اجعل قلبك مُعلَّقًا بالله. لا ترجو منهم كثيرًا. إذا كنت لا ترجو الكثير إذا جاءك القليل تفرح به. إذا كنت ترجو الكثير لا يرضيك شيء، كالذي يريد الدنيا. الدنيا لا تنتهي. لكن في وقت يأتيك لا بد أن تقول: “يكفيني ما عندي قناعة، السلام”. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: “رحم الله من كان عيشه قناعة”. وكان يعيش التفاتة، يعني يكفيك يكفي. فهمتم؟ وحتى لو نِلْتَ من الدنيا مال قارون، يكن قلبك دائمًا معلقًا بالله. ليش؟ لأنك تفهم: “فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه”.

​دائمًا هذا النبي ضرب مثلاً بالهجرة. لكن هذا في كل أمور الدنيا.

​فوائد مستفادة من الحديث

​يُستفاد من هذا الحديث أمور:

    1. الأول: أنه لا عمل إلا بنية.
    2. الثاني: أن الأعمال معتبرة شرعًا بنياتها. فمن لم تكن له في عبادته نية فلا أجر له عند الله جل جلاله. وبعض الناس يا إخوة يستحكم عليه الوسواس فيصبح يأتي قبل الصلاة، الإمام يقرأ وهو واقف. يسأله: لماذا؟ يقول: أنا أستحضر النية. صار جنونًا. جاء واحد لابن عقيل أبي الوفاء الحنبلي قال له: “إني أغتسل وبعد أن أُنهي الاغتسال أُعيد أغتسل مرة أخرى لأني لا أدري هل لي نية ولا هل عليَّ أن أعيد الغسل؟”. قال: “لا تغتسل ولا تُصلِّ، أنت أصلاً مجنون، والمجنون لا يُصلي، رُفِعَ القلم عن ثلاث”. يعني يتوضأ بعد ما يتوضأ يُعاود يتوضأ. وهذا رأيناه. وابن القيم أطال في كتابه إغاثة اللهفان. يبقى واقف ولا يقول: “الله أكبر”. ليش يا أخوي؟ أستحضر النية. هذا الشيطان لَعِبَ بك كما أراد. ولذا بعض الناس يأتيه الشيطان يقول له: “لا تُصلِّ أصلاً”. وبعض الناس إذا رآه يُصلي يدخل عليه من باب الوسواس. ورأيت بعيني أقوامًا دخلوا في هذا وخرجوا من الدين من كثرة الوسواس. مسَّ صُبَّاطِي يعاود يتوضأ. ولهذا لما مر عمر وقَطَرَ عليهم شيء من الميزاب. كان واحد مع عمر نظر إلى صاحب البيت قال: “من الذي نزل علينا؟”. قال عمر: “لا تُجبه”. لا تُجبه. لماذا؟ أنت لا تدري ما الذي نزل، إما ماء ولا بول. طيب، أنت لا تدري، لا جعلك الله في عافية من دينك. لماذا تسأل؟ والله تعالى قال: ​﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (سورة المائدة: 101) ​لماذا تسأل أصلاً؟ أن بعض الناس يقول: أنا إذا دخلت بيت الخلاء وجَبَدْتُ الشَّاص ربما… طيب، ربما ربما… يعني النجاسة موجودة. إذا كنت بتفكر بربما خلاص نغَّصْتَ على نفسك الطهارة والصلاة ولا شيء. ولهذا بعض الناس اللعاب في الصيام يحاول ينظف فمه من اللعاب. فهمتم؟ ليش؟ هذا من قلة الفقه في الدين يا إخوة. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: “لست من المتكلفين” و “هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ”. واضح؟

​﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ (سورة المائدة: 101)

 

​لماذا تسأل أصلاً؟ أن بعض الناس يقول: أنا إذا دخلت بيت الخلاء وجَبَدْتُ الشَّاص ربما… طيب، ربما ربما… يعني النجاسة موجودة. إذا كنت بتفكر بربما خلاص نغَّصْتَ على نفسك الطهارة والصلاة ولا شيء. ولهذا بعض الناس اللعاب في الصيام يحاول ينظف فمه من اللعاب. فهمتم؟ ليش؟ هذا من قلة الفقه في الدين يا إخوة. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: “لست من المتكلفين” و “هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ”. واضح؟

