الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
🕌 مقدمة واعتذار
أولًا، اعتذر على الدرس الماضي، لكن لو أتيت لأذيتكم، فهمتم. تمثلت ذلك اقتباسًا من قول مداعبة مع عبد الله، قلت له: “كنت فيما مضى عن الكوفيد مستورًا، مساء اليوم أوميكرونا مأسورًا.”
ومن باب الشيء بالشيء يُذكر: مزج أو دمج الفرنسية أو الإنجليزية في كلام عربي، هذا موجود عند بعض الشعراء المعاصرين، أي يجعل قصيدة. لكن هذا ليس قصيدة على كل، هذا البيت فقط غيَّرته.
يقول شيخنا الشيخ بدر لما ذهب إلى الخارج، وهو لا يُجيد الإنجليزية، كان يقول:
(إذا عجز الإنسان في الإنجليز، كالبكم قهرًا يا عزيزي وأبدل)
(وخاطب بالإشارة كل حرٍ أبدل، بوح صدرك بالأزيز)
أي اغْلِ ما في داخلك ولا تتكلم؛ لأننا لا نُحسن. ثم قال:
(ولا تنطق بحرف ثم تشقى، ولا تعرف سوى جِهَمِي و إيزِي)
تَعرف كلمتين، خليهم عندك ولا تستحي!
ومن باب الطرائف أيضًا ونختم به: أن بعضهم كتب قصيدة عربية يُبين فيها قواعد الفرنسية. قرأتها لكن لا أحفظ منها إلا بيتًا قال:
(وكلُّ من أمرته بالسير، وكلُّ من سألته أين أنتم)
هي عذبة لطيفة، ولكن ما يجيش، أي تعلم، كبعض الإخوة، ترجم النحو العربي بالفرنسية! هذا كلام غريب، تَعلم العربية ثم تَعلم قواعدها فقط. هذا من باب الطُّرفة.
📚 إكمال شرح حديث جبريل عليه السلام
إذًا، هذا سبب التغيب في الدرس الماضي، فنكمل اليوم بإذن الله تعالى حديث جبريل عليه السلام، وأرجو أن نكمله. لماذا أقول أرجو أن نكمله؟ لأن أحد الإخوة سألني في الدرس الماضي بعد انتهائه على أن مسألة القدر ربما كان فيها شيء شائك على بعض الناس.
وجوابي عن هذا أولًا: هذا حق السائل، فالقدر قد يُشكل على الناس، لكن القاعدة أنه إذا أعجزك شيء فدعه. لهذا يقول الشاعر:
(إذا لم تستطع شيئًا فدعه، وجاوزه إلى ما تستطيع.)
وخير من ذلك قول الله تعالى:
﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ ﴾ (التغابن: 16).
والنبي صلى الله عليه وسلم قال في الصحيحين، ويأتي معنا: (مرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم).
كما شق على العبد، هذه قاعدة عامة: اتركه. لكن لا يتركه زهدًا فيه. لا يتركه ويقول: أنا لا أؤمن بالقدر! لأن من لا يؤمن بالقدر ليس بمسلم. من لا يؤمن بالقدر يا إخوة ليس بمسلم؛ لأن القدر تابع عقد الدين، فلا يقوم دين المسلمين إلا على الإيمان بالقدر.
ذكرت لكم في الدرس الماضي قول ابن أبي داود في حائيته يقول:
(وبالقدر المقدور أيقن فإنه، دِعامة عقد الدين والدين أفيح)
الدين أوسع، لكن منه القدر. ولهذا عدت ونقلت بعض القواعد من كتاب هو من أحسن الكتب المعاصرة في هذا الباب، لكن فيه نوع توسُّع، كتاب: “القضاء والقدر” للدكتور آل محمود. هذا كتاب كبير ولا يصلح أن يقرأه كل إنسان، لكن فيه تقعدات جيدة في هذا الباب، فلخصت منه بعض الإفادات وهي مبثوثة في الكلام الذي ذكرته في الدرس الماضي.
لكن لن أقرأ كل شيء، لكن سأقرأ فقط بعض التي قد تفيد في ترسيخ باب الإيمان بالقضاء والقدر.
📌 الأمر الأول: القدر قضية إيمانية
الأمر الأول وهو أن تعلم أن مسألة القضاء والقدر هي بالأساس قضية إيمانية. إيش معنى أنها قضية إيمانية؟ أي أنها أمر تابع للعقيدة، وأن مبناها إنما هو على التسليم. إيش معنى التسليم؟ يعني لا بد أن تُسلم بأن المتصرف في القضاء والقدر هو الله. وأن الله تعالى لا يمكن أن يظلم الناس شيئًا.
﴿ وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ (يونس: 44).
الذي يدخل النار لم يظلمه الله جل وعلا، وإنما الله سبحانه وتعالى أنزل الكتب، وأرسل الرسل، وأقام الحجة، وعذَر المكرَه، وخاطب فقط المختار.
هذا الصبي مخاطَب بالشريعة؟ يعني مخاطَب عفواً مُكلَّف؟ غير مكلف. المجنون مكلف؟ غير مكلف. النائم مكلف؟ غير مكلف. وهل المكرَه مكلف؟ لا، معفو عنه، بدليل:
﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ ﴾ (النحل: 106).
هذا يدلنا على ماذا؟ يدلنا على أن الله تعالى لا يمكن أن يؤاخذ أحدًا كان معذورًا في ترك أمر أو فعل نهي، واضح؟
إذا استقر في ذهنك هذا، تعلم أنه من دخل النار فإنما هو قد استحق النار، ومن دخل الجنة سعى في سبيل الجنة. لكن الله تعالى وفَّقه:
﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾ (الحجرات: 7) إلى آخر الآيات.
إذًا تعالى لما رأى عبده قد سعى في هذا الباب والمشركون الشياطين تدفعهم:
﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا ﴾ (مريم: 83).
أي تدفعهم إلى الباطل في الدنيا، وتدفعهم إلى سبيل النار في الآخرة، واضح يا إخوة؟ ولكن لا ينفعهم أنهم كانوا مأمورين من الشياطين. ولهذا الله تعالى ذكر في أكثر من موطن من القرآن تخاصم أهل النار، في الأعراف، في ص، وفي غيرها. فهمتم ليش؟ لأن تخاصم أهل النار يزيدهم عذابًا. لكن لم يعذر الله تعالى الضعفاء؛ لأنهم استجابوا للأقوياء.
متى يفرح العبد؟ الذي خالف قرينه في الدنيا، فاطلع، قال: ﴿ هَلْ أَنتُمْ مُّطَّلِعُونَ ﴾ (الصافات: 54).
قال: ﴿ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ﴾ (الصافات: 55).
إيش قال؟ قال: ﴿ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ ﴾ (الصافات: 56) أي كدت أن تُهلكني معك. ليش؟ لأن صاحبه كان يقول: ﴿ أَئِنَّا لَمَدِينُونَ ﴾ (الصافات: 53) يعني هل نحن سنُبعث وسنُحاسَب يوم القيامة؟
فلما فارق القرين قرينه، كان مصيره مخالفًا لمصير صاحبه. ولهذا الله تعالى قال:
﴿ الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ ﴾ (الزخرف: 67).
والله تعالى بيّن أنك أنت لو أضللت ألفًا ودخلتم جميعًا النار، لا يُغني عذاب غيرك عن عذابك، فالكل يُعذب. قال تعالى:
﴿ وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ﴾ (الزخرف: 39).
ولهذا سيأتي معنا إن شاء الله في حديث أبي ذر: لو أن الخلق جميعًا دخلوا النار، لا يضر ذلك الله تعالى، إذ ولو أنه أدخل الجميع الجنة لا ينفعه.
ولهذا أهل الجنة يرثون. ليش يرثونه؟ لأن من دخل النار ترك مكانه في الجنة، فيرث المؤمن مكان الكافر في الجنة. وإلا الجنة فيها مكان لكل البشرية، والنار فيها أيضًا لكل الناس، إنسًا وجنًّا. لهذا أغلب الناس وين؟ النار، من كل ألف تسعمئة وتسعة وتسعين والعياذ بالله.
لهذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:
(يا سلعة الرحمن لست رخيصة، بل أنت غالية على الكسلان)
(سلعة الرحمن ليس ينالها، في الألف إلا واحدٌ اثنان)
ثم قال:
(وتنالها الهمم التي تسمو، إلى رب العلا بمشيئة الرحمن)
(فاتعب ليوم ميعادك الأدنى، تجد راحاته يوم المعاد الثاني)
من اجتهد هنا، دخل الجنة. هنا يقول:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ﴾ (الأعراف: 43).
إن الله تعالى ذكر أن الجنة:
﴿ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ (الأعراف: 43).
طيب، كيف نجمع بين هذا وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما منكم إلا وسيدخل الجنة برحمة الله؟). قالوا: حتى أنت؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله برحمته).
الجواب عن هذا أن يُقال أن الباء نوعان: باء السببية وباء الثمنية. الأعمال سبب في دخول الجنة، ولكن ليست هي الثمن والمقابل، واضح؟ ليش ليست الثمن المقابل؟ ثواب الله يوم القيامة أعظم بكثير مما اجتهدت. صليت خمس صلوات، عشت خمسين سنة، ستين، مائة، ستدخل جنة عرضها السماوات والأرض، لا تفنى أبدًا، واضح؟ وتنظر إلى الله جل وعلا وتتمتع برؤيته، ويحل الله عليك رضوانه أبدًا، لا يسخط عليك أبدًا. هذا ليس مقابل الأعمال التي عملتها.
لكن الله أراد من خلقه أن يكون سبيل السلامة، فإذا رأى الله من عبده -وهو أعلم بهم- أنهم قد سلكوا سبيل الاستقامة، وفقهم إلى دخول دار الكرامة. لكن إذا تنكَّب الناس عن طريق الاستقامة، أدخلهم النار وهي دار الحسرة والندامة، فهمتم هذا الأمر؟
ولهذا نحن عندنا ماذا؟ عندنا قدر الله وعندنا شرع الله، واضح؟ الواحد اللي يقول بأن الله تعالى يعلم مكاني في الجنة وفي النار، وقال هذا قدر الله، أنت مخاطَب بتطبيق شرع الله، وإذا طبقت شرع الله ستدخل جنة الله جل جلاله.
ولهذا يا إخوة، من الطوائف من غلَّب الأمر الشرعي ونسي الأمر القدري، ومنهم من غلَّب الجانب القدري ونسي الأمر الشرعي.
- فالذين غلَّبوا الجانب الشرعي هم المعتزلة، ومن تنزيههم فيما زعموا لله قالوا: الله لا يمكن أن يخلق معاصي، واضح؟ لكنهم فروا من باطل وقعوا في باطل عظيم.
- ولهذا المعتزلة وعيدية ولا مُرجِئة؟ إيه وعيدية.
- جبرية ما هو؟ هذا السؤال للإخوة الذين يفهمون السائل، جبرية يا إخوة وأيضًا مُرجِئة! شفتم لما كانوا جبرية في مسائل القدر؟ قالوا: كل ما نفعله إنما هو الله أجبرنا عليه. كانوا مُرجِئة في الإيمان فقالوا: لا يضر مع الإيمان شيء.
فهمتم؟ إذًا مسائل العقيدة مرتبط بعضها ببعض. فتجد من الزهد عند المعتزلة على ابتداعها، وتجد من الفسق والمجون عند الجهمية والجبرية على ابتداعهم وكفرهم؛ لأن هؤلاء غلَّبوا جانب الشرع وهؤلاء غلَّبوا جانب القدر.
ونحن: نحن نقول: لا يتعارض القدر والشرع. إيش معنى؟ نفعل ما يأمرنا الله به، وسلّمنا بأن الكل من عند الله.
ولهذا يقول شيخ الإسلام في كتابه الفرقان: يقول: “والعبد مطالب أن يفعل المأمور، ويترك المحظور، ويصبر على المقدور.” فهذا هو ولي الله جل جلاله. يفعل الطاعة، يترك المعصية، ويصبر على أقدار الله جل وعلا التي هي خارجة عن نطاقه أو عن وسعه.
إذا هذه كلها أمور، وهناك تفاصيل أخرى دونتها لكن لا حاجة لنا بذكرها. إذا فهمتم هذا الأصل، ولهذا يا إخوة، من يقول من الناس يقول: أنا الله يُجبرني على المعاصي، وإلا لو لم يُجبرني لما فعلت. قال: إذًا إبليس معذور وفرعون معذور، صح ولا؟ إذًا ما الفرق بين إبليس وبين آدم إذا كان الكل مجبرًا؟ في فرق؟ طيب، ما الفرق بين موسى وفرعون؟ هذا أُجبر على الطاعة فقام بها، وهذا أُجبر على المعصية فقام بها. فقوة قدرة الله ظهرت في هذا، ما فضل موسى على فرعون؟ لو كان الأمر من غير اختيار. لكن الكل يعلم أن فرعون في النار، وأن موسى في الجنة، وأن هذا من أعدى أعداء الله، وهذا من أعظم أولياء الله. ليش؟ لأنه لو لم يكن للاختيار في ذلك دور، لما كان هناك فرق بين الولي والعدو، وما كان فرق بين أبي بكر الصديق ومسيلمة الكذاب الزنديق، صح ولا؟
فهمتم؟ إذًا الطاعة هي التي تفرق بين هذا وبين هذا. ولهذا الله تعالى قال في ثمود قال:
﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾ (فصلت: 17).
أرسل الله إليهم نبيًا، وجاءتهم آيات عظيمة وهي آية الناقة، ورأوها بأعينهم وشاهدوها، واستحبوا العمى على الهدى. طيب، لو كان الله تعالى يريد أن يُعذب أقوامًا مجبرين عن المعصية، لماذا يُرسل إليهم ثمود ويُريهم من آياته؟ عذبهم من البداية! لكن الله تعالى يرسل النُّذر والأنبياء والمرسلين وينزل الآيات حتى يُقيم حُجته على خلقه.
ولهذا يا إخوة، أطفال المشركين اختلف فيهم العلماء على بضعة عشر قولًا. أقرب هذه الأقوال كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الله أعلم بما كانوا عاملين). لكن هذا الحديث لا يعارض الحديث الآخر الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم بأن أبناء المشركين كغيرهم ممن لم تبلغه الدعوة يُمتحنون يوم القيامة، فإن نجحوا دخلوا الجنة وإن فشلوا دخلوا النار. شفتم؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين)، ومع هذا أقام عليهم الحجة في أرض المعاد، فأمرهم ونهاهم. شفتم؟
إذًا لا يمكن أن يدخل أحد الجنة أو النار إلا بعد أن تقوم حجة الله جل وعليه. ولهذا قال تعالى:
﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا ﴾ (الإسراء: 15).
وقال تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَ ﴾ (التوبة: 115).
﴿ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى ﴾ (النساء: 115).
ولا قبل ذلك؟ ليس مُخاطبًا؛ لأن الشرع لم يبلغه.
فهمتم؟ وهناك مسائل أخرى ليس هذا موضع بسطها، لكن فيما ذكرت لكم إن شاء الله تعالى كفاية في هذا الباب العظيم. وهي أنك تعلم أنك إنسان قيل له في سباق يجري: أنت اليوم هو الذي ستفوز. هل يأتي أثناء السباق وهو يجري ويقف، يقول: أنا الذي قيل لي بأني أنا الذي سأنجح؟ يمكن؟ لا يمكن. بل كلما زاد يقينًا بهذا الخبر، كلما ازداد اجتهادًا في مضمار السباق. بل كلما أوشك على الوصول، ما زاد عدوًا وسرعة. وهكذا المؤمن. لهذا احنا شرحنا لكم قصيدة “السير إلى الله والدار الآخرة.”
إذا أردت أن تعلم هل أنت من أهل الجنة؟ أم هل أنت من أهل النار؟ إذا تريد تعلم هذا، اسعَ في سبيل أهل الجنة تكن إن شاء الله تعالى من أهل الجنة.
ولهذا بعض الناس يقول: الله يعلم مكاني في الجنة والنار. طيب، لكن أنت لا تعلم. إذا أردت أن تعلم أنت وين؟ اجتهد. من قال هذا؟ الله تعالى أمرك بالاستقامة:
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ ﴾ (هود: 112).
(قل آمنت بالله ثم استقم). وسيأتي معنا إن شاء الله تعالى في الأربعين حديث سفيان بن عبد الله الثقفي.
فهمتم؟ إذًا إذا أردت أن تتيقن بأنك من أهل الجنة، اسلك سبيل أهل الجنة، ولا تكن كما قال الشاعر:
(ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها، إن السفينة لا تمشي على اليَبَس)
في واحد يحط سفينة على التراب ويقول: السفينة يأتيها الريح وتمشي! كلام فارغ. إذًا كما أنت تسعى في الدنيا للزواج ليكون عندك أبناء، وتدفع المال ليكن عندك بناء، وتُدخل أبناءك أعظم المدارس حتى ينجحوا، كذلك ينبغي لك أن تفعل أعظم الأعمال حتى تنجح وتفلح أنت ومن معك.
فهمتم؟ من استقر في ذهنه هذا، كان مرتاح البال. هذا القدر، ثم كما قلت لكم لا تنسوا قاعدة: يُستدل بالقدر على المصائب، وأبدًا إياك أن تستدل على القدر في المعائب. لكن كلما فعلت معصية، استغفر وتُب كما فعل آدم. وكلما جاءك أمر من عند الله، تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك). من عاش هكذا، عاش مرتاح البال، قرير النفس، منشرح الصدر. ولهذا قلت لكم قول الجماعة من السلف: “من لم يؤمن بالقدر تغشاه القَدَر”، وقالوا: “من لم يؤمن بالقدر تنغص عيشه وطال طيشه.”
وهذا ترونه يا إخوة في الكفار ونراه في عصاة المسلمين. شوفوا أنتم الذين يكون بعيد عن المسجد وعن الصلاة، تراه حياته في الصباح والمساء يسب الأزمان والدهر وكذا وكذا، دائمًا يُلقي اللائمة على الغير، ولا يسعى حتى يجتهد ويُخرج نفسه من أوحال المعصية والظلم.
كما واحد تقول له: أنت لم تشتغل وبطال ولا تفعل شيئًا، يقول: يرمي اللائمة على كل شيء، ولا يُوجه اللوم إلى نفسه. المؤمن ليس هكذا، المؤمن دائمًا يلوم نفسه إذا سعى في الأسباب التي يريدها الله.
أما إنسان ذهب إلى ألف طبيب ولم يأته ابن، الله جل وعلا قال:
﴿ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ﴾ (الشورى: 50).
لكن متى تقول: ﴿ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ﴾؟ عندما تفعل كل السبل، مش واحد لم يتزوج ولم يأته أبناء ويقول: ﴿ وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيمًا ﴾. أنت تزوّج حتى تثبت!
فهمتم؟ إذًا هذه مسائل القدر يا إخوة، لا بد من فهمها. ما أشكل عليكم فيها اتركوه. والنهي عن الخوض في القدر ليس النهي عن الخوض بهذه الطريقة. متى يكون القدر الخوض فيه مزلة أقدام؟ إذا خاض فيه العبد على سبيل تعليل أفعال الله، كأن يقول: لما أعطى هذا ومنع هذا؟ ليش هذا جاري طيب النفس لكنه كافر، وفلان متجبر في الأرض لكنه مسلم؟ لماذا هذا طيب؟ وجاءه ابن معاق وزوجة عاقة، وهذا فاسق وأعطاه الله كذا؟ وهذا وهذا؟ أنت تحط نفسك حاكمًا مكان الله تعالى وتُجيب عن هذه الأسئلة!
فهمتم؟ ولهذا ذكرت لكم أبيات ابن القيم، عفواً شيخ الإسلام في تائيته يقول:
(وأصل ضلال الخلق من كل فرقة، أو وصف فعل الإله بعلَّة)
(فإنهم أرادوا أن حكمة له، وساروا على نوع من الجاهلية)
ولهذا إذا تكلم العلماء على العلة وتعليل الأحكام الفقهية وغيرها، يقولون: ونحن نقول: إن الحكمة في كذا كذا والله أعلم بما وراء ذلك من الحِكم. لأننا لا نعلم، والله تعالى يُرينا القليل من علمه وأخفى عني الكثير. والعاقل هو الذي يسعى في إدراك حكم الله تعالى، إن علمها فبها ونِعم، إن لم يعلمها يعلم أن الله تعالى ما تحرك هذا من هنا إلى هنا إلا بحكمة، وما رجع إلى مكانه إلا بحكمة؛ لأن الله تعالى حكيم عليم سبحانه.
💛 مسألة الإحسان
ثم تكلمنا في الدرس الماضي يا إخوة على مسألة الإحسان، وقلنا إن الإحسان فسَّره النبي صلى الله عليه وسلم هنا. ففسر النبي صلى الله عليه وسلم منه ما يتعلق بالإحسان في عبادة الله، فقال: (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). وهذا الإحسان في العبادة.
وقلنا أن الإحسان يكون أيضًا إلى المخلوق، والإحسان للمخلوق يكون إما إحسانًا إلى الإنس، ومن أعظم ما يكون هذا الإحسان: الإحسان إلى الوالدين.
قال تعالى: ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ (الإسراء: 23).
ويكون أيضًا حتى للبَهائم: (إذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة). فإن هذا الدين جاء بالإحسان، والإحسان هو الإتقان.
⏰ السؤال عن الساعة وأماراتها
ثم قال جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم: “فأخبرني عن الساعة.” قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل).
هنا جبريل سأل عن، بعد أن سأل عن مراتب الدين، سأل عن قيام الساعة. لم يقله له النبي صلى الله عليه وسلم: الساعة لست أعلم، لست بأعلم منك من الساعة. لا، بل النبي صلى الله عليه وسلم أجاب بجواب عام ينطبق على كل سائل وعن كل مسؤول، فقال: (ما المسئول عنها بأعلم من السائل). أيَّا كان هذا السائل وأيًّا كان هذا المسؤول، أي: اقطع عن نفسك الطمع بأن الساعة يعلمها أحد من المخلوقات، لا يعلمها إلا الله.
ومن المبالغة في إخفائها، قال تعالى: ﴿ إِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا ﴾ (طه: 15).
قال أهل العلم: أكاد أخفيها عن نفسي. فلا يعلمها لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، وقد كتب من كتب من علماء المسلمين كتبًا: متى تقوم الساعة؟ وكل من قال قولًا جاء فيه بالخطأ، فهمتم؟ ولا أريد أن أطيل مع تلك الكتب التي لا طائل تحتها. فإن الساعة لا يعلم قدرها ووقتها ومتى تقع إلا الله وحده.
لأن أعلم الخلق من هو؟ النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل).
وهنا تفهموا يا إخوة، الصحابة أعظم الناس عقولًا وأكثر الناس علمًا، سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم قالها. لا تستطيع أن تأتي بأحاديث أن الصحابة كانوا واقفين صف أمام النبي صلى الله عليه وسلم: متى الساعة؟ متى الساعة؟ شفتم ماذا نقول؟ حِرْمٌ من غُمْزة! الصحابة أعظم من هذا، شفتم؟ سمعوها مرة وقرأوا وعلموا ذلك في القرآن، لم يسأل الصحابة، وإن بعض الناس ممن يأتي من الخارج أحيانًا يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: متى الساعة؟ أو متى تقوم الساعة؟ أو غير ذلك؟ فكان النبي صلى الله عليه وسلم يُرشد الناس، تارة يُوصيه بوصية، تارة يُخبره بشيء من أشراطها، يُجيبه عن أمر آخر. مثلًا يقول له: (ما أعددت لها). وتارة يقول: (إذا وُسِّد الأمر لغير أهله فانتظر الساعة)، وتارة وتارة. فكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يَصدُّ الناس، لكن يُوجههم إلى ما ينفعهم في دينهم ودنياهم؛ لأن الساعة آتية يا إخوة لا ريب فيها، لكن العبرة ليست متى تقوم الساعة، أنت الذي يهمك أنك متى مت قامت ساعتك.
ولهذا قال جماعة من السلف: “من مات قامت قيامته”، كمجاهد وغيره. إيش معنى: “من مات قامت قيامته”؟ ما معنى هذا الكلام؟ يعني الذي مات أمس قامت قيامته؟ يعني جاء ودخل عالم القيامة ولا لا؟ جوابًا يُقال: كما قلت: القيامة قيامتان: قيامة صُغرى وقيامة كُبرى.
كل واحد فينا متى مات، جاءته قيامته الصغرى، أي انتهت مدة بقائه في الدنيا ودخل عالم البرزخ، ثم عالم الآخرة. أو هو كله تبع الآخرة، ثم عالم القيامة.
مدة البرزخ يا إخوة، ليس هناك فرق بين من مات مدة آلاف السنوات، ومن مات قبل القيامة، من جهة أن الكل قد يمر بلمح البصر للمؤمن الذي يُنعَّم، وقد يمر فترة طويلة للذي يُعذَّب والعياذ بالله. فهمتم؟ فـ “من مات قامت قيامته الصغرى” أي دخل في عداد الآخرة وانتهى الأمر بالنسبة له.
ولهذا بعض الناس يظن أن أهل أن الموت يحسون بالزمن كما نحس نحن به. العالم البرزخي غير العالم الدنيوي وأحكامه تختلف، وهذا ذكرناه لكم مرارًا. قد سُئلت منذ يومين من أحد الأقارب على ما يكون، فقلت له: الله تعالى ماذا قال لما سُئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الروح؟
﴿ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ﴾ (الإسراء: 85).
كم حديث ذُكر فيه النبي الروح؟ ليش؟ لأن هذا باب غيبي، قد نُشير إليه إلى إشارات مقتبسة من النصوص، ومن مما قعَّده أهل العلم اقتباسًا من النصوص، والباقي نقول: آمنا بها وبما جاء فيها مما بلغنا ومما لم يبلغنا.
إذًا قول النبي صلى الله عليه وسلم هنا: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) أي أن الخلق جميعًا في مسألة الساعة سواء. ولهذا قال جل وعلا:
﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ ﴾ (لقمان: 34).
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا فِيمَ أَنتَ ﴾ (النازعات: 42-43).
لا أحد يعلم الساعة وحينها.
لكن قبل ذلك، إذًا هل نعلم السنة التي تقوم فيها الساعة؟ لا. الشهر؟ لا. طيب اليوم؟ أحسنتم، لا نعلم أي يوم، لكن يقينًا الساعة تقوم يوم الجمعة، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم، وفيه أُهبط، وفيه تِيب عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة).
إذًا، شوفوا تتمة الحديث يا إخوة قد ذكره هذا مالك أيضًا في الموطأ. شوفوا تتمة الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وما من دابة إلا وهي مُصيخة مشفقة – بعضهم قال مُصيخة مسلمة، استمع هذا الأقرب أي مُصغية – قال: وما من دابة إلا وهي مُصيخة يوم الجمعة من حين تُصبح حتى تطلع الشمس شفقًا من الساعة إلا الجن والإنس، إلا الثقلين).
أما الدابة يوم إذا جاء يوم الجمعة تكون خائفة، تترقب، ليش؟ لأنه تعلم بأن هذا فطرة، لأن الساعة تقوم يوم الجمعة. وما سوى ذلك لا نعلم عنها شيئًا.
لكن جاء في جبريل هنا عليه السلام، لما أراد، أي جبريل يعلم بأن الساعة لا يعلمها أحد، لكن أراد أن يُعلِّم الصحابة. أراد أن يُبيِّن، اقطعوا الهاتف، جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: “فأخبرني عن أماراتها.”
طيب، إذا كنا لا نعلم متى هي، أخبرنا عن أماراتها. جاء في رواية لحديث جبريل أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي قال هذا لجبريل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن لها أمار). فقال جبريل: (أخبرني عن أماراتها).
الروايات يُكمل بعضها بعضًا. وقول جبريل هنا: “أخبرني عن أماراتها” قد أجهل موعد الشيء، لكن إذا أعطيتني أنت علامات تدل على وقت وقوعه، تُعينني في الاستعداد له، وهذه فائدة معرفة علامات الساعة.
فقال: (فأخبرني عن أماراتها). فقال: (أن تلد الأَمَةُ ربَّتَها)، ربَّتَها، وفي رواية: (أن تلد الأَمَةُ ربَّها)، (وأن ترى الحُفاة العُراة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان).
Signs of the Hour (أشراط الساعة) 🌙
علامات الساعة يا إخوة يُعبَّر عنها بالأشراط. قال جل وعلا:
﴿ فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ ﴾ (محمد: 18).
أشراطها أي: علاماتها. الساعة أخفاها الله عن خلقه ليبتليهم، لكنه من رحمته سبحانه وتعالى أعلمهم وأخبرهم بالأمارات الكثيرة بها. المؤمن بأن زمن الساعة قد قَرُب، أو أن زمن الساعة ما زال، لكن إن كان قريبًا أو غير قريب، فأنت عليك العمل. ليش عليك العمل؟ لأنك أنت لا تدري متى تقوم عليك ساعتك أنت.
نقوم القيامة اثنين: قيامتك أنت وقيامة الناس كلهم. أنت لا تعلم متى تموت، إذًا كل يوم عندك استيقظت فيه هو في حقك غنيمة، فلا تصرِفه فيما ليس فيه قيمة، فهمتم؟ إذًا خاصة إذا علمت بأن البهائم تُشفق من أمر الله. يرحمك الله.
وهذه العلامات يا إخوة يقسمها العلماء تقسيمات كثيرة، جرت عاداتنا في هذا الدرس بأن نذكر لكم مآخذ العلماء في التقسيم، لماذا قسموها هذا التقسيم؟ ويُعين في ضبط العلم.
1. تقسيم العلامات باعتبار وقت خروجها
فنقول أن العلماء قسموا العلامات باعتبار وقت خروجها، فتكون:
- علامات صغرى.
- علامات كُبرى.
وبعضهم يقول: علامات وُسطى. إذًا هنا تقسيم العلامات إلى صغرى وكبرى سنرجع إليه فيما بعد إن شاء الله. فقط نُعلِّم التقسيم.
إذا أن تُقسم باعتبار وقت خروجها فتكون صغرى ووُسطى وكبرى:
- الصغرى: بعيدة عن القيام، لكنها مُؤذِنة بها.
- الوُسطى: تتوسطها.
- الكبرى: مُؤذِنة بقربها، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الكُبرى: (هي كحبات الخرز أو كعقد الخرز إذا قُطعت منه، إذا قُطع الحبل تساقطت الخرزات). شفتم؟
الكُبرى إذا جاءت واحدة، تلتها الثانية، وهكذا حتى تُفجأ القيامة الناس.
2. تقسيم العلامات باعتبار مكان خروجها
وقد تُقسم أيضًا باعتبار مكان خروجها، فتكون هناك:
- علامات في السماء.
- علامات في الأرض.
أغلب العلامات وين؟ في الأرض. لكن هناك علامات في السماء، كـ انشقاق القمر، طلوع الشمس من مغربها، والدخان ينزل للأرض. فهمتم؟ وإلا أغلب العلامات متعلقة بالأرض.
3. تقسيم العلامات باعتبار موافقتها للعادة
وقد تُقسم أشراط الساعة باعتبار موافقتها لعادة الناس، وأنها خارقة لعادات الناس.
- بعضها موافق لعادات الناس: كـ فُشُوِّ الجهل، ظهور القلق، كثرة الفتوح، وعقوق الوالدين، كثرة القتل، الهرج، وغير ذلك، هذه أمور نراها كل يوم، والباقي نراه.
- وهناك أمور خارقة للعادة: كـ الدابة، الدخان، طلوع الشمس من مغربها، والدجال وما يأتي معه من مخاريق تُحيِّر لُب العاقل، لولا أن يحفظه الله جل جلاله.
إذًا هنا تُقسم باعتبار موافقتها للعادة إلى: أمور موافقة لعادة الناس وأمور خارقة لعادات الناس.
📈 تفصيل تقسيم العلامات (الصغرى والكبرى)
التقسيم الأخير هو أنها، نعم هذه التقسيمات الثلاث. لكن نعود إلى التقسيم الأول وهو تقسيم علامات الساعة باعتبار وقت خروجها. يُقسم إجمالًا إلى كُبرى وصغرى، وبعضهم يقول: كُبرى ووُسطى وصغرى، لكن هذا التقسيم يعني الأول أحسن منها. ليش؟ لأن الأولين قالوا: التقسيم الأول قالوا: كُبرى وصغرى، والصغرى تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
- صغرى مَضَت ولن تعود أبدًا: علامات.
- علامات صغرى ظَهَرَت ولا زالت مُستمرة: علامات.
- علامات صغرى لم تقع بعد: وهي صغرى ولكنها لم تقع بعد.
حتى تأتي علامة فاصلة بين الصغرى والكبرى وهي خروج المهدي، بعد خروج المهدي تبدأ العلامات الكبرى. أو من المهدي تبدأ العلامات الكبرى. والعلامات الكبرى إذا بدأت واحدة تلتها الثانية فالثالثة وهكذا حتى تقوم الساعة على الخلق، واضح؟
1. علامات صغرى وقعت وانتهت:
أما العلامات الصغرى التي وقعت:
- بعثة النبي صلى الله عليه وسلم: هي أول علامة من علامات الساعة الصغرى.
- انشقاق القمر: ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ ﴾ (القمر: 1). شوفوا الأول الآية: ﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ﴾، فجعل الله انشقاق القمر مؤذِنًا بقرب قيام الساعة.
- موت النبي صلى الله عليه وسلم: من علامات الساعة.
- مقتل عثمان رضي الله عنه: من علامات الساعة.
- معركة الجمل وصِفِّين: من علامات الساعة، ونال قبل ذلك ما وقع من فتن أخرى من علامات قيام الساعة.
- ظهور المال بشكل كبير: هذا من علامات الساعة، وهذا قد يتكرر.
- خروج نار في بُصرى: بُصرى الشام، (تُضيء لها أعناق الإبل)، نعم، ظهور نار في الحجاز تُضيء لها أعناق الإبل ببُصرى، هذه نار عظيمة كالبركان الكبير ظهر في القرن السابع، في منتصف القرن السابع، قد أرَّخ له العلماء كابن الأثير والنووي وجماعة من أهل العلم كانوا حاضرين وتكلموا عنه، وقالوا: هو العلامة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم. فهمتم؟ هذي علامة ظهرت وانتهى أمرها.
- فتح بيت المقدس: هذا ظهر ووقع وفتح المسلمون بيت المقدس.
وهكذا من العلامات.
2. علامات صغرى وقعت وما زالت مستمرة:
بقيت علامات يا إخوة وقعت وما زالت تقع، وهي قسم كبير من العلامات:
- عقوق الوالدين.
- كـ ظهور القلم أي كثرة اتباعه والكتب.
- والنبي صلى الله عليه وسلم قال في نفس الوقت من علامات الساعة: فُشُوُّ الجهل. ولا يعني كثرة الكتب وكثرة الأقلام وكثرة الطباعة.
- كثرة العلم.
لهذا أنتم انظروا إلى أنفسكم وننظروا إلى أنفسنا، في الصباح والمساء تأتينا الفوائد. كل يوم تجيك مائة فائدة، بين فيسبوك إلى واتساب إلى تويتر إلى كذا، كتب إلكترونية. واحد جيت عنده آلاف الكتب في هاتفه، ولا تجد واحد كَمَّل أربعة! تموت، الثاني تراه يقفز ضائع لا يدري. يهجم عليك المعلومات، حينما تجد كبار الأئمة تخرجوا برَفٍّ من الكتب، إن ليس العلم ما حوى القِمطَر. القِمطَر هو لما كان يوضع فيه كتب العلم: “ما حواها علمي، معي أينما كنت فهو معي، قلبي حواه لا بطن صندوقي، إن كنت في البيت كان العلم فيه معي، وإن كنت في السوق كان العلم في السوق.” بعض الناس إذا ذهب عنه الهاتف لا يستطيع يقرأ، مش نص حزب، لا يستطيع يقرأ سورة فيها صفحة أو صفحتين. ليش؟ لأننا أصبحنا تبع لهذا الأمر. فقول النبي: كثرة القلم – كثرة الطباعة والورق – وإذ قال: كثرة الجهل. فلا تَغُرَّنَّكم الكثرة وكثرة الكتب، وليس إذا دخلت عند إنسان وجدت عنده كتبًا كثيرة، يدل على فقهه وعلمه. الذي يقول شيخ الإسلام لابنه في الوصية الصغرى: “وأنظروا إلى اليهود والنصارى فعندهم كتب لكنهم أهل شرك وكفر، ثم قال: ومن لم يجعل الله له نورًا لم تَزِده كثرة الكتب إلا حيرة وضلالًا” رحمه الله.
إذا هذه علامات وقعت وما زالت تقع.
3. علامات صغرى لم تقع بعد:
ثم هناك علامات صغرى لم تقع بعد، أذكر لكم منها علامتَين:
- العلامة الأولى: أن الحجاز ستُصبح جنات، فهمتم؟ ستصبح جنات وأنهارًا، هذه لم تقع بعد.
- العلامة الأخرى: انحسار نهر الفرات عن جبل من ذهب. قوله: “انحسار” يعني سيتغير أو سيتغير مجراه، وإذا تغير مجراه سيخرج هذا الجبل.
بعض المجانين ابتُلي بظاهرة كنت حذرتكم منها مرارًا، وهي ظاهرة الإسقاط، ما هي ظاهرة الإسقاط؟ هو أن يأخذ نصوصًا في الساعة، فتن آخر الزمان ويُسقطها على الواقع، فقال: الفرات والذهب هو البترول الموجود في العراق، وبعضهم قال: المهدي هو صدام، والدجال هو شارون، في ذاك الوقت أو قبله. قال: في مثل كانه أعور، وأنت الأعور يعني، فهمتم؟ لأن لا يقول هذا إلا إنسان مجنون.
كلنا كل يوم كل مرة نسمع: ظهر الدجال. ثم ماذا يفعلون؟ يضعون صورة إنسان في عين في الوسط هكذا. هذه مسروقة من قصة ألف ليلة وليلة. هذه الصورة يا إخوة النبي صلى الله عليه وسلم إيش قال عن الدجال؟ قال: (أعور). ما هو الأعور؟ قال: (كأن عينه زبيبة). يعني عنده عينين اثنين، واحدة طافية ووحدة موجودة. فظن الناس أن عنده عين واحدة، يرسمونها في الوصف. ظهرت، الناس يُصدقون ويتكلمون. طيب، لو ظهر الدجال، أنت بماذا ستقاومه؟ حفظت آية الكهف؟ استقمت على شرع الله؟ فهمتم؟ انظر كلما تكلم واحد في أشراط الساعة تجد أن الناس عليه بالصف. ناس يحبون سماع ما يقع في آخر الزمان. جيد إذا كنت ستعمل وتستقيم فيما بعد، فهمتم؟ أما أن تسمع فقط التفكر وواقعة كذا وهرْمَجَدُّون وفلان وفلان. طيب، هذه حقيقة ونصوص نؤمن بها، لكن ليست غاية في نفسها، إنما جُعلت لـ توقظك أنت أيها النائم.
إذًا سينحسر الفرات عن جبل من ذهب، سيقتتل الناس حول ذلك الذهب. ولهذا من لطائف كلمة ابن القيم في زاد المعاد لما تكلم في الطب النبوي على الأطعمة والأدوية على حسب ترتيب حروف المعجم، قال إلى حرف الذال قال: والذال عندنا الذهب. قال: “وما قتل الأخ أخاه إلا بالذهب، وما خربت الديار إلا بالذهب، وما عُبِدت الدنيا وتُركت الآخرة إلا من أجل الذهب” صدق رحمه الله تعالى. فإنه زينة الحياة الدنيا، لكن شوف مشاكل الناس وخصومات الناس وعراك الناس تجد أن المسألة إيش مبنية على سهل الذهب المقصود به المال. إذًا في كلام حسن له يُراجع في موضعه.
لكن انحسار هذا، هذه من آخر العلامات الصغرى، من آخر، ثم بعدها يأتي المهدي، وهو رجل من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم من ذرية الحسن، وليس هو مهدي الشيعة الذي ينتظرونه. ولهذا لا ينبغي لك أن تقول: المهدي المنتظر، الشيعة ينتظرونه. نحن نعلم يقينًا بأنه سيخرج.
الشيعة كلهم يذهبون إلى السرداب في النجف الكربلاوي، يقولون يعني: اللهم عجل فرجهم. كل يوم ينتظرونه، كل يوم ينتظرون خروجهم وهو محبوس في عند الشيعة منذ سنتي عشرة قرن، منذ اثني عشر قرنًا وهو موجود في السرداب لم يأكل لا يأكل ولا يشرب ولا شيء. ولهذا يقول ابن كثير وهو استفاد من شيخه ابن القيم في المنار المنيف، ابن القيم له كتاب “منار منيف” معرفة الصحيح من الضعيف بيَّن فيه أحاديث المهدي وقال: “وهؤلاء وهذا المهدي ليس مهدي الشيعة الذي ينتظرونه.” قال: “فصاروا عارًا على المسلمين وسبة لمن ظنهم من المسلمين.” يعني يجي واحد مسلم كافر تقول له: أنا مسلم وأنت شيعي ونحن ننتظر مهدينا ومحبوس لـ 12 قرن في سرداب وكل يوم ننتظره! أضحكتم علينا الكفار. لكن الحمد لله مِنا ولسنا منهم. ولهذا يقول الشاعر يقول:
(فعلى عقولكم العفاء، فإنكم ثَلَثْتُم العنقاء والخلّانة)
فهمتم؟ قالوا: ثلاثة ليس لهم وجود. تعرفون هذا. فأنتم جئتم بأمر ليس موجودًا. ولهذا يقول ابن القيم: “هو مهديهم الموجود المفقود.” قال: “المفقود في الواقع الموجود في أذهانهم”، وإلا هو ليس موجودًا. فهمتم؟ كلها خرافة بنوها، قتلوا من أجلها الناس؛ لأنهم يقولون: كلما استحر القتل في أهل السنة كلما عُجِّل بخروجه.
وبعضهم من أهل السنة بالغ، حتى كتب كتابًا سماه: “ظن الصحيفة في مذهب” نعم في أن المهدي إذا خرج اتبع مذهب أبي حنيفة. يعني من تعصب المذهب الحنفي قال: المهدي إذا خرج سيحكم المذهب الحنفي. كلام فارغ. رد هذا القارئ وهو من علماء الحنفية الأعقل رحمه الله تعالى.
في كلام كثير، لكن المهدي حتمًا، ليس هذا موضع تفصيل الكلام عليه. ومن أراد منكم أن يقرأ كتابًا واحدًا في هذا الباب فليقرأ رسالة للشيخ عبد المحسن العباد اسمها: “أحاديث المهدي.” هذا من أحسن ما كتب المعاصرون، بل كل المعاصرين تقريبًا هم عالة عليه في هذا الباب. فهمتم؟ وهي أصلها محاضرة في الجامعة الإسلامية بأمر من الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى ألقاها لما كثر المُنكرون للمهدي.
والمهدي خارج حقيقة، وهو رجل صالح من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
إذا خرج يا إخوة، يخرج بعده الدجال، وإذا خرج الدجال يأتي ومعه مخاريق عجيبة، ويتبعه أقوام، ويعرفه أقوام بعلامات ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا نحن إذا تكلمنا على أشراط الساعة وعلى علامات المسيح الدجال وكل يوم أنت في صلواتك تقول: (وأعوذ بك من شر فتنة المسيح الدجال). تستعيذ بالله جل وعلا من الدجال الأكبر ومن كل دجال، أنت كل يوم بهذا الدعاء تَدبَّروه في الصلاة. أنت تستعيذ بالله جل وعلا من شر كل دجال. وما أكثر الدجالين. فهمتم؟ ورأسهم هو هو، أي: المسيح الدجال الأكبر.
وسُمي مسيحًا لأنه يمسح الأرض، ولأن عينه ممسوحة، بخلاف المسيح ابن مريم، سُمي لأنه يمسح على الميت على المريض فيبرأ. ففرق بين هذا وهذا. وبعضهم يقول: المسِّيخ الدجال، لكن النبي سماه فهو مسيح بهذا الاعتبار.
وهو كافر، ومكتوب بين عينيه كافر، وفي رواية كافرا. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم بأن الدجال سيقول: أنا ربكم. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا). فبما أنك تراه في الدنيا فليس ربًا؛ لأن الله لا تراه إلا يوم القيامة. بدليل أن موسى لما طلب أن يرى الله جل وعلا قال:
﴿ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا ﴾ (الأعراف: 143).
فلا يمكن لأحد أن يرى الله تعالى في الدنيا. بما أنك تراه يقول الله إذًا هو الدجال.
ثم ينزل عيسى عليه السلام فيقتل الدجال. ينزل عيسى عند المنارة البيضاء في دمشق ويقتله عند باب لُدّ. والشام يا إخوة أرض مباركة عظيمة فيها الأنبياء. ولو تأملتم أشراط الساعة وما يقع قرب وقيام الساعة تجد أن مدار الأحداث حول أرض الشام. فهي أرض مباركة عظيمة. حتى عيسى عليه السلام فيما بعد يقتل الدجال.
ثم تأتي ويعم الخير في الأرض. ثم تأتي فتنة عظيمة وهي خروج يأجوج ومأجوج. وحينها يأمر الله تعالى عيسى ومن معه بأن يلجأوا إلى جبل الطور، ومعه أقوام يومئذ هم من خيرة المسلمين وهم من أهل الجنة، فهمتم؟ وينزل الله جل وعلا شيء من الدود الصغير فيقتل به النغف فيقتل به يأجوج ومأجوج. لم ينزل عليهم صاعقة ولم يُدمدم عليهم الأرض والجبال، لكنه أرسل عليهم شيئًا حقيرًا، ليش؟ لأن كلما تعاظم الخلق على الله كلما أذلهم الله بأقل مخلوقات الله، هذا واقع. ليش؟ لأن النبي قال: (من تواضع لله رفعه) مفهومها: “ومن تجبر على الله وضعه.”
وهذا واقع، وكل من تكبر على الله أذله الله بأقل مخلوقاته. سيأتي معنا إن شاء الله تعالى في السيرة. أبو لهب لم يمت في ساعة ساحة المعركة، مات بجرح في رأسه تخمر وانتن حتى هدم عليه أبناؤه البيت خبيث، ومات ميتة يعني يراها العرب عارًا وذلة. وغيره مات في ساحة المعركة على كفره. أبو لهب أحقر من أن يموت في ساحة المعركة. فهمتم؟ إذًا قتل الله يأجوج، ثم يرسل الله طيرًا تأخذه حيث يعلم الله، ثم يرسل الله مطرًا يُطهِّر الأرض من رجسهم.
ثم تُهدم الكعبة، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يهدمها رجل حبشي أصنع أفحج، قال: (أراه يهدمها بمعوله).
ثم تأتي آية الدخان، ثم طلوع الشمس من مغربها، ثم يُرفع القرآن، يرفع من الصدور ويُرفع من السطور؛ لأن كتاب الله تعالى إذا لم يَقُمْ به أحد ليحترمه، الله تعالى يرفعه إكرامًا لكتابه.
ثم بعد ذلك تكون خروج الدابة، هذه الدابة تسم الناس، هذا مؤمن وهذا غير مؤمن.
ثم يُقيم الله جل وعلا الساعة على شرار الخلق؛ لأنه تأتي ريح طيبة قبل القيامة تقبض المؤمنين، فلا يبقى إلا الخبثاء على هذه الأرض. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تقوم الساعة حتى لا يُقال في الأرض: الله الله). يفنى الموحدون، وإذا فني الموحدون قامت الساعة. ليش؟ لأن الله تعالى قال:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ (الذاريات: 56).
إذًا الأصل الخلق لماذا؟ لإقامة توحيد الله في الأرض. طيب، إذا كان الكل كفار هل بقي توحيد؟ لا. إذًا رُفِع التوحيد، ليس لوجود الناس على وجه الأرض غاية. فإذا انقطع التوحيد من الأرض، أذن الله تعالى بفناء هذه الدنيا، وانقلب الناس إلى ربهم ليوم القيامة.
هذا ما ذكرت لكم إجمالًا هو ما يقع في أحداث يوم القيامة، ولعل الله تعالى يُيسر له سلسلة في بيان أشراط الساعة على وجه التفصيل.
من أراد منكم أن يقرأ كتابًا واحدًا في هذا، فليقرأ كتاب الدكتور يوسف الوابل “أشراط الساعة”، وقد تُرجم للفرنسيين بالعربية موجود في الفيسية. هذا من أحسن ما كتب المعاصرون على وجه الاختصار. وإلا التوسع له شأن آخر.
واحذروا ممن يُسقط أشراط الساعة على الواقع: هذا المهدي وهذا الدجال. كل هذا من الكلام الخطير الذي لا ينبغي للعبد أن يقع فيه.
🎯 تفصيل أمارتَي الساعة المذكورتين في الحديث
قال النبي صلى الله عليه وسلم في أمارات الساعة التي ذكرها. ذكر النبي صلى الله عليه وسلم هنا أماراتَين:
1. أن تلد الأَمَةُ ربَّتَها
الأولى قال: (أن تلد الأَمَةُ ربَّتَها)، وهذه من العلامات الصغرى ولا الكبرى؟ الصغرى التي مضت ولا ما زالت؟ مَضَت.
قال: (أن تلد الأَمَةُ ربَّتَها)، وفي رواية: ربَّها. ربَّها أو ربَّتَها أي: سيِّدها. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أن تلد الأَمَةُ ربَّها) أي: سيدها.
فسره العلماء بتفسيرَين:
- التفسير الأول: أن هذا يُشير إلى كثرة الفتوح. وإذا كثرت الفتوحات الإسلامية كثرت السراري والجواري. فإذا نكح السيد جاريته، جاءت، كثر التَّسَرِّي، فجاءت بابن أو بنت صار حُرًّا باعتبار أبيه، لكنه سيد باعتبار أمه، صح ولا؟
- التفسير الثاني: قد حَمَلَه على هذا ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري، قال: “هذا عندي الأقرب، بأنه يُشير إلى كثرة عقوق الوالدين.” تُصبح المرأة تأتي بابن بطنها ليُذلها بين الناس. فتراه تخدم فيه هو وزوجته، هو وينظر إلى أمه عنده.
ويُقال: لا مانع أن يُحمَل الكلام على هذا وهذا، فهمتم؟ وقد يكون اللفظ يحتمل هذا وهذا. لأن هذا واقع وهذا واقع.
أما كثرة الفتوحات وقعت في الأمة وكَثُر الجواري والسراري، والعقوق كَثُر ويَكثُر ما زال يَكثُر. كل واحد فيكم في محيطه القريب يعلم أن بعضهم أمه عنده كأنها جارية تخدم فيه شهواته هو وشهوات زوجته وشهوات أبنائه، لا يُغضب زوجته بحرف ويرضى أن تُسب أمه بألف حرف. هذا ليس برجل، واضح؟ هذا ليس برجل أصلًا.
وإذا كان أحدكم قد ابتُلي بشيء من هذا، فليتدارك نفسه، فإنه إذا مات أبوه أو أمه يندم ولا ينفع الندم حينها، واضح؟ نحن في زمن لِـلأسف وغطرسة النساء فيه على الرجال، لكن ليس لقوة النساء بل لضعف الرجال. والمرأة مُكرَّمة مُعظَّمة مُحترمة، لكن لكل قدره ولكل شأنه. أما أن ترضى أن يُسب أبوك وأن تُسب أمك باسم الحب وباسم كذا وباسم كذا، هذا كله من قلة الرجولة، ينطبق عليك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أن تلد الأَمَةُ ربَّها) إذا ولدت ابنها حتى يصير سيدًا عليها والعياذ بالله.
2. أن ترى الحُفاة العُراة رِعاء الشاة يتطاولون في البنيان
قال: (وأن ترى الحُفاة العُراة رِعاء الشاة يتطاولون في البنيان).
حُفاة واضح، والعُراة كذلك، ويرعون الغنم، صاروا يتطاولون في البنيان. أي أن الفقراء الذين كانوا يرعون الغنم صاروا الأغنياء في الخَلْق، وكانوا لا يلبسون شيئًا صاروا يلبسون ويكتسون. بل وفي البنيان يتطاولون.
شوف النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: “يُطوِّلون”، قال: “يتطاولون”، دل على المنافسة: ها، أنت تُعلِّي؟ أنا أكثر منك.
استنبط منه بعض أهل العلم كراهة ارتفاع البنيان. وهذا فيه نظر؛ لأن هذا قد يكون فإن مضى البيوت تحت إذا طوَّلت تطلع على عورات جارك. ولهذا المؤذن يقول الفقهاء: لا بد أن يكون أمينًا باعتبار واقعهم؛ لأن المؤذن كان يصعد على السطوح ويرى الناس. الآن حتى لا قدر الله لو لم يكن أمينًا في صومعته، ولا يراه أحد، اختلف الأمر. فهمتم؟
فتطويل البناء يعني في عُرفنا الآن ولو ارتفعت لا إشكال. لكن بعض الناس كلما علا طابق في بيته، كلما ازداد كبرًا، وكأني أنا أعلى من الناس! هذا حق، فهمتم؟ هذا وَضيع وإن ارتفع فوق ألف سطح، واضح؟
ولهذا يا إخوة، من أنعم الله منكم عليه بالدنيا، استعملها ليتكبر على غيره، أذله الله بنفس الدنيا. كلما زادك الله فضلًا، كلما زدت له شكرًا وإليه تواضعًا سبحانه وتعالى.
كم بقي لنا يا إخوة؟ ربما نأخذ دقيقتين من الأذان حتى نكمل الحديث.
إذًا هذا الأمر وهو أن الفقراء يتطاولون في البنيان، أيضًا من علامات الساعة.
قال أهل العلم: قالوا هذا يدل على ماذا؟ على أن الساعة تأتي بتغير الأحوال، غني فقير والفقير غني. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنًا ويُمسي كافرًا، ويُمسي مؤمنًا ويُصبح كافرًا، يبيع دينه بعَرَضٍ من الدنيا). فهمتم؟
فهذا من تغير الأحوال، فالساعة تأتي بتقلبات، منها: الفقير يصير غنيًا. وهذا نراه الآن ولا؟ مع ألعاب القمار والمخدرات وغير ذلك، وحتى حتى الكرة يكون من أفقر الناس، غدًا تراه من أغنى الناس، بعد غد يرجع فقيرًا كما كان. شفتم؟ الآن أصبح المال أمره عجيب. ولهذا من تأمل في أحوال الناس تعجب. والجاهل هو يتمنى مكان ذلك الذي استغنى بأمور غريبة. تذكر آية آيات القصص في آخرها، كما تمنى أصحاب أبو قارون أن يكون لهم مال قارون. فلما خسف به وبداره الأرض، تبرأ الكل من حال قارون.
ولهذا نعم المال الصالح للرجل الصالح. أما المال الغير صالح هذا بئس المال غير الصالح للرجل.
🔚 ختام الحديث وفوائده
ثم قال: “ثم انطلق.” أي جبريل. “فلبث مليًّا.” أي مرَّ زمان. وهذا الزمان جاء بيانه في رواية أخرى: (ثلاثة أيام).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا عمر، أتدري من السائل؟) قلت: الله ورسوله أعلم. قال: (فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم).
إذًا هنا جاء في رواية أخرى بأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الصحابة مباشرة، وفي رواية، هذه رواية مسلم مطولة، بأنه أخبر عمر بعد ثلاثة أيام. وهذا لا منافاة بينهم. الظاهر أن عمر انصرف قبل أن ينبئهم النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم من كان جالسًا أنه جبريل، ثم لما لقي عمر بعد ثلاثة أيام قال له: (يا عمر، أتدري من السائل؟) قال: الله ورسوله أعلم. قال: (هذا جبريل).
نستفيد من هذا الحديث العظيم الجليل فوائد عدة نختم بها، وإن أخذنا بعض الدقائق من الأذان:
-
- أن جبريل جاء يسأل لكنه أيضًا جاء ليعلِّم، لأن السؤال الحسن تعليم، وهذا قد مر بيانه.
- نستفيد من هذا أيضًا أن الملائكة تتشكل على صور البشر، ولكن هذا التشكل يكون بإذن الله وبأمر الله. كما قال تعالى: ﴿ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ ﴾ (مريم: 64). وكذلك يتشكل الملك بأمر الله. ولهذا كان جبريل تشكل هنا بصورة الأعرابي، وتشكَّل بصورة دحية الكلبي رضي الله عنه. وقال أهل العلم: لا يُستدل بهذا على جواز التمثيل المعاصر. بعضهم قال: شفتم جبريل جاء في صورة أعرابي، إذًا يجوز التمثيل! أترك لكم التعجب من هذا الاستدلال الغريب. فهمتم؟ أين جبريل الذي جاء يسأل عن أمور الدين ليُعلِّم المسلمين من واحد يجي يُمثل في مسرحية شكسبير! شوفوا أنتم المقارنة، احكموا. واضح؟
- الأمر الآخر الذي يُستفاد من الحديث: أدب طالب العلم، يا إخوة. جبريل جاء في صورة حسنة. كونه شديد سواد الشعر يدل على أنه شاب. كونه شديد بياض الثوب يدل على أن طالب العلم إذا أتى للدرس وللمسجد عمومًا لا بد أن يتزين. قال تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ ﴾ (الأعراف: 31). ومجالس العلم من أعظم ما في المساجد. ولهذا قال العلماء من هذا: بأنك إذا أتيت الدرس استعد له. وكان الإمام مالك رحمه الله تعالى أعجوبة في ذلك، لا يُحدِّث إلا على طهارة، ويُمشِّط شعره، ويتَبخَّر، بل لا يزال يتكلم والبخور عنده. وحدث عنه العلماء العجائب في هذا رحمه الله تعالى. وكان يقول لمن، مالك: أحب أن أُعظِّم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا إذا سمع سمع إنسانًا يصيح يقول له: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ ﴾ (الحجرات: 2). يعني ليس كما تُخاطب الناس، تأتي في مسجد النبي سموا، تصيح! واضح؟ فهذا يدل على أدبه. ولهذا كان عمر يقول: أحب للقراء أن يلبسوا الأبيض، لأن الأبيض صورته حسنة. لكن إن لم يكن أبيض، فإنه يكون ثوبًا حسنًا. بعض الناس يلبس كل شيء سيئ إذا أتى للمسجد، وهذا ليس من تعظيم حرمات الله جل جلاله. وقد حدثني، والشيء بالشيء يُذكر، حدثني شيخنا الشيخ فوزي وهو من طلاب الشيخ صالح آل الشيخ المعروف، قال لي: إذا رأيت الشيخ في درسه وكأنه في عُرس! قال لي: بل كنت إذا حضرت درسه وعدت للبيت تقول لي أمي: أنت اليوم كنت في درس الشيخ صالح آل الشيخ. لأن البخور الذي عنده لا تجده حتى عند الأمراء، وهذا واقع مُشاهَد. هذا لا يقول واحد من الإسراف. لا، من أعطاه الله من المباح، فأعظم مكان تتزين فيه إذا قدمت للدرس. لكن نبه السخاوي في فتح المغيث على أن بعض الناس يفعل ذلك رياءً. شوفوا الإمام مالك إيش كان يقول: إنما أحب أن أُعظِّم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما تلبسه حتى يقول الناس، هذه نية خبيثة وصاحبها أسقط وأحقر ما أن يُقتدى به.
- الأمر الآخر وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم فسَّر الإسلام بالأمور الظاهرة، والإيمان بالأمور الباطنة، وقلنا لكم بأنهما إذا اجتمعا تفرَّقا وإذا تفرَّقا اجتمعا.
- في هذا الحديث يا إخوة، أهمية بالأهم، فبدأ بالإسلام، ثم الإيمان، ثم الإحسان، ثم سأله عن الساعة ولم يبدأ بالساعة أصلًا، فسأل عن مراتب الدين الكبار العظام ثم سأل عن الأمور الأخرى. يقول ابن الجوزي رحمه الله تعالى: “من الغَبن الفاحش تضييع الزمان في غير المهم.” زمانك لا تُضيعه في أمر ليس به. لهذا يقول الشاعر:
(قدِّم الأهم إن العلم جَمُّ، والعمر ضيف زار أو طيف ألم)
-
-
- أيضًا في هذا الحديث بيان أركان الإسلام الخمسة وأركان الإيمان الستة، وأن الإحسان له مرتبتان.
- وأيضًا في هذا الحديث بيَّن أن الساعة لا يعلم وقتها إلا الله، لكن الله من رحمته جعل لنا علامات. وجود هذه العلامات لا يدل على أنه حرام ولا حلال، لكن فقط تدل على أنها علامات قريبة من قرب من قرب الساعة.
- وفي هذا الحديث قول: “الله أعلم.” فإن عمر لما سأله قال: الله ورسوله أعلم. ونحن الأحسن ألا نقول: الله ورسوله أعلم، بل نقول: والله أعلم. في المسألة خلاف ليس هذا موضع بسطه.
-
نكتفي بهذا القدر. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.