الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
إذاً، وصلنا في حديث جبريل عليه السلام إلى الركن السادس من أركان الإيمان، ووقفنا عند قوله: (وتؤمن بالقدر خيره وشره). بعد أن تكلمنا في الدرس الماضي على ما يتعلق بالأنبياء والمرسلين، وتكلمنا بشيء من الإجمال عما يقع يوم القيامة، واليوم نتكلم على تتمة الحديث، ووقفنا عند قوله: (وتؤمن بالقدر خيره وشره).
القدر
القدر من جهة تعريفه، قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: “القدر قدرة الله”. وقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: “القدر قدرة الله تعالى” هو يعتبر كلاماً جامعاً. لماذا؟ لأن الذي لم يؤمن بالقدر لم يُسلم لقدرة الله تعالى. ولهذا تجد أن أعظم الناس تسليماً لأقدار الله تعالى هم الأنبياء والمرسلون، ومن جاء تابعاً للأنبياء والمرسلين من صالح المؤمنين.
الملحد لا يقدر الله تعالى حق قدره، ولهذا الملحد يتسخط على أقدار الله تعالى. فتراه يقول: “لماذا ابتلاني أنا؟ وماذا فعلت حتى استحق هذا؟” وغير ذلك من الأمور. وهذا كله من ضعف الإيمان بقدرة الله. ولهذا ابن عقيل رحمه الله تعالى استحسن هذا الكلام جداً من الإمام أحمد، وقال: “هو من أعظم ما قيل يعني في المتأخرين من جهة في القدر”. قال: “القدر قدرة الله تعالى”.
ولهذا نقول: القدر، ونقول: القضاء والقدر. واختلف أهل العلم في الفرق ما بين القضاء والقدر. فقال بعضهم: القضاء هو القدر، والقدر هو القضاء. وقال بعضهم: لا. لماذا؟ لأن في اللغة إذا اختلف المبنى اختلف المعنى. وعليه، فالقضاء شيء والقدر شيء. وهؤلاء اختلفوا إلى عدة مذاهب. فبعضهم قال: القضاء يكون بعد الفعل، والقدر يكون قبله. وبعضهم قال غير هذا.
الحاصل أنه لو عُبِّرَ بالقضاء عن القدر فلا بأس. ومن فرق بينهما فإن العلماء اختلفوا في التفريق بينهما. ومن أقرب المذاهب كما قلت لكم: بأن إجمالاً نتكلم على القضاء إذا وقع، والقدر إذا قبل وقوعه. فهمتم؟ لأنه مقدر قبل وقوعه. وهذا أيضاً عليه استدراك، لكن من حيث الإجمال هذا القول مناسب.
إذاً، عندنا: القدر قدرة الله.
لماذا النبي صلى الله عليه وسلم ذكر القدر في أركان الإيمان؟ لأنها يا إخوة الدين يقوم على العقيدة، والعقيدة تقوم على القدر. هي لا تقوم إلا على القدر، بل من دعائم الدين القدر. ولهذا يقول شيخنا الشيخ طارق سدده الله تعالى في كلام حسن له: “يقول من لم يؤمن بالقدر تغشاه الكَدَر، وليس له في ميزان الشرع قَدْر”. وهذا حق. من لم يؤمن بالقدر يا إخوة تغشاه الكَدَر.
ولهذا يقول ابن أبي داود في حائيته:
”وبالقَدَرِ المَقدُورِ أيقِنْ فإنَّه دعَامَةُ عَقْدِ الدِّينِ والدِّينُ أَفْيَحُ”
قوله: “والدِّينُ أَفْيَحُ” أي أن الدين أوسع. ما معنى هذا الكلام؟ بيت واحد بيَّن أن الدين يقوم على الإيمان بالقدر، لكن الدين أوسع؛ لأن الدين فيه القدر وفيه الآخرة وفيه معرفة الله وأنبيائه إلى غير ذلك. فالقدر دعامة عقيدة المسلمين.
ومن لم يؤمن بالقدر كما قال تغشاه الكَدَر، واستحكمت عليه وساوس الشيطان وغلبته الأحزان. ولهذا من لا يؤمن بالقدر إذا وقع شيء يقول: “لماذا وقع؟” وإذا لم يقع شيء يقول: “لماذا لم يقع؟”
والنبي صلى الله عليه وسلم قطع هذا عن مطامع الخلق، فقال صلى الله عليه وسلم – وسيأتي معنا إن شاء الله تعالى في الأربعين -: (ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، رُفعت الأقلام وجفّت الصحف).
إذا تدبر العبد هذا، ارتاح. الذي أتاك تأكد أنه لن يأتي إلى غيرك، والذي جاء إلى غيرك لن يأتيك. (وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك). ولهذا يا إخوة هذا الباب باب عظيم، والزلل فيه عظيم.
مراتب القدر
ومراتب القدر التي ينبغي أن يحقق بها العبد إيمانه هي أربعة:
1. المرتبة الأولى: العلم
أن يعلم العبد بأن الله تعالى عالم بكل شيء، مطلع على كل شيء، لا تخفى عليه سبحانه وتعالى خافية. قال تعالى: (علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى). (لا يضل) أي لا يجهل، وما علمه لا ينساه، فهو علم كامل. والله تعالى يسمع ويرى ويعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء.
(وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، ويعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين). فهو عالمه أزلاً سبحانه.
2. المرتبة الثانية: الكتابة
ولكنه أيضاً كتبه عنده في اللوح المحفوظ. ولهذا قال: (في كتاب مبين). ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم إيش قال؟ (إن الله تعالى خلق القلم، وقال له: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة).
فشفتم ما يقع في الدنيا إلى يوم القيامة معلوم عند الله ولا؟ معلوم. ما يقع يوم القيامة وقبل القيامة وبعد القيامة كله في علم الله جل وعلا سواء، من جهة أصل العلم، وأيضاً مزيداً لإقامة الحجة على خلقه، كتب الله تعالى هذا عنده في اللوح المحفوظ، قال: (في كتاب مبين).
وهذا الكتاب عند الله تعالى.
هاهنا سؤال يا إخوة: “طيب الله تعالى في القرآن يكرر: (إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه)، (حتى نعلم)… نحن قلنا إن الله تعالى يعلم. طيب ما معنى قول الله تعالى: (حتى نعلم) أو (لنعلم)؟
هو علم. أحسنت، ولهذا العلماء إيش يقولون؟ علم الله تعالى علمان: علم قبل وقوع الشيء، وعلم بعد وقوعه.
من جهة المعلومات والاطلاع على أنه كائن، الكل في علم الله سواء قبل ولا بعد. سواء. لكن العلم بعد هو العلم الذي تقوم به الحجة، ويترتب عليه ثواب أو عقاب. بدليل أن الله تعالى يعلم منزل كل واحد في الجنة والنار ولا؟ طيب، هل يدخلهم الآن النار مباشرة؟ لا، لا بد أن تقوم الحجة.
إذاً، (حتى) أو (لنعلم) أو (حتى نعلم) أي: حتى نعلم علماً يترتب عليه ثواب أو عقاب؛ لأن الله تعالى لا بد أن يقيم الحجة على خلقه، مع اطلاعه بمنازل أهل الجنة ومنازل أهل النار.
إذاً، الأمر الأول هو العلم. الثاني هو الكتابة.
والكتابة هي في اللوح المحفوظ. هذه الكتابة الكاملة التي لا يتخلف عنها شيء. فكل شيء مكتوب عند الله جل وعلا في اللوح المحفوظ. فهمتم؟ والنصوص على هذا كثيرة.
لكن الكتابة يا إخوة أنواع:
- 1. الكتابة الكاملة الكبرى (كتابة اللوح المحفوظ): وبعضهم يعبر عليها بقوله: الكتابة الأزلية. وهذا غير صحيح، لماذا؟ اللوح المحفوظ لا يتغير، أحسنت. العلم الله تعالى له بداية؟ لا ليس له بداية. الله تعالى يعلم الكل. فهمتم؟ (إن علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى). لكن الكتابة هذه وقعت في وقت محدد ولا لا؟ في وقت محدد قبل أن يخلق الله السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. إذاً، قولهم أزلية خطأ، ليست أزلية، بل هي كُتبت في وقت محدد. علم الله أزلي، أما الكتابة فكان لها وقت محدد.
اختلف العلماء: هل القلم هو أول المخلوقات؟ ولا العرش؟ ولا غير ذلك من المخلوقات؟ وهذه مسألة فرعية، وليست تابعة لمسائل القدر.
أيهما أولى؟ من يقول العرش؟ من يقول القلم؟
قال ابن القيم رحمه الله تعالى:
”والناسُ مختلفونَ في القلمِ الذي كتبَ القضاءَ بهِ منَ الديَّانِ
هلْ كانَ قبلَ العرشِ أم هو بعدهُ قولانِ عندَ أبي العلاءِ الهمداني
والحقُّ أنَّ العرشَ قبلُ لأنه عندَ الكتابةِ كانَ ذا أركانِ”
بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كتب عنده)، قال: (وكان عرشه على الماء). العرش قبل يا إخوة، العرش قبل، ثم القلم. ثم قال الله جل وعلا للقلم: (اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة). وهذه مسألة فرعية. فهمتم؟ لكن من بلغه الحديث فليعمل به.
إذاً، عندنا هذه الكتابة هي الكتابة الكاملة الكبرى، وهي في اللوح المحفوظ.
- 2. الكتابة السنوية: متى تكون هذه؟ أحسنت، في ليلة القدر. ليلة القدر لعدة اعتبارات، منها أنها تُقَدَّر فيها أمور كل سنة. قال تعالى: (فيها يفرق كل أمر حكيم * أمراً من عندنا). الله تعالى يُقَدِّر ما يقع في تلك السنة تقديراً. إيش التقدير هذا ما معناه؟ هو مقدر من قبل، لكن المقصود بالتقدير أن الملائكة تأخذ ما يقع في تلك السنة، يُكتب ويُستخرج من اللوح المحفوظ.
إذاً، المحفوظ فيه كل شيء. ما يتعلق بكل سنة يُؤخذ في ليلة القدر إلى السنة التي بعدها.
طيب، الكتابة التي في هذه الكتابة السنوية تتغير ولا لا تتغير؟ من يقول تتغير؟ نعم يغيرها. إيش معنى تتغير؟ يعني قد يكتب إنسان هذه السنة كافر، صح؟ أولاً، هي غير نهائية، حيث قد يكتب السنة هذه كافر، السنة التي بعدها يُكتب مُوَفَّق. ثم كتابة قد يكتب مثلاً أن الله تعالى سيتوفاه في تلك السنة، لكنه بدعائه تغير. الذي في اللوح المحفوظ لا يتغير، لكن هذه الذي في هذه السنة يتغير. ليش؟ لأن النبي قال: (الدعاء يرد القضاء).
إيش معنى يرد القضاء يا إخوة؟ بعض الناس قد لا يستوعب هذا، ولا بأس أن لا يستوعب هذا؛ لأن هذه المسائل قد تصعب. المقصود بأن الملائكة فيما اطلعت عليه أو فيما أخبر به أو فيما نسخته من اللوح المحفوظ في تلك السنة، كُتب بأنه سيموت. لما دعا هذا الرجل ربه، والله عالم بأنه سيدعو ربه. ولهذا في اللوح المحفوظ مكتوب بأن هذا الرجل لن يموت. لكن في تلك الصحيفة كُتب بأنه سيموت. لما دعا ربه ووصل رحمه وأعطى وتصدق، دفع الله جل وعلا عنه البلاء، فمد الله في عمره. إذاً هذا المد موجود في اللوح المحفوظ موجود، لكنه غير موجود في النسخ الذي وقع من الكتابة السنوية.
- 3. الكتابة العمرية: كل واحد سيأتي معنا في حديث ابن مسعود في الصحيحين إن شاء الله تعالى، قال: (فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكَتْبِ أجله، ورزقه، وعمله، وشقي أم سعيد). هذه تتغير؟ من كتب شقياً فهو شقي، ومن كتب سعيداً فهو السعيد. نسأل الله من فضله.
شفتم؟ يعني هذا يُكتب. وبعضهم يقول: يُكتب في الجبين. ولهذه الكلمة هذه عندنا، والله أعلم بذلك، لم يصح في ذلك، لكنه مكتوب، والملك ينزل في الشهر الرابع ويكتب ذلك. إذاً، هي كتابة عمرية. فهمتم؟
ولهذا بعض الناس يقول: إن الله تعالى عنده علم الساعة ويعلم ما في الأرحام. قال: “الأطباء الآن بالتحليل الـ DNA يعرفون بأنه ولد، صح ولا؟ ذكر ولا أنثى؟ صحيح ولا؟”
طيب، إذا قالوا: “ها هم الأطباء يعلمون ما في الأرحام”. كيف نجيب عن هذا؟ هل معرفة الأرحام فقط معرفة أن هذا ذكر ولا أنثى؟ لا يستطيع واحد يضمن بأن هذا الصبي أو البنت ستعيش يوماً. طيب، ولو عاشت، حتى اسمها لا يستطيعون يتنبأون به، قد يتغير. طيب، عمله؟ حياته؟ شقي أم سعيد؟ جنة ونار؟ من يعرفه؟ إلا الله جل جلاله، ويُطلع من شاء من ذلك من ملائكته على ما شاء من خلقه.
-
- 4. الكتابة اليومية: ما هي الكتابة؟ أما الأسبوعية هذه من أين جاءت هذه؟ طيب، من يقول أسبوعية؟ ما دليلها؟
”ابن القيم يقول: العلمُ معرفةُ الهدى بدليلِه ما ذاكَ والتقليدُ يَستَويَانِ“
ما دليل الكتابة اليومية؟ أما أنا عندي دليل في الكتابة اليومية وهو قوله جل وعلا في سورة الرحمن: (كل يوم هو في شأن). قال السلف في تفسيرها: “يرفع هذا ويخفض هذا، ويحيي هذا ويميت هذا” سبحانه، كل يوم هو في شأن.