      1. الأمر الآخر: أن ثواب العامل على حسب نيته.
      2. والرابع: أن العالم يَضرِبُ المثال ليُقَرِّبَ الأفهام. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم في الأول: “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى”. ثم ضرب مثالاً فقال: “فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله”. فأنت أحيانًا تقول كلامًا لا يَفهمك الناس، فاضرب مثالاً حتى تُقرِّب الأمر إليهم.
      3. أيضًا في هذا الحديث: فضل الهجرة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “فهجرته إلى الله ورسوله” أي ثوابًا. وفي صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: “الْهِجْرَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا”. يعني لو جئت بذنوب عِظَام ثم هاجرت، الهجرة تَجُبُّ كل الذنوب ولو كانت كُفرًا إذا تاب العبد.
      4. الأمر الآخر: أن الإنسان يُؤجَر أو يُؤزَر بحسب النية. الأجر على حسب النية والوِزْر أيضًا على حسب النية.
      5. الأمر الآخر: أن النية يا إخوة ليست شرطًا في المباح وليست شرطًا في الأمور التي نَنتهي عنها، كما ذكرت لكم في الدرس الماضي. إيش معنى هذا؟ قلت لكم بأن إزالة النجاسة لا تحتاج نية. إيش معنى لا تحتاج نية؟ يعني إذا أزلت النجاسة وليس لك نية فأنت لست عاصيًا لأنك فَعَلْتَ المراد. ولهذا لو أزال النجاسة واحد آخر منك صلاتك صحيحة. الشريعة لم تطلب منك أن تنوي نية لإزالة النجاسة. لكن لو أنك أزلت النجاسة بنية الصلاة وبنية قيام الليل فيما بعد، تُؤجَر ولا لا تُؤجَر؟ تُؤجَر. في المنهيات، النية ليست شرطًا في الصحة وإنما هي شرط في صحة الثواب. وكذلك المباح: الأكل والنوم وغير ذلك من الأمور. هذه أمور مباحة. ومَنْ يقول الناظم: “وَمَنْ تَفَى الثَّوَابُ وَالْجُنَاحُ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ الْمُبَاحُ”. لا لك ولا عليك. لكن من نوى بالأكل التقوي على العبادة، يُؤجَر ولا لا يُؤجَر؟ يُؤجَر. إذًا، النية بحر كبير. أدخل النية في كل شيء إذا كان من الأمور التي يمكن أن تكون طاعة.
      6. وآخر شيء: أن العمل الواحد يا إخوة يكون لأحد أجرًا ويكون للآخر وزرًا. النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلين كلاهما هاجر، واحد هاجر إلى الله ورسوله، فوقع أجره على الله. والآخر هاجر إلى الدنيا أو امرأة، فهجرته إلى ما هاجر إليه تحقيرًا له. ولهذا ترى أحيانًا اثنين هذا يُصلي ويُصلي، الصورة هي هي، فهمتم؟ وبينهما كما بين السماء والأرض. هذا يُصلي لله مُتَعَلِّق قلبه بالله. وهذا يُصلي رياء وسمعة، قلبه ساهٍ لاهٍ، كما قلت لكم واحد قلبه عند العرش وواحد قلبه عند الحَشّ أي بيت الخلاء. وفي الظاهر تراهما نفس الشيء. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل المنافقين لماذا؟ قال: “حتى لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه”. أصحابه في الظاهر ولا في الباطن؟ في الظاهر فقط وليس لهم من الإسلام أي نصيب. واضح؟ لكن لما كانوا في الظاهر منتسبين إلى النبي صلى الله عليه وسلم كَفَّ عن قتالهم حتى لا يُظَنَّ بالإسلام ظنُّ السوء. لكن يوم القيامة وضح الأمر. ولهذا إذا جاء المنافقون وأرادوا أن يدخلوا مع المؤمنين قالوا: ﴿انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ (سورة الحديد: 13). الجواب: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ﴾ (سورة الحديد: 13). من جهة مَن؟ المؤمنين. ﴿وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾. شوفوا الصورة القرآنية. المؤمنون أهلاً ليدخلوا الداخل، بينما الآخرون البر قال: ﴿بَاطِنُهُ فَيهِ الرَّحمَةُ﴾ أي قبول للمؤمنين. وأما الآخرون فليسوا أهلاً لأن يدخلوا الدار من أصلها. قال: ﴿وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾. ينادونهم الآيات. واضح؟

​إذًا، هذا يا إخوة الحديث الأول من أحاديث الأربعين النووية. رأيتم أنه حديث في ظاهره قصير من جهة الألفاظ، عظيم جدًا من جهة المعاني.

​إن شاء الله تعالى إما في الدرس القادم أو الذي بعده نبدأ حديثًا هو من أعظم أحاديث الإسلام وهو حديث جبريل. وهذا الحديث سُمي أُمَّ السُنَّة لاحتوائه على أصول هذا الدين من جهة الإسلام والإيمان والإحسان. وربما سنطيل إن شاء الله تعالى في شرحه.

​نكتفي بهذا القدر. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *