الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
إذا ما زلنا مع حديث جبريل عليه السلام، وصلنا عند قوله: “ما الإيمان؟” فقال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره». تكلمنا في الدرس الأول عن الإيمان بالله وتوقفنا هناك. وفي الدرس الماضي، تكلمنا على الإيمان بالملائكة والكتب، وبدأنا الكلام على الإيمان بالرسل ووقفنا عند الكلام على معجزات الأنبياء.
وقلنا: إن الله تعالى من رحمته بخلقه، أنه يؤيد الأنبياء بآيات باهرات ومعجزات ظاهرات، حتى يبين القوم للناس. ولهذا لو تأملت القرآن، نجد أنه إذا كان المشركون هم الذين طلبوا الآيات، ينزل الله عليهم الآيات، فإذا كذبوا جاء بعدها العذاب. لهذا لما طلبت قريش كثيرًا من الأمور، لم يستجب الله تعالى لهم إلا في أمور نادرة، كـ انشقاق القمر. وإلا، النبي صلى الله عليه وسلم، الله تعالى لم يستجب لهم؛ لأنه لو نزل عليهم تلك الآيات التي طلبوها لحل عليهم العذاب فيما بعد. وقد كتب الله عنده بأنه لن يهلك هذه الأمة هلاكًا عامًا.
لهذا، أعظم معجزة نزلت على نبي هي القرآن العظيم. ذكرت لكم في الدرس الماضي أن معجزة موسى عليه السلام كانت من جنس ما عليه قومه من السحر، ومعجزة عيسى عليه السلام كانت من جنس ما عليه قومه من الطب والبراعة في مداواة الناس. وهكذا، معجزات الأنبياء تأتي صُلب الوضع الذي أُرسل فيه ذلك النبي. النبي يُرسل بلغتهم ومنهم، وبآيات يفهمونها.
ولما كان العرب أصحاب فصاحة وبيان على وجه لم تسبقهم إليه أمة، فإنه لا تجد أمة على وجه التاريخ برعت في اللغة التي تتكلم بها كما كان العرب قد برعوا في لغتهم وهي العربية. بل كانوا يعظمون اللغة على شكل نجد أن بيتًا واحدًا يرفع قبيلة، وبيتًا واحدًا يحط قبيلة. ولربما نشبت حرب دامت سنوات من أجل بيت هجا فيه أحد. بل من براعة العرب أنه ربما تكلم متكلم بكلام، يفهمه واحد على أنه مدح، ويفهمه آخر على أنه قدح؛ لأن العرب يلعبون بالكلام كما يشاؤون.
فجاءهم القرآن باللغة التي يتكلمون بها وبالحروف التي ينطقونها. ولهذا تجد ﴿الٓمٓ﴾، ﴿الٓر﴾، ﴿كٓهيعٓصٓ﴾؛ هذه ما معناها؟ هذه لا معنى لها في نفسها، وإنما أُنزلت لغاية، وهي بيان أن هذا القرآن الذي عجزتم على أن تأتوا بمثله فضلاً عن أقل من ذلك، أو عن مثله، هذا متكون أو مُتكلَّم به بحروف أنتم تؤلفون منها أشعاركم وخطبكم ومعلقاتكم وغير ذلك. وهذا الباب باب طويل، ولعل الله تعالى ييسر كلامًا فيه مُطولاً من جهة أوجه البلاغة في هذا الكتاب العظيم.
فأرسل الله جل وعلا نبيه بهذا القرآن الذي قالوا عنه ما قالوا: إنه سحر، إنه كهانة. ومنصِف قريش قالوا: هذا ليس كهانة وليس سحرًا ولا شيء، حتى لما رآه الوليد بن المغيرة قال: “إنَّ عليه لحلاوةً، وإنَّ له لطلاوةً”. قالوا: “لا بد أن تقول فيه قولاً”. قال: “قولوا: سحر”. يعني أسهل ما أجد لكم أن تقوله هو. وإلا، أقر المشركون بأن هذا الكلام لا يكون إلا من عند الله.
ثم هم فرقوا جيدًا بين كلام النبي صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلامه هو والقرآن. ولهذا أنت إذا قلت لك: «إنما الأعمال بالنيات»، كلام عظيم لكنه ليس قرآنًا. إذا قلت لك: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (سورة البقرة: الآية 2)، ايش تفهم؟ هذا قرآن. لفظ القرآن وسبك القرآن غير الحديث وغير ذلك. بل كلام الله تعالى الذي هو القرآن، غير كلام الله تعالى الذي هو الحديث القدسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ (سورة البقرة: الآية 255). هذا، «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم حرامًا فلا تظالموا». هذا ما هو؟ تختلف. الكل من عند الله، لكن الله تعالى قال القرآن على وجه يُعجزهم به. ولهذا لا يمكن أن يأتي أحد بمثل هذا القرآن، وقد حاول بعضهم ما حاول.
ولهذا يقول، وهو عالم شاعر أديب من تونس توفي سنة أربعمائة وستة من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، أي: من علماء القرن الخامس، له قصيدة يا إخوة رفيعة في مدح النبي صلى الله عليه وسلم وهي للأسف مجهولة، قليل من يعرفها. هذه القصيدة التي تسمى بـ “الشقراطية”، يقول فيها يقول عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
أَعجزت بالوحيِ أربابَ البلاغةِ فيك عصرَ البيانِ فضلتْ أوجُهُ الحِيَلِ
سألتهم سورةً في مثلِ حكمتِهِ فَتَلَهَّمُوا عنه حينَ العجزِ حينَ تُلي
فَرَامَ رجسٌ كذوبٌ أن يعارضَهُ بضَحْضِ قولٍ بِسُخْفِ إفكِهِ لم يحصلِ
ولم يُطلْ مثبّتٌ بركيكِ الإفكِ مُلتبسٌ مُلَجْلَجٌ بِرَذِيِّ القولِ والخَطَلِ
يَمُجُّ أولَ حرفٍ سَمعَ سامعُهُ ويعتريهِ كلالُ العجزِ والمَلَلِ
يعني تسمع حرف، تعلم أن هذا كذاب. واضح؟ ويسمي كلامه قرآنًا. ولهذا لما سمعه أبو بكر، كان لا يمكن أن يكون هذا كلامًا لله. يأتي إلى سورة العصر يغير فيها كلمتين ويقول: هذا قرآن جديد.
من الطرائف التي قرأتها في بعض كتب الأدب، بعضهم جاء بسورة قريبة من سورة الكوثر. ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ (سورة الكوثر: الآية 1). هو قال شيئًا من هذا، يعني سُخف لا يُحكى أصلاً، يعني يضحك عليه الناس. أُوشي به إلى خليفة أظنه كان في عهد الدولة العباسية، ففعل به السلاطين ما ينبغي. كل من ادعى النبوة فإن تاب وإلا قُتِل. فاستتابه فلم يرد، فقتله وصلبه أمام الناس، حتى يرى الناس حاله ويتعظ به. فمر عليه أحدهم وهو مصلوب، وقلت لكم: يعني جاء بصورة قريبة من سورة الكوثر، رأوه مصلوب على عود، وقال له: “أنا أعطيناك العود، فصل لربك من قعود، وأنا ضامن لك ألا تعود”. يستهزئ به هذا الخبيث. يعني قال: الآن ينفعك القرآن؟ لا ينفعك.
ذكرت لكم مرارًا بأن ميرزا غلام أحمد القادياني الذي ادعى النبوة، وين مات؟ عند مرض الكوليرا. كان يتقيأ في المرحاض، فمات في المرحاض. وقال أحد علماء الهند: “نحن معاشر الأنبياء ندفن حيث متنا”. صح ولا؟ النبي. لكنه كذاب، وأتباعه كذابون. وما من رجل يدعي النبوة يا إخوة إلا يفضحه الله تعالى.
ولهذا يقول ابن أبي العز واستفاد من شيخ الإسلام، ابن أبي العز قال في شرح الطحاوية، شيخ الإسلام قالها في إما الاصفهانية أو في الجواب الصحيح، قال: “والنبوة يدعيها أصدق الصادقين وأكذب الكاذبين، ولا يلتبس حال هذا عن حال هذا إلا على أجهل الجاهلين”. لا يمكن أن لا يفرق أحد بالنبي وبين كذاب.
ولهذا ذكرت لكم في السيرة أن عبد الله بن سلام رضي الله عنه وكان حبرًا يهوديًا عالمًا بما عندهم، لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة رآه، قال: “لما رأيته علمت أن وجهه ليس بوجه كاذب”. لا يمكن. ثم سأله أسئلة فأجاب. لكن هو من مجرد رؤيته قال: هذا لا يمكن أن يكون وجه كاذب. ولهذا يقول عبد الله بن رواحة يمدح النبي صلى الله عليه وسلم قال:
لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بَديهتُه تأتيك بالخبر
مجرد رؤية النبي صلى الله عليه وسلم تعلم بأنه نبي حقًا.
ولهذا يا إخوة، مسيلمة الكذاب كان يريد أيضًا أن يحاكي معجزات النبي صلى الله عليه وسلم. وأُتي إليه بصبي فيه شعر قليل لكن شعره لا ينبت، فمسح عليهم مسيلمة فصار أقرع. وجيء له برجل أعور أحسن من العمل، يعني يشوف بعين واحدة، مسح عليه مسيلمة عمي بالكلية. ونادى واحد مسيلمة قال: “هذه البئر لا تخرج الماء”. وبصق مسيلمة فيها فغارت كاملة، ولم يبق فيها ولا قطرة ماء. وهذا يشير إليه الشقراطي رحمه الله تعالى في قصيدته. لما تكلم على معجزات النبي صلى الله عليه وسلم قال في مسيلمة قال:
أَمَرْتَ البئرَ بل غَارَتْ بِمَجَّتِهِ فيها وأَعمى بَصيرَ العينِ بالتَّفَلِ
فهمتم؟ يعني الصبي أعمى. مسيلمة بمجرد أن تَفَلَ على عينيه هذا الخبيث. ولهذا مسيلمة الكذاب يا إخوة اقرأوا كيف مات. كان يرشد أتباعه يقاتلون الصحابة وهو متخَبِّئ وراء حائط. هذا لا يمكن أن يكون نبيًا. فيه نبي يخاف من الناس؟ كان علي رضي الله عنه يقول: “كنا إذا حمي الوطيس احتمينا بالنبي صلى الله عليه وسلم”. شفتم؟ الناس يفرون، النبي صلى الله عليه وسلم لا يفر. يعني كلهم قد يخافوا، النبي واقف لا يخاف. وهذا بلهاوي. ولهذا كان يقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». أما مدعيها هو كذاب، فهمت؟ طالب دنيا. ومن تأمل فيكم التاريخ وجد قصصًا كثيرة اقرؤوها، تعلموا بها صدق النبي صلى الله عليه وسلم. لأنها على قدر معرفتك بالباطل، يزداد تعظيمك للحق.
ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أيده الله تعالى بهذه المعجزة وهي القرآن. ولعظمة معجزة القرآن، ولتعظيم هذا الدين، ولعظمة هذا النبي، كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس تابعًا يوم القيامة. ولهذا النبي في الصحيح ايش قال؟ «ما من نبي إلا وقد أُعطي من الآيات ما على مثله آمن البشر». لا بد الله تعالى أن يُرسل آيات ومعجزات حتى يصدق الناس أن هذا نبي.
احنا تكلمنا معكم مرارًا على كرامات الأولياء. كرامات الأولياء شيء، معجزات الأنبياء شيء آخر. معجزات الأنبياء شيء خارق للعادة في كل الأزمان، شيء عظيم لا يمكن أن يُتصور. ولهذا واحد ربما يقول: “يقول: لكن من هذه الأمة من وقعت له أمور مثل معجزات الأنبياء”. مثلاً رُمي أبو مسلم الخولاني في النار، أوصي لابن أشيم نسيم ولم يحترق، وكذلك إبراهيم عليه السلام رُمي في النار ولم يحترق. الجواب أن يقال: فرق كبير بين النار التي رُمي فيها إبراهيم والنار التي رُمي فيها بعض التابعين. معجزات الأنبياء أعظم بكثير جدًا من كرامات الأولياء. بل كرامات الأولياء هي جزء من آيات الله تعالى وتأييده للأنبياء. وهذا بحث في غير هذا الموطن. لكن فقط أشرت إليه.
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما من نبي إلا وقد أعطاه الله من الآيات ما عليه آمن الناس، أو البشر. وإنما كان الذي أوتيته وحيًا يوحى، وأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة».
إذًا، نستفيد من هذا الحديث أمور:
- الأمر الأول: أن الأنبياء جميعًا قد أيدهم الله تعالى بآيات وبراهين ومعجزات.
- الذي أُعطيه النبي صلى الله عليه وسلم وهو أعظم معجزاته، وإلا النبي صلى الله عليه وسلم معجزاته كبيرة، كتب فيها البيهقي مجلدات (دلائل النبوة)، لكن أعظمها القرآن.
- الثاني: أن أكثر الأنبياء تابعًا هو النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا نصف أهل الجنة من هذه الأمة. فضل الله واسع.
- ولهذا هذه الأمة هي آخر الأمم زمنًا، ولكنها أكثر الناس دخولاً إلى الجنة، وهي آخر الناس زمنًا وأولها دخولاً إلى الجنة، وأولها حسابًا وأعظمها قدرًا. ولهذا قال تعالى: ﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ (سورة الحجر: الآية 2). إما بالإسلام العامي أو الخاص، والخاص أولى. فهمتم؟
إذًا، هذا الحديث بين فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن من أعظم معجزات الأنبياء القرآن. ولهذا يقول سالم بن عبدود رحمه الله تعالى في نَظْمِه مجمل اعتقاد السلف – وإن شاء الله تعالى سنشرحه، وهو نَظْم بديع في عقيدة السنة والجماعة، جعله مقدمة لمختصر خليل، وقد نَظَمَ مختصر خليل فيما أذكر في أحد عشر ألف بيت، أحد عشر ألف شيء رهيب. قدم بمقدمة فيها مئة وزيادة سماها: مجمل اعتقاد السلف. منظومة بديعة في الاعتقاد – كان مما قال فيها رحمه الله تعالى قال: كان يقول:
والرُّسُلُ حَقٌّ والنَّبِيُّ العَرَبِيُّ أَعلاهُمُ واللهُ فَاتَنِي البيتَ
ثم يقول وهو الذي يَعْنِينَا، يقول:
وكُلُّهُم أُوتيَ إذْ جاءَ بالشِّرْعِ ما مِثْلُهُ عليهِ آمَنَ البَشَرُ
وإِنَّمَا كانَ الَّذِي أوتَاهُ هو النَّبِيُّ أُوتِيَهُ وَحْيًا إِليهِ اللهُ أَوْحَاهُ
فهو أكثرُ الجماعةِ مُتَّبَعًا يومَ تقومُ السَّاعةُ
فهمتم؟ هو ساق معنى ماذا؟ معنى الحديث الذي ذكرته لكم الآن.
