الدرس 4 من فقه الأربعين النووية – الصغير بن عمار

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

​إذا تكلمنا في الدرس الماضي بالنسبة لحديث جبريل عليه السلام على العلاقة بين الإسلام والإيمان والإحسان عفوًا، وقلنا إن الإسلام والإيمان من الكلمات التي إذا اجتمعت تفرَّقت، وإذا تفرقت اجتمعت. ومعنى هذا أنك إذا سمعت الإسلام وحده دخل فيه الإيمان. الآية التي قرأ بها مثلًا الشيخ يوسف في الصلاة الآن: ﴿وَمَن أَحسَنُ دِينًا مِمَّن أَسلَمَ وَجهَهُ لِلَّهِ﴾ (سورة النساء: الآية 125). إذا سمعت الإسلام مفردًا دخل فيه الإيمان؛ لأن من أسلم في الظاهر فقط لا ينفعه الإسلام. وإذا سمعت لفظ الإيمان، قال تعالى: ﴿وَمَن يَكفُر بِالإِيمَانِ فَقَد حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ﴾ (سورة المائدة: الآية 5). الإيمان هنا يدخل فيه الإسلام. ولهذا إذا أُفرد كل واحد دخل فيه الثاني.

​وإذا اجتمعا في موضع واحد، كآية الذاريات: ﴿فَأَخرَجْنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدنَا فِيهَا غَيرَ بَيتٍ مِّنَ الْمُسلِمِينَ﴾ (الآيتان 35-36)، وقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (سورة الحجرات: الآية 14)، وكالحديث هنا سأله عن الإسلام ثم سأله عن الإيمان، فالتفريق بينهما هنا يُراد بالإسلام الأعمال الظاهرة، وبالإيمان الأعمال الباطنة.

​ولكن هذا يَجرُنا إلى أمر آخر متعلق بالدرس الماضي. قلنا إن الإيمان عند أهل السنة والجماعة عقيدة وقول وعمل. وقلنا: لا يصح إيمان في القلب بلا قول ولا عمل. فمن زعم أنه مؤمن ولا يعمل شيئًا في هذا الدين، هذا منافق كاذب؛ لأنه لو كان مؤمنًا لأَقَرَّ كما أَقرَّ قلبًا، لا بد أن يُقِرَّ بجوارحه وأعماله.

​وعليه فيقول أهل العلم: “لا بد في الإيمان من إسلام يصححه، ولا بد في الإسلام من إيمان يصححه”. إيش معنى هذا؟ يعني من كان مؤمنًا في الباطن، كيف يُعلم صدق هذه الدعوة؟ إلا إذا استسلم في الظاهر. ومن كان مسلمًا في الظاهر، لا ينفعه هذا الإسلام يوم القيامة إلا إذا كان مؤمنًا في الباطن.

​ولهذا المنافق عنده الظاهر ولا الباطن؟ عنده الظاهر فقط. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه» – في الظاهر، وإلا لم يكونوا مؤمنين؟ قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ (سورة المنافقون: الآية 1). بالرغم من أنهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، لكنهم أسلموا ظاهرًا ولم يؤمنوا باطنًا. إذًا، هنا إسلام لم يصححه إيمان، هذا لا ينفعه.

​وكذلك رجل يقول: “أنا مؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله…” إلى آخر الأركان، ولكنه يقال له: “صَلِّ”، لا يصلي. “صُمْ”، لا يصوم. “حُجَّ”، لا يحج. لا يفعل شيئًا، يقول: “الإيمان في القلب فقط”. هذا مؤمن؟ ليس بمؤمن، هذا كاذب، هذه دعوى فقط، هو يظن أنه مؤمن. وإلا لا يُتَصَوَّر كما يقول شيخ الإسلام: “مؤمن يعيش دَهره بين المسلمين، ويزعم أنه مؤمن ولا يعمل شيئًا من الطاعات”.

​وليس المقصود بالطاعات يا إخوة – واحد يقول: “لا، رأيته مرة يحسن إلى أبويه، ورأيته مرة رفع قُمامة من الطريق، ورأيته مرة رَحِمَ حيوانًا…” – هذا يصحح الإيمان؟ لا، الذي يصحح الإيمان هو الإسلام الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم إسلامًا.

​والنبي صلى الله عليه وسلم لما سُئل عن الإسلام إيش قال؟ «تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة…» وغير ذلك. ولهذا لا بد من عمل عظيم واجب في هذا الدين تميزت به هذه الأمة حتى يصح إيمان العبد.

​وهذه المسألة يا إخوة – إن كنت لا أريد الخوض فيها الآن لكن أشير إليها – بعض الناس يقول: “العلماء اختلفوا في تارك الصلاة”. يُقال: لا إشكال، العلماء اختلفوا في تَرْكِ أفراد الصلاة، لكن الأئمة جميعًا مُجمِعون على أن من ترك العمل ليس بمؤمن. قول أهل العلم بأنهم يختلفون في تارك الصلاة، هذه مسألة فقهية يقع فيها الخلاف، لا علاقة لها بمسألة الإيمان والعمل؛ لأن الذي لا يعمل ليس بمؤمن أصلاً. واضح؟ نحن سيأتي معنا إن شاء الله تعالى في أركان الإسلام بأن من عاش دَهره بين المسلمين ويعلم أن الصلاة واجبة، ولا يصلي ولا مرة واحدة، هذا ليس بمسلم. واضح؟ هذا سيأتي معنا إن شاء الله تعالى في حديث ابن عمر: «بُني الإسلام على خمس». هذا فقط أردت أن أذكره إتمامًا لما مرَّ معنا في الدرس الماضي.

​إذًا، تكلمنا على الإيمان بالله، وقلنا إن الإيمان بالله يدخل فيه أربعة أمور: الإيمان بوجود الله، ثانيًا: الربوبية، ثالثًا: الألوهية (خلي الناس تجاوب يا خويا. أه؟ جزاك الله خير طيب)، رابعًا: الأسماء والصفات. (حفظتم درسكم مثل مصطفى ها؟ أحسنت). إذًا، هذه الأمور الأربعة. طبعًا كما قلت لكم فإن الأمور الثلاثة هي التي يخاطَب بها المسلم، وأن من لم يؤمن بوجود الله أصلاً لا نتكلم معه إلا في إثبات وجود الله، وهذا تقدم الحديث عليه.

​ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم ذاكرًا الركن الثاني من أركان الإيمان: «وملائكته»، أي تؤمن بالله أولاً. هذا رأس الأمور، والثاني أن تؤمن بملائكته. وذَكَرَ النبي صلى الله عليه وسلم هنا للملائكة قبل الكتب والرسل. قال أهل العلم: ذِكر النبي صلى الله عليه وسلم للملائكة ثم الكتب ثم الرسل هذا موافق للواقع؛ لأن الله تعالى ماذا يفعل؟ يرسل الملك بالكتاب إلى الرسول. إذًا، من جهة الترتيب الواقعي موافق.

​قال أهل العلم: “ولا يعني هذا تفضيل الملائكة على الرسل، ولا يعني طبعًا تفضيل الكتب على الرسل”، فهذا لم يقل به أحد أصلاً. والصحيح في مسألة المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر أن صالحي البشر أعظم من الملائكة باعتبار النهاية، والملائكة أشرف باعتبار البداية؛ لأنهم خُلِقوا من نور. وأما من جهة المآل والنهاية، فبنو آدم أفضل. والنبي صلى الله عليه وسلم أفضل من جبريل. فهمتم؟ فصالحو بني آدم أفضل من الملائكة، وهم جميعًا صالحون. هذا خلاصة القول، وإلا في المسألة كلام طويل جدًا. شيخ الإسلام أفاض فيه الجزء الثالث (مجموع الفتاوى)، والسَّفَّارِينِي أيضًا. والعلماء يبحثون هذا في تفسير قول الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (سورة البينة: الآية 7). لأن الله تعالى قال: خير البرية أي: خير من برأ الله، المؤمنون الذين آمنوا وعملوا الصالحات، تفسير هذه المسألة هنا. وأيضًا في شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم – الحديث القدسي: «من ذكرني في ملأ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ منه». والملأ الذي عند الله منهم؟ الملائكة. والله تعالى قال: خير من الملأ الذي هم فيه. إذًا، شفت الآية هذه (القول الأول) والحديث يؤيد (القول الثاني)، والجمع بينهما كما قلت لكم أن هذا باعتبار البداية وهذا باعتبار النهاية. وهذه مسألة يعني لو أن الإنسان عاش ومات ولم يعلمها لا تضره، ليست من صميم العقيدة وإنما تذكر لأنها ذُكِرَت عند أهل العلم.

​إذًا، الملائكة هم الركن الثاني من أركان الإيمان. الملائكة يا إخوة خُلِقوا من نور؛ بنص الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خُلِقَتِ الملائكةُ من نور، وخُلِقَ الجانُّ من مارجٍ من نارٍ، وخُلِقَ ابنُ آدمَ مما وُصِفَ لكم» (رواه مسلم). (وُصِفَ لكم: الطين والماء واضح، التراب والماء وهو الطين). ولهذا لما امتنع إبليس عن السجود لآدم قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ (سورة ص: الآية 76). طيب، النار خير ولا النور خير؟ النور. ومع هذا الملائكة سجدت. إبليس ظن أنه أحسن بقياسه الفاسد. ولهذا قال السلف: أول من اعتمد القياس من هو؟ إبليس. قال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ (سورة ص: الآية 76)، والنار لا تسجد للطين! وهذا الكلام غلط من جهتين: الجهة الأولى أن من قال بأن النار خير من الطين، هذا لم يقل به أحد، بخلاف النور فإن النور أشرف. إذًا هو من جهة الواقع غلط. طيب، سلَّمنا جدلاً بأن النار أشرف من الطين، صفاء الأصل لا يعني زكاء الفرع. ولهذا قال القائل:

​إذا افتخرتَ بآباءٍ لهم شَرَفٌ… (من يكمل؟)

قلنا صدقت ولكن بئس ما وَلَدُوا.

 

​يعني هَبْ أن أهلك أصحاب قيمة، أنت ليس لك قيمة؛ لأنك بامتناعك عن السجود لآدم بيَّنت خبث أصلك، الشيطان خبيث. واضح؟ وليس هذا بحثنا. لكن الذي أردت أن أقول بأن الملائكة خَلْقٌ مُكرَم، خلقهم الله جل وعلا من نور.

الأمر الثاني: الملائكة أُولو أجنحة؛ بنص الآية قال جل وعلا: ﴿أُولِي أَجنِحَةٍ مَثنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ﴾ (سورة فاطر: الآية 1). جبريل تملأ ستمائة جناح. وأنتم تأملوا معي قول الله تعالى: ﴿مَثنَى وَثُلَاثَ﴾. يعني تتخيل أنت ملك عنده ثلاث أجنحة كيف يكون؟ صعب صحيح، ناهيكم عن الأعداد الأخرى. لو كان العدد زوجي تفهمه، يعني بطبيعة ما نرى: جناح منا وجناح منا تقول… لكن هنا لا، ثلاثة كيف؟ لا تستطيع أن تتخيل! واضح؟ إذًا هؤلاء الملائكة في أنفسهم متفاضلون.

​أعظمهم قدرًا وخَلْقَةً ومنزلةً أمين الوحي، لأن الله تعالى ترك العظيم للعظيم، وأعظم الخَلْق منهم؟ الأنبياء والمرسلون. أرسل إليهم أعظم الملائكة، وهو جبريل عليه السلام. ولهذا الله تعالى وصف جبريل بأنه ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ (سورة التكوير: الآية 20)، ووصفه بأنه قوي أمين، ووصفه بأنه ﴿ذِي مِرَّةٍ﴾ (سورة النجم: الآية 6). ما هي المِرَّة؟ قالوا: هي السلامة من الآفات والعاهات الظاهرة والباطنة. فهو سالم ظاهرًا وباطنًا، ومع هذا هو الشديد القوى. ليش؟ لأن الله تعالى يكلفه بمهمة عظيمة، وهي أن جعله أمينًا على وحيه الذي ينزله على أشرف مخلوقاته وهم الأنبياء والمرسلون.

​الملائكة يا إخوة أصحاب جمال. وهذا أمر مستقر عند المسلمين وعند غيرهم. جميع العقلاء من آمن بالملائكة لا يمكن لواحد – وتشوفه حتى الناس الذين يصورون الملائكة – إذا صوروا الملائكة يصورونها كائنات مخيفة؟ غالباً يصورون، بل دائماً يصورونها كائنات جميلة؛ لأن استقر عند الناس بأن الملائكة خَلْقٌ جميل.

​طيب، حتى عند مشركي آل فرعون – لما دخل عليهم يوسف – إيش قالوا؟ ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ (سورة يوسف: الآية 31). فسَّرها بعضهم بقوله: أكبرنه أي حِضْنَ (قالوا وجدنا الإكبار هو الحيض). قال: فلما رأيناه من عِظم جماله حِضْنَ! وهذا غلط. والصحيح: أكبرنه أي أعظمنه واستعظمنه. ولهذا يفسره ما بعده: ﴿فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾. هذا الذي، ولم يقل: قطعنا، قال: ﴿وَقَطَّعْنَ﴾ أي تَقَطُّع وتَكَرُّر (ترجع ولا تحس؟). قال: فلما رأيناه ﴿وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ﴾ النسوة جميعًا: ﴿حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾. شفتم؟ لما رأوا من جمال يوسف عليه السلام قالوا: هذا ملك كريم؛ لأنه استقر عندهن بأن الملك لا يكون إلا جميلاً، بخلاف الشياطين. ولهذا الله تعالى قال: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ (سورة الصافات: الآية 65). فهذا مَثَلٌ يُضرَب للشيء القبيح الخبيث.

​الملائكة يا إخوة قلنا: خُلِقوا من نور، قلنا: هم أُولو أجنحة، قلنا: هم أصحاب جمال، وقلنا أنهم متفاوتون. ويُضاف إلى هذا: الملائكة يا إخوة عددهم كبير جدًا. وأضرب لكم مثالين:

​المثال الأول لا يخفى عليكم لما ذَكَرَ النبي البيت المعمور في الصحيح، قال: «يدخلُه كلَّ يومٍ سبعونَ ألفًا، لا يعودونَ إليهِ إلى يومِ الدينِ». أنت احسب كل يوم كم؟ طيب.

​الثاني: النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُؤتَى يومَ القيامةِ جهنمُ» – يعني تُستدعى لأرض المحشر – قال: «وعليها سبعونَ ألفَ زِمامٍ». طيب، كل زمام كم عليه؟ سبعون ألفَ مَلَكٍ. من حَسَبَ منكم هذا؟ أربعة مليارات وتسعمائة مليون. احسب سبعين ألف في سبعين ألف، صح ولا؟ هكذا يعني: قرابة خمس مليارات من الملائكة العظام. شوفوا الواحد فيهم ماذا يفعل! هذا فقط لجلب جهنم – والعياذ بالله من حالها ومآل أهلها فيها – لجلبها إلى أرض المحشر. إذًا هذا يُفيدنا أمرين:

​الأمر الأول: عِظَم جهنم والعياذ بالله.

الثاني: ليش؟ لأن أكثر الناس في النار. من كل ألف كم واحد؟ تسعمائة وتسعة وتسعون في النار. والله تعالى قال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ (سورة يوسف: الآية 106)، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (سورة الأعراف: الآية 187)، وقال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سورة سبأ: الآية 13). أكثر الناس وين؟ في النار. هذه حقيقة. إذًا، هذا يُفيدنا أمرين: الأمر الأول عِظَم خَلْق جهنم، والثاني كثرة الملائكة يا إخوة. شيء كبير.

​ولهذا النبي قال: «أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لها أن تَئِطَّ» بمعنى ابطأت إيه؟ «إذْ سُمِعَ لها أطيطٌ». ما هو الصوت هذا؟ شفت كأن كنت تمشي على الباركيه هذا، أحسنت، وكأنه سينشق. لوح تحط عليه شيء ثقيل، إنه سينشق. ليش؟ «ما مِنْ شبرٍ أو موضعِ شبرٍ إلا وفيهِ ملَكٌ قائمٌ أو راكعٌ أو ساجدٌ» إلى غير ذلك.

​الله تعالى قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ (سورة المدثر: الآية 31). ولما قال الله تعالى على النار في المدثر: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (الآية 30)، قال أبو جهل وأترابه: “تسعة عشر هؤلاء نستطيع أن نغلبهم!” – يعني يقصد يغلب زَبَانِيَة النار من جَهله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أُذِنَ لِي أنْ أُحَدِّثَ عنْ أحَدِهِمْ، ما بيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إلى كَتِفِهِ مَسِيرَةُ كذا وكذا». يعني فقط حتى تمشي من هنا إلى هنا هذا عندنا نحن. مسيرة كذا وكذا.

​ولهذا العرش يا إخوة أعظم مخلوقات الله من جهة الكِبَر. لأننا نقول: أعظم مخلوقات الله تعالى كرمًا من هو؟ النبي صلى الله عليه وسلم. لكن المخلوقات من جهة الحجم، من هو أو ما هو؟ هو العرش. واضح؟ والله فوق العرش جل جلاله. هذا العرش كم يحمله يوم القيامة؟ ثمانية. ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ (سورة الحاقة: الآية 17). يعني هذا العرش الكبير يحمله ثمانية. هذا يوم القيامة. طيب في الدنيا كم يحمله؟ إيه عبد الله يقول: أربعة. وأنتم من يقول غير ذلك؟ الله تعالى قال: ثمانية. طيب الأخ عبد الله قال: أربعة. إيه أجيبوا. الله تعالى قال: هذا وين؟ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني يوم القيامة. أما في الدنيا فجاء في مسند أحمد حديث صححه بعض أهل العلم أو حسنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أما اليوم فهم أربعة». نحن نقول: إن صح الحديث قلنا به، اليوم أربعة، يوم القيامة ثمانية. ليش يوم القيامة ثمانية؟ الله أعلم. ومنها إظهار عظمة الله وعظمة خلقه في ذلك اليوم العظيم. واضح؟

​إذًا، شفتم الملائكة يا إخوة؟ على كثرتهم، شفتم قوتهم؟ يعني قادرون على أن يحملوا عرش الله جل وعلا وهم أربعة. قد روى أبو الشيخ في العظمة وذكرت لكم هذا مرارًا أن الله تعالى لما خلق العرش، كلف الملائكة بحمله. فقالوا: “وكيف يحمل هذا؟” فقال لهم الله جل وعلا: “قولوا لا حول ولا قوة إلا بالله”. قال: فقالوا لا حول ولا قوة إلا بالله، فحملوا العرش. لهذا كلمة لا حول ولا قوة إلا بالله. أغلب الناس يقولونها عند الاسترجاع، يا أخي عند المصيبة تقول: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. لكن إذا أردت أن تحمل أمرًا تَنُوء العُصبة عن حَمْلِه، فقل: لا حول ولا قوة إلا بالله. ولهذا هي كنز من كنوز الجنة كما في الصحيح، قال: «وَلَا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللَّهِ كنزٌ من كنوزِ الجنَّةِ». ليش؟ لأنها كلمة استعانة. فهمتم؟ أي: لن تنتقل من حال إلى حال، ولن تنتقل من ضعف إلى قوة إلا بالله وحده سبحانه وتعالى.

​إذًا، هؤلاء الملائكة يا إخوة نعلم أسماء بعضهم. صح ولا؟ من هم؟ ميكائيل، ثانيًا: إسرافيل، ثالثًا: جبريل. طيب، من يزيد؟ مالك. مالك ما وظيفته؟ خازن النار. طيب، من يزيد؟ إيه: رضوان. ما وظيفته؟ خازن الجنة. رضوان أثبته بعض أهل العلم ولكنه لا يصح في السند. لكن جاء في شِعر يُنسب لعلي رضي الله عنه تعرفونه. قال:

​واعمل لدار غدًا رضوان خازنها…

والجار أحمد والرحمن ناشيها

 

​قصورها ذهب والمسك طينتها…

والزعفران حشيش نابت فيها.

 

​إن صح البيت لا يمكن أن يقول علي رضي الله عنه هذا إلا من قبيل الوحي؛ لأن الصحابة لا يقولون أمور الغيب إلا من طريق النبي صلى الله عليه وسلم. وهو الذي يُسمى في علم المصطلح مرفوع حُكمًا. المرفوع إما اقتصارًا تصريحًا: “قال رسول الله صلى الله عليه وسلم”، أو مرفوع حُكمًا أي أن الصحابي يقول أمرًا لا يمكن أن يُقال إلا عن طريق الوحي. لهذا يقول العراقي:

​وما أتى عن صاحبٍ بحيث لا

قالوا رأيًا حُكمه الرَّفع على

ما قال في المحصول (أي: الرازي) مَثَلُ من أتى

الحاكم الرفع لهذا أثبتا.

 

​يقصد ماذا؟ يقصد حديث: «مَن أتَى كاهِنًا أو عرَّافًا لم تُقبَلْ له صلاةُ أربعينَ يومًا». هذا جاء موقوفًا عن ابن مسعود. طيب، هل ابن مسعود يقول هذا من قبيل رأيه؟ لا يمكن؛ لأن كيف يعلم عقاب الله لهم؟ وكما قال ابن عباس: «الكرسي موضع القدمين» (رواه الحاكم في المستدرك). طيب، كيف يعرف ابن عباس بأن الكرسي موضع القدمين؟ أجيبوا. ولهذا العلماء يقولون: يكون مرفوعًا حُكمًا بشرطين: الشرط الأول أن يكون هذا من الأمور التي لا تقال بالرأي، ثانيًا: ألا يكون الصحابي ممن يأخذ عن بني إسرائيل. وابن عباس لا يأخذ عن بني إسرائيل. واضح؟ هذه فقط جملة معترضة.

​إذًا، نقول: رضوان إن صح هذا يقال به، وإلا من جهة السند لم يصح. والله أعلم بذلك.

​أيضًا نسيتم: منكر ونكير. وغير ذلك. نقول: كل ما ثبت لنا اسم مَلَك قلنا به وهم قليل. واضح؟

​الأمر الآخر: نؤمن يا إخوة في الملائكة بوظائفهم. لا يمكن أن تكون تقرأ القرآن والسنة ولا تعلم وظائف الأنبياء عفوًا وظائف الملائكة.

  • جبريل: الوحي.
  • إسرافيل: ينفخ في الصور.
  • ميكائيل: موكل بـ المطر والزَّرْع.

​ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء الليل يقول: «اللهمَّ ربَّ جبرائيلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ». قال ابن القيم في أول زاد المعاد – وأظنه قاله في إغاثة اللهفان – قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله بربوبيته لهؤلاء الملائكة الثلاثة لأن هناك أمرًا يجمع بينهم، ما هو؟ الحياة. قال: لأنكم يجمعهم أمر وهو الحياة والإحياء.

  • ​أما جبريل فهو أمين الوحي. وهذا فيه حياة القلوب.
  • ​ميكائيل يحيي ماذا؟ يحيي الأبدان؛ لأنه الموكل بالمطر وبإنبات الزرع، وهذا به حياة أبداننا.
  • ​والثالث إسرافيل: إذا نفخ في الصور – وهو البوق – ما الذي يقع؟ يُحيي الناس من القبور.

​إذًا، قال: لما كان هؤلاء الثلاثة اشتركوا في الحياة والإحياء، كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بربوبية الله لهؤلاء الملائكة الثلاثة، وهم سادات الملائكة.

منكر ونكير موكلون بـ سؤال الناس. هناك مَلَك لـ الأرحام ينفخ فيه ويكتب ويُؤمر بأربع كلمات، وسيأتي معنا إن شاء الله تعالى في موضعه. وهكذا. ولهذا الله تعالى قال: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ (سورة الصافات: الآية 164). كل واحد من الملائكة عنده وظيفته، وهم عابدون لله جل وعلا، مربوبون له، طائعون له سبحانه وتعالى: ﴿لَا يَعصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. فهمتم؟ ولهذا الملك لا يمكن أن يتجاوزه.

​ولما أمرهم الله تعالى بالسجود لآدم سجدوا بلا تردد. ولما سألوا قبلها: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ (سورة البقرة: الآية 30)، كان سؤالاً لا اعتراضًا، خلاف إبليس: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ﴾ (سورة ص: الآية 76). فالملائكة شيء وما فعله إبليس اللعين شيء آخر.

​الأمر الأخير الذي نختم به وهو أن الملائكة – شفتم عظمهم وجُلهم عند الله جل وعلا ومنزلتهم – ومع هذا هم مخلوقات لا تُعبَد. ولهذا كان المشركون يزعمون بأن الملائكة هم بنات الرحمن. ومن تناقضهم أنهم جعلوا لله من عباده جزءًا. يعني قالوا: الله له البنات. ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (سورة الزخرف: الآية 17). يعني لا يقبل واحد منهم أن يُرزَق ببنت، لكن الله تعالى قالوا: له بنات! وهم كانوا يعبدون أقوامًا يظنونهم ملائكة، وهم ماذا؟ بل كانوا يعبدون الجن. لكن الجن تأتي إلى بني آدم وتتصور إليهم بأنهم هم الملائكة.

​ولهذا يا إخوة، وربما ذهب أحدهم إلى قبر رجل صالح أو قبر منسوب لفلان وعلان، وإذا به دعا وأُجيبت دعوته. وربما بعضهم ذهب ليزور ميتًا فرآه (الشيخ سليم الكرسي الآخر كان ارتاح من هذا ها. معليش. لأن اليد هذه مهمة هذه). وين كنت أنا؟ أحسنت. إذًا، بعضهم يذهب وبعضهم قال: “ذهبت إلى قبر فلان ووجدته قائمًا” – هو الميت على قبره! يقول شيخ الإسلام في كلام له حَسَن في الفرقان وفي الرد على البكري وفي التوسل والوسيلة: يقول شيخ الإسلام: “والناس لا يكذبون. إذا قالوا: ذهبنا وطلبنا وجاء الذي طلبنا”. بل بعضهم يَنخِسه الشيطان يمرض، يذهب إلى الولي فيبرأ. ثم يمرض، ثم يذهب إلى الولي؛ لأن الشيطان كان ربما وخزه، فإذا ذهب كفَّ عنه. وهكذا. ﴿وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَن يَحْضُرُونِ﴾ (سورة المؤمنون: الآيتان 97-98). لهذا العبد يستعيذ بالله جل وعلا من وسوسة الشيطان اللعين. ولهذا الناس لا يكذبون، هم ذهبوا ورأوا، لكن الشيطان لَعِبَ بهم كما أراد.

​ولهذا بعض أصحاب شيخ الإسلام ابن تيمية مرة جاءهم أمر في الصحراء، فرأوا شيخ الإسلام ابن تيمية فاستغاثوا به. فلما عادوا إليه قالوا: “لقد رأيناك واستغثنا بك”. قال: “كذبتم وكُذِبَ عليكم الشيطان، فإني لم أَبْرَح مكاني هذا، لكنكم فُتِنتم بي”. ليش؟ لأنه شخصيًا كان مُعظَّمًا عند الناس، لكنه لم يقل شيخ الإسلام: “فعلاً أنا هو الذي أتيتكم”، كما يفعل بعض مُعَظَّمي الصوفية يقول له: “تعالى صَلِّ معنا العصر”. يقول: “أنا ماشي أصلي في مكة العصر”. كذاب! والوقت هذاك قال: “أُغَرِّبُ في مكة”. شوف الكذب! فهمتم؟ ولهذا لما شيخ الإسلام قالوا له: “فلان يحج، ويذهب مباشرة يحج على الجن ويرجع”. قال: “هؤلاء لم يُحرموا من الميقات، وهذا بالإجماع ليس حجًا صحيحًا”. نعم، لأن الإحرام ركن من أركان الحج. فلا ينبغي للعبد أن يغتر. ولهذا ذكرت لكم مرارًا أبيات الأخضري لما يقول:

​إذا رأيتَ الشَّخصَ قد يطيرُ

فوقَ ماءِ البحرِ قد يسيرُ

ولم يقِفْ على حدودِ الشَّرعِ

فإنَّما مُستدرَجٌ وبدعيُّ

 

​فالملائكة يا إخوة لا يُعبَدون، بل هم لله عابدون طائعون لا يعصون الله جل وعلا ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون. وما يفعله المشركون هذا كله كذب. إذًا، إذا كنت تؤمن بالملائكة لا تعبد إلا الله؛ لأن الملائكة بماذا نزلت من عند الله؟ إلا بالتوحيد. فلا يمكن أن تكون مؤمنًا صادقًا في إيمانك بهم وأنت مشرك بالله جل جلاله.

​قال بعدها: «وكتبه». أنهينا الكلام على الملائكة. الإيمان بالكتب يا إخوة هو أن تؤمن هذه الكتب التي أنزلها الله على من شاء من عباده الأنبياء والمرسلين. وأن من هذه الكتب وأعظم هذه الكتب هو القرآن العظيم. إذًا، إيمانك بالكتب – ونحن سنتكلم بإذن الله تعالى في آخر الأركان على القدر المُجزئ من هذه الأركان. لأن ليس المسلم مطالبًا أن يعلم كل هذه التفاصيل. لا، المسلم مطالب بأن يعلم الحد الأدنى الذي يصح به دينه. فلو أن إنسانًا عاش ومات ولم يعلم من هو إسرافيل لا يضره. لكن متى يضره؟ إذا سمع بأن إسرافيل مَلَك في الحديث الصحيح ولا يؤمن به. هنا يُحاسب؛ لأن الدليل قد بلغه. لكن كثير من الناس لا يعلم إسرافيل ولا يعلم أن الملائكة عدد كثير. لكن لا يمكن أن تجهل بأن من الملائكة من ينزل بالوحي وهو جبريل عليه السلام. فهمتم؟

​إذًا، الكتب نؤمن بأن الله تعالى أنزل كتبًا. هذه الكتب هي كلام الله بالأصالة. وقع التحريف فيها قبل القرآن، إلا القرآن فإن الله تعالى تكفل بحفظه فلا يُحَرَّف ولن يُحَرَّف. ولهذا قال جل وعلا: ﴿قُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ﴾ (سورة الشورى: الآية 15).

​فنؤمن بأن الله تعالى أنزل كتبًا. من هذه الكتب: التوراة، والإنجيل، والزبور، وصُحُف إبراهيم، وصُحُف موسى، ثم القرآن وهو أعظمها وخاتمها. والله تعالى وصف القرآن بأنه المهيمن عليها. قال تعالى: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (سورة المائدة: الآية 48). والمهيمن يا إخوة من جهة اللغة هو الأمين المؤتمن والشاهد عليه. القرآن أمين فيما ينقل عن الكتب التي مضت. يعني الله تعالى في القرآن إذا قال أمرًا قد نزل، ونزل في التوراة، لا يأتي واحد يقول: “فتحت التوراة الآن لم أجدها”. لا، هم حَرَّفوا. وإلا كل ما ذُكر في القرآن عنهم حَقٌّ. ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (سورة النجم: الآيات 36-38). هذا موجود في صحف إبراهيم وصحف موسى بنص القرآن، صح ولا؟ إذًا، القرآن أمين ومؤتمن. وهو المعنى القريب وهو شاهد عليه. وهذا نتيجة للأول؛ لأن الشاهد لا يكون إلا أمينًا ومؤتمنًا. ولا أنا أستطيع أن آتي بواحد يشهد معي إلا إذا كان أمينًا صادقًا لا يُغَيِّر شهادته. القرآن أمين مؤتمن من المؤمنين الصالحين، ومن رب العزة جل ثناؤه عليهم، وهو شاهد عليهم. كما أن النبي صلى الله عليه وسلم شاهد عليهم أيضًا. كما هذه الأمة أيضًا تشهد عليهم. قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (سورة البقرة: الآية 143). وقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِرَسُولٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ (سورة النساء: الآيتان 41-42). إذًا، النبي صلى الله عليه وسلم شهيد، وأمته شهيدة. ولهذا نوح عليه السلام إذا قال أتباعه: “لم يبلغنا نوح”. قال: “من يشهد معك؟” قال: “محمد وأمته”.

​إذًا، القرآن يا إخوة أمين مؤتمن شاهد. وهذا معنى قول الله جل وعلا: ﴿مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ (سورة المائدة: الآية 48).

​هذه الكتب حَقٌّ، لكنها حُرِّفت. أغلب التحريف الذي وقع من جهة اللفظ ولا من جهة المعنى؟ من جهة المعنى. أغلب التحريف كما قال ابن عطية في المحرر الوجيز: “قال إنما هو من جهة المعنى”. وهذا فيه خلاف على كل. والنصوص الموجودة موجودة. حق وهي من كلام الله جل وعلا، وما حُرِّفَ حُرِّفَ، لكننا لا نستطيع أن نميزه بين: هذا حُرِّفَ، وهذا لم يُحَرَّف. ولهذا أُمِرنا بتركها. بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى أوراقًا من التوراة عند موسى عفوًا عند عمر رضي الله عنه، قال له: «أَمُتَهَوِّكُونَ فيها يا ابن الخطاب؟». ما معنى متهوكون؟ ذكرتها لكم مرارًا هذه. ما معنى متهوكون؟ إيه: متحيرون. احفظوا هذا يا إخوة؛ لأن هذه كلمات تتكرر. لكن إذا كنتم فقط تعولون على ما تسمعون ولا ولا تعيدون سماع الدرس لا يمكن أن يرسخ أبدًا. وإلا كنتم كنا علماء. لو كان كل درس يُحفَظ كل شيء يصير عالماً. لا، لا بد أن تكتبوا، سيما هذه الأمور المعهودة. إذًا، المتهوكون فيها أي متحيرون، أي لا تعلمون من أين تأخذون دينكم حتى تتركوا الكتاب والسنة وتذهبوا إلى التوراة التي حُرِّفت. فمنع النبي صلى الله عليه وسلم عمر من قراءة تلك الكتب خوفًا عليه من الفتنة، ولأن الله تعالى أغنانا بالقرآن.

​ولهذا من إيماننا بالكتب نؤمن أن القرآن ناسخ لها، وأن ما فيها من حق موجود في القرآن، وأن ما فيها من باطل جاء به الناس ليس في كلام الله جل وعلا باطل، وإنما أضافوه، فإن القرآن عَرَّاه وبيَّنه. ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ (سورة البقرة: الآية 79). واضح؟ ولهذا الله تعالى توعدهم في القرآن أكثر من مرة؛ لأنهم حَرَّفوا الكتاب، وقالوا: “هو من عند الله”، وما هو من عند الله؛ لأنهم اشتروا بآيات الله جل وعلا ثمنًا قليلاً. إذًا، القرآن ناسخ لها جميعًا. يُغنيك القرآن. ولن تجد قصصًا أكمل من قصص القرآن، ولن تجد شريعة أعظم من شريعة القرآن، ولن تجد لفظًا أعظم من لفظ القرآن.

​طيب، قال واحد قال: “يا أخي، هاو كل كلام الله”. قال: لا، كلام الله تعالى يتفاضل. والله تعالى لم يتحدَّاهم بالتوراة والإنجيل من جهة اللفظ. واضح؟ هذا أُنزل بالعبرانية وهذا بالسريانية. ولكن تَحَدَّى الله جل وعلا به الخليقة جمعاء على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله، أو بحديث من مثله هو القرآن وحده. واضح؟ إذًا، الله تعالى تحدَّى الناس على أن يأتوا به. فأنت عندك القرآن يُغنيك عن كل شيء.

​وهنا نجيب عن سؤال بعض الإخوة يقول: هل لي أن أقرأ في كتب اليهود والنصارى؟ يُقال: لا، ليس لك أن تقرأ في كتب اليهود والنصارى، ولا أن تقتني التوراة والإنجيل؛ لأني أريد أن أقرأ ما فيها. لا، لا يجوز هذا لك البتة. وإنما يجوز هذا لمن؟ إيه: لـ عالم مختص تمكن من عقيدة الإسلام يريد أن يرد على أعداء الإسلام. لكن هذا لا يكون لكل الناس. وأنتم رأيتم، وأنا رأيت ممن دخل في هذا الباب. حَبَّب الناس من الدين، خرج هو من ترك مكانه لهم. فهمتم؟ والعياذ بالله. وإذا شاهدت هذا بنفسي. لا تدخل في هذا الباب. أنت في عافية من دينك. إذا لم إذا لم يُفترض عليك الأمر، ولم يتعين عليك الأمر، ولم تُبتلى بهذا، فاترك، أنت في عافية من دينك. كبعض الإخوة يتصدَّر للرد على الملاحدة ويعقد حلقات في إثبات وجود الله وكذا، يدخلوا عليه شبهات، هو ينحرف. يا إخوة، احترموا أنفسكم وعقولكم، ولا تدخلوا أنفسكم في أبواب أنتم لستم بأهل لها. ولهذا بعض الناس الإخوة من حُسن ظنه يقول: “لماذا أنت لا تكتب في الباب الفلاني؟ ولماذا لم تعقد درسًا على كذا؟” يا أخي، أنا أعرف قَدري. لا أستطيع أن أتكلم في كل شيء. لماذا تريدون الناس؟ كل الناس أن يتكلموا في كل مواضيع الناس. لا، الشريعة عظيمة. والله تعالى من رحمته بخلقه أن بيَّن لهم أقدارهم، فكل واحد يتكلم في فنه. والعلم الموسوعي الذي يتكلم في كل شيء هذا في الخَلْق نادر. الشيخ الإسلام ابن تيمية يتكلم في الفقه والحديث والعقيدة والفلسفة والرد على النصارى. يا أخي، هذا ابن تيمية. وين أنت في تجد مثل ابن تيمية في الناس؟ قال: قليل جدًا. فهمتم؟ ولهذا إياك أن تدخل في هذا الباب، أنت في عافية من دينك. ولهذا يقول الشيخ محمد بن عَبْد الوَهَّاب في كشف الشبهات: “والخوف على من يسير في الطريق وليس عنده سلاح”. ندخل في باب ليس لك فيه سلاح، فيُخشى عليك من الفتنة.

​إذًا، من إيمانك بهذه الكتب تؤمن بأن هذه الكتب قد حُرِّفت. ولهذا نختم بهذا، وهو أن إيماننا بالقرآن يا إخوة إيمان بالقلب وإقرار باللسان وعمل بما فيه من أحكام. صح؟ إيمانك بالتوراة والإنجيل والزبور. إقرار بالقلب ولا؟ إيه، نُقِرُّ بأنها من عند الله. طيب، نُطقًا باللسان ولا؟ لا، نَنطِق من جهة نقول: هي من عند الله. طيب، هل نعمل بما فيها من حُكم؟ لا. شفتم؟ فَرَق. إذًا، يعني أركان الإيمان تُطَبِّقها هنا. القرآن كل هذا يدخل فيه. لا يمكن واحد يقول: “أنا مؤمن بالقرآن ولا يتبع أوامر القرآن”. أما التوراة هي حق من عند الله أصالةً، وهي من كلام الله. فهمتم؟ لكن هذا الكلام دخلت فيه أيدي الناس فغيَّروه وبدَّلوه، والله تعالى جاء في كتابه بما يُغنينا عن ذلك كله.

​ولهذا قرَّر شيخ الإسلام ابن تيمية في مقدمته في أصول التفسير – طبعًا بعض الإخوة ربما يقول: لماذا تذكر إلا آراء ابن تيمية؟ لا، نحن نذكر آراء المحققين من أهل العلم، والشيخ محقق. لهذا هو يذكر ما ما ذكره السلف متفرقًا يجمعه شيخ الإسلام في كلام قليل. واضح؟ أو في بَسْط بحسب الموطن. ولا يعني هذا أنه أعظم من السلف والأئمة. لا. لكن العالم إذا حَرَّرَ بابًا من العلم أنت تستفيد من هذا التحرير. وليس كل الناس يصلح لأن يقرأ لكل عالم. عند خوض كتاب الأم والرسالة للشافعي واقرأ فيها. ستتعب ولن تفهم كبير شيء. لكن لو تقرأ كتاب متأخر في فقه الشافعية تفهمه. مع الأيام ترتقي حتى تصل إلى فقه الشافعي. كلما ابتعدنا عن عصر النبوة كلما ضعف العلم وضعف هذا النور. وتحتاج إلى من يُضيء لك أكثر من جهة البَسْط والاتساع وغير ذلك. لكن هذه فقط جملة معترضة.

​إذًا، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى – نسيت ماذا كنت سأقول سبحان الله. أحسنت. في مقدمة التفسير – يقول شيخ الإسلام: “ولا حاجة لنا لتفاصيل في قصص الأنبياء تأتينا من الإسرائيليات”. فهمتم؟ لأن ما جاءنا في القرآن يكفينا. لكن لا بأس بالأخذ عن كتب بني إسرائيل بـ شرط: ألا يُعارض ذلك ما في هذا الدين. فهمتم؟ ولهذا تجد في بعض هذه الكتب أمور غرائب وقصص تُذكَر عن الأنبياء لا تليق بواحد من المؤمنين، كما يُذكَر في قصة داود عليه السلام وغير ذلك من الأمور التي لا تُذكَر أصلاً. ليش؟ لأن الناس ذهبوا حتى يُطيلوا الكتب يُفتِّشون عن كلام بني إسرائيل.

​ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم إيش قال؟ «حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا حَرَجَ». لكن في الحديث الآخر إيش قال؟ «إذا حدثكم بنو إسرائيل بشيء فلا تُصَدِّقُوهم ولا تُكَذِّبُوهم». هذا يكون في الأمور التي لم يأتِ شرعنا بـ نفيها. فلو جاءك نص لا يخالف المُثبَت ولا يُخالف فيه، يعني ليس فيه إشكال، فلا بأس بحكايته مع التحرُّز. واضح يا إخوة؟ وقد قرَّر هذا أيضًا ابن كثير، وقد نقل عن شيخه في أول كتابه التفسير وفي كتابه المسمى قصص الأنبياء – وهو مأخوذ من كتابه البداية والنهاية. ولهذا بعض الناس يترك القصص القرآني ويذهب يتوسع في تفاصيل غريبة جابها من وين؟ جابها من كتب بني إسرائيل. إذًا، نحن نقول بأننا نؤمن بها ونؤمن بأنها حُرِّفت، ولا نأمن عليهم في هذا النقل. لكن إن أخذت منهم فخذ مع احتراز، وأعظم القصص هو القصص القرآني. واضح؟ ولا بأس بأن تزيد أمرًا جاء عن بني إسرائيل مع نسبته إليهم، وإلا يكون فيه مخالفة صريحة. فإذا وجدت أمرًا يُعارض ما في القرآن، ارمِ به، فإن الحق في هذا القرآن.

​قال: «ورسله». إذًا، أنهينا الكلام على الملائكة وأنهينا الكلام على الكتب، ثم نتكلم على الرسل. الرسل يا إخوة هم الذين تأتيهم وتنزل عليهم الكتب. يأتيهم الملك بالكتاب ويوحي الله جل وعلا إليه. لا يُسمى نبيًا إلا إذا نزل عليه الوحي من عند الله.

​طيب، عندنا قال النبي صلى الله عليه وسلم هنا قال: «ورسله». يدخل فيها الأنبياء ولا؟ نعم. نحن إذا أطلق لفظ الرسول يدخل فيه النبي؛ بدليل أن آدم نبي ولا رسول؟ من يقول: نبي؟ صحيح، نبي. طيب الدليل يا عبد الله محمد؟ (والنبي هذا غير صريح). نعم: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (سورة النساء: الآية 163). لكن حديث النبي صلى الله عليه وسلم حتى يفهمه النهائي هو آية صحيحة. النبي إيش قال في حديث الشفاعة الكبرى؟ يوم القيامة إذا جاء الناس إلى نوح ماذا سيقولون له؟ «يا نوح، أنت أول رسول على وجه الأرض». الآية صحيحة، لكن الاستدلال بها قد يخفى. أما الحديث واضح. فهمتم؟ أسهل من جهة الفهم هنا. إذًا، أول رسول على وجه الأرض نوح عليه السلام على الصحيح.

​طيب، لكن آدم عليه السلام نبي. ومع هذا الله تعالى قال: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ (سورة النساء: الآية 164). فقول الله جل وعلا: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾ يدخل فيهم آدم ولا؟ أجيبوا. يدخل؛ لأن إذا أطلق هذا اللفظ – ولهذا الله تعالى قال: من نبي ولا ولا نور – إذا أطلق لفظ الإرسال يدخل فيه النبي؛ لأن النبي أيضًا مُرسَل باعتبار أن الله بعثه إلى قوم. ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا﴾ (سورة النحل: الآية 36). سيأتي بعد الفرق. لكن إذا أطلق الإرسال فإنه يدخل فيه النبي. ولهذا أنت إذا أرسلت إنسانًا إلى إنسان آخر، هذا يُسمى من جهة اللغة رسولاً. إيه، أيضًا رُسُل. باعتبار أنهم كُلِّفوا بأمر حتى يبلغوه. إذًا يا إخوة، الرسل يدخل فيها الأنبياء. وجاء في لفظ من ألفاظ حديث جبريل قال: «أن تؤمن بالله وملائكته والكتاب والنبيين». جاء في لفظ هكذا. واضح؟ فعبَّر بالنبيين، وهنا الأمر واضح؛ لأن كل رسول هو أصلاً نبي.

​وهذا يَجرُّنا إلى أمر آخر وهو الفرق بين النبي والرسول. ذكرنا لكم هذا مرارًا. من يعطينا؟ نراجع كثير من الأمور التي مرَّت معنا. طيب، أنت يسألك واحد الآن: ما الفرق بين النبي والرسول؟ ماذا تجيب؟ إذا ترددت، أنت غير ضابط للعلم. إيه، لا ينزل عليه كتاب. هذا قول صحيح. هذا قول. طيب. إيه، النبي يتبع الرسول من قبل، أي أن النبي لا يأتي بشريعة جديدة بخلاف الرسول يأتي بشريعته. وهذا أيضًا قول قال به بعض أهل العلم.

​طيب، القول الأَشْهَر ما هو؟ لا، قُل: الأَصَحّ. الأَشْهَر، لم أقل: الأَصَحّ. إيه. لا، الوحيد الذي أُرسل لجميع الناس هو النبي صلى الله عليه وسلم. ولا يَحسَبك حتى موسى غير الرسول. لا، نحن قلنا: القول الأَشْهَر بل النبي: من أُوحي إليه بشرع وأُمِرَ ولو لم يُؤمَر، والرسول: من أُوحي إليه بشرع أو بوحي عفوًا، وأُمِرَ بالتبليغ. هذا القول هو الأَشْهَر. جمهور العلماء يفرقون بهذا. يقولون: النبي لا يُؤمَر بالتبليغ – يعني بتبليغ الشرع – والرسول يُؤمَر بالتبليغ. ولهذا قال أهل العلم قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم نُبِّئ بـ ﴿اقْرَأْ﴾، وأُرْسِلَ بـ ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾. إيش معنى نُبِّئ بـ ﴿اقْرَأْ﴾؟ يعني لما نزلت عليه أول آية من القرآن صار نبيًا باعتبار نزول الوحي عليه. طيب، هل أُمر بتبليغ الشريعة حينها؟ لا، أُمِرَ بعد بقول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ (سورة المدثر: الآيتان 1-2). هنا صار رسولاً.

​ولكن هذا القول يا إخوة وإن كان مشهورًا عُورِضَ. من أكثر من عارض هذا القول؟ شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه النبوات – كتاب في مجلدين كبيرين – يقول شيخ الإسلام يقول: “إذا كان علماء هذه الأمة مأمورون بتبليغ الشريعة، والله تعالى توعد الذين يكتمون آياته بالعذاب الأليم”. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ * إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا﴾ (سورة البقرة: الآيتان 159-160). والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِن نارٍ». إذًا، الناس عمومهم مأمورون – من كان صاحب علم – بتبليغ الشريعة. فكيف الأنبياء لا يبلغون؟ إذًا قال شيخ الإسلام: لا يمكن لنبي أن يُوحَى إليه بوحي ولا يُؤمَر بتبليغه. واضح؟

​ولهذا استدرك على هذا القول وقال: “والفرق الجوهري بعد الاستقراء بين النبي والرسول أن النبي يُوحَى إليه ويُؤمَر بالتبليغ، كما أن الرسول يُوحَى إليه ويُؤمَر بالتبليغ”. والفرق بينهما أن النبي يُرسَل إلى قوم موافقين في أصل الدين، أي إلى أقوام موحدين مسلمين باعتبار الإسلام العام. فهمتم؟ بينما الرسول يُرسَل إلى قوم مشركين، أي مخالفين في أصل الدين. هذا هو الفرق الجوهري.

​افهم هذا بماذا؟ كانت بنو إسرائيل تَسُوسُهم الأنبياء: «كُلَّما ماتَ نَبِيٌّ قامَ نَبِيٌّ». بنو إسرائيل كانوا على الشرك عمومًا؟ لا. صدر منهم عبادة العجل وغير ذلك، لكن هذا متفرق. واللي كانوا على التوحيد والإسلام العام. لكن الأنبياء كانت فيهم كثيرة في الزمن الواحد، تجد كثير من الأنبياء. فهمتم لماذا؟ لأن هؤلاء الأنبياء كانوا يأتونهم ويذكرونهم بالله ويذكرونهم بالشريعة ويذكرونهم الاستقامة على أمر الله وغير ذلك. فهم كانوا يُبعَثون إليهم وهم موحِّدون. فهم. فلما جاء الشرك جاء الإرسال. ولهذا قلنا: آدم على الصحيح ليس برسول بل هو نبي.

​طيب، قلنا أول رسول من هو؟ نوح. طيب، لماذا نوح أول رسول؟ متى ظهر في قوم نوح؟ كان الناس على التوحيد حتى جاء الشرك في قوم نوح. سُئل ابن عباس: كم كان بين آدم ونوح؟ قال: «عشرةُ قُرونٍ» (ألف سنة). فهمتم؟ إذًا، ألف سنة والبشرية على التوحيد. كان فيهم معاصي وذنوب؟ كان. يعني قابيل – إن صحت التسمية – قَتَلَ أخاه هابيل. ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ (سورة الأحزاب: الآية 33). كانت هناك معاصي وذنوب، لكن الذنوب شيء والشرك شيء آخر. فلما ظهرت عبادة الصالحين: وَدّ، وسُوَاع، ويَغُوث، ويَعُوق، ونَسْر، أرسل الله حينها أول رسول إلى وجه الأرض وهو نوح عليه السلام.

​طيب، نختم بأمر هنا. لماذا قال العلماء: لا يُؤمَر بالتبليغ؟ وهؤلاء قالوا: يُؤمَر بالتبليغ. ذهب بعض أهل العلم إلى أن هذا القول صحيح إذا فَتَّشْنا ما هي المقصود بكلمة التبليغ هنا. قالوا بأن التبليغ الذي لا يُؤمَر به النبي ليس مجرد تبليغ الألفاظ. هذا لا يمكن. واحد يقول لك: “نبي يُوحَى إليه ولا تُبَلِّغ شيئًا”. ليس مقصود أهل العلم بهذا. هذا طبعًا من باب الاعتذار لذلك القول. لأن إذا قال به جماعة من أهل العلم لا بد أن يكون له مأخذ. ولا نَسْفَه كثير من العلماء حتى من المعاصرين من يقول بهذا. واضح؟ لكن من باب فَهْم ما أراد العلماء يُقال – وهذا قال به بعض أهل العلم – قالوا: يقصدون بالتبليغ: التبليغ الذي يصحبه إلزام وجهاد، وليس التبليغ الذي هو مجرد تبليغ الألفاظ. مجرد تبليغ الألفاظ هذا كله يشتركون فيه. غير أن الرسول إذا خالفه الناس له أن يقاتلهم أو أن يجاهدهم أو أن يُلزمهم. بخلاف النبي فهو يبلغهم تذكرهم ولا يُلزمهم الإلزام الذي يُلزِم به ذلك الرسول. فهمتم ولا؟ إذًا، أنتم ماذا تستفيدون هنا؟ تستفيدون بأن القول الأَشْهَر هو الذي ذكرت لكم في التفريق بينهما في مسألة التبليغ. أصح – والله أعلم – هو اختيار ابن تيمية وجماعة هو أن الفرق بينهما هذا يُبعث إلى الموحدين وهذا يُبعث إلى المشركين.

​هؤلاء الرسل يا إخوة بشر، ذكور، كَمَلَة من جهة الخَلْق والخُلُق، أحرار، لا يكونون عبيدًا. ولهذا يقول السفَّاريني في نَظْمِه:

​واشْتُرِطَ الإكرامُ بالنُّبُوَّةِ

حُرِّيَّةٌ ذُكُورَةٌ وقُوَّةِ.

 

​إذًا، لا بد أن يكون حُرًّا فلا يكون عبدًا. ثانيًا: أن يكون من وين؟ أن يكون ذَكَرًا ولا يكون امرأة، بخلاف ابن حزم الذي ذهب – رحمه الله تعالى – إلى أن مريم نبية. ومريم ما هي؟ صِدِّيقة. الله تعالى في أعلى مقام للثناء عليها قال: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ (سورة المائدة: الآية 75). مريم صِدِّيقة وليست بنبي. ليس في النساء نبوة، وإنما النبوة في الذكران. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ الله تعالى قال: ﴿إِلَّا رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِم مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ (سورة يوسف: الآية 109). ونستفيد من هذا أيضًا أن النبي لا يكون من أهل البادية، وإنما يكون من أهل القرى. واضح؟

​وها هنا استدراك لكن لا نذكره. طيب، وهو أن بعض أهل العلم قال: الله تعالى قال في قصة يوسف: ﴿وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ﴾ (سورة يوسف: الآية 100). طيب، عبد الله أعلم أنك تعلم الجواب. طيب، الإخوة، أترككم تبحثون عن هذه المسألة. واضح؟ لماذا الله تعالى قال في هذا؟ قال: ﴿وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ﴾. آية أخرى يقول في نفس السورة: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾. إذًا، كيف نقول بأن النبي لا يكون من البادية والله تعالى يقول: ﴿وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ﴾؟ طيب، أنا أفيدكم: ارجعوا إلى كتاب أضواء البيان للشنقيطي أو له أيضًا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب للشنقيطي. طيب، ذكرت لكم الكتاب، دبّروا روسكم أنتم الآن. من وجد الجواب فليخبرني.

​إذًا، الأنبياء ذكور، أحرار، أصحاب قوة، وكَمَلَة من جهة الخَلْق والخُلُق، ولا يكونون كما قلت لكم نساء. ويكون النبي أيضًا من أشرف الناس نسبًا ولا يكون النبي مثلاً والعياذ بالله من زنا مثلاً. أبدًا لا يمكن هذا. ولهذا يقول القحطاني عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:

​الطاهر الزاكي الذي لم يجتمع

يومًا على زلل له أبوان.

 

​ولهذا قال أصحاب ثمود: ﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ (سورة هود: الآية 62). يعني قالوا: يا صالح، أنت كنت مُعظَّمًا عندنا. وكذلك شعيب كان مُعظَّمًا عندهم. ولوط كان مُعظَّمًا عندهم. وإبراهيم وهكذا. فالأنبياء يا إخوة دائمًا إذا رأيت سيرتهم قبل البعثة تجد أنهم أكرم الناس وأشرف الناس وأعلى الناس قدرًا. لكنهم إذا صارحوا أقوامهم بالعقيدة الصحيحة وقعت فاصلة. يعني اليوم كان صالحًا، غدًا يصبح أكذب الناس. اليوم كان صادقًا أمينًا، غدًا ساحر ومجنون. ليش؟ لأن مسألة – ولا هو هو نفس الشخص. وهذا فصَّلناه لكم في أكثر من موطن في السيرة النبوية.

​إذًا، الأنبياء يا إخوة هم أكمل الناس. ووظيفتهم الأساس ما هي؟ أجيبوا. وظيفة النبي الأساس ما هي؟ تبليغ الشريعة. وخاصة تذكير الناس بالواجب الأعظم، وهو أن يعبد الله وحده لا شريك له: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ (سورة الأعراف: الآية 65). ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ (سورة الزخرف: الآية 45).

​النبي صلى الله عليه وسلم قال: «نحنُ معاشِرَ الأنبياءِ إخوةٌ لِعَلَّاتٍ» (ما معنى عِلاَّت؟ يفسره تتمة الحديث) «الأبُ واحدٌ والأُمَّهاتُ مُختلفةٌ». يعني الإخوة الإخوة من بابا هم الإخوة عِلاَّت. فهمتم؟ إذًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «دينُنا واحدٌ وشرائعُنا شَتَّى». ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ (سورة المائدة: الآية 48). الشرعة والمنهاج والسنة والطريقة والمسائل العملية هذه يختلف فيها الأنبياء. فربما كان أمرًا يعتبر من الإسلام الآن، يأتي النبي بعده ينسخه. هؤلاء عظَّموا السبت، وهؤلاء عظَّموا الأحد، ونحن نعظِّم الجمعة. فانت الآن لو جئت تتعبد بعبادة خاصة يوم الأحد يجوز لك؟ لا يجوز. كان الناس يعظمونه. والسبت يعظمونه غيركم. أنت لست مطالب به ولست مخاطبًا به أصلاً. فيكون الإسلام في وقت دون وقت من جهة الأمور العملية. لكن من جهة الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر، لا تختلف. هذه أصول الأنبياء التي كلهم دعوا إليها. فهمتم؟ فهذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «دينُنا واحدٌ وشرائعُنا شَتَّى». أي أن الدين وهو التوحيد واحد، والشرائع شتى.

​بقيت دقيقتان نختمها في أمر، وهو أن الأنبياء يا إخوة يأتون إلى أقوامهم بأمر عظيم، وهو أنهم يأتونهم بما يخالف ما عليه الأقوام من عادات وتقاليد، فالناس يكذبونهم. وحتى يصدقهم الناس، يُجري الله تعالى على أيديهم آيات عظيمة، وهي التي تسمى بماذا؟ بـ المعجزات. ويُرسل الله تعالى النبي بمعجزة هي على سياق ما عليه قومه. ولهذا لما فَشَا السحر في قوم فرعون، أرسل الله موسى بأمر ظاهره سحر وهو حقيقة. ولهذا لما رآه السحرة فإن الأفعى ﴿تَلْقَفُ مَا صَنَعُوا﴾ (سورة طه: الآية 69). هم خَرُّوا لله جل وعلا سُجَّدًا. بينما هم لما ألقوا حبالهم، قال تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (سورة طه: الآية 66). قال: يُخَيَّل. لكن لما ألقى موسى قال: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا صَنَعُوا﴾. تأكله حقيقة. والعارف يعرف. ولهذا الجاهل قد يقول: كل سحر. لا، هؤلاء سحرة. يعرفون بأن هذا ليس بالسحر.

​وعيسى عليه السلام جاء في قوم عندهم ماذا؟ طِب وبراعة، فجأة يُبرئ الأكمه والأبرص ويُحيي الموت بإذن الله. والأكمه من هو يا إخوة؟ وُلِدَ أعمى. وهذا يصعب برؤه بخلاف الذي طرأ عليه العمى بعد. فإبراء عيسى للأكمه معجزة عظيمة، هي من جنس ما عند القوم.

​حتى بَعَثَ الله نبيَّه محمدًا صلى الله عليه وسلم بـ القرآن. نقف هنا بإذن الله تعالى؛ لأن الوقت دخل، وهذا ما نُكمله إن شاء الله تعالى في الدرس القادم. نستأنف كما قلت لكم السيرة مباشرة بعد إنهاء حديث جبريل حتى لا ننقطع عنه. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.


اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *