📜 شرح الحديث الرابع والخامس من الأربعين النووية
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
إذا تكلمنا في الدرس الماضي على حديث ابن مسعود رضي الله عنه لما تكلم على الأجنة في بطون الأمهات ولما تكلم عن القدر السابق، ووقفنا عند آخر الحديث ولم نتكلم على فوائده. نتم هذا اليوم ونمر إلى الحديث الذي بعده بإذن الله تعالى.
💡 فوائد الحديث الرابع (حديث ابن مسعود)
استفادوا من هذا الحديث العظيم بيان أطوار خلق الإنسان في بطن أمه. وذكرت لكم تفصيل ذلك في الدرس الماضي. وأن هذا من الأمور التي كان يجهلها الناس، ولهذا صدَّر ابن مسعود الحديث بقوله: (حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق)؛ لأن الحديث اشتمل على مسائل من علم الغيب.
ومن مُلَفْتَات التنبيه عليه في الدرس الماضي أن إلى هذا العصر -يعني القرن الواحد والعشرين– لا يعرف الأطباء جنس الجنين إلا في الشهر السادس عن يقين، وربما أشاروا إلى شيء من ذلك في الأسبوع الثامن. يعني في الأسبوع الثامن يستطيع الطبيب أو الطبيبة أن يقول: يمكن أن يكون كذا. واما المعرفة الواضحة البينة التي تظهر فيها آلة الرجل وآلة المرأة مما يتميز به الذكر عن الأنثى، فإنما ذلك يكون في الشهر السادس.
ولهذا لا يجزم الطبيب بذلك إلا في الشهر السادس. فإذا علم في الشهر الرابع -نحن قلنا الملك ينفخ فيه ويعلم جنسه في الشهر الرابع– منذ أن يعلمه الملك ليس في علم الغيب؛ لأن قبل ذلك كان غيباً. ولكن إذا علمه الملك ليس علم غيب؛ لأن الملك أطلعه الله جل وعلا عليه.
ولهذا بعض الناس يقول: كيف تقولون بأن علم الأرحام من علم الغيب والآن الطب الحديث يعلم ذلك؟ والجواب من جهتين:
- أولاً: الطب يعلمه متأخراً. والملك يعلمه قبل ذلك.
- والوجه الثاني: أن الله جل وعلا قال في كتابه: (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) (سورة لقمان، الآية 34). والـ “ما” هنا لا يقصد بها فقط هل هو ذكر أو أنثى؟ لا. ولهذا الملك ماذا يكتب؟ يكتب رزقه، وعمله، وأجله، وشقي أم سعيد؟ من من الأطباء يستطيع أن يعلم هذا؟ ولا واحد. أصلاً لا يضمن أن هذا الجنين سيعيش إلى الشهر التاسع، فإذا وُلِدَ لا يدري ما اسمه، فضلاً على أن يعلم عمله ورزقه وأجله، ناهيك أن يعلم هل هو يوم القيامة شقي أم سعيد. فهمتم؟ فقوله جل وعلا: (وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ) ليس مقتصراً هذا على معرفة الذكر والأنثى، بل هو أشمل وأعظم من ذلك الأمر.
👶 نفخ الروح وتركيب الإنسان
- يستفاد من هذا الحديث: أن الإنسان يكون إنساناً مركباً من روح وجسد في الشهر الرابع، حينها تنفخ فيه الروح. وقبل ذلك كان جسداً بلا روح.
- ويستفاد أيضاً من هذا: أن من الملائكة من هو موكل بالنفخ في الأرواح عند الأجنة. لأن الملائكة -كما مر معنا في حديث جبريل- لهم وظائف: (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ) (سورة الصافات، الآية 164). منهم الموكل بالنبات، ومنهم الموكل بالمطر، ومنهم الموكل بالبعث، ومنهم ومنهم… ملك موكل بنفخ الروح. قال: (فيُرسَل إليه الملَك ويُؤمر). وهنا تعلم سعة قدرة الله جل وعلا، وتعلم بعض وظائف الملائكة.
- أيضاً في هذا الحديث: نؤمن بـالغيب، لأن هذا الحديث مبناه على الغيب: ما كان غائباً في بطن الأم، وما كان غائباً عنا من جهة أن بعض الناس قد يعمل بعمل أهل الجنة ثم ينحرف، وبعض الناس قد يعمل بعمل أهل النار فينحرف. وهذا القدر السابق عنا.
🤝 الحلف والنية بالخواتيم
- يستفاد من هذا الحديث: جواز الحلف بدون استحلاف. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فوالذي لا إله غيره)، ولا أحد طلب منه أن يحلف. فلا بأس أن تحلف وأنت لم تُستحلَف تأكيداً للكلام. (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ) (سورة التغابن، الآية 7). فأقسم الله جل وعلا تأكيداً لهذا الأمر.
- أيضاً من فوائد هذا الحديث العظيمة: أن الأعمال بالخواتيم، وأن العبرة بما يُختَم للرجل. فربما كان الرجل صالحاً وختم له بالفساد، وربما كان فاسداً وختم له بالصلاح. والعبرة بالخواتيم. ولهذا الذي ينتفع به المرء يوم القيامة هو ما مات عليه لا ما كان عليه. قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث) (سورة الأعراف، الآيتان 175-176). فهذا الرجل كان صالحاً حتى أن الله تعالى أعطاه اسمه الأعظم، ولكن نهايته مَثَّله الله في الدنيا بكلب ونهايته في جملة الكافرين. قارون كان من قوم من؟ فماذا فعل؟ واضح؟
فالعبرة يا إخوة بالنهاية، ولهذا يقول شيخ الإسلام: “إنما العبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية”. فلا عيب أن يكون الإنسان قد تلاطمته أمواج الشبهة والشهوة، لكن العبرة بأنه تاب واستقام. أما الإشكال أنك تكون مستقيماً في الأول ثم تنحرف، هذا الذي يخاف منه العبد. ولهذا خوف الخواتيم أَرَقَّ نفوس الصالحين، وكان السلف يخافون من الكفر بعد الإيمان، لا يخافون فقط من جملة المعاصي. ولهذا قال ابن أبي مُلَيكة: “أدركت ستين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف على نفسه النفاق”. ولهذا قال الصحابة: (إنكم تعملون أعمالاً تعدونها كالذَّر، كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات).
ولهذا ما أهلك الناس الآن إلا فرط الرجاء. فإن البعض يتكلم على الجنة وكأنه قد طُبِع له طابع بأنه من أهلها، وإذا تكلمت عن النار وكأنه قد أُعطي العهد من عند الله تعالى بأنه ليس من أهلها. وقد تكلم السلف كلاماً حسناً عظيماً: ليس هذا موضع بسطه، بأنك إذا وصفت النار لا تظن بأنك لست منها، وإذا تكلمت عن الجنة ارْجُ الله تعالى أن تكون من أهلها ولست ضامناً بأن تكون من أهلها.
وعلى هذا كان الأئمة. ولهذا لما ذهب عمر رضي الله عنه إلى حذيفة بن اليمان كاد يبكي، بل كان يلهث، ويقول له ماذا؟ (هل سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم في جملة المنافقين؟). عمر يا إخوة في البخاري، النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رأيت قصرك في الجنة). واضح؟ في الحديث الآخر كان النبي صلى الله عليه وسلم في حائط، قال: (من على الباب؟) قال: (عمر). قال: (ائذن له بالدخول وبشِّره بالجنة). عمر وين؟ في الجنة قطعاً، ومع هذا كان يخاف على نفسه النفاق. قال: (يا حذيفة، هل سماني رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين؟). قال حذيفة رضي الله عنه: (لا، ولن أُزكِّي بعدك أحداً أبداً). وقول حذيفة (لن أزكي بعدك أحداً) ليس أن كل الناس منافقين، أي لن أخبر هذا السر الذي ائتمنني عليه النبي صلى الله عليه وسلم أحداً بعدك. لكن لفرط ما كان عليه من الخوف.
ولهذا عمر لما طُعِنَ في آخر حياته وعلم بأنه ميت يقيناً بعد أيام قليلة ومات في ثلاث رضي الله عنه وأرضاه، دخل عليه ابن عباس عم ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم وأثنى عليه خيراً وذكر له ما هي مكانته عند الناس. فقال عمر وقد أعجبه قوله لأن المؤمن إذا مات لا بد أن يُحسن الظن بالله: “وددت لو أني خرجت منها كفاية لا لي ولا علي”. هذا عمر بن الخطاب.
ولهذا يا إخوة دائماً أنا أذكركم بأنك لا بد أن ترجو رحمة الله، لكن رحمة الله تعالى لا تُرجى إلا بالعمل. أما رجاء لا يصحبه عمل، هذه أماني، والأماني رؤوس أموال المفاليس. كإنسان يريد أن يصبح فقيهاً وهو لا يدرس العلم. هذا جاهل وغبي فضلاً عن أو مجنون. وكذلك المراتب العُلا، لا بد، (وَلَا الْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا) (سورة الإسراء، الآية 21). ولا تُنال إلا بالدرجات العُلا والأعمال الكبرى. قال القائل:
بقدر الكد تكتسب المعالي،
ومن طلب العُلا سهر الليالي.
يقول أبو القاسم الشابي: “ومن لا يحب صعود الجبال، يعش أبد الدهر بين الحُفَر”. فهمتم؟ أي تعيش عمرك كاملاً وأنت في آآ الحُفَر في هذه الدنيا. ولهذا يقول ابن القيم:
يا سلعة الرحمن لستِ رخيصةً،
بل أنت غاليةٌ على الكسلان.
يا سلعة الرحمن ليس ينالها،
في ألفٍ إلا واحدٌ أو اثنان.
وتنالها الهمم التي تسمو،
إلى رب العُلا بمشيئة الرحمن.
فاتعب ليوم معادك الأدنى،
تجد راحاته يوم المعاد الثاني.
من تعب هنا نال الفضل هناك. من كسل هنا لم يجد يوم القيامة شيئاً. “من زرع حصد، ومن جَدَّ وجد”. من فاته الزرع وقت البَذار فما تراه يحصد إلا الهم والندم.
- من فوائد هذا الحديث يا إخوة: الإيمان بالقدر وأن كل شيء بقدر، وأنه ما يتحرك شيء في الدنيا إلا بالقدر. ولو شاء الله لشيء لم يتحرك، لن يتحرك. الكل بمشيئة الله جل جلاله.
- وفي هذا الحديث: أن الأعمال سبب لدخول الجنة. لأنه قال: (كتب عمله ثم قال شقي أم سعيد). الجنة لا تُنال إلا بالعمل. نحن قلنا لكم مراراً بأن أهل السنة والجماعة مجمعون على أن من لا يعمل لا إيمان له. ليس بمسلم أصلاً، ولا يمكن أن يكون إيمان في القلب إلا ومعه عمل. أما إيماناً أماني فقط، هذه حال والكافرين.
- أيضاً من فوائد هذا الحديث: أن من كتب شقياً لا يعلم حاله في الدنيا بأنه شقي. ومن كتب سعيداً فإنه لا يعلم أنه سعيد. بدليل ما مر معنا ذلك. أن بعض الناس الآن يقول: أين كُتِبت أنا؟ أنت لا يعنيك أين كُتِبت، الذي يعنيك أنك إن عملت عمل أهل الجنة دخلت الجنة، وإن فعلت فعل أهل النار دخلت النار. هذا الذي يعنيك. إذا عملت واتقيت الله جل وعلا، فإن الله وعده حق وكلامه صدق، و (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً) (سورة النساء، الآية 122). وسيدخلك الله جل وعلا الجنة. فإذا علمت بأن الأمور بقدر، هذا لا ينبغي أن يجعلك تتكاسل. لماذا؟ لأن في نفس الحديث قال: (ويؤمر بكتب رزقه). وكل الناس يسعى للرزق، صحيح ولا؟ فكما أنك تسعى في رزقك، فلا بد أن تسعى أيضاً في عملك، كما يضمن لك حياة الأبدان، فإن عملك يضمن لك حياة الأديان، وهذه هي التي تنفعك يوم القيامة.
هذا حديث يا إخوة لا بد من تكراره بين الناس وإمرار معانيه على القلب. وأنا ذكرت لكم في أول هذه الأربعين: لا يليق بالمسلم، وخاصة من درس العلم أو يدرس العلم، ألا يحفظ هذه الأربعين. فقبل أن تذهب وتريد أن تحفظ عمدة الأحكام وبلوغ المرام والمُحَرَّر فضلاً عن المنتقى ورياض الصالحين والبخاري، لا بد أن تحفظ الأربعين. وأنتم رأيتم نحن الآن في الحديث الرابع واليوم نبدأ الحديث الخامس بإذن الله تعالى. وقد مرَّت علينا أصول هذه الشريعة. وما زالت تأتي معنا أصول في المعاملات وأصول في الأخلاق إن شاء الله تعالى وهكذا. فمن حفظ الأربعين وفهم معناها، لا شك أنه حاز فضلاً كبيراً وحصَّل علماً جليلاً. وقد كان العلماء إذا ترجموا -أي ذكروا حياة وترجمة- رجل من أهل العلم، قالوا: “وحفظ الأربعين”. لم يقولوا كان يحفظ البخاري ومسلم وغير ذلك. بل يحفظ الكتب الصغار، وهي صغيرة من جهة الحجم، لكنها كبيرة من جهة المعنى، ثم يبني عليها دينه.
🕋 الحديث الخامس (حديث عائشة)
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى:
عن أم المؤمنين أم عبدالله عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).
رواه البخاري ومسلم.
وفي رواية لمسلم:
(من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
⚖️ ميزان الأعمال الظاهرة
هذا الحديث يا إخوة حديث جليل عظيم القدر، جُعِلَ في هذه الشريعة ميزاناً للأعمال الظاهرة. نحن قلنا بأن حديث عمر رضي الله عنه الأول (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)، قلنا: إنه ميزان الأعمال الباطنة. وميزان الأعمال الظاهرة هو حديث عائشة. ليش؟ لأن شروط قبول العمل كم من واحد؟ اثنين.
- الأول: الإخلاص لله. وهذا في حديث: (إنما الأعمال بالنيات).
- والثاني: لا بد أن يكون موافقاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا في حديث عائشة رضي الله عنها: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
إذا أردت أن تعلم ميزان كل واحد في الخلق بعد النبي صلى الله عليه وسلم، زِنْهُ على ميزانين:
- الميزان الأول: ميزان الأعمال الباطنة، وهو حديث النية.
- والثاني: ميزان الأعمال في الظاهر، وهو حديث العمل والتحذير مما يخالف سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
قال الحافظ النووي رحمه الله تعالى: “عن أم المؤمنين”. “أم المؤمنين” اسم أو لقب يطلق على نساء النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. “وأزواجه أمهاتهم”. فأزواج النبي صلى الله عليه وسلم جميعهن أمهات للمؤمنين. واختلف هل هن أمهات للمؤمنات أم لا؟ الصحيح أنهن أمهات للمؤمنين وأمهات للمؤمنات. نعم. هذه الأمومة قال ابن الملقن رحمه الله تعالى: قال: “هي في الاحترام والتوقير، لا في الخلوة والنظر”. فهي أمك من جهة الاحترام. ولهذا هل عائشة أم لابن عباس؟ لا، أجيبوا. من جهة الإيمان أمه، هي أم المؤمنين جميعاً. طيب هل يجوز لابن عباس أن يدخل عليها؟ لا. إذاً، هن أمهات من جهة الاحترام والتوقير. وأيضاً لا يجوز أن يُنكحن بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، لا يمكن ولا يجوز، كما بينت سورة الأحزاب. واضح؟ لكنها أم في الاحترام والتوقير، وليست أماً في الخلوة. ولهذا الله جل وعلا حرم على الناس أن ينظرن، بل حذرهن الله تعالى أن يخاطبن رجلاً أجنبياً في قلبه مرض. قال جل وعلا في الأحزاب: (فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا) (سورة الأحزاب، الآية 32). فحذر الله جل وعلا وأمرهن بالاحتجاب من كل أجنبي. إذاً، هن أمهات من جهة الاحترام. واضح؟
ثم قال: “عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قال: أم عبدالله”. اختلف العلماء: لماذا عائشة رضي الله عنها يقال: أم عبدالله؟ ومن المعلوم بأن عائشة ليس لها ولد. النبي صلى الله عليه وسلم لم تَلِد له إلا خديجة رضي الله عنها ومارية. وولده منها -خَلَا إبراهيم- كما قال ابن أبي العز. أي أولاد النبي صلى الله عليه وسلم كلهم من خديجة: الأولاد القاسم وإبراهيم، عبدالله و سُمِّيَ الطاهر ورقية وزينب وفاطمة وأم كلثوم لهن خاتمة، كما قال ابن أبي العز. الباقي لم تَلِد ولو واحدة إلا مارية، ولدت له إبراهيم ومات. عليهم جميعاً رضوان الله تعالى. واضح؟
إذاً، لماذا عائشة تُكنَّى بأم عبدالله؟ أقوال العلماء في ذلك تدور على ثلاثة أقوال:
- القول الأول: قالوا تكنَّت بأم عبدالله؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أحب الأسماء إلى الله عبدالله وعبد الرحمن وأصدقها الحارث والهمام). أما حديث (أحب الأسماء إلى الله ما عُبِّد وما حُمِّد) حديث موضوع لا أصل له. إذاً، عبدالله تكنَّت بذلك باعتبار أن هذا الاسم شريف. والله يحبه ورسوله صلى الله عليه وسلم يحبه. هذا القول الأول.
- القول الثاني: قالوا إن عائشة رضي الله عنها أسقطت سِقْطاً تكنَّت به. يعني كانت حامل لكنه لم يصل ولم يولد حياً، بل أسقطته فتكنَّت به. وهذا أضعف الأقوال.
- والقول الثالث (وهو الصحيح): أنها تكنَّت بذلك باعتبار ابن أختها عبدالله بن الزبير رضي الله عنه وعن أبيه وعن أمه. ابن أختها من أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر رضي الله عنها الجميع. إذاً، تكنَّت عائشة باسم ابن أختها الذي تقريباً تربى عندها. وهذا هو الصحيح بدلالة النص، فإنه قد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم سألته عائشة فقالت: (يا رسول الله كل نسائك لهن كنية إلا أنا). فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (اكتني بابن أختك عبدالله). فتكنَّت عائشة رضي الله عنها أم عبدالله باعتبار ابن أختها عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما، الذي قتله الحجاج بن يوسف فيما بعد.
🚫 تعريف البدعة والحكم عليها
عن أم المؤمنين أم عبدالله عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).
- من: شرطية.
- أحدث: فعل الشرط.
- ما هو جواب الشرط؟ (فهو رد). أي كل واحد أحدث حَدَثاً. و “أحدث” هنا أي أتى بأمر حادث لم يكن عليه الأمر العتيق، أي جاء بأمر جديد من أي واحد، جاء بأمر حادث وين؟ “في أمرنا”، بينته رواية أخرى: “في ديننا”. إذاً، الكلام على الدين ولا على الدنيا؟ على الدين.
- “ما ليس منه”: هذا قوله هنا هذا من باب التأكيد والتعظيم. أي كان يستطيع أن يقول: من أحدث في أمرنا. هو قال: “في أمرنا هذا” تأكيداً له وتعظيماً له.
- “ما ليس منه”: سيأتي معنا بعد الكلام إن شاء الله تعالى أن ما كان من الدين لا يسمى بدعة. الكلام على ما لم يكن من الدين.
- النتيجة ما هي؟ (فهو رد) أي مردود. وضد المردود: المقبول.
إذاً، ما جاء في الدين مما ليس منه ولم يدل عليه دليل شرعي فهو غير مقبول في ديننا. هذا معنى الحديث. جاءت الرواية الأخرى وهي أعم وسيأتي الكلام عليها بإذن الله وهي: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد).
إذاً، هذا الحديث يا إخوة كما قلت لكم أصل في رد جميع المحدثات. قال ابن سعد في نَظْمِه في “القواعد”:
وليس مشروعاً من الأمور،
غير الذي في شرعنا مذكور.
كما لم يكن عليه شرعنا،
فهو مردود.
والكلام على العبادات وليس على أمور الدنيا. وإن الأصل في أمور الدنيا الإباحة، والعبادات الأصل فيها التوقف. إيش معنى التوقف؟ أي أن الأصل بأن الصلوات خمس. لا تستطيع أن تأتي بصلاة أخرى. طيب أنك تريد أن تأكل خبزاً، تحتاج دليل شرعي؟ لا. وجدت فاكهة طيبة لا تعلمها لكن الناس يأكلونها، تأكلها. تأكلها لأن الأصل في الأمور المباحة في الدنيا أنها مباحة، والأصل في العبادات المنع. قال الناظم:
والأصل في الأشياء حِلٌّ، وامنعِ
عبادةً إلا بإذن الشارع.
ولهذا بعض الناس مرة رددت على أحد الخطباء كان يلقي خطبة فقال: “الأصل في كل شيء في هذه الدنيا وفي الحياة الإباحة”. لا، العبادات من الدنيا من جهة أن محلها دار الدنيا، وليست مبنية على الإباحة. فلا ينبغي الإطلاق في القول. بل يقال: “الأصل في الأمور الدنيوية التي لا علاقة لها بالعبادة الإباحة”. نعم. على تفصيل محله في كتب أصول الفقه.
🛑 فساد العمل المخالف للشرع
إذا فُعِلَت العبادة على غير ما أراد النبي صلى الله عليه وسلم وعلى غير سنته، فإنها مردودة باطلة لا تُقبَل بدليل هذا الحديث. فلو أن إنساناً جاء وصلى على غير صلاتنا هذه، فلا يقول: العبرة بالنية. لا، العبرة بالنية وبالاتباع. الاثنين. وعليه فإن صلاته مردودة. لو قال: من أين الدليل بأن العبادة هذه مردودة؟ يقال: بهذا الحديث، وبقول الله تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) (سورة آل عمران، الآية 85). والإسلام جاء بصلاة معينة لا بد من اتباعها.
واحد يُقرِّر يذهب للحج في غير أشهر الحج، ويقوم بكل عبادات الحج، لكنه يذهب في شهر آخر. واضح؟ يذهب في شعبان للحج، حجه صحيح؟ لا. فقط في الزمان. واحد يأتي يقول: رمضان أنا لا أصوم مع الناس سأصوم شهرين، لكن في شهور أخرى. مقبول؟ غير مقبول. واضح؟ إنسان يصلي لكن بدون وضوء. صلاته صحيحة؟ عند المالكية: “من صلى بغير وضوء كَفَرَ بالله الواحد”. فهمتم؟ المالكي يكفرون من صلى بغير وضوء. ليش؟ قالوا: لا يفعل ذلك إلا مستهزئ بالدين، وهذا قد يُناقَش، لكن هذا قولهم.
إذاً، حتى تفهموا هذا، قصة أو حديث مشهور في الصحيحين يذكره الشراح لبيان هذه المسألة في قصة رجل كان مُستَأجَراً عند رجل آخر فوقع على زوجته. فجاء زوج المرأة التي فاحشت ذلك الأجير (العسيف في الحديث أي الأجير)، واحتكم، وجاء معه أبوه -يعني أبو الأجير-. ولما سأل الناس قالوا له: افتدي منه بمائة من الغنم وجارية. يعني أعطيه جارية ومئة من الغنم. فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بالأمر. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أما الوليدة) -الوليدة أي الجارية- (والغنم فرد عليك). قوله: (رد عليك) أي ترجع إلى صاحبها وهو أب الأجير الذي وقع في الزنا. وأقام النبي صلى الله عليه وسلم الحد على المرأة: حد المرأة المُحصَنة، وعلى الأجير: حد الرجل غير المُحصَن لأنه لم يكن مُحصَناً في ذلك الوقت. واضح؟ هذا تطبيق عملي من النبي صلى الله عليه وسلم. لأن الدين ليس محله استحسانات عقلية وأفكار شخصية، إنما الدين محله على الاتباع.
🧕 كراهة المخالفة للهدي النبوي
وذكرت لكم ما ذكر الثوري: قال: (لقد سبقنا قوم لو ما جاوزوا الظُّفر في الوضوء لَمَا جاوزناه).
ولهذا عائشة لما سألتها معاذة العدوية، قالت: (أتحَرُورِيَّة أنتِ؟) لماذا الحائض تصوم ولا تقضي الصلاة؟ ثم أجابتها عائشة بجواب عام شامل قالت: (كنا نَحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنُؤمَر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة). وهذا يعطيك بأن الدين على الاتباع بناؤه.
ولذا بعض الناس كما قلت لكم يقول الكفر من حيث لا يشعر. بعض النساء تقول لها: تحجبي، تقول: “أنا لم أقتنع بعد”. إذا كنت غير مقتنعة بالحجاب هذا كفر. فهمتم؟ هذا كلام يعني خطير جداً. لكن تقول: “أنا الآن مقصرة والله يهديني”، هذا أمر آخر. وغالباً من قالت هذا يُرجى لها الهداية. من قال: “أنا غير مقتنعة”، الذي ليس مقتنعاً بأمور الدين وإن كان فاعلاً لها، هذا ليس بمسلم أصلاً. لأن كراهة ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم هذا من سمات المنافقين.
ولهذا اجعلوا حديث عائشة دائماً عندكم. فإن جاءك واحد وجاء ببدعة، مثلاً يأتي في شهر شعبان هذا ويأتي بصلوات ويصلون نوعاً من التراويح. يقول لك: ليش؟ نحن نستعد إلى رمضان. هذا لا يعني أن ليس لشعبان فضل. لا. لكن صلاة جماعة في المسجد في شعبان كل ليلة. جئت تنكر عليه أنت. سيقول لك: ما الدليل على أن هذه بدعة؟ ينبغي أن تقول له: دليلي أنك أنت ليس عندك دليل. ليس كل واحد اختلق بدعة في الدين يريد أن نبحث له نحن عن دليل بأنها بدعة. نحن نقول: إن الأصل في أن كل ما خالف هدي النبي صلى الله عليه وسلم هو بدعة. إذا زعمت خلاف ذلك، فالدليل عليك ليس علي أنا. فهمتم؟ إذاً، الأصل ما هو؟ نرجع إلى الأصل. الأصل هو المنع. تأتي بجديد، لا بد من دليل جديد.
🪶 أقسام البدعة
وهذا الحديث يا إخوة يَجُرُّنا إلى الكلام على البدعة.
البدعة لغةً: ما أُحدِثَ من غير مثال سابق. هذا من جهة اللغة. قال تعالى: (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) (سورة البقرة، الآية 117). وقال جل وعلا في الأحقاف: (قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ) (سورة الأحقاف، الآية 9). أي أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بالأمر الذي لم يُسبَق، بل سبقه أنبياء يصدقون ما قال صلى الله عليه وسلم.
أما من جهة الشرع: فقد عرفها الشاطبي بتعريف طويل لكنه جليل. قال: “البدعة هي طريقة في الدين مخترعة، تُضاهي الشرعية” -أي تُضاهي الطريقة الشرعية- “يُقصد بها المبالغة في التعبد”. هذا التعريف صدَّر به كتابه “الاعتصام”.
قول الشاطبي هنا: “طريقة في الدين مخترعة” مأخوذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحدث)، وقوله: “في الدين” قوله: “في أمرنا”. واضح؟ قال: “طريقة في الدين مخترعة تُضاهي الطريقة الشرعية”. هنا فَصَّل الشاطبي. إيش معنى المُبتَدِع يا إخوة؟ مُستَدرِك على الشرع. يعني يقول: “أنت يا رسول الله تقول بأن هذه الصلاة هكذا، أنا أقول: هي هكذا”. ولهذا ذكر ابن الماجشون عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه قال: “من ابتدع في الدين بدعة يرى أنها حسنة فكأنما اتهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيانة”. ولهذا الله جل وعلا قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (سورة المائدة، الآية 3). فالدين قد كَمُل. قال يهودي لعمر: “لو نُزِّلَت علينا نحن هذه الآية معاشر اليهود لاتخذناها عيداً”. لأنه عَلِمَ بأن هذه الآية تدل على أن هذا الدين قد اكتمل وأنه دين تام عظيم.
ولهذا قال الشاطبي: “طريقة في الدين مخترعة تُضاهي الطريقة الشرعية”. ما الغاية منها؟ قال: “يُقصد بها المبالغة في التعبد”. قوله هنا الشاطبي رحمه الله تعالى: “يُقصد بها المبالغة في التعبد”، بيان على أن نية أصحابها حسنة ولا سيئة؟ من حيث الإجماع ومع هذا هي بدعة. فهمتم؟ إذاً، العمل الفاسد لا تُصلحه النية الحسنة. أول ما ترد على مخالف يقول: “نيتي كذا”، يقال: النية هذه بينك وبين الله تعالى. نحن ميزاننا الأعمال الظاهرة. السرائر يعلمها الله جل جلاله. فهمتم؟ ولا حتى اليهودي والنصراني نيته حسنة، بل حتى البوذي ربما نيته حسنة. فهمتم؟ ليس هذا المدار.
ولهذا عَرَّف ابن رجب البدعة فقال: “ما أُحدِثَ في الدين مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه”. وبعضهم يقول: “البدعة هي ما أُحدِثَ في الدين مما ليس منه بغرض التعبد”. وكلها تدور في فلك واحد. فيها معنى الإحداث أي شيء جديد. فيها معنى أن صاحبها يريد التعبد. ومنها: وفيها بأنه ليس على هذه البدعة دليل شرعي.
📊 تقسيمات البدعة
البدعة يا إخوة تُقسَّم بتقسيمات كثيرة. نحن دائماً لو تلاحظون في الدروس نعتني ببيان التقسيمات، كما ذكرنا لكم ذلك في الشفاعة وفي الشرك وفي التوحيد وفي أكثر من مسألة. ليش نعتني بالتقسيم؟ لأن التقسيم: أولاً: هو من محاسن التعليم. ثانياً: التقسيم يجعلك تفهم كلام العلماء. بعض الناس يقرأ كلام العلماء يقول: “الشرك ثلاثة أنواع”، وواحد يقول: “الشرك نوعان”، يقول: “العلماء اختلفوا”. لم يختلفوا. لكنك لم تفهم كلام العلماء. الذي قال ثلاثة أنواع يتكلم على شيء، والذي قال الشرك نوعان يتكلم على شيء. إذاً، معرفة مآخذ التقاسيم هي من حُسن الفهم ومحاسن التعليم. ولهذا دائماً أنا سأذكر لكم أو أسعى لأذكر لكم التقسيمات. العلماء قسموا هذا التقسيم حتى أنك إذا قرأت كلام أهل العلم لا تهجم عليهم مباشرة بالتخطئة.
فالبدعة إذاً تقسم باعتبارات:
1. باعتبار محلها:
- بدعة قولية: جماعة يُسبِّحون، هذا يقول لهم: سبحوا مئة، يسبحون مئة بصوت واحد. وهذا يقول له: كبِّروا مئة، يكبرون مئة بصوت واحد. هذه بدعة قولية.
- بدعة اعتقادية: بدع المعتزلة والجهمية لتعطيل الصفات. بدع الرافضة بأنهم يعتقدون بأن الصحابة ارتدوا جميعاً. هذه كلها بدع اعتقادية. بدعة الاعتقاد أن النبوة تكون بالكسب وليست من عند الله اصطفاء.
- بدعة عملية: كالاحتفال بالموالد، وصلاة الرغائب، وبعض الصيام المبتدع، والصلوات المبتدعة، كل هذا أو الوقوف في الشمس بغرض التعبد، هذا بدعة. فهمتم؟
2. باعتبار أثرها في الدين:
- بدعة مُكفِّرة: كالقول بخلق القرآن، وإنكار بَعْث الأجساد، والقول بأن الصحابة جميعاً ارتدوا إلا أربعة أو خمسة كما يقول الشيعة الروافض -هذا كفر بإجماع المسلمين-، وإنكار بأن الله تعالى يعلم ما يقع في الكون كما قال القدري الغلاة. إن الأمر أُنُفٌ أي مستأنف الحادث. أي أن الله يعلم الشيء بعد وقوعه والعياذ بالله. حتى قال السلف: (ناظِروا القدرية بالعلم فإنهم إن أقروا به خُصِموا، وإن أنكروه كفروا).
- بدعة مُفسِّقة: أغلب البدع من قبيل المفسقة.
3. باعتبار محل الحدث منها:
- بدعة حقيقية: قال العلماء: هي بدعة أُحدِثَ أصلها. أي أن إنساناً جاء وابتدع صلاة جديدة أو مولداً جديداً. يأتي واحد يقول مثلاً: بدعة المولد النبوي جاءت بها الدولة الفاطمية العبيدية، لم يكن لها نظير في هذه الشريعة. واضح؟ جاء بها الشيعة وتبعهم من تبعهم جهال المسلمين. هذه بدعة حقيقية أي أن أصلها غير موجود.
- بدعة إضافية: وهي البدعة التي أُحدِثَ وَصفُها. وهذه هي أغلب البدع. إيش معناها؟ أُحدِثَ وَصفُها: قراءة القرآن جماعة بصوت واحد، وهو ما يسمى عندنا في المغرب العربي “الحزب”. تأتي أنت وتقول لهم: “هذا الحزب ليس بسنة ومنكر”، ماذا سيقول لك القوم؟ “أنت ضد قراءة القرآن، والله تعالى يقول: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) (سورة المزمل، الآية 4). والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله…) الحديث. صحيح ولا؟ عنده دليل ولا ما عندوش دليل؟
4. باعتبار مجالها:
- بدعة في العبادات: ذكرنا لكم الأمثلة كثيرة.
- بدعة في المعاملات: النكاح، يقرأون “الفاتح لما أُغلِق” وهذه من العجائب يقرأونها في الزواج. يقولون أعظم من هذا، هم يقولون: من قرأها فله ألف حجة وله كذا، وهي جاء بها التيجاني. فهمتم؟ هذه يقرأونها في الزواج وفي العقيقة وفي الطهور.
💡 المصلحة المرسلة وبدعة عمر
- وقد تقسم البدعة باعتبار استعمالها: وقد يُستَعمَل لفظ البدعة من جهة اللغة وقد يُستَعمَل لفظ البدعة في الشرع. نحن الآن نتكلم عن الشرع. هل منكم من يعلم مثال لاستعمال لفظ البدعة في اللغة؟ أحسنتم. إيش قال عمر رضي الله عنه لما رأى اجتماع الناس في التراويح وأعجبه ذلك؟ أحسنت، قال: (نِعْمَتِ البدعة هي). قال شيخ الإسلام ابن تيمية ومن بعده ابن رجب وجماعة من أهل العلم: “قول عمر: نعمت البدعة أي في اللغة”. ليش في اللغة؟ لأن التراويح كانت موجودة من قبل ولا؟ موجودة. ولهذا نحن إيش قلنا؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه). والتراويح منه ولا ليست منه؟ منه. لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالصحابة كم من يوم؟ ثلاثة أيام. ثم ترك النبي صلى الله عليه وسلم التراويح لماذا؟ خاف أن تُفرَض على المؤمنين، فرحمة بهم تركها. طيب بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم هل هذا الخوف يبقى؟ لا. لأن الشرع انتهى والتشريع كَمُلَ وتَمَّ. إذاً لما زال وجه الخوف عاد الأمر على ما كان عليه. لم يفعله أبو بكر، فعله عمر. ولهذا هي سُنة منذ أن أمَّ الصحابة في عهد عمر المسلمين.
إذاً، لا يأتي واحد يقول: “عمر قال: نِعْمَت البدعة، إذاً البدعة بدعتان: بدعة حسنة وبدعة سيئة”. لا. كل البدع ضلال. وهذا سيأتي معنا إن شاء الله تعالى بيانه في حديث العرباض بن سارية في الأربعين النووية بإذن الله تعالى. فيه (وكل بدعة ضلالة). أي كل البدع ضلال. وعمر إنما استعمل هذا من جهة اللغة لا من جهة الشرع.
- المصالح المرسلة: لا يدخل في هذا الحديث -وقد أشرت لكم في ذلك- ما يسمى عند العلماء “بالمصلحة المرسلة” أو “المصالح المرسلة”.
المصالح يا إخوة في الشريعة الإسلامية على ثلاثة أنواع (تقسيم هذا، تقسم المصلحة باعتبار اعتبار الشارع لها إلى ثلاثة أقسام):
- مصلحة نص عليها الشارع: وتسمى مصلحة معتبرة.
- ضدها وهي مصلحة ملغاة.
- الثالث متوسط: أي أن الشرع لم ينص عليها ولكنه أيضاً لم يُلغِها الشارع. فهي مصلحة مرسلة أي مُهملة.
بالتطبيق يتضح المقال:
- المصلحة المعتبرة: قال جل وعلا: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) (سورة البقرة، الآية 222). مصلحة الزوج أثناء حيض زوجته في معاشرتها ولا في تركها؟ بتركها، بدليل أن الله تعالى عبَّر عن الحيض بأنه أذى. إذاً، هنا الشريعة نصت على هذه المصلحة.
- مصلحة مُلغاة: الربا فيه فلوس ولا لا؟ صاحب الربا قد يربح المال. من يبيع الخمر يربح المال. إذاً، هنا عنده المال، المال مصلحة ولا؟ مصلحة. طيب هل لو جاء واحد قال: “الربا فيه مصلحة إذاً أنا أتعامل به”، و “بيع الخمر في المحل فيه مصلحة إذاً أنا أتعامل به”. هل هذا تحليل صحيح؟ ليش؟ لأن هذه مصلحة مُلغاة. قال جل وعلا: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ) (سورة المائدة، الآية 90).
- المصالح المرسلة: كجمع المصحف، وتشكيله، وتدوين الأحاديث. هذه لم ينص عليها الشارع ولم يُلغِها. وهي مرادة لغيرها (حفظ الدين)، وليست مرادة لذاتها.
🚫 النية الصالحة لا تُصلح العمل الفاسد
هذا الحديث يدل على ما ذكرت لكم قبل ذلك بأن النية لا دخل لها في صحة العبادة إذا كانت مخالفة للشرع. بدليل أن الصحابي الذي ذبح شاته قبل الصلاة -صلاة العيد- نيته لله ولا؟ طبعاً. لا يشك في هذا أحد. مع هذا النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (شاتك شاة لحم). ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: نيتك طيبة. إذاً، هذه ضحية أضحية صحيحة؟ لا.
لأن دائماً إذا تكلمت يا إخوة أنت أو تكلم الناس على إنكار بدعة من البدع، أول ما يقول الناس: “نيته طيبة”. النية هذه أمر آخر وليس لي عليها سبيل، ولسنا مُتسلِّطين على نيات الخلق. الميزان هو الشرع. قال تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) (سورة آل عمران، الآية 31). ولهذا يقول القائل:
شرط المحبة أن توافق من تُحب،
على محبته بلا نكران.
فإن ادَّعيت له المحبة،
على خلافك ما تُحب فانت ذو بُهتان.
إذا كنت تحب النبي صلى الله عليه وسلم فلا بد أن تتبعه. فالنية شيء والعمل الظاهر شيء. ولهذا من القواعد: “أن النية الصالحة لا تُصلح العمل الفاسد”.
ولهذا يا إخوة كان من أهل البدع من فيه زهد وترك للدنيا، وهو عمرو بن عبيد المعتزلي. ولا تجد كتاباً من كتب العقيدة إلا ويرد على عمرو بن عبيد. ومن زهده اغترَّ به الخليفة العباسي في وقته ولعله جعفر المنصور حتى كان يقول: “كلكم يطلب صيد، كلكم يمشي رُوَيد إلا عمرو بن عبيد”. قال الذهبي: “اغتر بزهده ونسي بدعته”. فهمتم؟ ليش؟ لأن هذا الرجل كان معتزلياً ربما كان يسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. هل الذي يسب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تنفعه؟ ينفعه الزهد؟ لا.
⏳ البدع تبدأ صغيرة وتنتهي عظيمة
- من فوائد هذا الحديث يا إخوة: أنك لا تَزهد في البدع الصغار فلا تنكرها، لأنك إذا تركت الصغار تقع في الكبار. بدليل ما روى الدارمي وابن وضاح أن ابن مسعود أخبره أبو موسى الأشعري بأن جماعة كانوا مجتمعين وفيهم واحد على رأسهم يقول: “سبحوا مئة وهللوا مئة وكبِّروا مئة”، وهم يسبحون بالحصى. الحاصل لما جاءهم ابن مسعود، قالوا له: “والله ما أردنا إلا الخير”. قال له ابن مسعود كلمة هي كالميزان، قال: (كم من مريد للخير لم يبلغه!). كم من واحد يريد؟ كل الناس يريدون الخير، لكن ليس كل الناس يوفَّق للخير.
وقال: (أأنتم مفتتح باب الضلال قبل ذلك وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بينكم!). ثم قال: (والله ما أراكم إلا القوم الذين أخبرنا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم: قوم سفهاء الأحلام، حدثاء الأسنان، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية). قال عمرو بن سلمة راوي الحديث: (رأيت عامة هؤلاء يُطاعِنوننا يوم النهروان). النهروان لما قتل علي الخوارج. بدأوا بالتسبيح جماعة، انتهى بهم ذلك الأمر إلى الخروج على الصحابة وقتل الصحابة.
ولهذا يقول البربهاري في “شرح السنة”: “واحذروا صغار البدع فإنها تبدأ صغاراً وتصير كباراً”.
نكتفي بهذا القدر. إن شاء الله تعالى نرجئ فوائد الحديث في درس الأربعين القادم. هذا والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.