الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.
قد تكلمنا في الدرس الماضي على أول حديث لابن عمر رضي الله عنهما في الصحيحين، حيث قال:
«بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ»
(رواه البخاري ومسلم).
تكلمنا في الدرس الماضي على عدة أمور.
1. شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله
- الأمر الأول: تكلمنا على تقسيم الإسلام. من يذكر لنا هذا التقسيم؟ إذًا هو كم من نوع في البداية؟ إسلام كوني وشرعي. والشرعي كم نوع؟ شرعي في النوى كتاب إيه؟ ما هما؟ عام وخاص. العام هو إسلام الجميع، والخاص إسلام هذه الأمة. طيب، وإسلام هذه الأمة كم من نوع؟ إسلام حقيقي وحكمي. الحكم ظاهر فقط كإسلام المنافقين، والحقيقي عفواً هو الظاهر والباطن.
- الأمر الثاني: ثم تكلمنا في معنى لا إله إلا الله. وقلنا معناها ما هو؟ لا معبود حق أو لا معبود بحق إلا الله وحده. فالذي يُعبد هو الله. فإذا سأل الملكان الرجل في القبر وقال له: من ربك؟ ما المقصود بهذا؟ أي: من معبودك؟ لأنه لو كان المقصود بـ “من ربك” من الذي خلقك؟ حتى الكافر يُقر بأن الله هو الذي خلقه، لكن المقصود: من الرب الذي كنت تعبد؟ ولهذا يوم القيامة يُدعى كل واحد إلى ما كان يعبد فليتبعه. فمن كان يعبد الأحجار فليتبع الأحجار، ومن كان يتبع الأشجار فليتبع الأشجار.قال جل وعلا: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98]. قال رجل اسمه عبد الله بن الزِّبَعْرَى (كان في المشركين وقيل إنه أسلم فيما بعد): نحن عبدنا عيسى عليه السلام وعبدنا الملائكة، وفينا من عبد العُزير، فهؤلاء معنا. إن كنا نحن في النار فهم معنا؛ لأن الله تعالى عندكم يقول: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾.فهمتم هذا ولا؟ الاستدلال بتاعه صحيح؟ أولاً بالعقل لا يمكن. ولهذا العلماء لما عرَّفوا الطاغوت قالوا: الطاغوت هو كل ما عُبد من دون الله. طيب، عيسى عليه السلام عُبد من دون الله ولا؟ لا شك فيه. بنص القرآن. طيب، هل عيسى عليه السلام طاغوت؟ بعض أهل العلم عبَّر بهذا قال: هو ليس طاغوتًا في نفسه، وإنما هو طاغوت باعتبار أنهم جعلوه طاغوتًا. ولكن هذا لا ينبغي التعبير به؛ لأنه يُحدث لَبْسًا عند من لم يفهم المسألة. ولهذا العلماء لما تكلموا قالوا: الطاغوت من عُبد وهو راضٍ. إذا رضي بعبادة غيره له، وإن لم يُعبد فهو طاغوت. بعض الناس يحب أن يُعبد لكن لا يُعبد فهو طاغوت. لكن الذي عُبد وهو ليس براضٍ لا يُسمى طاغوتًا، وإن اتخذه الناس معبودًا من دون الله. ولهذا ردَّ الله جل وعلا على مقالة المشركين في نفس الآيات.قال تعالى في التي بعدها: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [الأنبياء: 101-103]. أي لا يحزنون، لا في الدنيا ولا يحزنون خاصة يوم القيامة، أي يوم الفزع الأكبر، كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: 89]. ولهذا لما تكلم العلماء على أهوال القيامة قالوا: أهوال القيامة أهوال بالنسبة للمشركين، وأما المؤمن فحسابه خفيف، ويومه خفيف وإن طال من حيث على غيره.إذًا هذا معنى لا إله إلا الله أي لا معبود حق إلا الله.
- شهادة أن محمدًا رسول الله: ثم وقفنا عند قوله: «وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ». وقلنا إن هذه الكلمة تدل على كل أو سائر أركان الإيمان؛ لأنك إذا أقررت بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو رسول الله، أقررت بكل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. ولهذا من قال: أنا أؤمن بمحمد فقط، يُقال له: أنت لست بمسلم. لأن الله تعالى قد كذَّب قوم نوح، و**﴿كَذَّبَتْ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: 176]**، كذَّبوا كم واحد؟ واحد، لكن من كذَّب برسول كذَّب بجميع الرسل. واضح؟ ولهذا نقول: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة: 285]. وذكرنا لكم في الدرس الماضي أن الأنبياء جميعًا جاءوا لعبادة الله وحده لا شريك له، ولكن اختلفت شرائعهم باعتبار الظروف والأزمان والأمكنة إلى غير ذلك.شهادة أن محمدًا رسول الله معناها أن تُقر بأن محمد بن عبد الله هو عبد الله ورسوله، أرسله الله جل وعلا ليُتَّبَع. هذا هو. النبي صلى الله عليه وسلم عبد لا يُعبد، ورسول لا يُكذَّب. ولهذا في الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ، فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ).النبي صلى الله عليه وسلم هو عبد، هذا من أشرف المقامات، وهو مقام العبودية؛ لأن أعظم درجة هي درجة العبودية. ولهذا الله تعالى أثنى على نبيه صلى الله عليه وسلم في أعظم المقامات باسم العبد: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: 1]، ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1]، ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: 19]، إلى غير ذلك من الآيات.هذا غلو ما بعده غلو. أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم عن الغلو فيه كما غلت النصارى في عيسى؛ لأن هذا كان هو الغلو المعروف في وقته في الأنبياء. وإلا من جاء وعبد النبي صلى الله عليه وسلم الآن مشرك ولا مسلم؟ مشرك.وهذا معنى شهادة أن محمدًا رسول الله: لا نعبد إلا الله ولا نتبع إلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهذه الكلمة يا إخوة تقتضي منك أن تطيعه فيما أمر، وأن تنتهي عما عنه نهى وزجر، وأن تُصدقه فيما أخبر، وألا تعبد الله إلا بما شرع.
وقد ذكرت لكم في الدرس الماضي بعض الأمثلة ممن يقول: محمد رسول الله، لكن إذا جاءه أمر من أمور الشريعة استعظمه واستنكره، ليش؟ إما يقول: هذا يخالف عقلي، أو أن هذا يخالف العلم الحديث، أو يخالف النظريات الجديدة إلى غير ذلك. ولهذا العلماء حذَّروا مما يسمى بـالإعجاز العلمي. والإعجاز موجود، والإعجاز العلمي موجود لكن بحق. أما أن كل ما جاءت نظرية جديدة في الجيولوجيا أو في البيولوجيا أو في الميتافيزيقيا تأتي وتُسقطها على الدين، يأخذ آيات من القرآن ويقول: نظرية توسع الكون، قال: هذا موجود في الذاريات، الله تعالى يقول: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ [الذاريات: 47]. هذا تفسير السلف على هذه الآية؟ أبدًا. ثم يأتي يقول: الجبال، قال: ﴿وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: 88]. قال: هذا التيكتونيك ديبلاك وتتحرك الأمور تحت الجبال. كلام أحيانًا ركيك.
أنت إذا كنت تريد أن تهدي الناس إلى الإسلام اهدهم بـالحق. لماذا؟ لأنك قد تؤثر على رجل ليس بمسلم فيدخل الدين بسبب هذه النظرية، بعد عشر سنوات يكتشف هو نفسه بأن هذه النظرية طلعت غلط؛ لأنها تتغير، هي نظرية اليوم يُؤمن بها، اليوم يُكفر بها غدًا. طيب، ما سيقول هذا الرجل؟ يقول: دخلت في الإسلام بسبب كذبة. قد يثبت وقد يرتد. ولهذا دائمًا أكرر لكم قاعدة: اجعلها في دينك كما تجعلها في دنياك: حفظ رأس المال مقدَّم على الربح. ليس لأنك جئت تربح واحد حتى يدخل في الدين تخرج أنت من الدين، لا، أنت احفظ مكانك فيه بالعقيدة الصحيحة.
ولهذا حذَّر جماعة من أهل العلم على ما الذين يحاورون الملاحدة كثيرًا. بعض الناس يحاور الملاحدة حتى يدخلهم في الدين بكلام قد يخرج به جماعة من المسلمين من الدين. ولهذا إذا أردت أن تقرأ لإنسان يرد على الملاحدة لابد أن تقرأ للإنسان سليم العقيدة. ولا تجد بعض الناس ذكي في المناظرات لكنه يأتي بأمور عجائب. وأنا أذكر لكم اسم واحد اشتهر في زمن قريب وهو التركي يُسمى يحيى، وليش اسمه هارون يحيى على كل هو؟ هذا اسم مستعار يعني. وقد حُكم عليه بآخرة في أمور أخرى لا تعنينا. هذا الرجل كان في زمن مضى لي أنا أذكر في فرنسا أول الألفينات، الناس يأخذون عنده هذه الفيديوهات والكتب الملونة والمزوقة، وهو ينشرها، ثم هو بنفسه أتى بنظرية غريبة. ولا أريد أن أدخل في تفاصيل ذلك كي لا أدعو لما يقول من باطل. لكن هذا الرجل قال: وين هو؟ كالملح. لا تسمع به.
وكثير من الناس تصدى للرد على النصارى، والآن لا تسمع له ركزا. لكن تجد أن كتب ابن تيمية وكتب رحمة الله الهندي وكتب فلان وفلان وفلان، حتى أحمد ديدات رحمه الله تعالى هو أشهر من رد على النصارى في هذا العصر، عمدته ما هي في الرد على النصارى؟ كتاب رحمة الله الهندي. طيب، رحمة الله الهندي من وين اختصر كتابه؟ شيخ الإسلام ابن تيمية، كتاب “الجواب الصحيح في الرد على من بدَّل دين المسيح”. تجدون لا نقول بأن العلم محصور في ابن تيمية لكن هؤلاء أئمة، امتازوا بصلابة الدين وقوة العقيدة والفقه في الدين مع الرد على المخالف بعلم وعقل.
يقول ابن القيم: من العجائب أنه بسلاحهم أرداهم تحت الحضيض الداني. يعني يتكلم عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. لكن ليس هذا موضوعنا. الموضوع بأنك تكون أنا مؤمن بشهادة أن محمدًا رسول الله.
وبعض الناس يا إخوة لا يصدق بالأحاديث إلا إذا عاشها. فمثلاً بعض الناس إذا تداوى بالعسل يتداوى به على سبيل التجربة، وإذا جرب الرقية على أبنائه يجربها على سبيل التجربة، هاه زعما يبرأ ولا لا يبرأ. طيب، لو مات ابنك، الرقية صحيحة ولا؟ جيبوا بدليل أن رجلاً جاء للنبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح. قال: يا رسول الله، إن أخي يشتكي بطنه. قال: (اسْقِهِ عَسَلًا). فرجع إليه فقال: لا زال يشتكي بطنه. قال: (اسْقِهِ عَسَلًا). فرجع في الثالثة فكرر عليه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ). فهمتم ولا؟ لو رأيت الأمور على عكس ما تتوقع أنت ثق بالشرع. أنت لا تتمارس الشرع على سبيل التجربة. لا، ليس هكذا الدين وإلا لسقط الإيمان بالغيب.
إذًا محمد رسول الله: طاعته فيما أمر، تصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وألا يعبد الله إلا بما شرع. تصديق تكلمنا عليه والكلام عنه يطول. لا ينبغي لأحدنا أن تزيده الأيام إلا تصديقًا بالنبي صلى الله عليه وسلم.
2. إقام الصلاة
قال بعدها: «وَإِقَامِ الصَّلَاةِ». إذًا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الركن الثاني من أركان الإسلام وهو إقام الصلاة.
ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم هنا: وأداء الصلاة. دائمًا في القرآن تجد ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [البقرة: 43] لا تجد وافعلوا. لماذا؟ لأن الإقامة ليست مجرد الفعل.
اختلف العلماء في معنى إقامة الصلاة:
- القول الأول: الإقامة معناها أن تُؤدَّى الصلاة في وقتها، لا تُقدمها ولا تُؤخرها. ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4-5].
- القول الثاني: قالوا: ليس المراد بالإقامة مجرد احترام الأوقات، بل قالوا: لا بد من إتمامها بأركانها وواجباتها وأقوالها وأفعالها. أن تُؤدَّى الصلاة على الوجه الأكمل.
الصلاة ما هو تعريفها؟ الصلاة في اللغة الدعاء، وقيل غير ذلك. ومن قال الدعاء بدليل قول الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103] أي: ادعُ لهم. وأما تعريفها شرعًا: فهي أقوال وأفعال، مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم.
منزلة الصلاة: يكفي أن تعلم بأنها جُعلت شعارًا للمسلمين. ولهذا العلماء إذا تكلموا على خطر الذين يُكفِّرون المسلمين قالوا: لا نكفِّر أهل القبلة بترك الصلاة. بماذا سُمي المسلمون أهل القبلة؟ لأن المسلم يُصلي. (مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَنَسَكَ نُسُكَنَا (أو ذَبَحَ ذَبِيحَتَنَا) فَهُوَ الْمُسْلِمُ، لَهُ مَا لَنَا وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا).
حكم من ترك الصلاة: اتفق العلماء على أن من ترك الصلاة جاحِدًا لوجوبها فإنه ليس بمسلم بإجماع المسلمين.
أما الذي يُقِرُّ بوجوبها ولكنه لا يفعلها (كسلًا) اختلف فيه الأئمة على أقوال:
- ذهب أبو حنيفة رحمه الله تعالى إلى أن تارك الصلاة كسلًا عاصٍ وليس بمرتد عن دين الله ويُعزَّر.
- وذهب مالك والشافعي إلى أن تاركها عاصٍ ولكنه يُقتل حدًّا لا ردة.
- وذهب أحمد في أصح الروايتين عنه أن تاركها كافر يُستتاب فإن تاب وإلا قُتل ردة لا حد.
(خلاصة المسألة): يعجبني تفصيل الحسن لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، وهو أنه قسم الخليقة إلى أربعة:
- القسم الأول: من يعيش دهره بين المسلمين يعلم بأن الصلاة واجبة ولم يُصلِّ لله ركعة. قال: هذا كافر.
- القسم الثاني: من جاءه الحاكم المسلم يقول له: إما تُصلي وإما قتلناك، فيختار الموت على الصلاة. يقول ابن تيمية: لا يمكن أن يكون مسلمًا.
- القسم الثالث: هم الذين يُصلُّون ويُخلُّون (يصلِّي ويترك). وهؤلاء فُسَّاق، وأمرهم يوم القيامة إلى الله، إن شاء عذَّب وإن شاء غفر. ودليل هذا القسم الثالث ما جاء في الحديث الصحيح: (خَمْسُ صَلَوَاتٍ افْتَرَضَهُنَّ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهِنَّ وَأَدَّى حَقَّهُنَّ، كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ، لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ). هذا عاصٍ معصية عظيمة، لكنه مسلم.
- القسم الرابع: هم الذين يُحافظون على الصلاة بشروطها وأركانها ويرجون الله أن يتقبل منهم. قال: وهؤلاء هم الموعودون بالجنة.
3. إيتاء الزكاة
قال: «وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ». فبعد الصلاة عندنا الزكاة.
والزكاة من النماء والزيادة، ومن الطهارة. ومناسبة ذلك أنك إذا زكيت من مالك، نما مالك وزاد وطَهُر. الزكاة: حق مخصوص، يُؤخذ من مال مخصوص، إذا بلغ قدرًا مخصوصًا في وقت مخصوص.
العلماء يقولون: فُرضت الزكاة على وجه يَنفع الفقير ولا يَضُرُّ الغني. والله جل وعلا قرنها بـالصلاة في ستة وعشرين موطنًا من القرآن. لماذا قُرنت الصلاة بالزكاة؟ حتى يتربى الإنسان على أمرين وهما: أنك في هذه الدنيا تعيش بين حَقَّين: حق الله (بالصلاة) وحق الخلق (بالزكاة).
4. حج البيت
ثم قال: «وَحَجِّ الْبَيْتِ».
والحج يا إخوة: قصد البيت الحرام على صفة مخصوصة، في وقت مخصوص، بأفعال مخصوصة. الحج مرة في العمر فقط.
5. صوم رمضان
قال: «وَصَوْمِ رَمَضَانَ».
إذًا الذي جعله الله ركنًا من أركان الإسلام ليس مطلق الصوم. بل صيام رمضان هو الركن. الصوم هو الإمساك لغةً، وشرعًا هو: الإمساك عن شهوتي البطن والفرج من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس.
قدم هنا الحج على الصوم، وجاء في رواية أخرى بأنه قدم الصوم على الحج وهو الأشهَر، وهو الموافق لرواية جبريل عليه السلام.
- الحج: مرة في العمر.
- الصوم: مرة في السنة (شهر).
- الزكاة: إذا كان عندك مال مرة في السنة.
- الصلاة: خمس مرات في اليوم.
- الشهادة: بعدد الأنفاس.
تجد أن هذه العبادات مُنَوَّعة من جهة الأزمان، وأيضًا مُنَوَّعة من جهة الكيفية والطريقة:
- الشهادة: قلبية وقولية وفعلية.
- الصلاة: عبادة فعلية.
- الزكاة: عبادة مالية.
- الصوم: عبادة بدنية.
- الحج: عبادة بدنية ومالية (لمن يعيش بعيدًا عن مكة).
📝 فوائد الحديث
هذا الحديث نستفيد منه أمورًا:
- بيان أهمية هذه الأركان الخمس (أو الخمسة): وهي عِمَاد الدين، وعليها يدور دين المسلمين، وهي شِعار المِلَّة. وهذا يُرَدُّ به على الذين يقولون: “الدين المعاملة”. الأخلاق من الدين، لكن أركان الإسلام هي المقدم والأعظم.
- أن الإسلام إذا حققه العبد كما يرضى الله جل جلاله، فإن به السعادة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: “ومن أراد السعادة الأبدية فليَلزَم عتبة العبودية”.
- تشبيه الأمور الغيبية بالأمور الحسية: لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ)، فجعل مَثَلًا للإسلام كـالبنيان، من باب تقريب الأفهام.
- البداءة بالأهم: لا يمكن أن تُعلِّم الناس فقه النكاح وهم لا يعلمون الطهارة والصلاة. لابد أن يدرسوا ما يستقيم به دينهم من عقيدة وتوحيد، ثم الطهارة والصلاة.
- أن الشهادة رأس الدين، وعليها أساس الملة، وفيها أيضًا فضل الصلاة ثم الزكاة ثم الصوم ثم الحج.
نكتفي بهذا القدر والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.