الدرس 10 من فقه الأربعين النووية – الصغير بن عمار

​الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:

​أنهينا في شرح الأربعين في الدرس الماضي الكلام على حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (بُني الإسلام على خمس). واليوم نتكلم عن الحديث الرابع من الأربعين النووية، ووقفنا عند قول الإمام النووي رحمه الله تعالى:

عن أبي عبدالرحمن عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم -وهو الصادق المصدوق-:

(إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفةً، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك. ثم يُرسل إليه الملَك فيَنفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكَتْبِ رزقه، وعمله، وأجله، وشقي أو سعيد. فوالله الذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها. وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها).

رواه البخاري ومسلم.

​📜 المتن المشروح والتعليق عليه

​هذا الحديث حديث عظيم جليل القدر، حتى قال عنه الحافظ ابن رجب في أول شرحه له في “جامع العلوم والحكم”: “قال: هذا الحديث متفق عليه، تلقته الأمة بالقبول”. ولم يذكر هذا الكلام ابن رجب في كل حديث، وإنما خصص هذا الحديث مع أحاديث أخرى لأمرين:

​لأن هذا الحديث يا إخوة اشتمل على أمور لا تعلم إلا عن طريق الوحي. ولهذا قال: “تلقته الأمة بالقبول”. يؤكده قول ابن مسعود في أوله: “قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق”.

1. الصادق المصدوق

​لماذا قال ابن مسعود هذا؟ قاله لأن هذا الحديث اشتمل على أمور -كما قلت لكم- عظيمة.

​الأمر الأول: وهو ما يتعلق بأطوار الأجنة في بطون أمهاتهم. وهذا وإن كان يظهر للناس الآن كأمر سهل، والتصوير والأشعة يعلمون هذا بالتفاصيل؛ لكن هذا عندهم كان أمراً عظيماً عندما يحدِّث النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة بأمر كهذا، فهذا أمر عظيم عندهم. ولهذا ابن مسعود قَدَّم بمقدمة تشير إلى أن هذا الأمر غيبي، قال: “حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق”؛ أي قبل أن يخطر ببالك أمر فإنه صادق مصدوق. سنبيِّن معنى هذا.

​الأمر الثاني الذي اشتمل عليه هذا الحديث يا إخوة: هو مسائل القدر وأحكام الكتاب السابق. فإن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر في آخره بأن عمل العبد قد يعمل بعمل أهل الجنة ثم ينحرف، وقد يعمل بعمل أهل النار ثم يتوب، وش قال؟ قال: (فيسبق عليه الكتاب). فذكر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا ما يتعلق بالكتاب السابق وهو القدر، وأن الله تعالى كتب عنده الخلق، وقسمهم إلى أشقياء وسعداء، في علم الله جل وعلا الأزلي، وكتبه في اللوح المحفوظ، وكتبه في الصحف التي بأيدي الملائكة كما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.

​إذاً، هذا الحديث يا إخوة ليس حديثاً فيه أحكام ظاهرة للناس أو أحكام عملية، بل هو متعلق بأمور غيبية. ولهذا قال ابن مسعود: “قال: حدثنا”. قوله: “حدثنا” هذه من صيغ، بل من أعلى صيغ تحمل الحديث. أن علماء المصطلح إذا تكلموا قد يستعملون “حدثنا”، وقد يستعملون “أخبرنا”، وقد يستعملون “أنبأنا”. وهنا قال: “حدثنا”. والتحديث الأصل فيه أنه يكون من لفظ الشيخ؛ أي أن الشيخ يقرأ والطالب يسمع. هنا يقول: “حدثنا”. وابن مسعود هنا قال ما قال: “حدثني”، بل قال: “حدثنا” فدل على أن ابن مسعود سمع هذا الحديث وكان معه غيره. واضح؟ إذاً، هو سمع هذا من النبي صلى الله عليه وسلم.

​قال: “وهو الصادق المصدوق”. قوله: “الصادق” أي أن النبي صلى الله عليه وسلم يخبر بالصدق، والصدق هو الكلام الموافق للواقع على ما هو عليه. يعني النبي صلى الله عليه وسلم صادق في قوله؛ يخبر عن أمر موافق لاعتقاده وموافق للواقع أيضاً. وهذا أمر -كما ذكرناه مراراً- لم يشك فيه أحد، حتى المشركون كانوا يعلمون بأن النبي صلى الله عليه وسلم صادق فيما يقول.

​لكن ابن مسعود هنا زاد أمراً آخر قال: “المصدوق”. لأن قد يكون واحد صادق، لكنه يأخذ أخباره من واحد كاذب، فيحدِّث بالخبر، هو صادق بأن فلاناً حدَّثه، لكن الخبر الذي يأتي به كذب؛ لأنه وثق في إنسان كذَّاب وجاءه بخبر كذب. والله تعالى قال: (إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) (سورة الحجرات، الآية 6). فقد لا يتبيَّن المؤمن ويحدِّث بخبر، فلا تقل: أنت كذاب، لا، يقول: أنا نقلته، ولكن الذي نقلت عنه هو كذَّاب. ولهذا الأحاديث إذا عرَّف العلماء الحديث الصحيح قالوا: ما رواه العدل الثقة الضابط عن مثله من أوله إلى منتهاه. فإذا كان في السلسلة كذاب كان حديثاً موضوعاً، الكذب المختلق المصنوع على النبي فذلك الموضوع. ومن الحديث الصحيح لا بد أن يرويه الصادق عن الصادق عن الصادق، ولا بد أن يكون أيضاً ضابطاً في اللفظ الذي ينقله.

​فهنا النبي صلى الله عليه وسلم صادق في نفسه، ومصدوق من عند ربه. ما معنى “المصدوق”؟ المصدوق هو الذي يؤيده الله جل وعلا بخبر صدق؛ أي أن الله تعالى يوحي إليه، وهذا الوحي نزل به جبريل. إذاً، النبي صلى الله عليه وسلم صادق في نفسه وتلقى علمه عمن؟ عن جبريل، (عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) (سورة النجم، الآية 5). جبريل صادق ولا لا؟ لا شك. وجبريل يحدِّث عن الله جل وعلا، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً) (سورة النساء، الآية 122)، (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) (سورة النساء، الآية 87). إذاً، النبي صلى الله عليه وسلم صادق في نفسه مصدوق؛ لأن الخبر الذي يأتي به إنما هو خبر صدق.

​والخلل يا إخوة إما أن يقع من جهة التحمُّل أو أن يقع من جهة الأداء. الواحد إذا حدَّث إما أن تكون المعلومة التي أخذها خطأ، أو أن يكون قد أخذ معلومة صحيحة لكنه بلَّغ خطأ، فهمتم؟ النبي صلى الله عليه وسلم صادق في نفسه فهو من جهة الأداء صادق، وأيضاً الخبر الذي يأتيه خبر صدق فهو من جهة التحمُّل أيضاً صدق. فَتَمَّ له صلى الله عليه وسلم الصدق من جهة التحمُّل ومن جهة الأداء. ولهذا قال علي رضي الله عنه يوم النهروان -ويوم النهروان قاتل علي الخوارج- والحديث في صحيح مسلم، قال علي رضي الله عنه: (والله ما كذبت، ولم يُكذَّب الذي أخبرني). يعني قول علي هنا: أنا لم أكذب، والذي أخبرني لم يكذب. أي أن علياً كان في ذلك القول صادقاً مصدوقاً.

2. أطوار الجنين الأربعة

​قال: “ان احدكم” قوله: “ان احدكم” أي كل واحد منكم، تعم. لن يخرج أحد عن هذا الحديث، جميع الخلق يمرون بهذا.

“ان احدكم يجمع خلقه في بطن امه اربعين يوما نطفة”. قوله: “يجمع” دل على افتراق قبلها، صح ولا لا؟ طيب، الافتراق من وين هذا أتى؟ إيه، قال: “ان احدكم يجمع” من الأب ومن الأم. واضح؟ يعني مني الرجل صح؟ ومني المرأة. ولهذا يجمع، تُجمَع أو تُخلَق النطفة من ماء المرأة وماء الرجل. قال جل وعلا: (خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ) (سورة الطارق، الآيتان 6-7). وقال جل وعلا: (أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ) (سورة المرسلات، الآية 20). مهين؛ رقيق، مستحقَر. الإنسان لا يتكبر. تعالى قال: (مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ)، ليس له كبير قيمة، فهمتم؟

​ولهذا وهذه قصة معروفة عندكم لما قَدِم أحد الأمراء قديماً، فقام له الناس ومعلوم النهي عنه وإن كان القيام للشخص ليس القيام إلى الشخص. لكن فلم يقم له أحد الجالسين ولم يعظمه، فعاب عليه. فقال له ذلك الرجل -وهو مشهور من أئمة السلف لا يحضرني اسمه الآن-: قال: أردت أن أقوم إليك، فتذكرت أموراً: تذكرت أن أصلك نطفة قذرة، وأن مصيرك جيفة قذرة، وأنك الآن تحمل العذرة. فهمتم؟ وهذه لا يخرج عنها أحد من الناس، صح ولا لا؟ وهذه تدل على يا إخوة تدل على أن الإنسان أحياناً قد يستعظم الناس، وعِظَمُ الناس لعلمه. أما الباقي يبقى الناس سواسية من جهة أصل الخلق. كما قال علي رضي الله عنه:

​الناس من جهة التمثيل أكفاء،

أبوهم آدم والأم حواء.

نفسٌ بنفس وأرواحٌ مشاكل،

ثم قال: ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم،

على الهدى لمن استهدى أدلاء.

(يعني التفاضل بالعلم، وقبل ذلك بالتقوى).

 

إن الإنسان يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفةً. والنطفة هي اجتماع مني الرجل بماء المرأة، فيكون هذا هو النطفة وهي ماء قليل. ثم قال: وهذا يمكث في الرحم أربعين يوماً.

ثم يكون علقةً مثل ذلك. العلاقة معروفة، العلاقة، واضح؟ تكون في المياه وتكون في الماء. العَلَقة هي ما هي؟ هي قطعة دم متجمد. شفتم إذا ذُبِح الحيوان وخرج منه الدم، تجد أن الدم يتخثر. العَلَقة هي ماء متجمد قليل جداً. إذاً، النطفة صارت علقة، وتمكث على ذلك الطور أربعين يوماً.

ثم قال: ثم يكون مضغةً مثل ذلك. المضغة مرحلة متقدمة على العَلَقة. والمضغة هي قطعة اللحم الممضوغة. من دَرَسَ منكم علم الأجنة والدراسات البيولوجية ينظر إلى الصورة. شفتم تأخذ علكة، العلكة هذه تمضغها، كيف ستترك فيها آثار الأضراس؟ نفس الصورة. يعني لما قال: “مضغة” في القرآن وفي السنة هي حقيقة من أعظم التصوير للذي يقع عند الجنين في الطور الثالث. إذاً، هو أربعون يوماً يمكث: نطفة، ثم علقة، ثم مضغة.

​وقد ذكر الله جل وعلا هذه الأطوار في كتابه، قال جل وعلا: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) (سورة الحج، الآية 5). المُخَلَّقة هي التي تشكلت صورتها. وغير المخلَّقة هي التي لم تتشكل صورتها بعد. ما معنى تشكلت صورتها؟ صار صورة وجه، شيء من الأنف، وشيء من الشكل العام. قبل ذلك ليس فيه شكل أصلاً، فهمتم؟

​وقال جل وعلا: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ) (سورة المؤمنون، الآية 12). قوله: “مِنْ سُلَالَةٍ” أي استُلَّت من الطين. سلالة أي أنها استُلَّت منه. (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ) (سورة المؤمنون، الآية 13). أهو بطانة الرحم. (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (سورة المؤمنون، الآية 14). فذكر الله جل وعلا هذه الأطوار، وذكر هنا العظام، ثم ذكر أن اللحم يكسو العظام. فيكون العظم هو العماد، ويكون اللحم هو الكساء. والأطوار الواقعية توافق ذلك حتماً بلا شك، تبدأ بالعظم ثم تكسو ذلك العظم لحماً.

​ثم قال: “ثم أنشأناه خلقاً آخر”. متى يكون هذا؟ بالنفخ الروحي فيه. ويفسرها قوله جل وعلا: (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ * ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ) (سورة السجدة، الآيتان 8-9). واضح الأمر؟

​إذاً، هذه الأطوار المذكورة في السنة مذكورة أيضاً في القرآن، لكن السنة بيَّنت مدة الأطوار: أربعين يوم، أربعين يوم، أربعين يوم.

3. نفخ الروح وكتابة المقادير

​ثم قال: “ثم يرسل اليه الملك فينفخ فيه الروح”. ويؤمر بأربع كلمات. إذاً، بعد بلوغ هذه المدة -يعني مئة وعشرين يوم– تنفخ فيه الروح. وإذا نُفِخَت فيه الروح صار إنساناً تاماً من جهة الجسد ومن جهة الروح. أصله قبل ذلك كان ميتاً؛ فإنه كان جسداً بلا روح، الآن رُكِّبَت الروح على الجسد فصار إنساناً حياً. ولهذا بيَّن الله جل وعلا في القرآن بأن العبد له حياتان وله موتتان. (قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا) (سورة غافر، الآية 11). واضح؟

​الموتة الأولى يا إخوة ما هي؟ قبل نفخ الروح. هي ليست موت باعتبار أنها قبض للروح، لا، موت باعتبار أنه كائن ميت لا روح فيه. طيب، الحياة الأولى متى؟ بعد نفخ الروح. ثم الموت الثاني: الموت المشهور المعروف وهي نزع الروح عن الجسد. ثم الحياة الثانية: متى؟ بإرجاع الأرواح حتى يقوم الناس لرب العالمين. فعندنا حياتان وعندنا موتتان.

​وإذا وُلِدَ الجنين ميتاً، تجري عليه الأحكام عند بعض العلماء، وعند آخرين لا تجري عليه الأحكام. إيش معنى؟ بعد الأربعة أشهر نُفِخَت فيه الروح ولا لا؟ نُفِخَت. طيب، إذا وُلِدَ الجنين لكنه وُلِدَ ميتاً، إذاً هو عاش في بطن أمه خمسة أشهر حياً، ثم لما وُلِدَ مات. وهذا كثير. بعض أهل العلم قالوا: تُجرى عليه الأحكام من جهة التغسيل والتكفين والتسمية، ولك أن تعُقَّ عليه. وعند المالكية -وغيرهم- لا بد أن يستهل صارخاً، أي إذا كان وُلِدَ ميتاً لا حكم له. عند غيرهم: من الشهر الرابع له الأحكام. وهذا يترتب عليه أمور؛ لأن كثير من النساء إما أن تُجهِض هي بنفسها، أو أنها تُسقِط، وهي أحكام السِّقْط. فلا بد للعبد أن يكون على بصيرة من دينه.

​فلو أخذ بالمذهب المالكي، كل ما يكون قبل الولادة لا حكم له من جهة التغسيل والتكفين. انتبهوا. لكنه عند المالكية تترتب عليه أحكام منها: خروج المرأة من العِدة. فهمتم؟ واضح؟ يعني المرأة قال تعالى: (وَأُوْلَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) (سورة الطلاق، الآية 4). فإذا وضعت صغيراً ميتاً، هنا عند المالكية له حكم ولا؟ نعم له حكم. يعني حتى لو وضعته ميتاً، لا يقال: لم يستهل صارخاً إذا تبقى على عِدَّتها. لا، انتهت العدة بذلك الجنين. أطوار قبلها، لكن بحث هذا في كتب الفقه. فقط حتى تعلموا أن هذا الحديث له أحكام تترتب عليه.

​ثم قال بعد نفخ الروح فيه: “ويؤمر بأربع كلمات”. جاء في روايات أخرى للحديث أن الملَكَ هو الذي يسأل الله تعالى فيأمره الله تعالى. أي ليس الله تعالى هو الذي يأمر الملك ابتداء، لا. لأن الحديث يفسِّر بعضه بعضاً. جاء في رواية أخرى أن الملك يقول: (يا رب ما رزقه؟) يقول: اكتب كذا. (ما عمله؟) اكتب كذا. (ما أجله؟) اكتب كذا. فهمتم؟ ثم يسأله: أهو شقي أو سعيد؟ فيُجيب الرب جل جلاله، فيكتب الملَك. واضح؟

1. “بكتب رزقه”: قوله: “يكتب” قلة أو كثرة، حلالاً أو حراماً، من أين وفيما سينفق. كل هذا سيُكتَب. فهمتم؟ إذاً، الأرزاق مكتوبة ومع هذا الناس يسعون للرزق، وكذلك الأعمال مكتوبة ولا بد أن تسعى في عملك.

2. “واجله”: طولاً وقصراً. ما هو الأجل يا إخوة؟ ليس نفس الشيء. أحسنت. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في التفريق بينهما: قال: “الأجل وقت الانتهاء، والعمر مدة البقاء”. العمر: كم ستبقى في الأرض، والأجل هو وقت النهاية. ولهذا بعض أهل العلم يقول: من الخطأ أن يقول الإنسان: كم عمرك الآن. لكن لا بأس، إحنا لا نقول لكل واحد يقول لك: كم عمرك؟ نقول له: لا، كم من مضى. هذا يصعب على الناس. فهمتم؟ يعني أحياناً لا نقع في التكلُّف، لكن لا بأس من تصحيح الناس بتعليمهم. فكم عمرك؟ في الحقيقة لا أحد يعلم. قال تعالى: (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) (سورة لقمان، الآية 34). لا ندري، نسأل الله تعالى حسن الخاتمة.

3. “وعمله”: ويؤمر بكتابة عمله. كتابة عمله من جهة الصلاح والفساد: هو صالح أو هو طالح. إذاً، كما يكتب رزقه يكتب عمله. وهذا إشارة -سبحان الله- إلى أن الحياة، الأرزاق لا تُراد. الله تعالى يرزق خلقه ليعبدوه. ولو تأملت النصوص تجد أن هناك كثير من الآيات والأحاديث أن الله تعالى يقرن ما بين الرزق والعمل. ومن أعظم ذلك: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ) (سورة الذاريات، الآيتان 56-57). واضح؟ إذاً، الله تعالى ذكر العبادة وذكر الرزق بعدها. إذاً، المراد ليس الرزق. الرزق هو غذاء تتغذى به وتغذي غيرك به، حتى تصل إلى الله جل وعلا، فإن ذلك هو الغاية. الغاية ما هي يا إخوة؟ أن تصل إلى الله وهو عنك راض. إحنا تكلمنا عن هذا مراراً في قصيدة السير إلى الله والدار الآخرة:

​سعد الذين تجنبوا سبل الردى،

ويَمَّموا لمنازل الرضوان.

 

​فالرزق ليس غاية في نفسه، إنما الرزق وسيلة. والغاية هي الجنة. ولهذا الكافر يا إخوة لم يفهم المقصود فضاع في هذا الوجود. المقصود هو عبادة الله. هو أخذ رزق الله واستعمله في غير عبادة الله. ولهذا يُعاقب الكافر يوم القيامة على شربة الماء التي يشربها. قال تعالى: (لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا) (سورة المائدة، الآية 93). مفهوم الآية: مفهوم المخالفة؛ أي أن على الذين لم يؤمنوا ولم يعملوا الصالحات جناح في مطاعمهم. ولهذا يُعاقب الكافر حتى على المباح ليش؟ لأن الله رزقك ولكنك لم تستعن برزق الله على عبادته.

4. “وشقي أو سعيد”: قوله: “وشقي أو سعيد” هو النتيجة للعمل. يعني ذكر الأسباب والوسائل، ثم ذكر الغاية. لأن الغاية من كل هذا أن ينقسم الناس ما بين أشقياء وسعداء، (فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ) (سورة الشورى، الآية 7). فهمتم؟ إذاً، قال: “وشقي أو سعيد”. “وشقي أو سعيد” مرفوع خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو. أي هو شقي أو سعيد.

​إذاً، إذا الله تعالى رزقك وقدر مدة بقائك في هذه الأرض، لا بد أن تجتهد في العمل حتى تُوفَّق إلى أن تكون من السعداء. فكل هذه الأمور مرتبطة ببعضها، فهمتم؟ ومن الرزق يا إخوة: العلم النافع والعمل الصالح. فلا بد أن تنظر إلى ما وفقك الله تعالى لك من العلم ومن العمل على أنه رزق من عند الله. ولا تقل كما قال قارون: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) (سورة القصص، الآية 78). بل كل شيء إنما وفقك الله جل وعلا له. بدليل ما سيأتي معنا فيما بعد إن شاء الله تعالى: بأن العبد قد يعمل بعمل أهل الجنة ثم ينحرف في الآخر. فليس لواحد منا عهد. ولهذا هذا الحديث يا إخوة يُقلِق قلوب الصادقين. ولهذا أقلق السلف. ولهذا قال ابن مسعود في أوله هنا: “حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق”. إذاً، لا بد أن تصدق بهذا الخبر، وأن تستيقن به في قلبك، وخاصة أن تعمل بمقتضاه.

4. العبرة بالخواتيم

​قال: “وشقي أو سعيد”. ثم قال: “فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها”. هذه الجملة هنا ذكر بعض أهل العلم أنها من كلام ابن مسعود وليست من حديث النبي صلى الله عليه وسلم. فتكون هذه ماذا تُسمَّى في الحديث؟ هذا هو المدرج. أحسنت. هو كلام يدخله الراوي، يظنه من روى الحديث فيما بعد أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. واضح؟

​كما في حديث: (أن أمتي يوم القيامة يدعون غراً محجلين)، بعدها: (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل). بعض الناس يقرأ هذا يظن أن هذا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم. لا، هذا من كلام أبي هريرة. ولهذا هو مُدرَج. قال ابن القيم في النونية:

​وأبو هريرة زاد ذا من كيسه،

فغدا العرفان.

 

​والمدرج كما قال البيقوني:

​والمدرجات في الحديث ما أتت،

من بعض ألفاظ الرواة اتصلت.

 

​ومن أشهر الأمثلة على ذلك حديث الترمذي -وفي الصحيح لكن رواية الترمذي- (إن لله تسعة وتسعين اسماً، من أحصاها دخل الجنة). ثم عدَّ الأسماء الحسنى. عدَّ الأسماء الحسنى ليس من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهو مُدرَج.

​فقال بعض أهل العلم: هذا مُدرَج. لكن هذا لا يُسلَّم. أولاً: لم يثبت بسند صحيح بأن هذا مُدرَج، والأصل أن هذا كلام النبي صلى الله عليه وسلم. يعني لم تأت رواية أخرى تبين أن هذا من كلام ابن مسعود، وما جاء فهو لا يصح. الأمر الثاني: أن الأصل فيما يذكره الصحابي كلام مَن؟ من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. ثم هنا لو تأملت نَسَق الكلام، تجد أن الكلام على نَسَق واحد؛ لأن فصاحة النبي صلى الله عليه وسلم يا إخوة ليست كفصاحة غيره، كما أن القرآن فصاحته ليست كفصاحة أحد من الخلق. كلام النبي صلى الله عليه وسلم ليس ككلام غيره قطعاً. ولهذا لا تجد من العرب من يقول: (إنما الأعمال بالنيات). لا يمكن. هذا الكلام كلام نبوي بحت. وقوله جل وعلا: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) (سورة البقرة، الآية 179). هذا كلام قرآني بحت. العرب كانت تقول: القتل أنفى للقتل. الله تعالى قال: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ). هذا بعيد جداً من جهة المعنى والفصاحة والبراعة والبيان.

​إذاً، هذا الكلام من جهة الفصاحة موافق لكلام النبي صلى الله عليه وسلم في أوله. ولهذا الأظهر -والله أعلم- أن هذا هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم كاملاً. ومن قال غير ذلك فيقال له: عليك أن تأتي ببرهان بأنه من كلام غير النبي صلى الله عليه وسلم. وأنا أضرب لكم مثال ونَمُرُّ إلى ما بعده. حديث أبي هريرة الذي ذكرت لكم في الصحيحين رضي الله عنه: (فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل). هذا الكلام لا يمكن أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. ليش يا عبدالله؟ أحسنت. الغرة لا تطال أصلاً. يعني ماذا تطيل في الغرة؟ لا يمكن أن تطيل شيئاً محصور المكان. ماذا ستطيل؟ إذاً، لا يمكن أن يكون من كلام النبي صلى الله عليه وسلم. واضح؟ الصحابي قد يخطئ ولا إشكال في هذا. واضح؟ رضي الله عنهم أجمعين.

​إذاً، هذا الكلام من كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم من جهة المبنى لفظاً ومن جهة المعنى.

​قال: “فوالذي لا إله غيره”. أقسم هنا النبي صلى الله عليه وسلم لعظم الأمر، فهو حَلَفَ على هذا الكلام. ولو لم يَحْلِف وهو صادق صلى الله عليه وسلم. لكنه أكد هذا باليمين. قال: “فوالله الذي لا إله غيره” حتى ينتبه السامع ويعلم أن الأمر جِدٌّ، وأن الأمر عظيم.

“إن أحدكم” كما أن أحدكم يجمع، قال هنا: “إن أحدكم ليعمل”. فهو كلام ينطبق على كل واحد من الناس.

“ليعمل بعمل أهل الجنة”. الحديث إذاً ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أقساماً من الناس: يعملون بعمل الصالحين ثم ينحرفون إلى طريق المُبْطِلين، وذكر في مقابلهم أناس يعملون أعمال المبطلين ثم يتداركه الله برحمته فيُختَم له بأعمال الصالحين.

​إذاً، عندنا ضدَّان عظيمان:

  1. ​واحد عاش على خير في ظاهره ومات مع الهَلْكَى والعياذ بالله.
  2. ​وأما الآخر فعاش مع الهَلْكَى ولكنه مات مع الصالحين.

​أن يكون عندنا الناس أربع طوائف:

القسم الأول: من بدايته حسنة ونهايته حسنة. واضح؟ نسأل الله أن نكون من هؤلاء. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم ذكر فيمن يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، قال: (وشاب نشأ في طاعة الله). فنشُوؤه في طاعة الله يجعل له فضلاً عند الله جل وعلا. لا شك أن العبرة بالخواتيم، لكن من كانت خاتمته حسنة مع ماضٍ حسن، هذا يلقى الله جل وعلا يوم القيامة وعنده حسنات كالجبال. ولا يقول واحد منكم: العبرة بالخواتيم ولو قصَّر في العمل. لا. لأن كل سنة أنت تمكثها كم فيها من صيام وكم فيها من صلاة وكم فيها من ذِكر وكم وكم وكم. بل ثبت في الحديث الصحيح: أن صحابيين كانا يجاهدان مع النبي صلى الله عليه وسلم، فمات أحدهما قبل الآخر. فقال القوم: هنيئاً له الشهادة. فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم: (ولكنك أنت عدت بعده، فربما تزداد من الخير أكثر من هذا الذي مات شهيداً). فهمتم؟ والحديث لا يحضرني لفظه، لكنه صحيح ومشهور. فأنت كل سنة تزيدها تزداد خيراً بإذن الله تعالى. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من شاب شيبة في الإسلام كانت له نوراً يوم القيامة). ليش نوراً؟ لأنه قَلَّ تقدُّمه في السن وبقي على نفس الطريق، بل زاد. وأيضاً بالمقابل قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أَعْذَرَ الله إلى امرئ بلغ ستين). يعني وصل للستين ولم يتب بعد. هذا يصعب أن يتوب، يصعب أن يتوب. لأنه مرَّت صَبْوة الشباب وهدته الشيخوخة وجاءه المشيب ولم يرجع إلى ربه جل وعلا، فهذا من بئس الناس هؤلاء. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم إيش قال؟ (من أشد الناس عذاباً ممن لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: أشيْمَط زانٍ). أشيْمَط يعني شايب، وصغَّره تحقيراً. قال: (زان). قال العلماء: فإن العذاب يزداد بقلة الداعي. يعني أنت أنت شايب كبير، ضعفت الشهوة. ولهذا الشريعة رتَّبت الجَلْد على من ليس متزوجاً ليش؟ لأن شهوته أقوى وليس عنده أين يصرف شهوته. هو ذنب عظيم، لكنه أهون من الذي أتى وهو قد تزوج. فهمتم؟

القسم الثاني: من كانت بدايته سيئة ونهايته سيئة. كأبي لهب وفرعون وهكذا، عاش متجبراً كافراً، مات متجبراً كافراً.

القسم الثالث: وهذا أسوأ الناس والعياذ بالله، من كانت بدايته حسنة ونهايته سيئة. وهذا الذي يُخِيف في هذا الحديث: (إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يبقى بينه وبينها إلا ذراع). ها هو الذراع طوله نصف متر. وهذا تقوله العرب لأن المسافة قريبة جداً. أي أوشك على أن يصل إلى ربه، فانحرف.

​يقول ابن القيم في “الفوائد”: “أغبى الناس من ضل الطريق وقد شارف المنزل”. لو أنت إنسان راجع إلى بيت لا تخطئ في بيتك. فهمتم؟ ولهذا جاء في الحديث: (أن أهل الجنة يعرفون بيوتهم في الجنة كما يعرف أحدكم بيته إذا عاد من صلاة الجمعة). لا تخطئ في بيتك. اللهم إنسان غاب عقله. قال ابن القيم: “أغبى الناس من ضل الطريق وقد شارف”، قارب إلى الوصول إلى المنزل، والمنزل ما هو؟ هو الجنة. ولهذا يقول ابن القيم:

​فحيَّ على جنات عدن فإنها،

منازلك الأولى وفيها المخيَّم.

ولكننا سَبْيُ العدو فهل ترى،

نردُّ إلى أوطاننا ونسلَم.

 

​الوطن الحقيقي هو الجنة، وهذا دار ممر وليست بدار مقر. ولهذا هذا الصنف يخاف على نفسه منه العبد.

القسم الرابع: من كانت بداياته سيئة ونهايته حسنة. هذا الذي يقول فيه شيخ الإسلام ابن تيمية في “منهاج السنة النبوية”: قال: “فليست العبرة بنقص البداية، إنما العبرة بكمال النهاية”. وجاء في روايات هذا الحديث: (إنما الأعمال بالخواتيم). العبرة بالخاتمة.

​إذاً، أحسن الناس من عاش صالحاً ومات صالحاً. لكن هذا عاش صالحاً ومات طالحاً والعياذ بالله. ومن أمثلة هذا قصة اليهودي في الصحيح، الذي زاره النبي صلى الله عليه وسلم قبل موته. فقال له أبوه: (أطِع أبا القاسم). لماذا قال: أطع أبا القاسم وهو يهودي؟ لماذا؟ لأنهم يعلمون صدقه، ليس لهم في صدقه أدنى شك. واضح؟ هم يعلمون بأن هذا هو النبي الذي وُعِدَ الناس في آخر الزمان، فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به. (فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) (سورة البقرة، الآية 89). قال: (أطع أبا القاسم)، فأطاع النبي صلى الله عليه وسلم، فتشهَّد شهادة الإسلام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحمد لله الذي أنقذه بي من النار). ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمه في الصحيحين أبي طالب قال له: (يا عَمَّاهُ، قل كلمة، قل: لا إله إلا الله، كلمة أحاجُّ لك بها عند الله). هي فقط كلمة، مع العلم أن هذا الرجل عاش على الشرك الأكبر وعبادة الأصنام. النبي صلى الله عليه وسلم طلب منه كلمة واحدة، لو قالها أبو طالب لكان داخلاً في هذا الحديث: يعمل بعمل أهل النار ثم يعمل بعمل أهل الجنة فيدخل. سيأتي معنا إن شاء الله تعالى في درس السيرة أمثال كثيرة من أقوام أسلموا ودخلوا وماتوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لم يسجد لله سجدة ولم يركع لله ركعة وهو في الجنة). نعم، كم خير اليهودي وغيره. فهمتم؟

​العبرة يا إخوة إذاً بالخواتيم. والحديث دل -الحديث لم يتكلم على من كانت بدايته حسنة ونهايته حسنة، ولم يتكلم الحديث على من بدايته سيئة ونهايته سيئة- الحديث تكلَّم فقط على صنفين من الناس:

  1. ​من كانت بدايته حسنة وساءت خاتمته.
  2. ​ومن كانت بدايته سيئة وحسنت خاتمته.

​وهذا يا إخوة يجعل العبد خائفاً؛ لأنه لا يدري على ماذا يموت. ولهذا يقول السلف: “قلوب الأبرار مُعَلَّقة بالخواتيم”، يقولون: بما يُختَم لنا. و**”قلوب السابقين”** -وهم أعلى من الأبرار- و**”قلوب المقربين مُعَلَّقة بالسوابق”**، يقولون: ماذا سَبَقَ لنا. أي أنس المقربين وهم أعلى درجة من الأبرار. الأبرار يا إخوة هم المقتصدون، المقربون هم السابقون بالخيرات، والظالمون لأنفسهم دون ذلك، كما في سورة فاطر (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ) (سورة فاطر، الآية 32).

​إذاً، المقربون يا إخوة كما أنهم يخافون من الخَتْم، لكن قلوبهم مُعَلَّقة بالكتاب السابق؛ لأن الكتاب السابق أَرَقُّ للناس. يعني الواحد إذا تفكَّر بأن منزله قد فُرِغَ منه: أهو في الجنة أو في النار؟ يخاف. لماذا تخاف؟ لأن تقول: الله يعلم الآن. والملك الذي والله يعلم هذا أمر واضح. لكن الملك يعلم الآن: هل أنت شقي أم سعيد؟ صح ولا لا؟ هذا من أربعة أشهر وأنت في بطن أمك قبل أن تخرج إلى الدنيا.

​لكن هذا لا يمنعك بأن تعمل. كما أن رزقك قد كُتِب ومع هذا أنت تسترزق، وكما أن عملك كُتِب فلا بد أيضاً أن تعمل. إذا أردت أن تكون من السعداء فليس لك إلا أن تتوكل على الله وتسلك سبيل السعداء. وليس هذا الحديث دعوة للكسل.

​الصحابة يا إخوة، إذا أردت -ولهذا نحن دائماً نقول: كتاب وسنة على فهم سلف الأمة، هذه ليست نظرية، هذه لو طبقتها تفهم- الصحابة لما ذُكِرَ لهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد كتب منازلكم: أفي الجنة أنتم أم في النار؟ قالوا. قال بعضهم: (فَفِيمَ العمل يا رسول الله؟) قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اعملوا فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له). ثم تلا قول الله تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) (سورة الليل، الآيات 5-7). والعكس كذلك.

​قال راوي الحديث يا إخوة: (فما رأيتني أشد اجتهاداً مني منذ سمعت ذلك الحديث). فهمتم؟ هنا عندما نقول: بفهم سلف الأمة، رأيتم كيف فهمهم للحديث؟ فهموا الحديث بأنك إذا أردت الجنة لا بد أن تعمل. وأنا ضربت لكم مثالاً في درس القدر لما تكلمنا في حديث جبريل. قلت لك: لو أن إنساناً يجري في سباق، وواحد قال له: أنت ستكون الأول اليوم. هل سيقف عن الجري؟ أبداً، سيزداد اجتهاداً؛ لأنه بُشِّر بخير.

​أنت هذا الغيب محجوب عنك، أنت لا تدري. لكن الأكيد أنك إذا لم تعمل تكون من أهل النار. لكن أنت اعمل وتذكر أنك لن تُوفَّق إلا بإذن الله. فمثل هذه الأحاديث يا إخوة ليست أحاديث -والعياذ بالله- مُثبِّطة عن العمل، لا. بل هي أحاديث مُعينة ومُحفِّزة على العمل، حتى يجري العبد في السباق. وأحسن أنواع الخيل ما هي؟ هي التي إذا قاربت الوصول أسرعت، أعظمها التي إذا ضَعُفَ القوم في الآخر هي تُسابق. فهمتم؟ وهذا حتى أهل الرياضة يتكلمون عليه. وهذا غالباً الفوز متى يقع يا إخوة؟ في اللحظات الأخيرة. الناس يضعفون في الآخر؛ لأن العبرة بالخواتيم. والشيطان يأتيك هنا، لا يأتيك في البداية. إيه ممكن يأتيك في البداية، لكن إذا رآك قد مضيت في الطريق يأتيك في الآخرة. يقول لك: خلاص، أنت الآن يكفي، وصلت. لا، حتى تضع ساقك في الجنة حينها تتوقف. كما قال الإمام أحمد وغيره رضي الله عن الجميع.

​ولهذا يقول السلف: “ما أبكى العيون ما أبكاها الكتاب السابق”. ليس هناك شيء أبكى السلف كما أبكاهم الكتاب السابق. ولهذا كان الحسن ربما أفرط في خوفه، فقال له البعض: يعني أنت حكيم من حكماء الأمة. يعني الحسن البصري. ابن الجوزي في كلام له، وترجم له في كتاب قال في “صيد الخاطر”: “تأملت رؤوس الأمة بعد الصحابة”. الصحابة لا يسبقهم أحد في شيء ممن جاء بعدهم. لكن قال: بعد الصحابة تأملت فوجدت هناك أربعة من الناس جمعوا ما بين العلم والعمل، ذكر منهم الحسن البصري. ومع هذا كان الحسن البصري كثير الخوف من ربه. فلما قال له بعضهم: لِمَ هذا الخوف؟ قال: أخاف أن يلقيني في النار ولا يبالي. ليس لأن الله تعالى يظلم خلقه والعياذ بالله. (إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا) (سورة النساء، الآية 40). الله تعالى يضاعف الحسنات، والسيئات واحدة والحسنات بعشرة أضعافها إلى أضعاف كثيرة. ومع هذا أغلب الناس وين؟ في النار. ولهذا يقول ابن مسعود يقول: (فويل لمن غلبت آحاده عشراته). هي الحسنة بعشرات الأضعاف ومع هذا سيئات غلبت والعياذ بالله.

​إذاً، الحسن البصري كان يقول هذا الكلام. لماذا؟ كما قلت لكم: من كثرة خوفهم من الله، مع رجائهم برحمة الله جل جلاله. ولهذا ينبغي للعابد إذا سمع مثل هذه الأحاديث أن يخاف منها العبد وأن يَقْلَقَ. لو تذكرون مر معنا في قصيدة السير إلى الله والدار الآخرة هذه المنزلة، وقلنا إنها تسمى منزلة الرعاية. قال ابن سعد في نَظْمِه:

بالله دعوات الخلائق كلها،

المشاهد كلها خوفاً على الإيمان من نقصانه.

بعضهم قرأها فقال:

رعوا المشاهد والحقائق كلها،

خوفاً على الإيمان من نقصاني.

 

​قال قبلها في أول النظم:

​يتقربون إلى المليك بفعلهم،

طاعاته والترك بالعصيان.

فعل الفرائض والنوافل دأبهم،

مع رؤية التقصير والنقصان.

 

​الله جل وعلا قال: (الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) (سورة المؤمنون، الآية 60). قالت عائشة: أهم الذين يسرقون ويزنون؟ قال: (لا يا بنت الصديق، إنهم الذين يتصدقون ويصلون ويصومون ويخافون ألا يقبل الله منهم، أولئك هم الصادقون). واضح؟ والله تعالى قال: (إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (سورة المائدة، الآية 27).

​💡 فوائد وتتمة

​قال النووي رحمه الله تعالى: “فإن قيل”. يعني واحد يستدرك ويقول: إن الله تعالى يقول في كتابه: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) (سورة الكهف، الآية 30). واحد يقول: كيف الله تعالى يقول: إن الذي عمل صالحاً لا بد أن نجزيه، ثم يأتي هذا الحديث. فظاهر الآية أن العمل الصالح من المُخلِص يُقبَل، وإذا حصل القبول جاء الجزاء من الكريم سبحانه.

​والجواب عن هذا أن يقال: الله جل وعلا علَّق الثواب بالعمل الصالح، والعمل الصالح لا بد أن يكون خالصاً لله وعلى سُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم. بالرواية التي ذكرناها: وهي (فيما يبدو للناس). أصلاً شرط الإخلاص فَقْدُه، إذاً لا ينبغي أن يُسمَّى هذا عملاً صالحاً.

​الأمر الآخر: أنه قد يكون العبد في أول طريقه صالحاً وعمله خالصاً وعلى السنة، بل يكون صاحب علم ثم ينحرف. هل انحرف لأن الله ظلمه؟ تأملوا حولكم: كل من انحرف -وقد شاهدنا والعياذ بالله من هذا أمثلة- رأينا أقواماً كان فيهم علم وكان فيهم صلاح فيما يبدو لنا. لما سألنا بعضهم وعن سبب انحرافه، فهمنا بأن سبب الانحراف: إما صُحبة السوء، أو أنه ابتُلِيَ ببلاء فلم يصبر، أو أنه ضُيِّق عليه في رزق فتَسَخَّطَ، أو أنه أو أنه أو أنه لم يكن يتعاهد قلبه أيام الصلاح. يعني إذا كان أمام الناس صالحاً، إذا كان بينه وبين الله لا يفعل شيئاً. ليس له وِرْدُ قرآن ولا كبيرُ ذِكر ولا عظيمُ صلاة، ثم تراه يصلي في الجماعة إذا الناس معه. إذا كان وحده لا يبالي بالجماعة ولا يبالي بالجمعة، وليس مُكِبَّاً على كتاب الله، ويصاحب الصالح والطالح بحجة: أنا إيماني… إذا انكببت على أم رأسك ستعلم أنها ليس لك عند الله جل وعلا عهد.