الأنبياء يا إخوة والمرسلون يتفاضلون. الآن في صلاة المغرب، الآية التي قُرِأت في البقرة: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ (سورة البقرة: الآية 253). قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (سورة الإسراء: الآية 55). فبين الله تعالى في كتابه في موضعين أن الأنبياء والمرسلين يتفاضلون.
كم عدد الأنبياء؟ مئة وأربعة وعشرون ألفًا يا إخوة. ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ (سورة فاطر: الآية 24).
ها هنا سؤال لمسألة تُعرَض: هل يمكن لـ بوذا أن يكون نبيًا؟ بعض الناس يقول: “ربما بوذا كان نبيًا قديمًا”. أنتم ماذا ترون؟ محمد يقول: كلا. طيب لماذا؟ لأنه قد يكون قبل النبي صلى الله عليه وسلم قديم. يعني من قرأ ما ترك بوذا… أنا مرة ذهبت إلى ألمانيا وكنت في الفندق، فتحت الدرج اللي على اليمين وجدت فيه التوراة، يعني الإنجيل اثنين، وفتحت الدرج الأيسر ووجدت كتاب بوذا. يعني العدو من أمامهم هو يعني تحصرت بالاثنين. لكن على الأقل الكتاب التوراة فيه شيء من الحق لكن حُرِّف. هذا باطل محض. فتعجبت وجدت هذا وهذا. أي نعم، لا هو لا يُقرأ، أنا لم أقرأه ولم أفتحه أصلاً، كان بالألمانية ولا أحسنها، لكن آآ يعني ارتحنا. لكن تعجبت يعني وجدت هذا وهذا، وتعجبت أن كتاب بوذا موجود في فندق، ليش؟ لأن هذه الديانة موجودة. تعلمون في آسيا أن هذا موجود.
بوذا يا إخوة، أفتى العلماء منها فتوى موجودة محررة للجنة الدائمة، سُئلت: هل بوذا هذا يمكن أن يكون نبيًا؟ قالوا: لا يمكن. لأن من تتبع الكلمات التي تركها بوذا، كلها شرك وكفر بالله جل جلاله. كلها كفر وشرك بالله. إذًا، لا يمكن أن يكون نبيًا. بخلاف اليهود والنصارى الذين أصل دينهم التوحيد ثم حُرِّف. التوراة والإنجيل لا تجد الشرك في كل صفحة، بخلاف بوذا هذا مبني على الشرك والكفر ونظريات غريبة. ولهذا لا يمكن أن يكون هذا الرجل نبيًا.
لكن ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾. وعدد الرسل كم يا إخوة؟ ثلاثمئة وخمسة عشر. يعني في حديث: «هم عِدَّة أهل بدر»، وأهل بدر كانوا هكذا يعني ثلاثمئة وأربعة عشر أو ثلاثمئة وخمسة عشر. إذًا، الرسل أقل من الأنبياء بكثير. ليش؟ لأن كل رسول هو نبي، وليس كل نبي رسول. إذًا، عندنا الرسل أفضل من الأنبياء.
طيب، في هؤلاء الرسل من أفضلهم؟ خمسة. قبل ذلك، من هم أولو العزم من الرسل؟ ذكروا في الأحزاب وذكروا في الشورى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ (سورة الشورى: الآية 13). ماذا أوصاهم الله؟ ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (سورة الشورى: الآية 13). إذًا، أفضل الرسل يا إخوة هم أولو العزم من الرسل وهم الخمسة.
طيب، أفضل هؤلاء الخمسة من هم؟ النبي صلى الله عليه وسلم بالاتفاق ولا خلاف فيها. طيب، بعده إبراهيم عليه السلام. بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في دعاء حديث الشفاعة قال: «حتى إبراهيم يقول كيت وكيت». فقول “حتى إبراهيم” دليل على أن إبراهيم أفضل الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا أول من يُكسى يوم القيامة من هو؟ إبراهيم. ذكرت لكم في دروس المزني في اليوم الآخر بأن كسوة إبراهيم عليه السلام قبل النبي صلى الله عليه وسلم لا تعني أنه أفضل، فإنه قد يكون قد كُسِيَ لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرى أصلاً. فهمتم؟ وقد يكون كُسِيَ لباسًا بعده، لكن كسوته أكمل. إلى غير ذلك من الأوجه المعروفة في هذا الباب.
الأمر النبي الثالث من هو؟ على الصحيح، لأنه كليم الله تعالى وعنده عند الله جل وعلا قدر عظيم. بقي من؟ عيسى عليه السلام ونوح. واختلف العلماء في المفاضلة بينهم. والله أعلم بذلك. لكن الذي يعني كلام العلماء كثير حوله، طبعًا النبي صلى الله عليه وسلم هذا واضح، ثم إبراهيم ثم موسى. أما عيسى ونوح عليهم السلام جميعًا فهذا قد يقع فيه الخلاف والأمر واسع. ولكل عند الله جل وعلا قدر عظيم.
إذًا، هذه المفاضلة بين الرسل. وها هنا مسألة يا إخوة، وأنا أورد عليكم الأسئلة إتمامًا لما ذكرنا؛ لأن بعض المسائل ربما مُفصَّل فيها في الكتب الأخرى. نستغل هذه الفرصة. ولكن لا نريد أن نخرج كثيرًا عن حديث جبريل.
من المسائل التي يعني تُبحث هنا: النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تفضلوني على يونس ابن متى»، أو قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تفاضلوا بين الأنبياء». أو النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يقل أحدكم أنا خير من يونس بن متى». فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المفاضلة بين الأنبياء. طيب، كيف نهى النبي صلى الله عليه وسلم على أن نقول: فلان أفضل من فلان؟ مع الآيات والأحاديث التي تبين أن بعضهم أفضل من بعض؟ كيف نجيب على هذا؟
جوابًا يُقال: معرفة السبب تورث العلم بالمُسَبَّب. ما هي القصة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم هذا؟ قال: واحد من اليهود ورب موسى. فلطمه المسلم وقال: “كيف تقول: ورب موسى والنبي صلى الله عليه وسلم موجود؟” هذا خطأ لا شك؛ لأن عائشة رضي الله عنها كانت إذا غضبت على النبي صلى الله عليه وسلم ايش تقول؟ “ورب إبراهيم”. وهو النبي لم يستدرك عليها. لأن الله تعالى رب الكل، واضح؟ الصحابي ظن بأنه لا يقال: ورب موسى والنبي، فلطمه. فهنا النبي صلى الله عليه وسلم نَوَّهَ عن المفاضلة بين الأنبياء.
وأما قوله على يونس ابن متى، فهذا ظاهر. لأن بعض الناس لما قرأ قول الله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ (سورة الأنبياء: الآية 87). فظن أن خروج يونس من قريته قبل أن يأذنه الله بأن العذاب قد نزل إليهم فيه التنقيص من أجر يونس عليه السلام. فلما خاف النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوهم بعض الناس بأن يونس درجته أقل أو غير ذلك، قال: «ولا يقل أحد منكم أنا خير من يونس ابن متى». واضح؟
ولهذا العلماء حملوا هذا الحديث على عدة أمور، نذكر بعضها:
- الأمر الأول: أنه لا يجوز المفاضلة بين الأنبياء على سبيل التعصب والذم لأحد من الأنبياء. فهمتم؟ يعني لا يكون هذا على وجه التعصب. تأتي أنت نبي أفضل هو يسب نبيك، ربما أنت تخطئ تسب نبيه. هو أصلاً كافر، وأنت إذا سببت نبيًا كفرت. واضح؟ من كذب برسول واحد كذب بالكل. من سب رسولاً واحدًا سب كانه سب الكل. لا نفرق بين من سب عيسى عليه السلام وبين من سب النبي صلى الله عليه وسلم، الكل كفر.
- والوجه الثاني الذي ذكرته لكم: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقولن أحدكم أنا خير من يونس بن متى»، يعني ليس واحد من آحاد المسلمين هو أفضل. فقول النبي: «لا يقول أحدكم أنا»، لا يقصد نفسه، وإنما يقصد المتكلم. يعني: ولا واحد فيكم يجرؤ ويقول: أنا خير من يونس ابن متى. فالكلام ليس على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا الكلام على آحاد المسلمين. من الذي يمكن أن يقول: أنا خير من واحد من الأنبياء؟ لا يمكن. إلى أجوبة أخرى ذكرها أهل العلم في موطنها.
المسألة الأخرى يا إخوة، وهي أن عليهم السلام واسطة بين الحق والخلق. صحيح ولا؟ هذه الوساطة ما بين الحق والخلق ألَّف فيه شيخ الإسلام ابن تيمية رسالة موجودة ومعروفة، بيَّن فيها أن الناس قد افترقوا في هذا الباب إلى ثلاثة أصناف:
- الصنف الأول: قوم غلوا في الوساطة، ويقابلهم قوم جفوا في الوساطة، وتوسط أقوام فتوسطوا في الوسط.
- الذين غلوا: كالنصارى من مبالغتهم في الوساطة قالوا: عيسى ابن الله. وكالمشركين عظَّموا الصالحين حتى عبدوهم من دون الله. شفتم الغلو في الوساطة؟ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (سورة الزمر: الآية 3). فهذا كفر بإجماع المسلمين.
- والثاني: قوم آخرون جفوا، قالوا: نحن لا نحتاج الأنبياء. فألغوا هذه الوساطة. ولهذا تجد الواحد فيهم يقول: “أنا الدين أؤمن بأن النبي صلى الله عليه وسلم موجود، لكن شرعه لا يَعنيني. أنا عندي عقل وأستطيع أن أهتدي”. وهذا الكلام كفر ولا كفر؟ وزندقة. بل عدَّه العلماء من نواقض الإسلام. الذي يقول: يسعني أن أخرج عن شريعة النبي صلى الله عليه وسلم كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى. ولهذا يقول أهل العلم: “العقل العين العين في الظلام ترى، لا، لا بد من نور الوحي حتى تُبصر العين الطريق”. العين وحدها والعقل وحده لا يمكن أن يهتدي. طيب، أنت لو لم يأتيك النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينزل، ولم ينزل الله تعالى علينا القرآن، كنت تعلم بأن أركان الإسلام خمسة؟ لا يمكن. وقت الصلاة هذا تعلمه؟ لا يمكن. العبد يهتدي إلى وجود الله عمومًا. ولكن لا يمكن أن يهتدي إلى تفاصيل العبادة إلا عن طريق الأنبياء والمرسلين.
- فالقوم الذين توسطوا هم أهل الحق. قالوا: الرسل واسطة في تبليغ الشريعة، في أنهم يبلغوننا الوحي، ولكننا لا نحتاج واسطة في دعاء الله وفي عبادة الله. ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (سورة البقرة: الآية 186). ولهذا روى أحمد في مسنده أن رجلاً أخطأ أمام النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “تُب”، أو استدرك عليه أو شيء من هذا. فقال الرجل: “اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم”. فنظر إليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «هذا رجل عرف الحق لأهله». ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: “لماذا لم تتب إلي؟” كما يقول بعض المتصوفة: “افعل ما تريد، تعال عندي وأنا أتكفل بالأمور”. أو كما يفعل النصارى: ادخل الغرفة وتكلم بذنبك، سترك الله. لكن أن تفضح نفسك وهو يقول وادفع مالاً، خلاص غُفِرَ ذنبك. هذا الدين ليس عندنا.
احنا نقول بأنه في العبادة لا تحتاج واسطة. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم الآن ميت في قبره. طيب، إذا ذهبت إلى قبره ما عدا السلام عليه، لا تفعلوا شيئًا. لن ينفعك في شيء. تدعو النبي صلى الله عليه وسلم لا يجوز. طيب، إن قال قائل: “الله تعالى يقول في القرآن: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ (سورة النساء: الآية 64).” ولهذا الله تعالى قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا﴾، إذْ أي في ذاك الوقت. طيب، الصحابة أخطأوا بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ووقعت منهم ذنوب ولا؟ طيب، ذهبوا إلى قبره؟ أبدًا، لا يمكن. الصحابة وقعوا في مآزق عظيمة، واحتاروا، واختلف أبو بكر وعمر في أمور. الصحابة بشر، وصار بينهم خلاف في أمور. لم يذهبوا إلى قبر النبي يقولون له: “يا رسول الله، احنا اختلفنا، ما الحل بيننا؟” إنهم وحدوا الله تعالى وعرفوا أن هذا الحق لا يكون إلا لله. لله حق لا يكون لعبده، ولعبده حق. هما حقان:
حقُّ الإلهِ عبادةٌ بالأمرِ لا بِهَوَى النُّفوسِ فذاكَ للشَّيطانِ
من غيرِ إشراكٍ بهِ سَبَباً هُما نَسِيتُ الباقِي أَنْتُم مِنْ غَيرِ إِشْراكٍ بِهِ شَيْئًا هُما سَبَبُ النَّجَاةِ فَحَبَّذَا سَبَبانِ
فابن القيم رحمه الله تعالى فَرَّق بين الحقين. والإخوة لا تستغربوا بأن واحد ينسى بيتًا. العلم لا بد من مذاكرته. فالعلم إذا تتركه في مكان، لا، العلم ليس لك بينك وبينه أي نسب. فهمتم؟ يعني تخلي البيت بعد عامين ثلاثة، اللهم إنسان عنده ذاكرة عجيبة، هذاك قليل. أما أنتم وأنا فليس لنا إلا أن نذاكر العلم مرة بعد مرة، وإلا ذهب. وأعظم العلم كتاب الله جل جلاله.
المسألة التي تليها وهي أسماء الأنبياء يا إخوة، الله جل وعلا ذكر بعض أسماء الرسل وأخفى عنا الكثير: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ﴾ (سورة النساء: الآية 164). والذين ذكرهم الله جل وعلا في كتابه كم هم؟ خمسة وعشرون نبيًا ورسولاً. هؤلاء ذكروا في آية الأنعام. قال جل وعلا:
﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ (سورة الأنعام: الآيات 83-86).
هؤلاء الثمانية عشر الذين ذكروا في آيات الأنعام. كم بقي؟ سبعة. تحفظ بيتين تحفظه. يقول الناظم في:
فِي تِلكَ حُجَّتُنَا مِنْهُم ثَمَانِيَةٌ مِنْ بَعْدِ عَشْرٍ وَيَبْقَى سَبْعَةٌ وَهُمُ
إِدْرِيسُ هُودٌ شُعَيْبٌ صَالِحٌ وَكَذَا ذُو الْكِفْلِ آدَمُ بِالْمُخْتَارِ قَدْ خُتِمُوا
سبعة ذكروا قبل الثمانية عشر، صار العدد كم؟ خمسة وعشرين. فـ أنت تحفظ آية الأنعام وتحفظ سورة الأنعام وتحفظ البيت، تستطيع أن تستذكر به هذه الأمور. البيت ذكره شارح جوهرة التوحيد، لكن لم ينسبه. والله أعلم بقائله. جوهرة التوحيد متن على عقيدة الأشاعرة للقاني، شرحه اللقاني نفسه وشرحه والشرح المنتشر وشرح البيجوري وكان على عقيدة الأشاعرة. لكن عقيدة الأشاعرة تعرف أنهم يوافقون أهل السنة في أمور ويخالفون في أمور. في مسائل النبوات كثير من الأمور جيدة، توافق ما عليه أهل السنة والجماعة، فيُؤخذ منه بهذا القدر. لكن الكتاب أصله للشاعر، ولهذا لم أنسبه في البداية. فهمت؟ لهذا يا إخوة، أسماؤهم هؤلاء هم الذين ذُكِروا عليهم الصلاة والسلام.
المسألة الأخيرة قبل أن نمر إلى الباب الذي بعده، وهي أن الجن يا إخوة هل فيهم رسل ولا ماذا فيهم الجن؟ أيها الصالحون الطالحون أيضًا. لكن بالنسبة للرسالة ما الذي فيهم؟ النُّذُر. ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾ (سورة الأحقاف: الآية 29). فهم سمعوا كلام النبي صلى الله عليه وسلم وبلغوه إلى أقوامهم. فليس في الجن رسل ولا أنبياء على الصحيح. والمسألة فيها خلاف. لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ﴾.
وهل الجن يدخلون الجنة والنار ولا؟ أما النار فبالإجماع. ﴿لِأُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ (سورة الأعراف: الآية 38). إذًا، هم في النار بإجماع المسلمين. اختلف السلف والخلف في مسألة وهي، والخلف قليل، لكن عند السلف خلاف: هل الجن في الجنة مؤمنهم في الجنة ولا؟ والجواب: جمهور أهل العلم على أنهم في الجنة. واضح؟ الدليل في سورة الرحمن: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ (سورة الرحمن: الآية 46). ومن هنا موصولة من صيغ العموم، والآية وسورة الرحمن تخاطب الإنس والجن. ولهذا يقول: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا﴾ (سورة الرحمن: الآية 13). هذا قال: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ (سورة الرحمن: الآية 33). فالكلام على الإنس والجن. وفي نفس السورة قال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾. إلى أدلة أخرى ليس هذا موضع بحثها. لكن الجن مؤمنهم في الجنة وكافرهم في النار. أما النار فبالإجماع، وأما الجنة فهي على رأي جمهور العلماء.
قال بعدها: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله باليوم الآخر». إذًا، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعدها الإيمان باليوم الآخر.
اليوم الآخر يا إخوة هو الركن الخامس من أركان الإيمان. ولماذا سُمي باليوم الآخر؟ ليس بعده يوم. الجنة ليس فيها ليل ونهار، انتهى الزمان. زمن غير محدود. أهل الجنة خالدون فيها، وأهل النار الذين هم أهلها والعياذ بالله خالدون فيها. هؤلاء ينعمون وهؤلاء يعذبون. ولهذا الله تعالى سمى يوم القيامة باليوم العقيم، والعقيم ماذا؟ لا يلد يومًا آخر. فهمتم؟ فيوم الآخر هو آخر الأزمان المحدودة، أن ما بعده زمن غير محدد.
والإيمان باليوم الآخر يا إخوة يتضمن أمورًا:
- أول ما يتضمن ما يتعلق بـ القبر.
- ثم ما يتعلق بـ النفخ في الصور.
- ثم ما يتعلق بـ يوم القيامة من حشر ووقوف وشفاعة وحساب وميزان وصراط وجنة أو نار.
هذا المقصود باليوم الآخر. إذًا، اليوم الآخر فيه ثلاثة أمور من حيث الإجمال: ما يكون في القبر وهو البرزخ، ما يكون يوم القيامة، وما يكون بينهما من جهة النفخ في الصور وغير ذلك.
“من مات يا إخوة قامت قيامته”. ايش معنى من مات قامت قيامته؟ أن من مات دخل في عداد الآخرة. ولهذا بعض الناس يسأل يقول: الذي مات له آلاف السنوات والذي يموت قبيل الساعة بقليل، هذا عاش في قبره طويلاً وهذا قليلاً. يُقال له: ولله المثل الأعلى، من نام ساعتين كاين لي نام عشرين ساعة أحيانًا. صح ولا؟ هذا يقوم نقص نوم وهذا زايد نوم. ولا النوم هو هو. من باب التقريب: في النوم تحس أنت بالزمان، بل أحيا نا في النوم تسافر وتذهب وترجع وتظن تعمل أعمال سنوات وأنت في ليلة أو في ساعة نوم. وهذا فقط للتقريب. هذا زمن غير حقيقي. بينما ليوم القيامة حقيقي. هناك ناس في قبورهم يعذبون، وهناك ناس ينعمون. أصحاب العذاب يمر عليهم هذا طويلاً، وأصحاب النعيم يمر هذا عليهم سريعًا. لأن العبد إذا كان سعيدًا لا يحس بالوقت. إذا كان الدقائق تصبح ساعات. ومع هذا إذا قاموا يوم القيامة قال: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ﴾ (سورة المؤمنون: الآية 113). يعني مع هذا، زمان القبر وإن طال قصير بالنسبة ليوم القيامة. لأن يوم القيامة فقط الموقف خمسين ألف سنة، شيء لا يتصوره العبد. لكنه على المؤمن يسير. ليش يسير؟ لأنه وقف لله في الدنيا، فخفف الله عليه وقوفه يوم القيامة. أما من لم يقم لدين الله تعالى في هذه الدنيا فليس له عند الله تعالى يوم القيامة قدر. ولهذا الله تعالى ايش قال في سورة الفرقان؟ ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ (سورة الفرقان: الآية 24). قال ابن عباس: “أهل الجنة يَقيلون في الجنة“. مجرد أن بدأ اليوم قالوا: وسط النهار في الجنة. يعني شفتوا الذي مر عن كله وكأنه صبيحة يوم. خمسين ألف سنة من حيث العد يحسها المعذب الذي لا يدري أين هو أو الذي بُشِّر بالنار. أما المؤمن يا إخوة: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾. فهم يقيلون في ديارهم فما مر عليهم قليل. ليش؟ لأنه ما ذكرته لكم: أن الإنسان إذا كان سعيدًا مستبشرًا الوقت يمر عليه بسرعة، والعكس كذلك. قال الشاعر:
فَقِصَارُهُنَّ مَعَ الشُّرُورِ طِوَالُ… وَطِوَالُهُنَّ مَعَ الثُّبُورِ قِصَارُ
فهمتم؟ يعني الأيام القصيرة والليالي القصيرة مع الحزن تصبح طويلة، والأيام الطويلة مع الفرح تصير قصيرة. ولهذا واحد إذا أحببت تلتقيه تقعد معاه ساعتين وثلاثة وأربعة. تقول: سبحان الله الوقت مر بسرعة. فهمتم؟ والثاني تمر عليك سنة. ولهذا حدثوا عن الشَّعبي – يظنه غيره من أئمة السلف – كان مريضًا، زاره واحد قال له هذا الزائر: “يا فلان، ما أشد ما مر عليك في مرضك؟” نظر إليه وقال: “جُلُوسُكَ إليَّ”. وبعض الناس والعياذ بالله ثقيل. فهمتم؟
اليوم الآخر يا إخوة يدخل فيه كل هذا. فهمتم؟ يدخل فيه كل هذه الأمور. ونشير إليه باختصار وقد فصلنا القول في ذلك في شرح السنة للمزني. لو تذكرون، توقفنا مع كل مرحلة مع ذكر الأدلة. إن شاء الله تعالى سنعيد تفصيل ذلك في موضعه. لكن الآن فقط نذكر تلك المحطات:
1. ما يكون في القبر (البرزخ)
الأمر الأول الذي يذكر في مراحل اليوم الآخرة كما قلنا لكم: القبر. والقبر فيه ثلاثة أمور:
أ. ضغطة القبر وتسمى ضمَّة القبر:
- وهي أن العبد إذا وُضِع في قبره، ضمَّه قبره ضمة. هذه الضمة تختلف بين المؤمن والكافر من جهة الكم ومن جهة الكيف.
- أما من جهة الكيف: فضمة القبر للمؤمن كـ ضمة الحبيب لحبيبه. شفتوا واحد إذا توحشته لم تره منذ فترة ستعانقه، فربما وجد نوع أذى في معانقتك له أو معانقته لك، فهمتم؟ لكن هذه ضمة ماذا؟ محبة. أن الأرض التي أطعت الله عليها إذا دخلت فيها رحبت بك: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ (سورة طه: الآية 55). قال: ﴿فِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ (سورة الأعراف: الآية 25).
- إذًا، هذه الأرض تَضُمُّ المؤمن ضمة المُحِب. هذه الضمة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا ينجو منها أحد، ولو نجا منها أحد لنجا منها سعد بن معاذ الذي اهتز لموته عرش الرحمن رضي الله عنه وأرضاه. ومع هذا جاءته هذه الضمة.
- ضمة الكافر ضمة عذاب، لأن الأرض التي عصى الله عليها وكفر بالله عليها إذا دخل إليها لم ترحب به، بل ضمته ضمة للعذاب، فاختلفت من ذلك أضلاعه. هذا من جهة الكيف.
- أما من جهة الكم: ضمة المؤمن في لحظتها. وأما ضمة الكافر والعياذ بالله فإنها ضمة عذاب، وعذاب الكافر مستمر لا ينقطع عليه في قبره. فإذا قَدِمَ على الله فـ ﴿لَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ (سورة طه: الآية 127).
ب. فتنة القبر (سؤال القبر):
- وفِتنة القبر هي سؤال القبر. والملكان اللذان يسألان الناس الفتانان وهما منكر ونكير. ليش الفتانان؟ لأنهما يمتحنان الناس. الناس بماذا؟ كم عندك من شقة ومال؟ لا، من ربك؟ وما دينك؟ وما ومن نبيك؟
- ﴿وَأَنَّ كُلًّا لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ (سورة يس: الآية 32)، عفواً. ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (سورة الأنعام: الآية 94)، والحديث: «كلُّكُمْ مُقْعَدٌ مَسؤولٌ عن رَبِّهِ ما الدِّينُ ومَن رَسولُهُ».
- ولهذا إذا كررنا الكلام على الإسلام وعلى النبي صلى الله عليه وسلم وعلى معرفة الله تعالى وتوحيده، هذا أنت تُعِدُّ ما ستجيب به في قبرك. لكنك في قبرك لن تجيب بلسانك فقط. إنما ستجيب بأعمالك. ومن المنافقين من يحفظ هذه الأمور كشربة الماء، لكنه لن يجيب؛ لأن هنا يُختَم على قلوبهم وأفواههم، ولا يتكلم أحد إلا بالحق. ولهذا يقولون: “هاه هاه، لا أدري، أو سمعنا، سيقولون شيئًا فقلته”. أما المؤمن الصادق يجيب. ليش يجيب يا إخوة؟ يجيب لأمرين: لأنه تعلَّم العلم النافع والثاني أنه عَمِلَ العمل الصالح وكان صادقًا مع الله، لم يكن في قلبه ريب وتردد في هذه الأصول العظام.
ج. عذاب أو نعيم القبر:
- بعد ذلك، إما نعيم وإما عذاب. المؤمن يَنعم والكافر يُعذَّب.
- وأما عصاة المؤمنين فإنهم يُعذَّبون بقدر ذنوبهم، فمنهم من يُعذَّب على بوله، ومنهم من يُعذَّب على الربا، ومنهم من يُعذَّب على الكلام في الناس، ومنهم من يُعذَّب على السرقة، ومنهم من يُعذَّب على النوم على الصلاة وعلى الكذب وغير ذلك من الأمور التي جاءت النصوص ببيان عذاب أهلها بها.
- لكن عذاب المؤمن يختلف عن عذاب الكافر، كمًّا وكيفًا.
- أما من جهة الكيف يا إخوة: عذاب الكافر ليس له نظير. وأما النبي صلى الله عليه وسلم ذكر الذي لا يجيب في قبره قال: «فيُضرَب بمِرْزَبة» أي مطرقة من حديد «لو ضَرَب جبلًا لاندك». أقوى قنابل الدنيا لا تستطيع أن تَدُكَّ جبلاً كاملاً، فهمتم؟ لا يمكن أن تَدُكَّ جبلاً كاملاً، تَدُكُّ بعضه. واضح؟ ثم قال: «يتجلجل في الأرض سبعين خريفًا، ثم يرجع يعود على هيئته» وهكذا. واضح؟ إذًا، عذاب من جهة الكيف عظيم.
- وأما من جهة المؤمن: عذابه أقل.
- وأما من جهة الكمّ: عذاب الكافر مستمر. وعذاب المؤمن قد يكون مستمرًا وقد يكون منقطعًا. ليش؟ قد يُعذَّب المؤمن في قبره فترة، إذا طُهِّرَ تُرِكَ. وقد يحتاج تطهير المؤمن إلى عذاب طويل، يستمر هذا العذاب إلى آخر القبر. ثم إذا جاء يوم القيامة عفا الله عنه. وقد تكون نجاسة المعصية كبيرة إلى درجة لا يطهرها القبر ولا تطهرها عَرَصات القيامة، فيدخل المؤمن النار والعياذ بالله.
- حتى يقول محمد أمين الشنقيطي رحمه الله تعالى يقول: “وعذاب المؤمن تمحيص وتطهير، وعذاب الكافر عذاب وعقاب”. فرق. المؤمن يا إخوة إذا أُدخِلَ للنار عذابه ليس مقصودًا لذاته، إنما يُعذَّب بقدر ذنوبه. الكافر الله يعذبه عقابًا، ولهذا هذا العقاب مستمر لا ينقطع. أما المؤمن فإنه يُعذَّب بقدر ذنوبه. ليش؟ لأن النار خُلِقت لإذابة القلوب القاسية. وقلب الكافر نجاسته حقيقية وليست حُكمية. كل بنتك إذا غسلتيه عشرين غسلة، ثم وَلَغَ في إناء نجس ولا لا؟ الكلب هنا نجاسة حقيقية. طيب، بول سقط عليك غسلته، طاهرة. يعني ثوبك، لأنها نجاسة حُكمية. الكافر نجاسته حقيقية. ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ (سورة التوبة: الآية 28). نجاسة ماذا هي؟ نجاسة الكفر. ليس أنك تسلم على كيف تعيد الوضوء؟ لا. المقصود بأن نجاسة الكفر الأكبر والشرك الأكبر لا تطهرها النار. فلما كانت النار غير مُطَهِّرة لهذا الكفر، بَقِيَ عذابه فيها مستمرًا والعياذ بالله. واضح؟
2. النفخ في الصور والبعث
الأمر الثاني: البعث. والبعث يكون بـ النفخ في الصور. وأنا سأذكر لكم فقط المحطات بدون تفاصيل. وأن النفخ في الصور نفختان: نفخة فزع، ثم نفخة عفواً. نفخة فزع تنتهي بـ الصَّعق، ثم نفخة البعث. ثم يبعث الناس من قبورهم حُفَاة عُراة غُرْلاً (أي غير مختونين) بُهْمًا ليس معهم شيء.
ثم يُحشر الناس في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. تدنو الشمس منهم فوق رؤوسهم قدر ميل. قال الراوي: «ولا أدري هل قصد ميل المسافة أو ميل المكحلة». وكلاهما قريب. ويَعرق الناس على قدر أعمالهم.
ثم يَغتم الناس لذلك الأمر، فيأمر الله تعالى أو فيأتي الناس ويستغيثون بالأنبياء ليشفعوا لهم عند الله. وهذا ما يسمى بـ المقام المحمود. فيذهبون إلى الأنبياء، فكلهم يرفض ذلك، وينتهي الأمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فيشفعه الله في الخلائق حتى يحاسبهم الله. يعني النبي صلى الله عليه وسلم لا يشفع فيهم حتى يدخلوا الجنة، لا، يشفع في أمته، لكن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في الخليقة جمعاء حتى يحاسبهم الله. لأن أصعب شيء أنك تنتظر لا تدري أنت وين. ولله المثل الأعلى، شوفوا في الدنيا إذا تحتاج نتيجة تبقى تنتظر. يا أخوي قل أخبرني بأني لم أنجح، لكن لا تتركني هكذا. أسوأ شيء الإنسان يبقى معلَّق. ما بالك ترى جنة وترى تحتها نار وأنت لا تدري في أي الدارين تكون؟ سيذهبون فالنبي صلى الله عليه وسلم هنا يشفع فيهم حتى يحاسبهم الله تعالى في ذلك اليوم العظيم.
3. الحساب والميزان والصراط
أ. تطاير الصحف والحساب:
- ثم بعد ذلك تتطاير الصحف. فيأخذ المؤمن ولو كان عاصيًا كتابه بـ اليمنى، ولو كان عاصيًا. ويأخذ الكافر والمنافق كتابه بـ شماله وراء ظهره. تُغَلُّ يمناه إلى عنقه وتخرج يسراه من صدره، ويأخذ كتابه بشماله وراء ظهره، جمعًا بين آيتي الانشقاق والحاقة. واضح؟
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ (سورة الانشقاق: الآيتان 7-8). إذًا، بعد أخذ الكتاب باليمين يأتي الحساب.
- والناس في الحساب أنواع:
- منهم من لا يُحاسَب أصلاً، جعلنا الله وإياكم منهم. وهؤلاء هم الذين حققوا التوحيد غاية التحقيق من هذه الأمة، وهم سبعون ألفًا ومع كل ألف سبعون ألفًا، عِدتهم نحو من خمس ملايين. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث قال: «وثلاثُ حَثَيَاتٍ من حَثَيَاتِ رَبِّي». والله كرمه واسع. واضح؟
- ثم منهم من يُناقَش الحساب، أي أنه يُستقصى عليه في كل كبير وصغير. لا يُترك له شيء. وهذا إذا استقصى حسابه، إذا استُقصي حساب العبد، فإن مصيره إلى وين؟ إلى النار والعياذ بالله. كان الإنسان أكثر شيء ويخاصم، ومصيره النار.
- وبقي صنف متوسط وهم الذين يُحاسَبون حسابًا يسيرًا، هو العرْض. تُعرَض عليه ذنوبه، ويقول الله: “تجاوزت، سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك الآن”. ويُؤخذ به إلى الجنة. وهذا من السعداء. واضح؟
ب. الميزان:
- ثم بعد ذلك يأتي الميزان. لأن الناس إذا علموا كتابهم باليمين أو بالشمال، علموا هل هم من أهل الجنة أم من أهل النار.
- طيب، فإن قال قائل منكم: “إذا أخذ كتابه بيمينه وهو من عصاة المسلمين سيدخل النار”. يُقال: نعم. إذا أخذ العاصي كتابه باليمين، يعلم أنه وإن عُذِّب في النار فإن مصيره إلى الجنة. فهمتم؟ لا يمنع أن يأخذ كتاب…
- قلنا: إن العاصي يأخذ كتابه باليمين. وأنا لا أريد منكم أن تفكروا كما يفكر من لا يعلم قدر الله تعالى. الذي يقول: “إذا كان مصيري إلى الجنة الأمر هيِّن”. هذا لا يقوله إلا من أعمى الله بصره وبصيرته. في واحد منكم يتمنى أن يضع إصبعًا واحدًا في النار ولو ثانية؟ اجيبوا. لا يمكن. أن تضرب هذه الأمثال في بعض الناس يقول: “إذا كان في الآخر… إذا كنت تقول هذا أنت نهايتك أليمة”. فهمتم؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» (رواه البخاري). لا يمكن للعاقل أن… العبد ربما يتمنى أن لا يرى النار أصلاً. فهمتم؟ وعلى هذا كان الأئمة والسابقون كانوا يخافون من عذاب الله تعالى. كانوا يخافون من الفتنة، كانوا يخافون من النار. لهذا لا يمكن للعاقل أن يقول هذا الكلام. أنت اطلب من ربك العافية في الدنيا، اطلب منه ألا يعذبك في قبرك وأن يتجاوز عنك يوم القيامة، وأن تدخل النار بلا عذاب ولا بلا حساب، بلا حساب ولا سابق عذاب عفواً. تدخل الجنة عفواً. يدل أن الكلام على النار سطا على غيره. فهمتم؟ فـ أنت تطلب من ربك أن يعافيك منها.
- ولهذا بعد هذا إذا علم العبد كتابه وعلم حسابه جاء بعدها ماذا؟ الميزان. إذا علمت ما لك وما عليك يأتي بعدها الميزان. والميزان هو بيان لمثقال الأعمال. الحساب يوقفك على حقيقة الأعمال، لكن هذه الأعمال أنت أقررت بها، لكن لا بد أن نعلم قدرها، أهي كثيرة أم قليلة؟ احنا الآن عرفت هذه طاعة وهذه معصية. طيب، أيهما ستفوق الأخرى؟ هذا يبينه الميزان.
- فيَزِنُ الميزان العمل والعامل وصحائف الأعمال. ﴿فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ (سورة القارعة: الآيات 6-9). وسَمَّى النار أُمًّا؛ إما لأنه إذا دخلها أحاطت به والعياذ بالله. فهمتم؟ فـ ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ فهي كالأم له، والأم ماذا تفعل مع صغيرها؟ تُحيطه. والعياذ بالله. هنا النار من كل جهة. فهمتم؟
- فإذا جاء الميزان، الناس عندنا كم؟
- إما أن تفوق الحسنات السيئات وهذا مصيره إلى وين؟ الجنة.
- إما أن تفوق السيئات الحسنات وهذا مصيره إلى النار.
- إما أن تستوي الحسنات والسيئات وهذا مصيره إلى وين؟ إلى أهل الأعراف. الصحيح أنهم أقوام استوت حسناتهم وسيئاتهم، فعندهم ذنوب منعتهم من دخول الجنة، وعندهم طاعات منعتهم من دخول النار. والأعراف هو المكان المرتفع، فهو مكان مرتفع بدليل أن في آيات الأعراف هم يُطِلُّون على أهل النار ويرون أيضًا أهل الجنة. وهذا لا يكون إلا في مكان مرتفع.
- طيب، أهل الأعراف يمكثون فيها بلا حد ولا بحد معين؟ يمكثون فيها ما شاء الله تعالى، ثم مصيرهم إلى وين؟ إلى الجنة. من أهل الأعراف هم أقوام استوت حسناتهم وسيئاتهم، مكثوا في هذا المكان ثم تجاوز الله تعالى عليهم برحمته التي سبقت عذابه وغضبه، فأدخلهم الجنة. واضح؟
ج. الصراط والقنطرة:
- ثم بعد ذلك الصراط. وقبل الصراط، تُلْقَى على أرض المحشر ظلمة. وهذه الظلمة لا يرى الإنسان شيئًا إلا من جعل الله له نورًا: ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ (سورة النور: الآية 40). فيَهتدي المؤمن بنور الله تعالى إلى الصراط. وأما الكافر فتَهوي به يهوي في النار. وأما المنافق فيبقى مُتحيرًا مُذبذَبًا. كما خادع المؤمنين، يُخادَع بالنور يوم القيامة، ثم مصير المنافق إلى وين؟ إلى النار.
- يبقى إلا المؤمنون. والمؤمنون أنواع: بعضهم يمر سالمًا، وبعضهم ينكب في النار، وبعضهم يمر مخدوشًا. والذين يمرون سالمين أنواع وطوائف: منهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كأجاويد الخيل، ومنهم ومنهم ومنهم.
- لماذا اختلف المؤمنون في سرعة المرور يوم القيامة يا إخوة؟ الآن إذا حان وقت الصلاة في المسجد، هل كلنا يخرج من بيته بنفس الوقت ونفس السرعة؟ يقول الله تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (سورة البقرة: الآية 148). قال ابن سعدي في تفسيرها: “فمن سابق في الدنيا إلى الخيرات، سابق يوم القيامة إلى الجنات”. شفتم؟ بعض الناس إذا رأى باب خير يَهرع إليه، وبعض الناس إذا رأى باب شر يُسرع إليه. هذا وكأنه يُسرع إلى النار، والآخر وكأنه يُسرع إلى الجنة. فمن كان في هذه الدنيا مُسارِعًا لدين الله، فهو يوم القيامة ممن يُسرع.
- ومن ثبت على صراط الله في الدنيا، ثبت على صراط يوم القيامة. لأن صراط يوم القيامة عليه كلاليب تخطف الناس. كذلك صراط الدنيا عليه كلاليب الشبهات والشهوات. إذا تركتك هذه تخطفك هذه. إذا سلمت منها في الدنيا سلمت من كلاليب يوم القيامة. الأمر واضح. فصراط يوم القيامة صورة لصراط الدنيا. فمن استقام هنا قام هناك، من ضَلَّ هنا ضَلَّ هناك، ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً.
- ثم إذا مَرَّ المؤمن على الصراط، نجا وأيقن أنه في الجنة لا محالة.
- بعد الصراط هناك قنطرة. وبعد القنطرة هناك الجنة.
- أهل النار دخلوا النار والعياذ بالله. ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (سورة الفرقان: الآية 12)، تنتظرهم والعياذ بالله.
- أما المؤمنون إذا جاوزوا الصراط فإنهم يصلون إلى القنطرة. هذه القنطرة يقف عندها المؤمنون الذين سيَقتص الله من بعضهم البعض. يعني لو كان بين المؤمنين شيء، مشاحنات أو غير ذلك، لا يمكن أن يدخل أحد النار الجنة عفواً وفي قلبه على أخيه نوع شيء. إذا طهُرت القلوب وصُفيت النفوس، يستحق دخول الجنة. ليش؟ لأن الجنة دار طيبة محضة، لا يمكن أن يدخلها نوع كَدَر. فوقوفهم على القنطرة تنقية وتطهير. هل فيه عذاب؟ ليس فيه عذاب. فقط تسوية حسابات بين المؤمنين. لأن الله تعالى يُجري عدله التام يوم القيامة.
- ثم بعد ذلك يدخل المؤمنون الجنة. واضح؟
من القبر إلى الجنة أو النار، كل هذا الإيمان باليوم الآخر. وقد ذكرناه لكم على شيء من الإسراع. وفقط أخبركم أن من أراد منكم كتابًا مفصلاً، إني ولله الحمد كتبت في هذا الكتاب مفصلاً وطُبِعَ، ولكن للأسف يعني لم تصلنا منه نسخ بعد. حتى صاحبكم ليس له نسخة. وهو كتاب سميته: عُدَّة الباحث فيما تعلق باليوم الآخر من المباحث. كتاب في نحو من ثلاثمئة صفحة تقريبًا. تكلمت فيه على ما ذكرت لكم، لكن بتفصيل، مع ذكر الأقوال وغير ذلك. من شاءه منكم على صيغة إلكترونية يعني (PDF) يكتب العنوان على الشبكة يجده مباشرة. فهمتم؟ يعني في الإنترنت اكتب في جوجل، أي نعم، ستجده. من لم يجده منكم يخبرني، نعطيه إن شاء الله الكتاب إلكترونيًا.
إذًا، عُدَّة الباحث فيما تعلق باليوم الآخر من المباحث. هذا الكتاب ألَّفته بعدما فصلنا في السنة الماضية مسائل الآخرة، فرتبتها في هذا الكتاب. وليس لي فيه شيء، فقط الجمع والترتيب، وهو منشور على الإنترنت. لكن إن شاء الله إذا وصلتنا نسخ من الكتاب وقد طُبِعَ في الكويت، إن شاء الله إذا وصلتنا نسخ نوزعه عليكم بإذن الله تعالى.
نكتفي بهذا القدر يا إخوة. إن شاء الله في الدرس القادم نكمل ما يتعلق بـ القدر، القدر عفواً. نختم حديث جبريل الدرس القادم بإذن الله تعالى. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.