ولهذا واحد من الناس تجد بعض الناس اليوم غني غداً فقير، بل في الصباح مؤمن في المساء كافر، اليوم شقي غداً سعيد؛ لأن الله تعالى يغير في خلقه كما شاء. ولهذا لما دخل البرامكة إلى السجن، وكانوا في الصباح ملوكاً، آخر النهار مسجونين. قال الابن لأبيه: “قال يا أبتِ، كنا في الصباح ملوكاً، فبتنا في السجن”. يعني شيء لم يستوعبه الابن، فقال لأبيه مستغرباً: يعني كيف تتغير الأحوال بهذه السرعة؟ فقال له أبوه: “يا بني، إن دعوة ربما نَفَذَتْ إلى السماء ونحن نيام، سمعها الله ونحن لا نسمع”. فهمتم؟ أنت راقد تظن بأن، لكن الناس تدعو عليك أنهم كانوا ظالمين.
ولهذا سحرة فرعون، قال ابن عباس: “كانوا في أول النهار مُرَّدة كفرة، صاروا في آخره شهداء بَرَرَة”. صح ولا؟ في الأول قالوا: (وبعزة فرعون)، يقسمون بعزة فرعون. في الآخر يقولون: (فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا). شفتم؟ نفس الأشخاص، شفتوا في الصباح كيف كانوا وفي المساء؟
إذاً، الله تعالى قال: (كل يوم هو في شأن) سبحانه وتعالى. ولهذا شُرع لنا أن نسأل الله تعالى العافية في الصباح والمساء. أقول هذا الدعاء ولا؟ “اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة” إلى آخر الحديث. هذا تقوله في الصباح والمساء؛ لأن لولا عافية الله جل جلاله لوقع فيك العجائب. فهمتم؟ فسل ربك العافية والستر في الصباح والمساء.
إذاً، هذا المرتبة الثانية وهي مرتبة الكتابة، وهي التي يعبر عنها الناس، نحن نقول: مكتوب. كلمة الناس: مكتوب حق. فهمتم؟ لكن الخطأ أين؟ أحياناً بعض الناس شيء لا يقع، يقول: “غير مكتوب”. خطأ، هو مكتوب أنه لن يقع. فهمتم ولا؟ لكنهم يريدون أن يقولوا: غير مقدر أن أناله. لكن لأمر لم يقع يقولوا: “مش مكتوب”. خطأ، هو مكتوب، لكنه مكتوب ألا تناله. العامة يا إخوة نتسامح إذا سمعها الإنسان من العامة؛ لأنهم يقولون: هم يقصدون بها كذا. أما طالب العلم لا يليق به أن يستعمل مثل هذه الألفاظ. “إيه ما كتبش”. خطأ، كُتب بأن لا يقع.
3. المرتبة الثالثة: المشيئة
وهي مشيئة الله جل جلاله. علم الله الكل، وكتب ما يقع، ولكنه لا يقع شيء في هذه الدنيا إلا بمشيئته سبحانه وتعالى.
لهذا يقول السفاريني:
”وكل ما قدَّرَه أو قضاه فواقعٌ حتماً كما قضاه”
ما قدَّره الله وقضاه لا بد أن يقع حتماً. قال تعالى: (وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين). وقال: (ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غداً * إلا أن يشاء الله). ولما نسي سليمان عليه السلام من يقول: “إن شاء الله” رُزِق ببعض ولد، صح ولا؟ لأنه لا يتم شيء إلا بمشيئة الله جل جلاله.
ولما سُئل الشافعي عن تعريف القدر؟ قال:
”ما شئتَ كانَ وإنْ لم أَشَأْ وما شِئْتُ إن لم تَشَأْ لم يَكُنْ
خَلَقْتَ العبادَ لما قد عَلِمتَ ففي العلمِ يَجري الفَتَى المُسْتَنَنِ
فمِنْهُمْ شَقيٌّ ومِنْهُمْ سَعيدٌ ومِنْهُمْ قَبيحٌ ومِنْهُمْ حَسَنٌ
على ذا مَنَنْتَ وهذا خَذَلتَ وهذا أَعَنْتَ وذا لم تُعَنْ“
شفتم؟ قال أهل العلم: من أحسن من عرف القدر في كلام الناس كلام الشافعي: (ما شئتَ كانَ وإنْ لم أَشَأْ وما شِئْتُ إن لم تَشَأْ لم يَكُنْ)؛ لأن الأمر كله بمشيئة الله.
ولهذا أهل العلم إذا تكلموا عند موطن قالوا: القدر (المشيئة) عفواً، هي الإرادة الكونية، والإرادة الكونية مقابلة للإرادة الشرعية. ما معنى هذا الكلام؟
قالوا: الإرادة إرادتان:
-
-
- إرادة كونية: لا يتخلف عنها شيء مما يقع في الأرض، هي مرادفة للمشيئة.
- إرادة شرعية: قد تقع وقد لا تقع.
-
أضرب لكم مثالاً: الله تعالى أرسل النبي صلى الله عليه وسلم للجميع، فانقسم الناس بين مصدِّق له وكافر. طيب، تصديق المؤمنين للنبي صلى الله عليه وسلم يحبه الله ولا؟ إذاً هو تابع لإرادة الله الشرعية. لكنه أيضاً وُفق لإرادة الله الكونية؛ لأنه بما أنهم صدقوا إذاً شاء الله ذلك.
طيب، أبو جهل حارب النبي صلى الله عليه وسلم ولا؟ طيب، هل فِعْل أبي جهل موافق للإرادة الشرعية؟ لا. لكنه موافق للإرادة الكونية؛ لأنه وقع.
كل شيء يقع من كفر وإيمان، من طاعة ومعصية، من توفيق وخذلان، كل هذا تابع لإرادة الله الكونية. فهمتم؟
وحتى تفهموا الأمر كالهداية: هدايتان: هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق. هداية التوفيق لخاصة الناس. وهداية الإرشاد للكل. (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم). هذه هداية ماذا؟ أجيبوا. هذه شرعية عفواً، هداية توفيق ولا إرشاد؟ إرشاد. طيب، (إنك لا تهدي من أحببت)، فالهداية هدايتان.
وكذلك الإرادة إرادتان. فإذا صعب عليك فهمهما، إذا وجدت كلمة (يريد الله) في القرآن، إذا استطعت أن تعوضها بـ (يحب الله) فهي إرادة شرعية؛ لأن إذا كان الله يحبها، شرعية. وإذا لم تستطع أن تعوضها بكلمة (يحب)… ها؟
مثلاً أقول لكم: أراد الله أن يكون في الخلق كفار. كونية ولا شرعية؟ كونية. لماذا كونية؟ تستطيع أن تضع مكانها (ما يحب)؟ أبداً. يريد الله أن يعبده المصلون. شرعية ولا كونية؟ شرعية.
شفتم الضابط؟ وهناك تفاصيل أخرى لا يتسع المقام لها، لكن هذا يكفيكم. فهمتم؟
إذاً، هذه المشيئة.
شفتم؟ التفريق بين الإرادة الكونية والشرعية هو سر الفرقان بين أهل الحق وأهل الباطل.
جاء الجبرية وآمنوا فقط بالإرادة الكونية. جاء المعتزلة آمنوا فقط بالإرادة الشرعية. جاء أهل السنة والجماعة آمنوا بهذا وهذا. عدم التفريق بينهما هو الذي أورد هؤلاء القوم الموارد.
فيأتي المعتزلي ويقول: “كيف الله تعالى يشاء الزنا ويشاء الكفر ويشاء أن يسب الأنبياء في مُلكه؟” وهذا الكلام ظاهره حق ولا؟ ظاهره حق. هذا من زخرف القوم.
ولهذا لما تناظر أحد المعتزلة مع رجل من أئمة السنة، قال له المعتزلي: “نُنزِّه الله أن يشاء الزنا”. قال له السني: “ونُنزِّه الله أن يكون في مُلكه من لا يريد”. إذا قلت بأن العبد هو الذي يخلق فعله، وأن الله تعالى المعاصي ليس له فيها تَصَرُّف. الله يخلق الكل إلا معاصي الخلق. يقال إذاً بأن الله تقع في مُلكه أمور هو لا يريد.
ولهذا أحد المعتزلة مرة كان ماراً، وواحد سُرِقت منه دابته. فجاء لهذا الرجل المعتزلي، وقد رأى سَمْتَهُ فأعجبه. قال له: “ادعُ الله أن يرد علي ناقتي التي سُرقت مني”. فقال هذا المعتزلي: “اللهم إن ناقته قد سُرقت، وأنت لم تُرِدْ سَرِقَتَها، فَرُدَّها عليه”. فقال الأعرابي: “قَبَّحَكَ الله! إذا سُرقت وهو لا يريد سَرِقَتَها، فقد يريد ردها ولا تُرَدُّ عليّ!” صح ولا؟ فهمتم؟ لأنك أنت إذا قلت يقع في مُلك الله ما يريد، وكأن الخلق يتصرفون في الأمور كما يشاؤون بالرغم من مشيئة الله.
إذاً، هو وش قال؟ قال تعالى: “تَعَالَى الله أن يشاء”. قال: “تَعَالَى الله أن يكون في مُلكه ما لا يريد”.
ثم قال المعتزلي: “إذا كان حكم عليَّ بالردى والشقاء، ثم يُدخلني النار، أليس هذا ظُلماً لي؟” فقال السني وهو من أئمة السلف والحديث: “إذا كان الهدى لك، وقد أخذه منك، فقد ظلمك. وإذا كان الهدى له، ولم يُعطك هذا الهدى، أقد ظلمك؟” أجيبوا.
وهذا يدلنا يجرنا إلى مسألة أخرى، ومسألة التوفيق والخذلان. توفيق الله لعبده فضل ولا عدل؟ فضل. ظلم الله -أو عفواً- عدل الله مع خلقه هذا عدل. من عمل الطاعة دخل الجنة، ومن عمل المعصية دخل النار.
أنا ضربت لكم مثلاً لو تذكرون، ذكره ابن القيم في مدارج السالكين، ذكرته لكم في مسألة التوفيق والخذلان. وأنا الآن أتشعب في الكلام، لكن سنعود إلى مراتب القدر؛ لأن مسألة القدر يا إخوة مسألة دقيقة شائكة. واضح؟
بعض الناس يأخذ حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول: (إذا ذكر القَدَر فأمسكوا)، ويقول: “لا ينبغي أن يُتكلم عن القدر”. خطأ. النبي صلى الله عليه وسلم قال في نفس الحديث: (وإذا ذُكِرَ أصحابي فأمسكوا). طيب، واحد يسب الصحابة تسكت؟ كلام فارغ.
لكن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا ذكر القَدَر فأمسكوا)، إذا ذكر القدر بغير حق وبباطل أمسك. خاصة من سيأتي معنا فيما بعد، السؤال عن القدر لا على وجه التعليم والتعلم، وإنما على وجه المخاصمة والاعتراض: “ليش أعطاك ولم يعطني؟ لماذا تزوجت ولم أتزوج؟ لماذا أنت أحمر وأنا أصفر وهذا أسود وهذا أبيض؟ لماذا هذا غني وهذا فقير؟ لماذا ولماذا ولماذا؟” (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون). هذا سنَعِيه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
إذاً، مسألة التوفيق والخذلان، ذكرت لكم مثالاً حسناً. يقول ابن القيم مسألة التوفيق والخذلان في مدارج السالكين: “يقول كرجل ملك أرسل إلى قرية تحت مُلكه، وأخبرهم بأن العدو سيغزوهم، وقال لهم: العدو سيأتيكم بَغتة، كما تأتي القيامة والموت بَغتة. وقال لهم: سأرسل لكم ما تَرحلون به عن ذلك المكان حتى تأمنوا من بَطْش ذلك الملك”. وَفَّى ولا؟ وَفَّى. العدل صار ولا؟ طيب.
ثم أرسل هذا الملك إلى أقوام معينين، قال: “تذهبون إلى فلان وفلان وفلان وتعينوهم أكثر مما أعنتم الآخرين، تعطونهم ما به وما يأكلونه وما يستسقون به، وغير ذلك”. طيب. عَمَلُ هؤلاء بماذا؟ بالفضل. هل يأتي الأول ويَعيب على الملك بأنه خص أقواماً فزادهم فضلاً؟ أجيبوا. لا يستطيع.
كل واحد: “سنين اشتغلوا عندك. كم تحبون في اليوم؟ خمسين دينار. طيب، ولمئة دينار”. يلا، أعطيت لهذا مئة دينار وهذا مئة دينار. أنت وَفَّيت للأجرة ولا؟ أحدهما أعجبك عمله، بعد ما رحت قلت له: “تعال، زِدْ عشرين دينار”. هذه مني. يَعيب عليك الآخر؟ لا. أنت خدمتك كم؟ مئة. أخذت المئة. إذاً، هذا عدل وهذا فضل. ولا يُلام من عامل خلقه ما بين العدل والفضل.
فهمتم القدر ولا؟ الذي دخل الجنة وعمل صالحاً في الدنيا، قَبِلها، فقد تفضل الله تعالى عليه. من دخل النار يا إخوة، تركه الله ونفسه. ولهذا نحن نقول كل يوم: “يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين”؛ لأن الله تعالى إذا وَكَلَكَ إلى نفسك هلكت.
ولهذا قال العقلاء: “أجمعوا على أن التوفيق ما هو؟ ألا يَكِلَكَ الله إلى نفسك. وأن الخذلان أن يَكِلَكَ الله إلى نفسك.” لو تُرِكْتَ لنفسك هلكت.
ولهذا الله تعالى إيش قال؟ قال: (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم). فتحبيب الله للإيمان في قلوب المؤمنين هذا مزيد توفيق؛ بأن يُضعف الله في قلبك الميل إلى الكفر، ويقوي سبحانه في قلبك حب الإيمان. ولهذا المؤمن لو قُطِّعَ لا يستطيع أن يتخيل أن يكفر بالله؛ لأن الله تعالى غرس في قلبه محبة الإيمان. هذا نموذج يا إخوة من التوفيق. فهمتم؟
إذاً، عندنا: العلم، عندنا: الكتابة، عندنا: المشيئة. فكل ما يقع في ملك الله فهو بمشيئته.
4. المرتبة الرابعة: الخلق
بقي الرابع هو الخلق؛ لأن كل ما يقع فهو بِخَلْقِ الله. قال تعالى: (الله خالق كل شيء). وقال: (والله خلقكم وما تعملون). (إن الله خالق كل صانع وصنعته). كل شيء بخلق الله. (والله خلقكم وما تعملون) أي: والذي والذي أنتم أو وعملكم. والكل بنفس المعنى. فهمتم؟
فالكل بخلق الله، فلا يقع شيء إلا بِخَلْقِ الله. لماذا نقول هذا؟ لأن المعتزلة قالوا: “الإنسان يخلق فعل نفسه”. ولهذا سموا المعتزلة بمجوس هذه الأمة. ليش؟ لأن المجوس قالوا: هناك خالقان، خالق للخير وخالق للشر. جاء المعتزلة وقالوا نفس القول: قالوا: “والله يخلق كل شيء إلا فعل الإنسان، يخلقه الإنسان”. فأثبتوا خالقين اثنين، بل أكثر؛ لأنهم أثبتوا كل واحد فينا يخلق ما يشاء، يعني من جهة فعله. وأنا لا أريد أن أخوض بكم في الخلاف وغير ذلك، هذا لا يصلح لمثل هذه المجالس.
لكن اعلموا أن القدر: علم، كتابة، مشيئة، وخلق.
تقريب هذا: أن تعلم أن شفت درسنا هذا علمه الله ولا؟ طيب. مكتوب في اللوح المحفوظ ولا؟ شاءه الله ولا؟ وخلقه؟ لأنه وقع. فليس هناك شيء وقع إلا وقد مر بهذه الأمور الأربعة.
وهذا يا إخوة يجعل العبد يعظم الله جل جلاله؛ لأن كل ما يقع علمه، وكتبه، وشاءه، وخلقه. كل ما يقع. ولهذا قلت لكم في البداية: القدر قدرة الله جل جلاله وتقدست أسماؤه سبحانه وتعالى.
قواعد مهمة في القدر
هذا القدر يا إخوة له مباحث أخرى، أنت ينبغي لك أن تعلم فيه بعض القواعد.
القاعدة الأولى: لوم النفس وعدم لوم القدر
بأن العاقل خصم نفسه، وأن الجاهل خصم أقدار ربه. ولهذا قال الشاعر:
”وعاجزُ الرأيِ مضياعٌ لفرصتِهِ حتى إذا ضاعَ شيءٌ خَاصَمَ القَدَرَ”
المؤمن يا إخوة لتقصير في حق الله يلوم من؟ نفسه. المشرك المُبْطِل يلوم ماذا؟ أقدار الله. وبعض الناس الآن لا يلوم الأقدار صراحة، إيش يقول؟ يسب في الزمان، والوقت، والدهر، ولا يلوم نفسه. فهمتم؟
القاعدة الثانية: الاستدلال بالقدر في المصائب لا في المعائب
وهي أنه يُستَدَلُّ بالقدر في المصائب، ولا يُستَدَلُّ بالقدر في المعائب.
طيب، نزلت أمطار كسرت بيتاً. يمكن تقول: هذا قدر الله ولا؟ قدر الله؛ لأن المسألة خارجة عليك ولا خارجة عن سيطرتك. إذاً، يُستَدَلُّ بالقدر في المصائب. هذه مصيبة ليس لك فيها دخل.
طيب، الإنسان ذهب تارك الصلاة وذهب يشرب الخمر. لماذا شربت الخمر؟ قال: “هذا قدر الله”. هو قدر الله ولا؟ هو قدر الله، لكنك أنت مشيت بساقك إلى قدر الله. طيب، إذا كان قدر الله، هل يسكت عليك اللائم؟ لا يسكت.
ولهذا لما سرق رجل في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال عمر: “أتَقطع يدي وقد سرقت بقدر الله؟” قال عمر: “ونحن نقطع يدك بقدر الله وبشرع الله”. فهمتم؟
ولهذا بعض الناس إيش يقول؟ يقول: “أنا أترك الصلاة بقدر الله، ولو شاء الله هدايتي لَشَاءَ”. طيب، لو شاء الله أن تعمى أنت، أن تُرزق المال والذهب، سترزق. ابق في بيتك ولا تتحرك. بل لو شاء الله أن تعيش وتعيش، لا تأكل، لا تشرب ولا ترتاح. ولو شاء الله سيأتيك. يصدق في هذا؟ ولو شاء الله أن تُرزق الولد لَرُزِقْتَ بلا زواج. هل يقبله؟ لا يقبله.
فإن قال واحد: “أنا أفعل المعصية، وأنا مُجْبَرٌ عليها؛ لأن الله خلقها”. هذا تأخذ عصا وتضربه. فإذا قال لك: “ليش تضرب؟” قل له: “هذا قدر الله”. يقبل؟
دخل إلى بيتك يسرق متاعك. أنت أمسكته، قال: “أنا أسرق بقدر الله”. واش تقول له؟ “جزاك الله خير. تفضل”. يقبل واحد؟ طيب، واحد يترك صلاته ويسب ربه ويُنكر البعث، ويقول: “هذا بقدر الله”. تُقبَل؟ يعني إذا كانت في الدنيا الدَّنِيَّة التي لا تساوي شيئاً لا يقبله العبد، كيف يقبله في الدين يا إخوة؟
ولهذا هذه مسائل القدر لولا أن الناس يخوضون فيها لا تحتاج أصلاً.
حتى تعلم بأنك جئت لهذا الدرس مختار. ولهذا أحياناً بعضكم لا يريد أن يأتي إلى الدرس، وربما أحياناً يُخيَّر أموراً من الدنيا. فكل واحد فينا يعلم أنه مختار يا إخوة. ومشيئة الله لهذا وعلمه به وكتابته له شيء، هذا يقيم عليك الحجة، وليس ليُجبِرَك الله تعالى على فِعْلِك. ولا كل واحد فينا يعلم بأنه متى يختار الإيمان ومتى يختار والعياذ بالله ضد ذلك.
ولهذا لما جاء اليهودي واستدرك على شيخ الإسلام، وجاء بقصيدة معروفة، فقال: “يا علماء الدين، ذِمُّوا دينكم تحيَّر في هذه القضية”. وساق قصيدة تائية لشيخ الإسلام. فأطرق شيخ الإسلام إليه ينظر إليه، ثم كتب قصيدة جاوزت مئة بيت، وهي موسومة بـ “تائية القدر”، فرد عليه بقصيدة على نفس البحر وعلى نفس القافية، بَيَّن فيها شيخ الإسلام.
في مطلعها قال:
”سؤالُكَ يا هذا سؤالٌ مُعَارِضٌ جَحُودٌ غَوِيٌّ خارِجٌ عن مَحَجَّةِ”
أصلاً سؤالك هذا سؤال مُعارض. ثم شيخ الإسلام ضرب له المثل. قال:
”وهَبْكَ كفَفْتَ اللومَ عن كلِّ مجرِمٍ **وعن كلِّ كافرٍ”
يعني هَبْ أنك، شفتم الكفار هؤلاء؟ لا نلوم عليهم؛ لأنهم كفروا بقدرة الله. قال شيخ الإسلام:
”وهَبْكَ كفَفْتَ اللومَ عن كلِّ كافرٍ وكلِّ غَوِيٍّ خارِجٍ عن مَحَجَّةِ
إعراضاً عن لكلِّ مُعتدٍ على النفسِ في مالٍ على الناسِ في نَفْسٍ ومالٍ وحُرْمَةِ”
شيخ الإسلام قال له: “إذا كنت أعرَضْتَ عن الكافر، تقول: كَفَرَ بقدرة الله. إذاً الذي اعتدى على زوجتك اعتدى بقدرة الله، والذي كَسَرَ بيتك كسره بقدرة الله، والذي ظلم نفسك وأهلك وعيالك بقدر الله”. هل تقبل أن واحد يعتدي على أهلك؟ أجيبوا. لا أحد يقبل. طيب، لماذا لم تقبل أن واحد يعتدي على أهلك، وتقبل أن واحد يعتدي على حرمات الله باسم أنه بقدر الله؟ ولا الكل بقدر الله. فهمتم ولا؟
إذاً، هذه مسائل القدر أحكموها. إذا لم تستطع إحكامها من جهة تقرير العلم، تقرير أخيراً، اختر هذه الأمثلة.
وكل واحد يقول لك: الإنسان مُخيَّر ولا مُسَيَّر؟ هذا السؤال يخوض فيه الناس. الإنسان مُخيَّر ومُسَيَّر. يُقال: الإنسان مُخيَّر باعتبار، ومُسَيَّر باعتبار.
-
-
- أما السعادة التي تترتب عليها جنة ونار، هو مختار. ليش مختار؟ لأن الله تعالى قال: (من كفر بالله من بعد إيمانه * إلا من أُكْرِهَ وقلبه مطمئن بالإيمان). لو كان الإنسان غير مختار، كان ضد الاختيار الإكراه، فهم معذورون. والله تعالى بَيَّن أن هؤلاء في النار وهؤلاء في الجنة. فلو كان الإنسان مُجبراً لكان مُكْرَهاً، ولو كان مُكْرَهاً لكان معذوراً. صحيح ولا؟ إذاً، الإنسان مختار.
- الأمر الثاني: أن الإنسان مُسَيَّر في المصائب، ومختار فيما يتعلق بالمعائب. إيش معنى مُسَيَّر؟ هل أنت اخترت لونك وجنسك وأبويك ومتى تعيش؟ وأين تُرزق؟ ومتى تموت؟ لا تستطيع أن تختار هذا. فالإنسان مُسَيَّر فيما لا دخل له فيه، ومُخيَّر ومُختار فيما يترتب عليه جنة ونار. فهمتم؟ لا بد من فهم.
-
القاعدة الثالثة: التسليم لحكمة الله
وأيضاً من القواعد التي ينبغي أن تُفهم في مسائل القدر: بأنك لا تُكثر من الأسئلة عن تفسير أفعال الله. وهذا قد أشرت إليه قبل ذلك. قال جل وعلا: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون).
لما سألت معاذة العدوية عائشة رضي الله عنها في الصحيحين، قالت: “لماذا الحائض تقضي الصيام ولا تقضي الصلاة؟” قالت عائشة: “أَحَرُورِيَّةٌ أنت؟” قالت: “لستُ حَرُورِيَّةً ولكني أسأل”. قالت عائشة: “كنا نحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنُؤمَر بهذا ولا نُؤمَر بهذا”.
فردت عائشة المسألة إلى أصل كلي، وهو أن العبد خُلِقَ لِيُسَلِّمَ لأمر الله جل وعلا: لأمر الله الشرعي ولأمر الله القدري الذي لا دخل له فيه. ولهذا قال تعالى: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم). فهمتم؟
ولهذا يا إخوة يقول شيخ الإسلام في التائية القدرية:
”وأصلُ الزللِ للخلقِ من كلِّ فِرْقةٍ هو الخوضُ في فعلِ الإلهِ بعِلَّةِ”
فإنهم أرادوا أن يفهموا حكمة له، فصاروا على نوع من الجاهلية.
وأنا أضرب لكم مثالاً كلكم يحفظه. موسى عليه السلام اعترض على الخضر لما كَسَرَ السفينة وخرقها؟ لِمَ قتلت غلاماً صغيراً؟ ولِمَ أقمت جداراً أهله أهل بُخل؟
طيب، لماذا موسى استدرك؟ لأن موسى لم يَطَّلِعْ على ما اطلع عليه الخضر. والخضر لا يعلم الغيب، لكن الله تعالى أعلمه على هذا. فقال: (وما فعلته عن أمري). ولهذا الخضر نبي على الصحيح، وهو قول الجمهور. فهمتم؟ إذاً، قال: (وما فعلته عن أمري).
فلما خفي أمر الله في هذا الأمر -وموسى أفضل من الخضر- لكن لما خفي أمر الله وحكمة الله وقدر الله في هذا الأمر، استنكر واستغرب. أنت تمر في طريق مع صاحبك، يأخذ الصبي ويقتله. تستغرب ولا؟ وحق لك أن تستغرب. لكن لما عَلِمَ بأن وراء هذا حِكَمٌ عظيمة: بأن يموت الصبي قبل البلوغ فيدخل الجنة، ولا يُرهِقُ أبواه على الكفر، ويَرزُقَهُما الله جل وعلا بولد آخر يدخل الجميع الجنة. شفتوا العاقبة؟ حسنة ولا؟ حسنة. هؤلاء المساكين كانت لهم سفينة، ربما تسخطوا على أنها خُرِقَتْ، لكن لو ذهبت هذه السفينة ما الذي يقع؟ يخسر كل شيء. فخسروا القليل وربحوا الكثير، ولو ذهبوا لخسروا الكل.
وكم من إنسان تضيع عليه طيارة يتسخط، وإذا بها تسقط! أذكركم بقصة موسى والخضر. الإنسان يتسخط لماذا؟ لأنه لا يَطَّلِعُ ولا يعلم. فموسى عليه السلام لم يتسخط وحاشاه، لكنه استدرك وسأل. ليش؟ لأنه غاب عنه هذا الأمر.
لهذا يقول ابن الوزير في إيثار الحق على الخلق في أبيات لا أدري هل بَقِيَ منها شيء:
”تَسَلَّى عنِ الوِفَاقِ فربُّنا قد حَكَى بينَ الملائكةِ الخِصَاما”
الملائكة سألت، قالت: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) صح ولا؟ ليس على سبيل الاعتراض، لكنها سألت. فَبَيَّنَ الله تعالى لها أن هذا المخلوق وإن كان ما فيه، فإنه أكرم على الله، وكريم، وفيه الصالحون وشَرَّفَهُ الله بالعلم.
”تَسَلَّى عنِ الوِفَاقِ فربُّنا قد حَكَى بينَ الملائكةِ الخِصَاما
كذا الخضرُ المُكَرَّمُ والوَجيهُ (يعني موسى المُكَلَّمُ) إذْ أَلَمَّ بهِ لَمَّا
ما تَكَدَّرَ صَفْوُ جَمْعِهِمَا مِرَاراً صاحِبَ السِّرِّ الصِّرَامَ الانصِرَافَا
ففارَقَهُ الكَلِيمُ كَلِيمَ قَلْبِهِ وثَنَّى على الخَضِرِ المَلامَا
ثم قال: وما سَبَبُ الخلافِ سوى اختِلافِ العُلُومِ هُنَاكَ بَعْضاً أو تَمَامَا
فكانَ مِنَ اللَّوَازِمِ أن يَكُونَ الإلَهُ مُخالِفاً فيها الأَنَامَا
**فلا تَجْهَلْ لَها قَدْراً وخذْها شَكُوراً للذي يُحيِي الأَنَامَا”
قول ابن الوزير هنا اليماني رحمه الله تعالى: “فلا تَجْهَلْ لَها قَدْراً” أي: فلا تَجْهَلْ لهذه الوصية. “وخُذْها شَكُوراً” قُلْ لِرَبِّكَ على أن مَنَّ عليك بهذا العلم النافع الذي يرفع عنك حجاب الغفلة؛ لأن من لم يؤمن بالقدر يا إخوة كما قلت لكم تسلطت عليه وساوس الشيطان وغلبت عليه الأحزان. فهمتم؟
ولهذا المشركون إيش قالوا؟ قالوا: (لو شاء الله ما أشركنا). وإبليس إيش قال؟ (فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي). شفتم إيش قال؟ (فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ).
شوفوا آدم وحواء ماذا قالا؟ (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين). بينما إبليس اللعين إيش قال؟ قال: (فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ). شفتم الفرق؟
ولهذا يقول شيخ الإسلام في التدمرية وفي مواضع أخرى من كتبه، وابن القيم في مواطن في إغاثة اللهفان وغيره: “أما آدم -أما إبليس- يقول ابن تيمية: قل: وأما من أذنب واستدل بالقدر فقد شابه إبليس. وأما من أذنب واستغفر فقد شابه أباه. ومن شابه أباه فما ظَلَم”. شفتم؟ آدم عليه السلام أذنب ولكنه استغفر وتاب، فنزل إلى الأرض، لكنه عاد إلى الجنة في جنات العلا عليه السلام. إبليس أذنب واستكبر، لكنه استدل بالقدر على ذنبه، وأصر في العناد.
ولهذا يقول أهل العلم: “يقولون المشركون احتجوا بالقدر على كفرهم، وإبليس احتج بالقدر على تَكَبُّرِهِ وعلى كفره”. قالوا: “والمحتج بالقدر ارتكب أربعة محاذير”:
-
-
- الأول: بأنه اقترف.
- ثانياً: احتج على ذنبه بالقدر.
- ثالثاً: زعم أن الله أجبره على ذلك الذنب.
- رابعاً: أضمر في استدلاله بالقدر على أنه سيُصِرُّ.
-
فهمتم؟ لأنه لو كان يريد التوبة ما كان يحتج بالقدر. إذاً، هو يفعل الذنب ويحتج بالقدر، ويزعم أن الله ظلمه بذلك الذنب، والأمر الآخر يُمَهِّدُ لنفسه حتى يكون مُصِرّاً على ذلك الأمر.
إذاً، شفتم مسائل القدر يا إخوة؟ عندك أمور عامة وهي أنك تحفظ مراتب القدر الأربعة، وقد جمعها الشاعر في قوله:
”عِلْمٌ كتابةُ مَولانا مَشِيئَتُهُ وخَلْقُهُ وهو إيجادٌ وتكوينُهُ”
هذه المراتب الأربعة لا بد من حفظها في فهم القدر. بقيت لك قواعد أخرى فيما ذكرت لك من مسألة المصائب والمعائب والمُخَيَّر والمُسَيَّر وتعليم أفعال الله وغير ذلك. هذه أمور لو فهمتها ترتاح.
لكن لا أفضل بعد كلام الله من كلام النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (ما أخطأك ما كان ليصيبك، وما أصابك ما كان ليخطئك). هذه يَرتاح بها العبد. شفتم؟ ولهذا الحسود مُعَذَّب؛ لأن الحسود لا يرضى بالذي عنده، ويسخط على أن الله أعطى غيره. ولهذا تجد الحسود والحقود في عذاب مُقيم؛ لأنه لا يتمتع بما عنده، ولا يفرح بما أعطى الله عند الناس.
ثم قال جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم: (قال فأخبرني عن الإحسان). واضحة مسألة القدر يا إخوة؟ طيب.
الإحسان
نعم، سؤال فقط. على القدر. نعم. بالنسبة نعم، يجب عليه، أو نعم، ما الذي يأتي بالطاعة؟ نعم. يقول: “من فعلي أم يكن منة من الله؟”
أحسنت. مما عاب العلماء على الجبرية أنهم كانوا قَدَرِيَّة عند الطاعة، جَبْرِيَّة عند المعصية. إيش معنى هذا الكلام؟ كان هؤلاء القوم إذا فعلوا طاعة لا يقول: “من قدر الله”. يقول: “أنا صليت”. فإذا وقعت على معصية قال: “من قدر الله”.
لا، قدر الله هذا وهذا. فالذي يفعل الطاعة فعلها باختياره، ووفقه الله. والذي فعل المعصية فعلها باختياره، وخَذَلَهُ الله. إذاً، الكل باختيار العبد. الشيء الوحيد الذي ليس باختيار العبد هو من يأتي من مصائب. لا، مات ابن عبد. ما دخلك فيه؟ لا تستطيع شيئاً. فهمتم؟ نزل عليك أمر وأنت تذهب إلى ظلمك إنسان. أنت مار، اعتدى عليك إنسان. هل تستطيع تقول: “هذا قدر الله”؟ هذا قدر الله؛ لأن ليس لك فيه دخل. طيب، أنت ظلمت إنساناً، تقول: “هذا قدر الله”؟ غلط. هو قدر الله الذي اخترته أنت. قولك: “قدر الله” لا يُنْزِلُ عنك الملام.
إذاً، الطاعة والمعصية باختيار العبد. يُحمد العبد على الطاعة، ويُذَمُّ على المعصية، والكل بقدر الله. واضح؟
لكن أنا ظننت سؤال آخر، وهو أن آدم عليه السلام، وهو سؤال وجيه وقريب من هذا. آدم عليه السلام لما جاء وتقابل مع موسى عليه السلام، إيه إيش قال موسى لآدم عليهما الصلاة والسلام؟ قال: “أخرجت أنا من الجنة”. قال آدم عليه السلام: “قال: أنت تحتج عليَّ بأمر تلومني على أمر قد كتبه الله عليَّ قبل أن يخلق السماوات أو بخمسين ألف سنة”.
طيب، هنا آدم احتج بالقدر يا إخوة ولا؟ طيب، ما وجه جوابي هذا؟ أنا لن أجيبكم. أجاب العلماء بجوابين. الجواب الأول ذكره شيخ الإسلام وذكره من قبله يعني الباجي صاحب الوصية في المنتقى؛ لأن الإمام مالك ذكر هذا في الموطأ رواية يحيى الليثي. موجود هذا في باب القدر أو في غيره، في غيره على كل، في رواية يحيى الليثي في الموطأ فيما يتعلق بالقدر في آخر الكتاب ذكر هذا. وخَرَّجَهُ العلماء.
إذاً، عندنا جوابات على هذا. أترككم كما ذكرنا في المسألة وجاء بكم من البدو في درس قبل الماضي، فأترككم تبحثون عنها. من وجد فيكم جواب فليخبرني به. واضح؟ طيب.
إن شاء الله تعالى.
المسألة التي بعدها وهي الإحسان. قال: (فاخبرني عن الاحسان). قال: (أن تعبد الله كأنك تراه).
طيب، أنا أرى أن الوقت بقي لنا أقل من عشر دقائق، وعليه لا بد أن نحتاج درساً آخر لحديث جبريل.
طيب، قال: (فأخبرني عن الإحسان). قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). إذاً، تكلم عن الإسلام، ثم تكلم على الإيمان، تكلم على الإحسان.
الإحسان يا إخوة من جهة اللغة هو الإتقان. الإحسان هو الإتقان. أحسنت، أي: أتقنت. والمقصود بالإحسان هنا في ماذا؟ الإحسان في عبادة الله. هل هو إحسان إلى الله؟ أجيبوا. الله غني عن الجميع، عن كفر كافر وطاعة الطائعين. واضح؟ (وإن تشكروا فإن الله غني عنكم). (وإن تكفروا فإن الله غني عنكم). (ولا تزر وازرة وزر أخرى). فالله تعالى لا يضره لا معصية العاصين، ولا تنفعه طاعة الطائعين.
إذاً، الإحسان هنا أنت تُحسِن لنفسك في عبادة ربك. وبَيَّن النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة الإتقان في العبادة ما هو؟ لأنك إذا آمنت ظاهراً وآمنت باطناً، بقي لك ماذا؟ رتبة أخرى أعلى من هذا وهذا، وهي رتبة الإحسان والإتقان.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). فذكر النبي صلى الله عليه وسلم هنا للإحسان رتبتين:
1. الرتبة الأولى: مقام المشاهدة
أن تعبد الله جل وعلا وكأنك واقف بين يديه تراه. وهذا المقام يسمى مقام ماذا؟ المشاهدة.
يقول ابن السعدي وقد مر معنا في نظم السير إلى الله:
”عَبَدُوا الإلهَ على اعتِقَادِ حُضُورِهِ فتبوَّؤُوا بمنازِلِ الإحسانِ”
إذاً، أنت واقف وكأنك ترى ربك، كيف ستعبده؟ عبادة المُقبِل الخاشع الخاضع المُحِبِّ لله جل جلاله.
2. الرتبة الثانية: مقام المراقبة
طيب، هذه قد لا يحققها كل إنسان، فتكون هناك درجة هي دونها، وهي: (فإن لم تكن تراه) أي: فإن لم تكن قد حققت مقام مشاهدتي، فلا يغيب عن ناظريك بأن الله تعالى مُطَّلِعٌ عليك، ولا تخفى عليه منك خافية. وهذا هو مقام المراقبة. ولهذا بعضهم لما استوصى أحد الصالحين قال: “لا تجعل الله أهون الناظرين إليك”؛ لأنك تستحي أن يراك الناس في موضع، لكنك لا تستحي أن يَطَّلِعَ الله جل وعلا عليك.
ولهذا يقول القحطاني في نونيته:
”وإذا خلوتَ بِرِيبَةٍ في ظُلمَةٍ والنفسُ داعيةٌ إلى العصيانِ
فاستحيِ من نَظَرِ الإلهِ وقل لها: إنَّ الذي خَلَقَ الظلامَ يَرَانِي”
ولهذا يقول ابن زين العابدين في قصيدته ليس الغريب:
”أنا الذي أَغلقتُ الأبوابَ مُجتَهِداً على المعاصي وعينُ اللهِ تنظُرني”
ولهذا لما جاء رجل يريد أن يفعل بامرأة ما يفعل، قالت: “إن أردت أن تفعل فافعل في مكان لا يرانا الله تعالى فيه”. وأين هذا المكان؟ أين المَفَرُّ من الله جل جلاله؟ لا مَفَرَّ لأحد من الله.
لكن الكل يعصي الله. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم إيش قال؟ تكلمنا عن هذا في مسألة الإيمان. قال: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن). في الرواية الأخرى قال: (فيكون إيمانه فوقه كالظلة). هل للزاني كافر؟ لا، لكن الإيمان الكامل سُلِبَ؛ لأن لو كان مؤمناً إيماناً كاملاً لَانكَفَّ عن المعصية.
ولهذا صاحب الغار لما جلس بين شُعَبِها الأربع، قالت: “يا عبد الله، اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه”. قال: “فانفض من عليها”. قام. شفتم؟ هنا شفتم الإيمان كيف؟ يعني الإيمان نقله من فوق امرأة ينتظرها من سنوات، وقد جاءته مُتَهَيِّئَة، لكن الإيمان رَفَعَهُ من ذلك الأمر. شفتم؟ الإيمان الذي رَفَعَهُ هو الذي رفع الله جل وعلا به تلك الصخرة. شفتم الصخرة هذه؟ ما الذي حركها؟ الله جل جلاله. لكن جزاء لذلك المؤمن بذلك الموقف. فهمتم؟
إذاً يا إخوة، الإحسان إما مشاهدة، عفواً، إما مشاهدة وإما مراقبة. والإحسان هنا المقصود بها الإحسان في عبادة الله.
ولكن الإحسان قد يكون مع المخلوق، وقد يكون في عبادة الخالق.
-
-
- أما في عبادة الخالق فهو المقصود هنا.
- وأما مع المخلوق قد يكون الإحسان مع الحيوان: (إذا قتلتم فأحسنوا القِتْلَة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذَّبْح). وقد يكون إلى الناس: (أحسن إلى جارك)، و**(وبالوالدين إحساناً)**. (إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون).
-
فالإحسان يدخل في كل شؤون الحياة. والإحسان أقول لكم ما هو؟ هو الإتقان. فأنت في الدنيا إذا عملت عملاً تحب أن يكون متقناً ولا؟ فكذلك ينبغي لنا أن نكون في عبادتنا لله جل وعلا متقنين. ولهذا مقام الإحسان يا إخوة مقام جليل.
وابن القيم من لطافة النونية لما تكلم على الجنة في النونية قال: “سكانها أهل الصيام مع القيام”. لا ليس هذا. ابن القيم لما تكلم على الجنة قال قبلها: “قال إن الله تعالى لا ينظر إلى كثرة الأعمال، لكن ينظر إلى أحسنها”. صح ولا؟ (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً). إذا كانت كثرة مع الإحسان عظيم. لكن كثرة ليست مُحسَنة، هذه لا تنفعك. فهمتم؟ (وجوه يومئذ خاشعة * عاملة ناصبة * تصلى ناراً حامية). فالعبرة بالعمل الحسن: إخلاصاً واتباعاً.
ونختم بكلام ابن القيم يقول رحمه الله تعالى:
”يقول: والله لا يرضى بكثرةِ فعلِنا لكنْ بأحسنِه مع الإيمانِ“
قال: “فالعارفون مُرادُهم إحسانُهُ، والجاهلون عَمُوا عن الإحسانِ”.
نكتفي بهذا القدر. والله أعلم، وصلى الله وبارك على نبينا محمد.