​كما قال أهل الكتاب: قالوا: سيعذبنا الله تعالى في النار بقدر الفترة التي عبدنا فيها العجل. قال جل وعلا: (أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (سورة البقرة، الآية 80). ليس لي ولا لكم يا إخوة عند الله عهد. هذه دائماً ذكِّروا بها أنفسكم. وليس لأنك أنت حُزت شيئاً من العلم وتكلمت في الناس أنك ضمنت الجنة. لا.

​ولهذا يقول بعض السلف: “لو أن للذنوب ريحاً ما اقترب أحد منكم مني لِنَتَنِ ريحي”. يقول القحطاني في نونيته يقول:

​والله لو علموا قبيح سريرتي،

لا أبى السلام عليَّ من يلقاني.

 

​لكن ستر الله جل وعلا. ولا تفضح نفسك. بعض الناس يظن أنه حتى يخرج من الرياء لا بد أن يفضح نفسه. لا، (كل أمتي مُعافى إلا المجاهرين). ستر الله عليك واستُر على نفسك. الحل ما هو؟ تُبْ إلى ربك وجدِّد العهد به. وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أقسم قال: (لا، ومُقَلِّبَ القلوب). لماذا؟ لأن القلب يتقلب. فقد تكون صالحاً اليوم طالحاً غداً وهكذا. وتأملوا حولكم لا أحد يُكابر بأننا كل واحد فينا يعلم أقواماً كانوا صالحين ورجعوا.

​لكن ذكر شُرَّاح هذا الحديث قالوا: “هذا الدين حق بدلالة أن هذا الدين حق”. يعني مع البراهين التي أقامها الله جل وعلا عليه عقلاً ونظراً وفكراً ونقلاً. من براهين ذلك أن الخارج من الإسلام قليل والداخل في الإسلام كثير. أنت انظر الأديان الأخرى أو الشرائع الأخرى، تجد أن أهلها يخرجون منها في الصباح والمساء. حتى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كلام له حسن يقول: “وأهل الكتاب لا يمكث أحد منهم على دينه إلا لأمرين”: إما أن يظن بأنه يجوز أن تتعبد لله بأي دين فلا يميز بين الشرك والإيمان، أو أنه يبقى معهم للدنيا؛ لأنه يعلم إذا خرج منهم يدخل للمسلمين كأحد من الناس. واضح؟ وهذا عندهم كثير؛ لأنه يعلم أنه إذا خرج منهم ضيَّع دنياه. تكلمنا في درس السيرة على هرقل عظيم الروم. ما الذي أبقاه على دينه وشركه؟ إيه، الدنيا والمنصب. فإذا قَدِمَ على الله عَلِمَ حجم ما ضيَّع. (وَرُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ) (سورة الحجر، الآية 2).

​إذاً، فقط حتى نلخِّص الحديث -وإن شاء الله تعالى نكمل الفوائد التي فيه في الدرس القادم ونتكلم أيضاً معه على حديث عائشة إن شاء الله تعالى ونستأنف السيرة بعدها بحول الله تعالى- خلاصة هذا الحديث يا إخوة: أنك لا تغترَّ بعملك، وأنك إذا أردت الخاتمة الحسنة فلا بد أن تكون ساعياً في الدنيا إلى الخاتمة الحسنة. إيش معنى؟ إذا كان الإنسان ذاكراً لله في الصباح والمساء، إذاً فجاءه الموت سيموت ذاكراً. وليس واحد قيل له: قل لا إله إلا الله، قال: (تأتيني تنتنة). وواحد يقال له: قل لا إله إلا الله، يقول كلمة: شاه رخ. حياته كاملة يلعب في الشطرنج. فهمتم؟ (فمن عاش على شيء مات عليه).

​قال ابن كثير في تفسير قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (سورة آل عمران، الآية 102). قال في تفسيرها: قال: “والكريم جرت عادته بكرمه أن من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعِثَ عليه”. ولهذا أذكر كلمة حسنة ونختم بها. الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى حين شرحه لهذا الحديث وكأنه رحمه الله تعالى استَحْضَرَ سؤالاً قد يسأله الناس: يعني كيف أنا أعمل الصالح ثم يأتيني الانحراف فيما بعد؟ قال: قد يظن ظان بسوء ظنه بالله، بأن الله تعالى هو الذي أهلكه ظلماً. قال: “ووالله الذي لا إله غيره، إن الذي عمل الصالحات مُخلِصاً مُتَّبِعاً للنبي صلى الله عليه وسلم، إنه في الجنة”. هذا وعد الله جل وعلا. واضح؟

​فأنت لا يهمَّنَّك -كما قال السلف- من هلك كيف هلك. أنت الذي يهمك من؟ الذي نجا. كيف نجا؟ والذي نظرت إلى الهَلْكَى من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين في النار وواحد في الجنة. فهمتم؟ فلا تنظر. بعض الناس همُّه النظر إلى المقصرين. أنت انظر إلى الصالحين، وليكونوا هؤلاء هم قدوتك في هذه الدنيا. وأعظم قدوة هو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ولهذا أصحابه بعد أن سمعوا هذا الحديث هل قال أحدهم: أنا سأقطع العمل؟ لا. لأنهم -كما قلت لكم- فهمهم هو المُعوَّل عليه. وهم قد قالوا -كما قال الصحابي-: (ما كنت أشد عملاً واجتهاداً مني منذ سمعت ذلك الكلام من النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم).

​نكتفي بهذا القدر. والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *