الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد.
إذا، أنهينا في الدرس الماضي الأول من الأربعين النووية للحافظ يحيى بن شرف الدين النووي -رحمه الله تعالى- وهو حديث: “إنما الأعمال بالنيات”.
ثم قال الحافظ النووي -رحمه الله تعالى-:
“وَعَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَيْضًا قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ. وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْنِي عَنِ الْإِسْلَامِ.” الحديث.
🎙️ شرح حديث جبريل (أم السنة)
وهذا ما يسمى بـ حديث جبريل عليه السلام، وهو حديث عظيم جليل القدر. قلت لكم في الدرس الماضي: النووي -رحمه الله تعالى- اقتداءً بغيره من أهل العلم، بدأ بأول حديث في صحيح البخاري، وثاني أول حديث في صحيح مسلم.
أول حديث في صحيح البخاري هو: “إنما الأعمال بالنيات”. وأول حديث في صحيح مسلم هو: حديث جبريل. وهذا الصنيع سبقه إليه البغوي -رحمه الله تعالى- في المصابيح في مصابيح السنة وشرح السنة. البغوي كذلك بدأ بحديث: “إنما الأعمال بالنيات”، ثم بـ حديث جبريل، ثم بـ حديث ابن عمر: “بني الإسلام على خمس” وهكذا.
هذا الحديث قال عنه أبو العباس القرطبي صاحب المُفهم -رحمه الله تعالى-: قال: “أمُّ السنة”. وقوله: “أمُّ السنة” قياسًا على “أم القرآن” وهي الفاتحة. لماذا سُميت الفاتحة بـ “أم القرآن”؟ لأنها اشتملت على المعاني الكبار، وعلى أصول الإسلام الموجودة في سورة الفاتحة. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح قال: “أعظم سورة في كتاب الله هي سورة الفاتحة”. لِمَ؟ لأنها اشتملت على أمر عظيم وهي السبع المثاني.
قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾ (سورة الحجر: 87).
السبع المثاني هي الفاتحة. ولهذا الألوسي -رحمه الله تعالى- كتب كتابًا موسوعيًا في التفسير سماه: روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني. وأفرد في العنوان الفاتحة لجلالة قدرها. ولهذا إذا وجدت تفسيرًا ولو مختصرًا عند الفاتحة، العلماء يفيضون في المعاني، لأن كل الدين موجود في سورة الفاتحة. ولهذا أُمرنا بتكرار قراءتها عند كل ركعة. فإذا لم تقرأ سورة بعدها، الصلاة صحيحة، لكن إذا تركت الفاتحة، الصلاة باطلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أنه: (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب).
فتسمية الفاتحة بذلك عرفنا معناها، وتسمية العلماء لـ حديث جبريل بـ “أم السنة” سنفهم -بإذن الله تعالى- بعد هذا الشرح حقيقة هذه الكلمة. فهذا الحديث حديث عظيم جليل القدر، فيه كل الدين، كما قلت لكم في الدرس الماضي؛ لأن جبريل عليه السلام في الآخر لما انصرف، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم). الدين إما إسلام أو إيمان أو إحسان. وهذا الذي عليه مدار حديث جبريل.
وقد توسع العلماء في شرحه، وقد كتب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- شرحًا وهو كتاب: الإيمان الأوسط. الإيمان الأوسط لشيخ الإسلام هو شرح لـ حديث جبريل. وكتب عليه القاضي عياض الفاسي كتابًا سماه: المقاصد الحِسان فيما يلزم الإنسان. وقد ذكر هذا الكتاب القاضي نفسه في شرحه على صحيح مسلم، لكن الكتاب مفقود، يعني إلى هذه الساعة الكتاب غير موجود، وقد ذكره جماعة ممن ترجم للقاضي عياض -رحمه الله تعالى-. اسمه: المقاصد الحِسان فيما يلزم الإنسان، جعله على حديث جبريل.
وفي هذا العصر، جماعة من أهل العلم وطلاب العلم أفردوا كتبًا في هذا الباب. أنصحكم جميعًا؛ لأنكم إذا وجدتم شرحًا لـ حديث جبريل من أهل العلم المعتبرين فاقرؤوه وبينوه لأبنائكم؛ لأن الدين كما سترون قائم على هذا الحديث العظيم.
هذا الحديث له قصة قبلها، لكن سنذكر هذه القصة -بإذن الله تعالى- عند الكلام على مسألة القدر؛ لأن ابن عمر حدث به عن أبيه عمر. سبب تحديث ابن عمر بهذا الحديث له قصة طويلة ساقها الإمام مسلم -رحمه الله تعالى- في صحيحه، نذكرها لاحقًا -بإذن الله تعالى-.
✨ وصف الرجل الغريب (جبريل)
في هذا الحديث، جاء رجل. ماذا قال هنا؟ قال: “إذ طلع علينا”. وفي لفظ: (بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم).
قول الصحابة: “بينما نحن جلوس” يدل على أن من عادة الصحابة الجلوس عند من؟ عند النبي صلى الله عليه وسلم، يتعلمون منه العلم. ولهذا كان عمر -رضي الله عنه- يتناوب مع رجل من الأنصار: اليوم عمر يذهب إلى الحقل ليعمل، والأنصاري يسمع. ومن الغد الأنصاري يعمل وعمر يسمع، حتى يجمعوا ما بين الدين والدنيا. ولهذا الصحابة لم يتركوا شيئًا من حياة النبي صلى الله عليه وسلم إلا ونقلوه -رضي الله عنهم أجمعين-.
قال: (بينما نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، إذ طلع علينا رجل). قال هنا: “طلع علينا رجل”، ثم وصف هذا الرجل. يعني عمر قال: (شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد).
قبل ذلك، هذا الرجل كما سيقول النبي صلى الله عليه وسلم في الآخر: “هذا جبريل”. يدلنا على ماذا؟ على أن الملائكة تتمثل بصورة البشر. وهذا كثير. فإن جبريل كان يأتي للنبي صلى الله عليه وسلم أكثر من مرة. أتاه بصورة رجل، وكان يتمثل بصحابي من هو؟ دحية الكلبي -أحسنتم-. وكان رجلًا جميلًا -رضي الله عنه-، فكان دحية الكلبي يتمثل به جبريل، فيأتي للنبي صلى الله عليه وسلم على هيئته. وكما جاءت الملائكة تجادل إبراهيم عليه السلام لقوم لوط، جاؤوه على صورة بشر. وهكذا، فإن الملائكة يتمثلون، بل في قصة الأقرع وغير ذلك معروف أن ذاك الرجل قال: “أما أنا فملَك”.
فالملائكة يتمثلون بصور البشر. وهذا التمثل ليس لأن الملك يريد أن…؛ بل لأن الله تعالى يأمرهم بذلك متى شاء، إذا شاء لحكمة عظيمة. فالملائكة لا يتمثلون بأنفسهم، وإنما يتمثلون تبعًا لحكمة الله -جل وعلا-. كما هنا، جبريل هنا لم يأت بالوحي للنبي صلى الله عليه وسلم بينه وبينه. لا، أراد جبريل بهيئته وسلوكه وسؤاله أن يعلِّم الصحابة. وهذا لا يتحقق إلا إذا جاء جبريل على هيئته البشرية، أو على هيئة بشرية. ولو جاء جبريل على هيئته الحقيقية، هل يستطيع الصحابة أن يسمعوا كلامه؟ لا يستطيع. يعني من يستطيع أن ينظر إلى ملك له ستمئة جناح سد الأفق؟ لا يمكن. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما رآه، أمر عظيم لا يمكن أن يتحمله الإنسان. والنبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل على هيئته الحقيقية كم من مرة؟ مرتين: الأولى في مكة، والثانية عند المعراج.
قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ * عِندَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَىٰ * عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ ﴾ (سورة النجم: 13-15).
ومر هذا في حديثنا على الإسراء والمعراج.
قال: (إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه منا أحد).
أولًا: وصفوه في شكله: (شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر). سواد الشعر غالبًا أمر يُرى. يعني لو كان الإنسان شعره أسود جدًا يظهر. سيما إذا كان سواد الشعر مع بياض الثوب. هذا يدل على أن الصحابة لاحظوا أن هذا الإنسان شكله جذبهم من جهة شدة البياض مع شدة السواد.
ثانيًا: الصحابة قالوا: (ولا يرى عليه أثر السفر). لِمَ لا يُرى عليه أثر السفر؟ أصلًا بياض الثياب والهيئة الظاهرة تدل على أن هذا ليس عليه أثر السفر. طيب إذا كان ليس عليه أثر السفر، هل هذا فيه غرابة؟ ما الغرابة في هذا؟ أنه لا يعرفه أحد. يعني إما أنه من المدينة، وهذا لا نستغرب أن يكون ليس بمسافر، لكنه ليس من المدينة. و (لا يرى عليه أثر السفر)، فهذا مما يثير الريبة. يعني إنسان يأتي لا يعرفه أحد ولا يظهر عليه السفر. تقول: “من وين جاي هذا؟” هذا الذي أثار غرابة واستعجاب الصحابة -رضي الله عنهم-.
ولهذا قالوا بعدها: (ولا يعرفه منا أحد). وها هنا سؤال: قول الصحابة: (ولا يعرفه منا أحد) يعني قول عمر. كيف عرف أنه لا يعرفه أحد؟ تذاكروا الأمر. عندنا كم من احتمال؟
- الأول: أن يكون عمر قال ذلك بغلبة الظن. يعني تقريبًا هذا لا يعرفه أحد.
- والثاني: أن يكون الصحابة تذاكروا بينهم عند قدومه، فقال كل واحد: “لا نعرفه، لا أعرفه”. فنقل الخبر، لكن اختصر المسألة.
الثاني هو الصحيح. قد جاءت رواية أخرى ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري: قال: “فنظر الصحابة بعضهم إلى بعض، فقالوا: لا يعرفه أحد”. هنا قال عمر: (لا يعرفه أحد). إذا استناد عمر هنا ليس فقط لغلبة الظن، وإنما هو لقيل الصحابة وتصريحهم.
قال: (ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه).
- “أسند ركبتيه إلى ركبتيه”: أي أسند جبريل ركبتيه إلى ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم. أي وضع ركبتيه إزاء ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم.
- “ووضع كفيه على فخذيه”: الضمير في قوله: “فخذيه” اختلف أهل العلم: هل يعود على النبي صلى الله عليه وسلم؟ وقال بعضهم يعود على جبريل. أي أن جبريل وضع كفيه هو على فخذي جبريل.
والقول الثاني: قالوا: لا، بل جبريل وضع كفيه على فخذي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
من قال بالأول قال: جبريل جلس أمام النبي صلى الله عليه وسلم ووضع كفيه على فخذيه كهيئة طالب علم مؤدب جاء ليسمع من معلمه. واضح؟ قالوا: لأن جبريل جاء هنا ليعلِّمهم الإسلام والإيمان والإحسان، وليعلِّمهم أيضًا كيف يكون طالب العلم أمام أستاذه ومعلمه.
والثاني قالوا: لا، بل جبريل وضع يديه كفيه على فخذي النبي صلى الله عليه وسلم. بماذا؟ بدليل ما جاء في رواية أخرى في السنن. هذا في صحيح مسلم هذه الرواية، لكنه في الصحيحين من حديث أبي هريرة، ورواه أهل السنن، وهو في مسند أحمد. ورواياته كثيرة، والمجلس واحد، لكن رواياته كثيرة. منها في رواية في السنن أنه قال: (فجلس، فوضع كفيه على فخذي رسول الله صلى الله عليه وسلم). إذا جاء في الحديث، بطل كل استنباط هنا. فهنا لا نقول تحتمل؛ لأن الصحابي صرح بهذا، وهو كان حاضرًا في القصة.
إذا، الظاهر أن جبريل وضع كفيه على فخذي رسول الله صلى الله عليه وسلم. وربما يقول قائل منكم: كيف واحد يجلس أمام إنسان ويضع كفيه على فخذيه؟ لا، هنا ليس للتعظيم؛ تعظيم جلوسه ووضع الكفين على فخذي النبي صلى الله عليه وسلم. لماذا هذا؟ يوهم أنه من الأعراب. يعني جبريل أحبَّ أن يفعل أمرًا حتى يظن الصحابة أن هذا من الأعراب، والأعراب عندهم نوع جفاء. يعني يفعلون تصرفات لا يفعلها الإنسان الذي يعيش في المدينة، الحَضَر. وفعل هذا مما يؤكد هذا أنه قال بعدها: (يا محمد أخبرني عن الإسلام).
فقوله: “يا محمد” ولم يقل: “يا رسول الله” دل على أنه أعرابي. قال تعالى: ﴿ لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ﴾ (سورة النور: 63). وهذه الآية تُفهم من الجهتين: يعني إذا دعاك رسول الله صلى الله عليه وسلم استجب، وأنت دعوته لا تناديه يا محمد. فقال: “يا محمد”. جاء في رواية أنه قال: “يا رسول الله” والله أعلم بصحتها. لكن لو قال: “يا محمد” يكون هذا من باب التعمية. وعليه، فأوجه التعمية في أمور:
- الأمر الأول: وضعه كفيه على فخذيه.
- ثانيًا: قوله: “يا محمد”.
- ثالثًا: بدؤه بالسؤال بدون قوله: “السلام عليكم”. هذا أيضًا من أوجه التعمية على أنه لم يقل: “السلام عليكم” هنا، بل جلس وقال: “يا محمد”.
قالوا: هذا أيضًا يريد أن يوهم بـ أنه من الأعراب الذين فيهم نوع جفاء. وها هنا مسألة: لماذا وكيف عرف جبريل وهو جاء على هيئة أعرابي؟ جبريل يعرف النبي صلى الله عليه وسلم، كيف عرف أن هذا هو النبي صلى الله عليه وسلم؟
واضحة يا جبريل، لكن هو أراد أن يُعمِّي. كان يستطيع يقول: “من فيكم محمد؟” جاء في رواية أبي هريرة في الصحيحين: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بارزًا بين أصحابه). إش معنى “بارزًا”؟ يعني كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أتيت من بعيد تراه في مكان مرتفع نوعًا ما. هذا المكان المرتفع لم يكن في البداية. ولهذا جاء في أحد طرق الحديث أو في رواية أخرى في حديث آخر: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما أتاه آتٍ بيننا ولا يعرفه). فقال الصحابة: يا رسول الله دعنا نجعل لك دُكَّانًا من طين حتى يعرفك الناس. إذا فبنى الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم مكانًا من طين يجلس فوقه. إذا رآه الرائي من بعيد، عَلِمَ أن هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا هنا إيش قال؟ قال: (كان بارزًا). ولهذا جبريل الأمر سهل، يعني إذا أتى يعرف أن هذا هو النبي صلى الله عليه وسلم.
قال أهل العلم: يُستحب لمن درَّس الناس العلم أن يكون بارزًا بينهم، ليس بروزًا حتى يكون أعلى منهم، لا، حتى يراه الناس ويسمع كلامه، وربما إذا رآه عبدٌ بعيد، يعرف أن هذا يدرِّس للناس. وهذا الناس فيه أنواع، لكن من رأيت تصرفات أهل العلم، تجد أن دائمًا العالم والمدرِّس وطالب العلم له مكان يُعرف به، حتى يراه الناس ويسمع كلامه على شكل واضح.
🕌 السؤال عن الإسلام
قال: (يا محمد أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلًا).
أركان الإسلام سأشرحها لكم -بإذن الله تعالى- عند الكلام على حديث ابن عمر: “بني الإسلام على خمس” حتى لا نكرر الكلام. لكن الذي يعنينا هنا أن جبريل عليه السلام سأل أولًا عن الإسلام، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بماذا؟ بـ أمور ظاهرة. فقال: “الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة” إلى غير ذلك.
لما سأله بعد عن الإيمان، قال: (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله) إلى غير ذلك. ففي الإسلام أجاب بـ الأمور الظاهرة، وفي الإيمان أجاب بـ الأمور الباطنة. وعليه، فنقول بأن الفرق ما بين الإسلام والإيمان هو أن الإسلام هو الأمور الظاهرة، والإيمان هو الأمور الباطنة. واضح هذا إذا اجتمع الإسلام والإيمان في موضع واحد.
لكن إذا قلت: هذا رجل دخل في الإسلام، يعني دخل في الإيمان. وإذا قلت: هذا رجل دخل في الإيمان، يعني دخل في الإسلام. فتكون كلمة الإسلام والإيمان من باب الكلمات التي إذا اجتمعت تفرَّقت، وإذا تفرَّقت اجتمعت. كـ: الفقير والمسكين، و البر واليقين، و الرب والإله، وهكذا كل هذه، و النبي والرسول، وهكذا من العبارات التي إذا جُعلت في موطن واحد، لا بد أن تفرِّق بينها.
قال تعالى: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾ (سورة الحجرات: 14). ففرَّق ما بين الإسلام والإيمان؛ لأن الإيمان كما سيأتي درجة أعلى من الإسلام، كما أن الإحسان درجة أعلى من الإيمان.
ولهذا قال -جل وعلا-: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ (سورة الذاريات: 35-36). فلما عبَّر بالإخراج والإنجاء قال: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾، لكن لما تكلم على البيت قال: ﴿ مِّنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾. لِمَ؟ زوجة لوط كانت معهم، إذا البيت فيه إيمان وإسلام. الإسلام يَنفَع الظاهر معهم، لكن عندما أنجى الله، هل نجَّى زوجة لوط؟ بل هلكت مع الغابرين والهالكين. إذا قال -جل وعلا-: ﴿ فَأَخْرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾. النجاة لأهل الإيمان.
لكن الصُّحبة كانت معه، كما نقول: الصحابي من صحب النبي صلى الله عليه وسلم، من لقي النبي صلى الله عليه وسلم مؤمنًا به، ومات على ذلك. هذه الصُّحبة هي الصُّحبة التي فيها الكرامة. طيب قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه). أصحابه هذه هي أصحابه الأولى في الظاهر؛ لأن المنافقين كانوا ينتسبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الظاهر، وإنهم ليسوا في الباطن مع الموحِّدين.
إذا الإسلام والإيمان إذا اجتمعا تفرَّقا، وإذا تفرَّقا اجتمعا. وهذه المسألة وهي الفرق ما بين الإسلام والإيمان مسألة جليلة القدر. لو قرأت في كتب شروح السنة ستجد أنهم يثيبون ويطيلون الكلام فيها. زبدتها هو هذا.
✋ تعجب الصحابة من تصديق جبريل
ثم قال: (قال: صدقت). هنا إيش قال؟ قال: (صدقت)، يعني جبريل بعد أن أجاب النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صدقت). قال الصحابي عمر: (فعجبنا له يسأله ويصدقه). الأصل في السائل أنه لا يعلم الجواب، فقولك بعد أن أُجيب أنا عن سؤالك: “صدقت”، إذا أنت تعرف الجواب. ولهذا قال: (فعجبنا له يسأله ويصدقه). إذا جبريل كان يعرف السؤال. طيب لماذا يسأل؟ (هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم). إذا من سأل ليعلِّم الناس يُسمى مُعلِّمًا.
قال وكيع -رحمه الله تعالى- كما ذكر ذلك الخطيب في الجامع: “من استفهم وهو فاهم، فهذا شُعبة من الرياء”. شفتم؟ قال: “من استفهم وهو فاهم، فهذا شُعبة من الرياء”.
طيب كيف نجمع ما بين جبريل وكلام وكيع؟ النية. ولهذا احنا في الحديث الأول: “إنما الأعمال بالنيات”. نفس الكلمة يقولها هذا، يعني بها كل الخير. يقولها آخر نفس الكلمة، يعني بها كل الشر. لِمَ؟ ما الذي فرَّق بينهما؟ نية هذا. هذا نيته الإصلاح، وهذا نيته الإفساد. هذا تكلَّم ليُعلِّم، وهذا تكلَّم ليقال إنه يعلم.
وفي الحديث: (إنما قرأت، إنما تعلمت، علَّمت القرآن، أنفقت، وجاهدت ليقال. وقد قيل. خذوه إلى النار). أنت أردت فَقِيل. ولهذا أنت إذا كنت تجاهد نفسك في الإخلاص، فلا بأس أن تسأل عالمًا أو طالب علم مسألة فقط لتفيد الناس.
طيب فإن قلت: أخشى على نفسي الرياء. أذكركم بكلام الفضيل بن عياض: “ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما”. يعني لو كنت كل شيء ستفعله: هذا ممكن رياء، هذا ممكن رياء، خلاص سد عليك إبليس هذا الباب. ولهذا لما جاء أقوام إلى الحسن البصري وقالوا له: “إنا نخاف أن ندعو الناس ولا نعمل بذلك العلم، ونخاف على أنفسنا”. قال: “وَدَّ الشيطان لو ظفر منكم بهذه”. الشيطان لن يتركك. أن لا يتركك وأنت مجتهد، خير من أنه لن يتركك وأنت بَطَّال. ولهذا افهموا مداخل إبليس عليكم، فلا تتركوا العمل من أجل أن الناس سيقولون، لكنك اجتهد في إخلاص نيتك.
طيب فإن قال قائل منكم -وإن كان هذا الكلام أنصح بالدرس الماضي-: طيب حكيت عن السلف أخبارًا، لأنه كان في المسجد فدخل يقرأ القرآن، فدخل أحد فغطى المصحف. الثاني كان يأخذ قُمامة في المسجد، فلما رأى أحدًا وضعها في جيبه. وهكذا.
الجواب عن هذا أن يقال: هي أحوال خاصة؛ ربما هم في أنفسهم في تلك اللحظة أحسُّوا رياءً، فأغلقوا الباب، لكنها أحوال خاصة لا تقاس على كل الخَلْق. وإلا لن تفعل شيئًا. درسنا الآن هنا نتركه؛ لأن ربما سيدخل علي الرياء. وأنتم هنا الآن جلوس، ربما سيأتي واحد يقول: “شوف جالسين وكان يتعلمون”. إذا فتحت هذا الباب هلكت وأهلكت. وبعض الناس يا إخوة قُطَّاع طريق. ولهذا يقول ابن القيم: “قُطَّاع الطريق نوعان: قُطَّاع طريق في الدنيا: القمح والمال والحِماش، وفي قُطَّاع طريق في الدين، وهؤلاء نواب إبليس، وهم أخطر من الأوائل”. الأول يسرق ذهب وفضة وخبز وقمح، الثاني يسرق دينك. يعني يأتي ويتسلط عليك: “أنت تدرِّس الناس؟ ألا تخاف من الرياء؟” طيب قل لي: “إذا قعدت في داري أنا حَلَلْتُ مشكلة الرياء؟” بل بالعكس، إذا بقيت في دارك تسلَّط عليك الجهل، فتجمع ما بين الرياء والجهل.
إذا من استفهم وهو فاهم، هذا لمن فعل ذلك رياء. قد ذكرت لكم أظن في مرة سبقت أن الأمين الشنقيطي -رحمه الله تعالى- نظَّم نظمًا في الأنساب وهو صغير في فترة الطلب -رحمه الله تعالى- صاحب أضواء البيان المفسِّر المعروف، ثم دفنه في التراب، ولا يُعلم عن هذا الكتاب إلى هذا اليوم. فلما سُئل بعد أن كَبُر الشيخ وصار عالمًا إمامًا: لماذا فعلت هذا؟ قال: “لأنني كتبته أريد أن أبُزَّ أقراني”. يعني أريد أن أفوق أقراني، كتبته لا للإخلاص، لكنني كتبته للرياء، ففعل هذا الأمر. وقال تلميذه عطية سالم -رحمه الله تعالى- في مقدمة أضواء البيان وهو يذكر هذا: “وليت شيخنا تركه وصحح النية”. لأن الدارقطني يقول: “طلبنا العلم لغير الله، فأبى أن يكون إلا لله”.
ولهذا يا إخوة، عِوَض أن تتركوا الأعمال، أصلحوا العمل وصححوا النية. دفعت مئة دينار، شافك واحد، حسست بالرياء. طيب المرة اللي بعدها تدفع مئتين. حتى قال بعض السلف: “إذا جاءك الشيطان وأنت تصلي، فقال لك: أنت تصلي رياء، زد صلاتك حُسنًا، إرغامًا للشيطان”.
إذا لا بأس بسؤال العالم السؤال حتى يستفيد الناس. وكم من سؤال يا إخوة سُئل لعالم نجني نحن اليوم ثمراته علمًا وبركة! شوفوا كم من كتاب كُتب هو أصله سؤال يُرد إلى العالم، فيحرِّر فيه كلامًا. منها العقيدة الواسطية أصلها ماذا؟ سؤال. الوصية الصغرى لشيخ الإسلام سؤال. أبو القاسم التُّويجيبي المغربي جاء من المغرب لشيخ الإسلام في أقصى المشرق. قال له: “اكتب لي وصية أنتفع بها في الدين والدنيا”. كتب له الوصية التي نشرحها كل سنة ربما. وهكذا من كلام العلماء الشيء الكثير.
ولهذا يا إخوة، جبريل عليه السلام علَّمنا هذا الأمر وهو أن السؤال، لكن السؤال العلم ما هو؟ الحسن. لهذا قالوا: “السؤال نصف الجواب”. لكن أي سؤال؟ السؤال الحسن. بعض الناس يفتح بأسئلته أبوابًا من الفتنة ليفتن بين العالم وطلابه، وبين الأخ وأخيه بمجرد سؤال. طالب فتنة وليس طالب علم.
لهذا ثَمِّنُوا أوقاتكم. وإذا سخَّر الله لك عالمًا وجلست إليه، لا تضيِّع وقتك في كلام فارغ. اسأله أسئلة تنفعك في الدين والدنيا. فربَّ وصية من عالِمٍ يُحيى بها قلبك إلى أن تموت. ولو أردت ضرب الأمثلة في هذا لطال المقام. لِمَ؟ لأنك تسأل عن النافع. بعض الناس يجلس إلى عالم كلام فارغ. ومر أحد المشايخ زار باريس، ففي الطريق لما أخذه أحد إخواننا من المطار قال له: “يا شيخ، هذه باريس فيها الطريق الخارجي الخارجي، والدائري الداخلي، وهذا طريق يأخذ كذا…” قال له: “جزاك الله خيرًا. عندك شيء تريد أن تقرأه؟” قال: “نعم”. قال: “هات اقرأ”. فقرأ عليه من المطار إلى المسجد كتابًا كاملًا مختصرًا متنًا من المتون. قال: “فاستفدت في الكتاب وذهب الشيخ”. الشيخ قال: “أنا لست آتٍ هنا لِتُعَلِّمني الداخلي والخارجي، وخلِّيه عندك”. لكن هذا الكلام جاء من العالم. بعض العلماء الآخرين يسكت: “أنت تنشط للعلم، أنا أنشط للعلم”.
ولهذا بعض الإخوة يظن بأن العالم يتكلم في العلم من نفسه. لا. أنت أيها الذكي الحريص، إذا وُفِّقت لمن عنده علم، فاسأله عن العلم حتى تستفيد. ولهذا طُبع كتاب في مجلد اسمه: أسئلة الطريق للشيخ ابن عثيمين. هي أسئلة كانت من بيته إلى المسجد سُجلت، طُبعت في مجلد، في شتى الفنون والعلوم؛ لأن هؤلاء الناس استغلُّوا أوقاتهم. مش جالس أنت مع عالم. طيب لا بأس بالحديث: “كيف حالك؟” لا بأس كذا. لكن بعدين أنت هذا سيمكث عندك يومًا أو يومين، استغله واقرأ عليه. وقد قرأنا وقرأ غيرنا كتبًا في السيارات. كثير من الأمثلة. في السيارة تقرأ عليه متنًا كاملًا، تستفيد أنت منه وتفيد، وهكذا.
إذا يا إخوة، نستفيد من هذا الحديث فائدة، أولًا: هو الحرص على العلم النافع.
🔗 السؤال عن الإيمان وأركانه
ثم قال: (فاخبرني عن الإيمان. قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره).
سأله عن الإسلام ثم سأله عن الإيمان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أن تؤمن بالله وملائكته) إلى غير ذلك.
الإيمان يا إخوة يعرف بتعريفين: التعريف الأول باعتبار ما يؤمَن به، و التعريف الثاني باعتبار محل ذلك الإيمان وموطنه. ولهذا واحد يقول: كيف النبي صلى الله عليه وسلم عرَّف الإيمان؟ لا ليس السؤال عن النبي، السؤال عن العلماء. يقول: “النبي صلى الله عليه وسلم عرَّف الإيمان بأنه الإيمان بالله وملائكته، والناس الآن إذا سألتهم ما الإيمان؟ يقول: الإيمان قول وعمل واعتقاد يزيد وينقص”. والجواب أن يقال بأن الأمر يختلف: اختلفت العبارات لاختلاف الاعتبارات. النبي صلى الله عليه وسلم عرَّف الإيمان باعتبار ما يؤمَن به، ولم يعرِّف الإيمان باعتباره حقيقة مركبة من قول وعمل واعتقاد.
ولهذا نقول: الإيمان في اللغة قيل هو: التصديق. وهذا نُقل فيه الإجماع، وغلَّطهم آخرون من أهل العلم، وقالوا: خطأ، الإيمان في اللغة هو الإقرار وليس التصديق. قد أبطل هذا شيخ الإسلام في كتابه الإيمان من عدة أوجه. منها أن بعض علماء اللغة قال: الإيمان فيه انقياد وقبول. إذا ليس الإيمان في اللغة -انتبهوا- مجرد التصديق، بل الإيمان في اللغة الإقرار؛ لأن التصديق يا إخوة لا عِبرة به. تصديق لا يتبعه انقياد لا عِبرة به.
أبو طالب كان مصدِّقًا؟ إيه. ليس عنده أدنى شك في نبوة النبي صلى الله عليه وسلم. من كان يقول: (وأبيض يُستسقى الغمام بوجهه * ثِمال اليتامى عصمة للأرامل). وكان يقول أبو طالب يقول في لاميته المشهورة: (ولقد علموا أن ابننا لا مكذَّب * لدينا ولا يُعنَى بقول الأباطيل). ولهذا كان يقول بأن يعلمون الكل بأن ابننا هذا صادق مُصدَّق، لكنه لم يتبعه اتباعًا لدين قومه، فمات على الكفر -والعياذ بالله-.
إذا التصديق ليس هو الإيمان من جهة اللغة. تصديق شيء، الإيمان شيء. الإيمان إقرار. لِمَ الإيمان إقرار؟ لأن الإيمان إذا أردت أن تبحث عنه في كتب اللغة، اذهب إلى مادة (أمن)؛ لأن الإيمان الحقيقي هو الإيمان الذي يتبعه أمن. ولهذا التصديق المجرد لا ينفع.
ولهذا إبراهيم عليه السلام لما رأى الرؤيا وتَلَّ ابنه للجبين، قال -جل وعلا- بعدها: ﴿ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ﴾ (سورة الصافات: 105). متى سُمي تصديقًا حقيقيًا هنا؟ لما اتبع تلك الرؤيا بالعمل. شفت؟ لما أسلم وتَلَّه للجبين: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ﴾ (سورة الصافات: 104-105). فهنا لما اتبعها بالعمل سُمي تصديقًا نافعًا. مجرد التصديق، بعض الناس يقولوا: هذا محمد نبي، لكن لا يفعل شيئًا ولا يتبعه، هذا لا ينفعه. ذكرت لكم بأن أبا جهل كان يعلم صدق النبي صلى الله عليه وسلم.
إذا الإيمان من جهة اللغة هو الإقرار. والذي يعنينا من جهة الشرع، لأن هباءً أن الإيمان لغة التصديق، يقال: العبرة بالحقائق الشرعية؛ لأن كل كلمة تجد عندها حقيقة لغوية، وحقيقة عُرفية، وحقيقة شرعية. والذي يعنينا هي الحقائق الشرعية.
ما معنى هذا الكلام؟ بعضنا يفهمه. الصلاة يا إخوة في اللغة ما هي؟ الدعاء. طيب إذا قلت لك: “امشي صلي”. إيش تفهم منها أنت؟ أفهم أنك تمشي تدعي. أنا لما أقول الخارج من البيت أقول: “أنا ذاهب للصلاة”. هل تفهم زوجتي بأني ذاهب إلى مكان للدعاء؟ لا يمكن أن يخطر ببالها أصلًا. لِمَ؟ لأننا اتفقنا على أن الصلاة الذي يهمنا فيها هو الحقيقة الشرعية. لكن إذا جاء النص، نفهم أيضًا بسياق النص منه لا يمكن أن يُراد بها هذا المعنى.
قال -جل وعلا-: ﴿ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ (سورة الأحزاب: 56). هل يمكن (صلُّوا عليه) يعني فوقه؟ شفتم السياق يغيِّر الكلمة من الحقيقة الشرعية إلى الحقيقة اللغوية إلى الحقيقة العُرفية. وهذا بحثه وين؟ في كتب أصول الفقه. يقول الناظم: (كما شرعية حقيقة تكون * أو عُرفية).
ولهذا لو قال واحد: “رأيت دابَّة”. أفهم منها أنت أي دابَّة؟ ذات الأربع. والدابة في اللغة كل ما يدب على الأرض. أنا وأنتم دابة، نعم دابة من اعتبار اللغة لأننا ندب على الأرض. لكن لو جاك واحد قال لك: “أنت دابَّة”. تغضب؟ أيوه، إذا هنا الحقيقة العُرفية هي التي حكمت على الحقيقة اللغوية.
إذا الإيمان يا إخوة الذي يعنينا فيه هو الحقيقة الشرعية، ليس الحقيقة اللغوية. عرَّفه أهل السنة باعتبار محله بأنه: اعتقاد بالجَنان أي بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح والأركان، يزيد بطاعة الرحمن، وينقص بمعصية الشيطان. هذا هو الإيمان عند أهل السنة والجماعة.
ما معنى هذا الكلام؟ بأنك إذا نطقت شيئًا هذا يدخل في الدين ويؤثر فيه، وإذا عملت شيئًا فهذا من الدين ويؤثر فيه، وإذا اعتقدت شيئًا هذا من الدين ويؤثر فيه. لا نقول بأن الإيمان في القلب ومهما تفعل لا يضر. لا، كما يقول المرجئة. هذا معنى قول أهل السنة والجماعة: الإيمان قول وعمل واعتقاد.
النبي صلى الله عليه وسلم لخص كل هذا في حديث في الصحيحين واللفظ لمسلم، قال صلى الله عليه وسلم: (الإيمان بضع وسبعون شُعبة) أي فرع. شفتوا الشجرة فيها أغصان، هذه الشُّعب. (أعلاها قول لا إله إلا الله). طيب و (أدناها إماطة الأذى عن الطريق). و (الحياء شُعبة من الإيمان). طيب (قول لا إله إلا الله) هذا ماذا؟ (إماطة الأذى عن الطريق) هذا ماذا؟ و (الحياء) في قلبي. إذا هذا كله داخل في الدين.
الذي يأتيك واحد يقول لك: “الدين في القلب”. يقال: في الدين في القلب والدين في اليد وفي اللسان. الدين في القلب فقط؟ لماذا تشهد شهادة الإسلام؟ إذا هل واحد أسلم الآن وقيل له: “تشهد شهادة الإسلام؟” قال: “الدين في القلب”. يُقبل إسلامه؟ لا يُقبل باتفاق العلماء. اللهم إلا إذا كان المانع عدم النطق، لأنه أبكم لا يستطيع الكلام. أما من كان يستطيع النطق وعنده مُتَّسع من نطق، لا يُقبل إسلامه بإجماع المسلمين. لِمَ؟ لأنه لا يمكن أن تكون مسلمًا بدون قول.
طيب صدَّق بقلبه، أقر بلسانه، لا بد أن يعمل بجوارحه. ولهذا من عاش بين المسلمين دهره كاملًا ويعلم هذا الدين ولا يعمل لله عملًا واحدًا، هذا ليس بمؤمن بإجماع المسلمين. لا يمكن أن يكون مؤمنًا. لِمَ؟ لأننا عندنا قاعدة.
النبي صلى الله عليه وسلم إيش قال؟ وسيأتي معنا: (إن في الجسد مُضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت كذلك). ولهذا قال أبو هريرة: “القلب مَلِك، والأعضاء جنوده. إن استقام استقامت، عوَّجت”.
دل هذا على ماذا؟ على أن واحد يقول: “أنا في قلبي مؤمن ولا يعمل شيئًا”. هل نصدقه بهذه الدعوة؟ لِمَ؟ لأنه لو كان إيمانك في قلبك صادقًا، لرأيناه على جوارحك ناطقًا. ولهذا ذكرت لكم قول الشاعر:
تَعْصِي الإلَهَ وَأَنْتَ تَزْعُمُ حُبَّهُ * هَذَا لَعَمْرِي فِي القِيَاسِ بَدِيعُ
إِنْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لَأَطَعْتَهُ * إِنَّ المُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ
ولهذا قال -جل وعلا- في المنافقين: ﴿ وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً ﴾ (سورة التوبة: 46). يعني لو كانوا صادقين في أنهم يريدون أن يسحبوا النبي صلى الله عليه وسلم في جيش العُسرة في تبوك، لأعدوا العُدة. فعدم إعداد العُدَّة الخارجية دليل على عدم صدق النية من جهة الداخل. ولهذا واحد يقول: “أنا مسلم مؤمن لكنني لا أعمل شيئًا”. قال: “أنت لست بمؤمن”.
طيب فإن قال قائل: النبي صلى الله عليه وسلم -وسيأتي معنا في شرح الأربعين- قال: (التقوى ها هنا) وأشار إلى صدره. كيف نجيب عن هذا؟
هو النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التقوى ها هنا). يعني واحد يقول: “الإيمان هذا نستفيد منه أن الأصل في الدين والإيمان هو القلب”. قلنا: إذا صلح صلحت. لكن قبل هذا الجواب يقال: طيب أنت إذا تؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وتصدق به؟ يقول: “نعم”. طيب خليك. هذا الحديث الذي قال هذا، نفسه قال الآخر في صحيح مسلم: (إن الله لا ينظر إلى صُوَرِكُمْ ولا إلى أَمْوالِكُمْ ولكن ينظر إلى قُلُوبِكُمْ وأَعْمالِكُمْ). إذا كنت صادقًا، الذي قال هذا قال هذا. أخذت هذا الحديث وتركت هذا، فـ أنت كأهل الكتاب: يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض.
ثم نقول له: قول النبي صلى الله عليه وسلم الأول حق والثاني حق. قوله: (التقوى ها هنا) التقوى أصل الدين وهي في القلب. التقوى أصلها في القلب، لكن لا نعلم حقيقة هذا القلب إلا إذا تُرجم عن طريق الجوارح باعتبار الأحاديث الأخرى.
فأهل السنة والجماعة يقولون: الإيمان قول وعمل واعتقاد.
قولهم قول يُقصد به قول القلب وقول اللسان.
قولهم اعتقاد اعتقاد القلب.
وقولهم عمل عمل القلب والجوارح واللسان.
أعيد:
- قول القلب هو اعتقاداته. شفت وأنت: الإيمان بالملائكة، هذا يُسمى قول القلب. لماذا يسمى قولًا؟ لأن العبد إذا اعتقد عقيدة وكأنه حدث بها قلبه. ولهذا نقول: العقائد التي نؤمن بها بالجنة والنار والصراط وغير ذلك، كل هذه من أقوال القلب.
- قول اللسان والمقصود به شهادة الإسلام التي لا إسلام لعبد إلا بها.
- عمل القلب فهو إخلاصه وخوفه ورجاؤه وخشيته ومحبته. هذه أعمال القلوب. العقائد هي قول القلب، الأفعال التي تأتي في القلب من خوف وحياء وغير ذلك هي عمل القلب.
- عمل الجوارح. الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك.
- عمل اللسان وهو كل عبادة لا تقوم إلا باللسان.
فنقول: إذا قال السلف: الإيمان قول وعمل واعتقاد، أو قالوا: قول وعمل، أو قالوا: قول وعمل ونية، أو قالوا: قول وعمل ونية وسنة، كل هذا مسميات مختلفة لـ مُسمى واحد وهو الإيمان. ولهذا السلف إيش قالوا؟ “من قال الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، فقد برئ من الإرجاء كله دِقِّهِ وجِلِّهِ”. هذا مذهب السلف. ولهذا تقرأ عقيدة ابن أبي زيد القيرواني ذكر بأن هذا أمر واضح متفق عليه بزمنه وغيره. وهي عقيدة الإمام مالك وعقيدة الصحابة بل وعقيدة الأنبياء.
إذا الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو هذا: يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية. يزيد حتى يصل كالجبال، حتى لا يبقى منه إلا أمثال الذر. والذر هي صغار النمل. وهذا كل واحد فينا يراه. أنت في نفسك إذا حضرت مجلس علم تحس بإيمانك قد ازداد. تترك الصلاة في المسجد أيامًا، مع ترك القرآن، مع اللهو واللعب، تحس قلبك اسود وإيمانك قد ضعف. أنت في نفسك تعيش هذه الحالة.
ولهذا استنكر السلف قول المرجئة الذين قالوا: “إيمان أفسق واحد في هذه الأمة إيمان جبريل وأبي بكر الصديق”. حتى قال قائلهم: (الناس في الإيمان شيء واحد * كالمشط عند تماثل الأسنان). شفتم المشط أسنانه مستوية. قالوا: هكذا. وهذا الكلام يا إخوة من أعظم العيب. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رأيتني في المنام وقد وُزنت بالأمة فوزنتها، ثم وُزن أبو بكر بالأمة فوزنها، ووُزن عمر بالأمة فوزنها). طيب ميزان عمر يا أخي ميزان لحم وشحم؟ هو إيمان طبعًا. هو ميزان الإيمان. فلا يمكن أن يقال بأن إيمان واحد من الناس مثل إيمان أبي بكر، وإيمان أبي بكر وعمر. بل التصديق يا إخوة يتفاضل الناس فيه.
يقول قائل: “طيب هذه الأعمال يتفاضلون فيها؟” الصحابة لم يفضلوا من جاء بعدهم بكثرة الأعمال. لا، بل ما كان في قلبهم من تصديق ويقين أعظم ممن جاء بعدهم. ولهذا قال نافع بن شُعبة: “ما سبقهم أبو بكر من كثرة صلاة وصيام، ولكن بشيء وقر في قلبه وصدقته الأعمال”. فـ الإيمان الذي كان عند أبي بكر والتصديق الذي كان عند أبي بكر ليس كغيره.
ولهذا جاء الصحابي للنبي صلى الله عليه وسلم قال: (يا رسول الله، نافق حنظلة). لِمَ؟ (لأنني إذا كنت معك، وإذا كنا معك، كاننا نرى الجنة والنار رأي عين، حتى إذا عدنا إلى أهلينا وأموالنا، ذهب ذلك الحال الذي كنا فيه). طبيعي أنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ويصف لك الجنة والنار، كيف سيكون حالك؟ إذا الصحابة في أنفسهم تصديقهم يتفاضل، وهذا أمر طبيعي. وبين تلك الحال لا يمكن أن تستقروا عليها. وعليه فالناس يتفاضلون في أقوالهم وفي اعتقاداتهم وفي أعمالهم. وليس فقط في كثرة الأعمال. فإن الصحابة عندهم من اليقين والتصديق وقوة الإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه وسلم ما ليس عند من بعدهم. ولهذا كان من الصحابة -وقيل هذا عن جماعة من السلف-: “لو قيل له: غدًا يوم القيامة، ما ازداد عملًا”. أنت لو قال لك واحد: “غدًا يوم القيامة”، تتركوا الدرس أول شيء، الآن تمشي. لكن هم لا يزدادون عملًا. لماذا؟ لأن عندهم من الاستيقان بذلك الموعد العظيم ما لا يجعلهم يشكون فيه طرفة عين.
إذا هذه مسألة الإيمان يا إخوة. والناس الآن كما قال الإمام مالك أو غيره، قال -وقاله أنس-: “أنتم -تَعْنُونَ أنس بن مالك- أنتم تعملون أعمالًا ترونها كالذَّر، كنا نعدها على عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الموبقات”.
الإيمان يزيد وينقص. ومن توفيق الله للعبد أن لا يستحقر ذنبه. فإن بعض الناس يعمل الذنب ويقول: “هذا صغير وهذا ذنب صغير”. يُقال: قال بعض السلف: “كل ذنب كبير”. ليس أنه ينكر بأن الذنوب كبائر وصغائر. لا، هذا أمر متفق عليه.
كما قال ابن القيم في الداء والدواء: الذنوب كبائر وصغائر: ﴿ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ ﴾ (سورة النجم: 32). فالله تعالى قسَّم الذنوب إلى كبائر وإلى ما دون ذلك وإلى اللمم. إذا الذنوب كبائر وصغائر. لكن ما معنى قول هذا الإمام؟ قوله: “الذنوب كلها كبائر”؟ باعتبار الله الذي تعصيه. ولهذا قالوا: “لا تنظر إلى صغر الذنب، ولكن انظر إلى عِظم من عصيته وهو الله”. إذا نظرت إلى الذنب بهذا الاعتبار، فكل ذنب عظيم من هذه الجهة.
ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن). طيب من زنا كفر؟ هذا قول الخوارج الذين يقولون: الزاني كافر. قول الخوارج والمعتزلة يقولون: في منزلة بين منزلتين، وفي النار خالد في النار. طيب إذا ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)؟ جاء في لفظ: “يكون إيمانه فوقه كالظُّلَّة”. يعني ذهب عنه في ذلك الحال خشية الله وتعظيمه وتوقيره، وبقي معه أصل الدين بالإجماع. لكن هيبة الدين وخوفه من الله ذهب. ولهذا في قصة أصحاب الغار لما على المرأة، قالت له: “اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه”. فانفضَّ. شفتم؟ شفتم خشية الله تعالى؟ إذا قبل ذلك الموقف ضعف إيمانه، وحتى باشرها. فلما قالت تلك الكلمة، عاد له وازع الدين، فهو الذي رفعه، حتى أكرمه الله بأن أزاح صخرة عنه في ذلك الموقف العظيم. شفت الإيمان ماذا يفعل؟ يفعل العجائب.
ولهذا يا إخوة، الإيمان يزيد وينقص. وعليه، فالعبد ينبغي له أن يسعى دائمًا في الأمور التي تزيد في إيمانه، ويجتنب الأمور التي تسعى في نقصان إيمانه. فإذا كان واحد من أصحابك إذا جلست عنده ضعف إيمانك، فاتركه. اِفرر منه فرارك من الأسد. لأن الأسد يأكل اللحم والعظم، هذا يأكل دينك وقلبك ولا يترك منه شيئًا. واعرف أقوامًا كانوا على صلاح وحال، فلما خالطوا الفاسدين ذهبوا في خبر كان.
ويحرص كذلك العبد على ما يزيد في إيمانه. ومن أعظم ذلك: لزوم جماعة المسلمين، والإكثار من ذكر كتاب الله، وصحبة الصالحين، وكثرة الذكر. وهذا موضعه في غير هذا الحديث.
ﷲ الركن الأول: الإيمان بالله (التوحيد)
قال النبي صلى الله عليه وسلم هنا: (الإيمان أن تؤمن بالله). ذكر الأمر الأول من الإيمان، وهو الإيمان بالله. الإيمان بالله هو رأس الأمور ورأس الدين، وهو التوحيد. ولهذا قلت لكم مرة: العلاقة ما بين بعض المصطلحات هي أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة: قول وعمل واعتقاد. العقيدة هي ما يتعلق بالاعتقاد، والاعتقاد ينبني على أركان الإيمان الستة، وأعظم هذه الأركان هو الإيمان بالله وهو التوحيد. إذا عندنا: الإيمان، ثم الاعتقاد، ثم التوحيد. فإذا قلنا: الإيمان بالله هي نفسها معنى كلمة التوحيد.
و التوحيد وحَّد يوحِّد أي أفرد الشيء وجعله واحدًا. وتوحيد الله تعالى وهو الإيمان به، يُقسم باعتبارات. قد يُقسم التوحيد باعتبار العبد، وقد يُقسم التوحيد باعتبار المعبود.
إذا قسَّمت التوحيد باعتبار فعل العبد، يكون التوحيد قسمين:
- القسم الأول: توحيد المعرفة والإثبات.
- الثاني: توحيد القصد والطلب.
لأن العبد إما أن يعرف ويثبت، وإما أن يقصد ويطلب. الأول يدخل فيه: الربوبية والأسماء والصفات. والثاني يدخل فيه: توحيد العبادة.
وهذا يجرنا إلى التقسيم الآخر، وهو الأشهر والأسهل عليكم، وهو أن التوحيد ينقسم باعتبار الموحَّد -سبحانه- إلى ثلاثة أقسام:
- توحيد في الربوبية.
- توحيد في الألوهية.
- توحيد في الأسماء والصفات.
1. توحيد الربوبية
ما معنى توحيد في الربوبية؟ أن تثبت ولا يشك قلبك طرفة عين في أن الرب المالك السيد المتصرف في هذا الكون كله هو الله -جل جلاله-. وأنت كل يوم تقرأ: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ (سورة الفاتحة: 2). الرب هو المالك السيد المدبر المتصرف في كل شيء -سبحانه-.
وهذا التوحيد يا إخوة لا يكون إلا لمن أثبت قبل ذلك وجود الله. وإلا واحد لا يؤمن بأن الله موجود، لا يؤمن بالربوبية طبعًا. فلو نظرت ملحدًا، قبل أن تتكلم في توحيد الربوبية، تكلَّم معه في إثبات أصل الشيء. العرش ثم انقش. فتتكلم معه في أصل إثبات وجود الله -جل جلاله-.
وهذا الأمر وهو إنكار وجود الله كان أمرًا في التاريخ أمرًا شاذًا؛ لأن هذا يخالف السليمة. لكنه في هذا العصر، صارت ناس يشتغلون من أجله عبر وسائل التواصل ومواقع وبرامج، وناس مشهورين تصدَّروا لهذا الأمر، فصارت الفتنة به كبيرة. ولهذا ألَّف جماعة من المسلمين والباحثين كتبًا في هذا الباب.
و إثبات وجود الله يا إخوة هو من باب كما قال الشاعر: (وليس يصح في الأذهان شيء * إذا احتاج النهار إلى دليل). يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “أنت تريد أن تبحث عن دليل لمن هو في نفسه دليل”. الله -جل جلاله-. لكن إذا كان الناس ينكرون، فلا بد أن تثبت.
ولهذا أعظم وسائل إثبات وجود الله -جل وعلا- هو ما بُثَّ في القرآن والسنة وكلام أهل العلم من الأدلة العقلية والنقلية. هو لا يؤمن الكافر بالقرآن. أنت استدل معه باستدلالات القرآن: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ ﴾ (سورة الطور: 35-36). فتجد أن القرآن يتدرج حتى يصل العبد إلى أن يُقرَّ بأنه -كما قال أحد لرجل من الأعراب-: قال له: “كيف علمت أن ربك موجود؟” قال: “البعرة تدل على البعير، والأثر يدل على المسير. وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا تدل على السميع البصير -سبحانه-؟”
ولهذا الإمام أبو حنيفة لما جاءه جماعة من الدهرية الذين يقولون: (نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر) -عبارة الملاحدة في عصرنا-: إن هي إلا أرحام تدفع وأرض -نعم- تبلع، لكن إلى جنة أو إلى النار. لما جاء هؤلاء الأقوام إلى أبي حنيفة، قالوا له: “أنت كيف استدللت على وجود الله؟” قال: “خلُّوني من هذا”. قال: “لو أخبركم رجل بأن سفينة جاءت إلى الميناء، وكان في… قال: جاءت إلى البحر أو إلى الوادي، ووضعت سلعة، وعبَّأت سلعة، وذهبت إلى البحر، ووزَّعت تلك السلع، وتذهب من مكان إلى مكان. ثم سألت عنها، قيل لك: ليس فيها ربان ولا خدم، هي وحدها هتأتي وتذهب وتنزل وترفع، وهكذا. أتصدقون هذا؟” قالوا: “أبدًا”. قالوا: “سبحان الله! يعني استعظمتم وجود سفينة بلا ربان، ولن تستعظموا كونًا بلا خالق -سبحانه وتعالى-؟”
ولهذا يا إخوة، من يأتي ويُمخرق عليكم بأن “العلم الحديث ينكر وجود الله”. هذا العلم الخبيث وليس الحديث. أما العلم الحديث لا يزيدك في الله -جل وعلا- وتوحيده إلا إيقانًا وإيمانًا. أما من انتكست فطرته، فهذا مرده إلى الله -جل وعلا-، ﴿ وَسَيُنَبَّئُونَهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (سورة التوبة: 94). ﴿ وَمَا كَانُوا يَقُولُونَ ﴾.
إذا الأول: إثبات وجود الله، وهذا مر معنا. ثانيًا: الربوبية، وهذه أيضًا تكلمنا عليها.
الربوبية يا إخوة كان يُقر بها مشرك مكة. ولهذا قال -جل وعلا-: ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ (سورة لقمان: 25). فكانوا مُقرِّين بأن الخالق للكون جميعًا هو الله، غير أنهم كانوا مشركين في العبادة. فكانوا يتقربون إلى الأصنام. يقولون: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ ﴾ (سورة الزمر: 3). أي قُربى. فكانوا يعبدون الصالحين الذين جعلوا صورهم على شكل أصنام. يقولون: إننا مذنبون وهذا الصالح له عند الله جاه، فإذا توجَّهنا بالذبح والنذر والدعاء لهذا الصنم، تصعد روح الصالح التي حلت في الصنم فتبلغ حوائجنا إلى الله. هذا شِرك المشركين.
الذي يأتي الآن ويذهب إلى قبر ويقول: “أنا لا أدعو صاحب القبر لأني أعتقد أنه يخلق، لكنني أدعوه لأنه صالح وهو الذي سيبلغ دعائي”. هذا نفسه هو الذي كان عليه أبو لهب وأبو جهل وأبو طالب. فسؤال شرك الأولين يُعين في فهم شرك المتأخرين.
ولهذا من عدَّ وقته وحياته يتكلم للناس: من الخالق؟ من الرازق؟ من الباري؟ من المصوِّر؟ هذا ليس من توحيد الأنبياء. ولهذا تجد بعض الجماعات المعاصرة إذا حضرت عندهم يقولون: “من الرقيب؟” من في المسلمين يشك بأن الله خالق رازق؟ إلا كما قلت لكم من انتهت فطرته، هذا ليس من المسلمين أصلًا.
2. توحيد الألوهية (العبادة)
لكن التوحيد الذي بعث الله من أجله الأنبياء، وأنزل الكتب، بل ما قام سوق الجنة والنار إلا من أجله هو توحيد العبادة.
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ (سورة الأنبياء: 25).
﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ﴾ (سورة النحل: 36).
﴿ وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَٰنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ ﴾ (سورة الزخرف: 45).
إذا الأنبياء جميعًا اتفقوا على أمر وهو أن: إذا أقررت بأن الله خالق رازق مالك مدبِّر، طيب ماذا تفعل؟ اعبده وتفرده وحده -سبحانه وتعالى-.
3. توحيد الأسماء والصفات
بعده لماذا؟ وهذه يجرنا إلى النوع الثالث؛ لأن هذا الرب المالك المدبر له الأسماء الحسنى والصفات العلى، هو الذي يستحق العبادة. ولهذا قلت لكم في البداية: التوحيد إما معرفة وإثبات، وإما قصد وطلب. إذا عرفت وأثبت، عليك أن تقصد الله وتعبده.
ولهذا يا إخوة كان الشرك أعظم الذنوب. يعني الله تعالى يغفر للزاني والمرابي وقاتل النفس وغير ذلك إلا ذنبًا واحدًا ما هو؟ ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾ (سورة النساء: 48). شوف قال: “ما دون ذلك”؛ لأن الذنوب جميعًا لو جُمعت لا تساوي الشرك. ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ (سورة لقمان: 13).
ولهذا لما نزل قول الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ (سورة الأنعام: 82). شق ذلك على الصحابة. قالوا: (ومن منا لم يظلم نفسه؟). والحديث في الصحيحين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ليس الظلم الذي تعنون، ألم تسمعوا قول الرجل الصالح: إن الشرك لظلم عظيم). وعليه فيكون معنى قول الله تعالى في الأنعام: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) أي لم يلبسوا إيمانهم بشرك.
والنبي صلى الله عليه وسلم في البخاري قال: (من مات وهو يدعو من دون الله ندًا دخل النار). وفي الصحيحين قال أنس للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك). يعني إذا علمت أنه قد خلقك، كيف تجعل له ندًّا؟
ولهذا واحد يسمعنا الأذان بعد قليل. بعض الناس -وهذا أظن ذكرته لكم في درس مضى-: “أنتم تتكلمون على التوحيد والتوحيد في الليل والنهار، وإن رأيتم هذا الشرك”. طيب أنا أسألكم الآن بلا مجاملة: كل واحد فيكم رأى في بلدان المسلمين شركًا؟ يعني الذي يقول هذا، تقول: هذا يعيش في كوكب آخر. يا إخوة، امشوا وشوفوا العرَّافين والكهنة. هم أغنى الناس. طيب إذا كانوا أغنى الناس، لأن الناس يذهبون إليهم. صح ولا؟ يقول لك: “هو الآن قُرْبَ رأس العام، روحاني يقول كذا” -الشيطاني وليس روحاني- “روحاني يقول كذا لو تنبأ بمستقبله لكذا”. العرافين هم سادة القوم والكهنة كذلك والمشركون.
شوف أنت اذهب إلى مقام قبر مبني، وانظر الناس حوله. تجلس لحد العشية على الطريق في البلاد تجد أن الناس ذاهبون في قوافل فيها الخرفان والجديان واللحم وغير ذلك. تسأل: “وين هؤلاء ذاهبون؟” سيقول لك الناس: “للزرْدَة”. ما هي الزردة؟ يذهبون إلى رجل ميت ويذبحون له. طيب الذبح عبادة ولا؟ (لعن الله من ذبح لغير الله). رواه مسلم.
طيب إذا هذه الذي يقول: “الشرك غير موجود”، هذا إما يكذب أو أنه يعيش في مكان آخر. فإن قال أحدهم: النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ولكن بالتحريش بينهم)، “فلا تتكلموا على شرك القبور، وكونوا شجعانًا وتكلموا على شرك القصور”. النغمة هذه، كلام جميل ومسجوع. ﴿ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾ (سورة الأنعام: 112). والحق قد يعتريه سوء تعبيره. الله تعالى لما تكلم على أعداء الرسل قال: ﴿ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ﴾.
شوف أنت: قبور والقصور مع صوت عالي، تقول: “هذا كلام مُقنع”. نتكلم عن الشرك، خلِّ بالزوالي في الشرك، خلِّيه يتكلم على الغني. وهذا الكلام يا إخوة هو من كلام المنافقين وليس من كلام المسلمين. لأن المنافق لا يريد أن يفوز المسلمون في دينهم، والمسلمون لن يفوزوا في دينهم وقد أغضبوا ربهم. وأعظم ذنب يغضب الله في القرآن والسنة وإجماع الناس هو الشرك.
وأما هذا الحديث فهو حق؛ لأن قال النبي صلى الله عليه وسلم: نحن لسنا مثلهم ننكر الأحاديث، بل نقول: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (قد أيس أن يعبده المصلون). نعم، المصلي الحقيقي لا يمكن أن يعبد الشيطان. ثانيًا: النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام وهو يخاطب من؟ بدليل أنه قال: (في جزيرة العرب). ثالثًا: النبي صلى الله عليه وسلم نفسه قال: (لا تقوم الساعة حتى تُعبد اللات والعُزى). وبوَّب البخاري في صحيحه: “باب تغيُّر الأزمان وعبادة الأوثان”. طيب البخاري جلَّل الحديث. الذي قال هذا قال هذا.
إذا النبي صلى الله عليه وسلم يقصد بأن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون الذين كانوا في ذاك الوقت. ولهذا لما مات النبي صلى الله عليه وسلم لم يعبد أحد، وبعد موت النبي صلى الله عليه وسلم انتشر التوحيد في جزيرة العرب. لكن بعدين عاد الشرك إلى زمننا هذا. ولهذا الناس يحلفون بغير الله. بل بعضهم إذا حلفته بالله يكذب، إذا حلفته بـ “سيدي فلان” لا يكذب. قال أهل العلم: “إذا كان العبد إذا حلف بالله كذب، وإذا حلف بغير الله لا يكذب، هذا دليل على أن الشرك هو شرك أكبر وليس شرك أصغر؛ لأنه يعظِّم غير الله أكثر من تعظيمه لله”. وقد شاهدت هذا بنفسي. احلف بـ “سيدي فلان” يخاف، لما بربه يحلف في الليل والنهار ولا يضره.
ولهذا رأيت بعضهم لما مر أمام قبر عندنا معروف وكان في المسجل غناء قوي في السيارة، قال لصاحبه: “اسكت، المسجد هنا والمقام هنا”. لكنه احترم المقام أكثر من المسجد. هذا واقع لا ينكره أحد ما له من دافع. والذي يقول غير هذا يكذب على الناس.
ولهذا يا إخوة، قول النبي صلى الله عليه وسلم في تعريف الإيمان: (أن تؤمن بالله) لا يتحقق إيمانك بالله إلا أن تؤمن بكل هذا. إذا استقر هذا في قلبك، فأنت من الفائزين؛ لأنه يا إخوة كل ذنب قد يهون إلا ما يتعلق بالتوحيد والشرك. ولهذا يقول الشافعي: “لأن أخطئ في علم يقال لي فيه: أخطأت، خير لي من أن أخطئ في علم يقال لي فيه: كفرت”. فرق كبير.
ولهذا الناصح لكم هو الذي يقول لكم: علِّموا أنفسكم وأهليكم بالتوحيد. ولا تظنن أنك ستصل إلى التوحيد وتبقى. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة ومن حُنين، مروا على ذات أنواط، شجرة يعلِّق عليها الكفار أسلحتهم تبرُّكًا بها وخضوعًا عندها. قال بعض من دخل للتو في الإسلام: (يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط). قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الله أكبر، إنها السُّنَن). أي إنها الطُّرُق والزمان يتكرر كما يقال بلغتنا: التاريخ يعيد نفسه. (قلتم والذي نفسي بيده كما قال بنو إسرائيل لموسى: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة. قال إنكم قوم تجهلون).
ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: “نحن ذاهبون إلى غزوة سوُّوا أمورنا وبعدين نتكلم على التوحيد”. يقول لك: “وحدة الصف قبل وحدة الرب”. شوفوا الكلام هذا. أيضًا هذا من الكلام المعسول. وكل هذا غِش وكذب.
النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الله أكبر، إنها السُّنَن. قلتم كما قال بنو إسرائيل لموسى). قال أهل العلم استنباطًا من هذا الحديث ونختم به: إذا كان الصحابة وهم مع النبي صلى الله عليه وسلم وقعوا في مثل هذا، غيرهم يمكن يقع ولا؟ ولهذا إبراهيم عليه السلام قال: ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ ﴾ (سورة إبراهيم: 35). إبراهيم من هو؟ إمام. ماذا قال: (واجنبني وبنيَّ أن نعبد الأصنام). قال إبراهيم التيمي: “ومن يأمن البلاء على نفسه بعدي؟” لله إبراهيم. تأمن البلاء على نفسك؟ أنا لا أمن البلاء على نفسي. لهذا العبد يبقى خائفًا وجِلًا لعله يلقى الله مسلمًا.
وأختم فقط بأثر عن سفيان الثوري وقد جاءه الطبيب في آخر حياته، فوجده قد بال دمًا. فلما نظر إليه الطبيب قال: “هذا رجل قطَّع الخوف فؤاده”. فسأله أصحابه، قالوا له: “أنت هذا كل خوف من الذنوب؟” قال: “والله، لذنوبي أهون عليَّ من هذا” -ورمى بقشة في يده-، ثم قال: “ولكنني أخشى أن أسلب الإيمان قبل الموت”. شفتم؟ سفيان الثوري من أورع سادات الأمة، ومن أئمة الإسلام ومصابيح الدجى، ومع هذا يخاف أن يسلب الإيمان. واحد الآن تراه يتكلم وكأن الجنة مضمونة له، ويعرف حتى مكانه في الجنة وين تقريبًا. وهذا من الخَبَل. إذا كنت عاقلًا صادقًا ناصحًا، ارجُ ربك لكن خَفْ، وأكثر شيء تخاف عليه: خَفْ على دينك، ربما تُسلب الإيمان وأنت لا تدري -والعياذ بالله-.
نكتفي بهذا القدر. والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.