الدرس 12 من فقه الأربعين النووية – الصغير بن عمار

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

​لنستأنف درسنا في الأربعين. قد وقفنا قبل رمضان عند حديث عائشة رضي الله عنها من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد”. وفي رواية مسلم: “من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد”.

​تكلمنا عن البدعة وتعريفها لغة وشرعًا، وعن أقسامها، وعن النصوص الواردة في تحريمها، وغير ذلك من المسائل. ووقفنا عند فوائد هذا الحديث.

​📝 فوائد حديث عائشة رضي الله عنها

​استفادوا من هذا الحديث تحريم الابتداع في الدين، وأن البدعة محرمة، وأن البدع جميعها محرمة لا استثناء فيها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “وكل بدعة ضلالة”. ومن قسَّم البدعة باعتبار الأحكام التكليفية فقال: من البدع ما هو مباح، ومنها ما هو مكروه، ومنها ما هو مستحب، إلى غير ذلك، فإن تقسيمه لا يتعلق بالبدع الشرعية. والكلام في هذا الحديث على ما كان في الدين.

​أما ما كان في الدنيا، فهذا له وجه آخر، والذي يعنينا ما يتعلق بالدين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من أحدث في أمرنا هذا”، وفي رواية: “من أحدث في ديننا هذا”. فما كان في الدنيا فهو خارج محل النزاع، وإنما الكلام على الدين لا على الدنيا. ولهذا قال ابن الماجشون عن الإمام مالك رحمه الله تعالى قال: “من ابتدع في الدين بدعة يرى أنها حسنة، فكأنما اتهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيانة”؛ فإن الله تعالى يقول:

​(اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [سورة المائدة: 3]

 

​فإن الدين قد تم، والنبي صلى الله عليه وسلم ما ترك خيرًا إلا وأخبر به أمته، وما ترك شرًا إلا (وحذر منه). فما كان بعده فهو حادث. وقد قالوا قديمًا وكان الإمام مالك يتمثل بهذا:

​وخير أمور الدين ما كان سُنَّة

وشر الأمور المحدثات البدائع

 

​ويستفاد من هذا الحديث أيضًا أن العمل المبني على بدعة مردود على صاحبه؛ لأن البدعة فاسدة وباطلة، وما بني على الباطل فهو باطل.

​يتفرع عن هذا أمر آخر وهو أن النهي يقتضي الفساد. إذا جاء نهي في الشريعة عن أمر بعينه، فهذا يعني فساد ذلك الأمر. مثال ذلك: جاء النهي عن الصيام يوم العيد. ولا (شك أن) من صام يوم العيد (ظنها) عبادة، يظنها، لكنها باطلة. لِيش؟ لأنه “عمل عملًا ليس عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم”. ولهذا العلماء إذا ردوا البدع استدلوا (بهذا) الحديث، واستدلوا بقول الله تعالى: (وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ) [سورة آل عمران: 85]. وصومك يوم العيد هو ابتغاؤك لدين غير الإسلام؛ لأن الإسلام جاء بالنهي عن صيام يوم العيد. فإن الناس يوم العيد أضياف الله؛ إذا جئت عند أحد، لا تصوم بل تفطر. وهذا معلوم، بل يكاد يكون معلومًا من الدين بالضرورة. ولهذا المرأة الحائض لو قالت: أنا أتقي الله وأريد أن أصلي ولو كنت حائضًا. يجوز؟ لا يجوز، واضح؟ فليست المسألة بالعقل وإنما المسألة (بالشرع). ولهذا النهي يقتضي الفساد.

​وهذه قاعدة فقهية عظيمة وفيها تفريعات في كتب القواعد وفي كتب الأصول، خاصة في كتب الأصول. ولهذا يقول ابن سعدي في نظمه:

وإن أتى التحريم في نفس العمل

أو شرطه فذو فساد وخلل

 

​هذه من حيث هي قاعدة مشهورة. من جهة التطبيق، يختلف العلماء فيها. لِكُم مثالًا: الصلاة في الأرض المغصوبة، والمسح على الخف المسروق، والطهارة بالماء المسروق. الطهارة والصلاة صحيحة هنا؟ من يقول لا؟ طيب، الآن أضرب مثالًا واحدًا: واحد سرق خفًا ومسح عليه. طهارته صحيحة ولا (لا)؟ من يقول صحيح؟ (نعم). لا، أنت، أنت من يقول ليست بصحيحة؟ صحيحة ولا واحد يقول غير صحيحة؟ لأ، أنا سألت أنتم ماذا تعتقدون؟ أعطني أنت. أنت مالكي. طيب، ماذا تعتقد؟ عند المالكية وعند جمهور أهل العلم: صحيحة، خلاف الحنابلة. وهذه ما تسمى بمسألة طبعًا المشهور: الصلاة في الأرض المغصوبة. إيش معنى؟ يعني هذا المسجد مثلًا جاء ناس وسرقوا أرضًا من واحد، سرقوها وبنوا فيها مسجدًا وصلوا به. وأنت تعلم أن هذا المكان مسروق وليس لك الحق فيه وتصلي فيه. هل صلاتك صحيحة ولا لا؟ من نظر إلى أصل هذه القاعدة قال: النهي يقتضي الفساد. قد جاء النهي عن السرقة والغصب، وأنت صليت على مكان (مغصوب)، فصلاتك باطلة. قال آخرون – هم جمهور العلماء ومنهم المالكية خلاف الحنابلة – قالوا: لا، إنما هنا انفكت الجهة. إيش معنى انفكت الجهة؟ النهي في الشريعة جاء عن الغصب للمسجد والا للبيت والا للحانوت؟ كله ممنوع. ولم يأتِ النهي خاصة عن الغصب في الصلاة. لو كانت الشريعة قالت: يجوز الغصب في غير مسجد ولا يجوز في المسجد، هنا نقول: نعم، النهي كان مُنصَبًا على هذه العبادة. لكن الشريعة جاءت بتحريم غصب من عود أراك إلى قصر. يجوز غصبه وأخذه من الناس عنوة وبغير حق؟ (لا). إذًا هنا عندنا نهي عام وعندنا عبادة. العبادة وقعت بشروطها صحيحة من جهة الظاهر، ووقعت على مكان وقعت فيه سرقة. فهنا يُنظر ويُقال: من نظر إلى كل الأمر، قال: العبادة لا تصح؛ لأنها وقعت على مكان مغصوب. ومن نظر إلى أن العبادة تمت بشروطها من طهارة واستقبال قبلة ونية إلى غير ذلك، قال: الصلاة صحيحة، ويأثم؛ لأنه صلى في أرض مغصوبة مع علمه بذلك. فهنا انفكت الجهة. إيش معنى كلمة انفكت الجهة؟ انفكت الجهة أي أن نهي الشارع لم يتسلط على الأمر نفسه وإنما تسلط على أمر خارج عنه. ولهذا من اغتاب في رمضان صيامه صحيح؟ صحيح. قد يأخذ (الله) هذا (الصيام) كله (ولا) يبقى له شيء. لكن من جهة براءة الذمة لا يطالب بإعادة الصيام بالاتفاق. فهمتم؟ ليش؟ لأن النهي عن الغيبة والكذب والغش وقول الزور خاص في رمضان وفي شعبان وفي كل السنة؟ (لا). إذًا هنا انفكت الجهة. بخلاف النهي عن الصوم يوم العيد، نهي خاص بالعيد ولا لا؟ شفتم الفرق؟ ولهذا ما يسمى بانفكاك الجهة. وهذه مسألة لا بد من فهمها. وقد أحسن القرافي رحمه الله تعالى في “الفروق” أحسن يعني أيما إحسان في بيان هذه المسألة وبيان مذهب المالكية والرد على من خالف في هذه المسألة.

​الفائدة الأخرى: أن العمل الصالح إذا أُتِيَ به على غير الوجه المشروع، كالتنفل وقت النهي بغير سبب، وصيام يوم العيد ونحو ذلك، فإنه باطل لا يعتد به على خلاف وتفاصيل موضعها كتب الفروع، لكنه راجع إلى حديث: “من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد”. وهذا الحديث فيه فوائد أخرى لكن نكتفي بما ذكرنا.

​لما استقر يا إخوة هذا الباب عند الصحابة، تجد أنهم لا يترددون (في) بيان هذا الفصل. ولهذا جاء في الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يطوف بالبيت وينظر إلى الحجر (الأسود) ويقبله ويقول: “والله إني لأعلم أنك حجر، لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك”. هنا عمر يريد أن يبين أصلًا، (أن) العرب كانوا يعظمون الحجارة. أراد عمر أن يبين أن الشريعة جاءت بالنهي عن تعظيم الأشجار والأحجار والأفلات وغير ذلك. لكن لما كان تقبيل هذا الحجر من الشرع باعتبار أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، كان تقبيل الحجر هنا سُنَّة وليس بدعة. فالحق والباطل مداره ليس على استحسان الأشخاص، وإنما مداره على الاتباع لسيد الناس والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فلا يأتينا واحد يقول: الشريعة جاءت بالنهي عن تعظيم الآثار والنهي عن تعظيم الأحجار. يُقال: نعم، كل أحجار الدنيا نعم، إلا الحجر الأسود، فهمتم؟ ليش؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك الأمر. ولهذا لما كان ابن عمر يحدث بحديث “بُني الإسلام على خمس”، ذكر في رواية مسلم قال: “وصوم رمضان وحج بيت الله الحرام”. قال واحد: وحج بيت الله الحرام وصوم رمضان. قال: “لا، صوم رمضان وحج بيت الله الحرام. هكذا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم”. ولهذا لما قال أحدهم لما ذُكر في الحديث (الذي في) الصحيحين وأظنه جابر الذي قال هذا يعني في مجلس جابر بن عبد الله وكان قد كبر رضي الله عنه في سنه قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل بالمد أو أكثر منه”. فقال واحد: ما يكفي. قال: “كان يكفي من هو أحسن منك وأعظم منك شعرًا وأكثر منك بدنًا”. أنتم؟ يعني إذا كان يكفي النبي صلى الله عليه وسلم يكفي. فليست المسألة مسألة استحسان.

​ولهذا لما قال ابن عمر لأبيه لما سمع حديث: “لا تمنعوا إماء الله مساجد الله”. قال: والله لنمنعهن! قال: “أأقول لك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: أقول (والله)؟ والله لا أكلمك أبدًا!”. لهذا لما جاء واحد (إلى) الإمام الشافعي وقال له: ما تقول في كذا؟ قال: “قضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا”. قال: ما تقول أنت؟ قال الشافعي: “أنا أقول لك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: متى أنت؟ أترى على رأسي زنارًا؟” يعني: تراني أنا مثل النصارى والرهبان الذين يأمرون أقوامهم أمورًا ويتبعونهم بغير دليل؟ نحن لسنا هكذا.

​ولهذا جاء واحد (إلى) الإمام مالك – والأمثلة كثيرة – قال: يا إمام ما حكم تخليل أصابع القدمين؟ والمالكية عندهم التخليل واجب. قال: “ما حكم التخليل بالِإصبع الصغير؟” هذا لا أعلم فيه شيئًا. فجاء أحدهم (إلى) مالك وقال له: لقد روينا فيه حديثًا. ثم ذكر إسناده. فقال الإمام مالك: “هذا حسن” – هذه من جهة الإسناد. قال الراوي: ثم جاءه بعدها (أو) رجع الرجل أو رجل آخر فسأله. فقال الإمام مالك: “نعم هو سنة”. إذًا المسألة مبنية على ماذا؟ على الدليل. واضح؟

​📄 الحديث السادس: النعمان بن بشير في الحلال والحرام

​الحديث الذي بعده وهو الحديث السادس. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: قال “عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنهما” – لأن أباه (أيضًا صحابي) – قال: “سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله (وسلم) يقول” – في هذه النسخة وفي نسخ الأربعين: صلى الله عليه وآله. الذي جاء في الأحاديث النبوية: “صلى الله على محمد وعلى آل محمد”. فالأولى تكرار (هذا)، (وعلى كل حال) لو قيلت هكذا صحيحة، فهمتم؟ أما الأحاديث (الإبراهيمية) قال: “على محمد وعلى آل محمد”.

​يقول: “إن الحلال بَيِّنٌ، وإن الحرام بَيِّنٌ، وبينهما أمور مُشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس. فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يُوشك أن يرتع فيه. ألا وإن لكل ملك حِمًى، ألا وإن حمى الله محارمه. ألا وإن في الجسد مُضْغَة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب”. (رواه البخاري ومسلم).

 

​هذا الحديث حديث عظيم القدر. عدَّه بعضهم ثلث الدين. وهذا أظن ذكرت لكم هذا في المقدمة. لِيش قالوا هذا ثلث الدين؟ لأن هذا الحديث فيه بيان أن الدين ما هو؟ حلال وحرام وأمر مشتبه. وهذا جاء بيانه في هذا الحديث. طيب، حتى تجتنب الحرام وحتى تفعل الحلال تحتاج أمرين: تحتاج صدق النية – وهذا موجود في: “إنما الأعمال بالنيات” – وتحتاج حسن الاتباع – وهذا موجود في حديث: “من عمل عملًا ليس عليه أمرنا” – فيكون مع الحديثين السابقين عليه مدار الدين. ولهذا أغلب من صنف في الأحاديث الجوامع ذكر هذا الحديث، فإنه حديث شامل جامع. وسيأتي معنا إن شاء الله تعالى بيان ذلك.

​قال هنا: قال “عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله عنهما”. النعمان بن بشير يا إخوة من صغار الصحابة. يعني لما مات النبي صلى الله عليه وسلم كان عمره ثمان سنوات، فهمتم؟ إذًا لما سمع هذا الحديث كان بالغًا ولا لا؟ قطعًا لا. طيب. الأمة تلقت الحديث بالقبول، والحديث رواه الشيخان، مع العلم أنه لما تلقاه كان صغيرًا. إذًا هل يجوز أن يحدّث الصغير بحديث؟ من يقول: له؟ أنا قلت: هل يجوز لصغير لم يبلغ أن يحدِّث بحديث؟ هو يجوز لك (أن تسمع). هل يُقبَل منه ولا (لا)؟ من يقول: يُقبَل؟ دون البلوغ يُقبَل؟ أنا قلت: يُحدِّث. إيه، قلت: سؤالي واضح. قلت: يحدِّث به وهو لم يبلغ. يُقبَل؟ (نعم). من يقول: يُقبَل؟ يُقبَل، يعني يقبل صحيح. من أقوال المحدثين بأنه لا بد أن يُفرَّق ما بين وقت التحمل ووقت الأداء. إذا سمعه صغيرًا وأدَّاه صغيرًا، الصحيح بأنه لا يُقبَل. وحكمه حكم الكافر. كافر سمع حديثًا وحدث به وهو كافر، يقبل؟ لا؛ لأن العدالة شرط. ولا (هو) كافر. الصورة الثانية: سمعه صغيرًا وحدث به نفس الحالة هذه. يُقبَل؟ هنا الأول يُقبَل؟ يُقبَل طبعًا. ولهذا العلماء يقولون: يُفرَّق ما بين التحمل والأداء. يجوز له أن يتحمله، إيش معنى يتحمل؟ أن يسمعه صغيرًا. لكن لا يُقبَل هذا الحديث إلا إذا حدث به كبيرًا. إيش معنى كبيرًا؟ يعني بلغ. النعمان بن بشير قَبِلَ سماعه صغيرًا ولكن قَبِلَ تحديثه كبيرًا. وهذا له نظائر. ولهذا بعض الصحابة فعمر وغيره حدثوا بأحاديث سمعوها وهم ما زالوا على الكفر. لو بقوا على الكفر ما قُبِلت منهم. لكن لما أسلموا قُبِلَت منهم؛ لأن شرط العدالة أثناء الأداء موجود، وإن لم يكن موجودًا أثناء التحمل. واضح؟

​طيب. النعمان بن بشير يا إخوة هو أولًا هو ابن أخت عبد الله بن رواحة، رضي الله عنهم أجمعين. خاله عبد الله بن رواحة. أبوه صحابي. وهو أول مولود للأنصار بعد قدوم النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لِأن لما قَدِم النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة لم يُنجِب أحد من الصحابة – لا من المهاجرين ولا من الأنصار – وأصبح اليهود وغيرهم يتحدثون ويقولون: أصابهم عُقم ولن يُولد لهم أحد. فوُلد في السنة الثانية للهجرة – يعني بعد سنة – للمهاجرين: عبد الله بن الزبير، وفي الأنصار: النعمان بن بشير. أنتم؟ عبد الله بن الزبير لما وُلِد خرج الصحابة وحملوه وصاروا يكبرون إغاظة للكفار وفرحًا. قال ابن عمر رضي الله عنهما في آخر حياته لما بلغ خبر وفاة عبد الله بن الزبير (إليه) – الشام – كبَّر الناس ممن كانوا يظنون بعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم ظن السوء، كبروا لمقتله على يد الحجاج. قال ابن عمر كلمة عظيمة تبين لك فقهه قال: “والله لقد شهدت يوم مولده وشهدت يوم مقتله، فالذين كبروا يوم مولده خير من الذين كبروا يوم مقتلهم”. من الذين كبروا يوم مولده؟ الصحابة. من الذين كبروا يوم مقتله؟ ليسوا من الصحابة. واضح؟ ولهذا عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قتله الحجاج زورًا وظلمًا. وليس هذا موضع بسط هذا. لكن أمه أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر رضي الله عن الجميع. عبد الله بن الزبير: أبوه الزبير، أمه أسماء. الزبير ابن صفية. وأسماء بنت أبي بكر. شرف النسبة، (هي) خالته عائشة، جدته صفية. فعبد الله بن الزبير رضي الله عنه يا إخوة أمه قالت كلمة عظيمة. الحجاج بن يوسف لما قال: قتلت ابنك. قالت له: “لقد أفسدت دنياه وأفسد عليك آخرتك”. يعني (أن) فساد الدنيا هذا إذا لم تَمُت بسيف مت بغيره، تعددت الأسباب والموت واحد. (الأشرار) فُعِل فيهم ما فُعلوا. ليس العبرة كيف تموت، إنما العبرة على ماذا تموت وعلى أي شيء تُبعَث. هذا المراد. (لأن) الكل سيموت. إن مُتَّ على سرير أو مُتَّ في الهواء أو في الماء، الكل سواء. واضح؟

​قال هنا: “عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس…”

​يُبين النبي صلى الله عليه وسلم هنا تقسيم الأشياء إلى ثلاثة أقسام:

  1. ​القسم الأول: هو الحلال البيِّن الواضح.
  2. ​القسم الثاني: هو الحرام البيِّن الواضح.
  3. ​ويبقى قِسْط يتجاذبه أصلان وهو المشتبه. يشتبه فيه هذا ويشتبه فيه هذا، وأمره حينها يشتبه على الناس: أهو من الحلال أم هو من الحرام؟ هذا هو القسط الثالث وهو المراد أساسًا من الحديث.

​الحلال البين من أمثلته: الثمار وما يأكل الناس من بهيمة الأنعام وغير ذلك. هذه أمور مُحللة ظاهرة بيِّنة، لا يحتاج الإنسان دليلًا حتى يأكل القمح والشعير. طيب.

​الحرام البين مثاله: الخمر، المخدرات، السرقة، نكاح المحارم، الظلم والجور. كل هذه الأمور تتفق عليها، فهمتم؟ فهي أمور استقر بطلانها عند الناس، وهو ما يُعبَّر عنه بـ: المعلوم من الدين بالضرورة. ولهذا العلماء في كتب الأصول يبحثون مسألة عند باب الإجماع: هل يكفر مُنكر الإجماع ولا لا يكون؟ والجواب عن هذا أن يُقال – وليس هذا بسط هذه المسألة ولكن أشير لكم ببعض المسائل يا إخوة تارة في القواعد وتارة في الأصول وتارة في المصطلح وتارة في اللغة حتى أحفزكم إلى طلب العلم وإلى دراسة العلوم؛ فإن العلم وخاصة كتاب الأربعين كتاب تُستعمل فيه هذه الفنون كلها، فمن أخذ منكم من هذه العلوم بأصل ولو كان متنًا مختصرًا فقط، بإذن الله تعالى سيحصل في فترة قليلة علمًا جمًا – فمن المسائل المبحوثة في كتب الأصول: هل يكفر تارك الإجماع مُنكر الإجماع ولا (لا)؟ الصحيح بأنه لا بد من التفصيل. وعند التفصيل يستبين السبيل وينفصل الحق الواضح عن الأباطيل، كما قال شيخ الإسلام وابن القيم رحمه الله تعالى يقول: نعم، يقول: “فعليك بالتفصيل إنهم أطلقوا أو أجملوا فعليك (بالتفصيل) آخر”. أحسنت. فيقول: يعني التفصيل لا بد (منه). أن يُقال: الإجماع نوعان: إجماع يُسمى بـ إجماع العامة وإجماع يُسمى بـ إجماع خاص. الإجماع (الذي هو) العامة هو الذي يُسمى الإجماع القطعي، والآخر إجماع ظني. أغلب الإجماعات من أي قبيل؟ بعضهم يقول: لا، أغلبها من القطعي. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية وقاله من قبله الإسفراييني وغيره: إنما مبنى الشريعة في الأصل على الإجماع. ولهذا تجد أنه خذ كل المذاهب. اذهب من شرق الأرض إلى غربها، تجد مساجد وصلاة وقبلة واحدة، صيام رقم واحد، رمضان واحد، زكاة واحدة، وحج واحد. إذًا الأصل في هذه الشريعة هو الإجماع وليس الخلاف كما يُسوَّق له البعض، فهمتم؟ ولهذا ترى واحدًا سنيًا يتوضأ مثل أي واحد متوضئ ولا تعلم الخلاف. طيب، روح واحد (شيعي)، شوف واحد شيعي يتوضأ، ستُنكِر قلبك وتعلم أن هذا دين جديد. لو صلى منكم واحد في مساجدهم حتى خطأ سيعلم بأن هذا دين غير دين محمد صلى الله عليه وسلم. هذا فرق.

​فالحاصل أن الإجماع نوعان: إجماع قطعي وهو يُسمى إجماع العامة، وإجماع ظني وهو يُسمى إجماع الخاصة. والأول هو الذي يَكفُر صاحبه بتركه، وهو المسمى المعلوم من الدين بالضرورة. إيش معنى المعلوم من الدين بالضرورة؟ أي أنه من العلم الضروري. يقول ناظم “الورقات”:

​وضروري العلم ما لم يقع

عن نظر ولا استدلال فاسمعي

كمُدرِكِ السمع ومدرِكِ البصر

والشم والذوق ولَمْسٍ بِشَرَرِ

 

​يعني أن إجماع العامة هو الذي تضطر إلى تصديقه؛ لأنه أمر واضح. وجوب الصلاة، حرمة الخمر، حرمة السرقة، وجوب رمضان. هذه من أنكرها يا إخوة حاله ما هو؟ (الكفر). طيب. من أنكر أن الأمة أجمعت على أنه لا يجوز مس المصحف إلا بوضوء؟ (لا يكفر)؛ لأن هذا إجماع ظني. ولهذا وقع الخلاف من بعض المتأخرين.

​إذًا هنا نقول: عندنا حلال بيِّن وعندنا حرام بيِّن وعندنا أمور مشتبهات أي مترددة بين حِلٍّ وحُرمة، فلا هو من الحلال البين ولا هو من الحرام البين.

​قال النبي صلى الله عليه وسلم هنا قال: “لا يعلمهن كثير من الناس”. قوله هنا: “لا يعلمهن كثير من الناس” لا يعني لا يعلمهن أكثر الناس. فرق! قوله: “لا يعلمهن كثير من الناس” أي ويعلمهن أيضًا كثير من الناس، فهمتم؟ لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: لا يعلمهن أكثر الناس. إذًا عندنا الحلال والحرام وعندنا المشتبهات. وهذه المشتبهات ينقسم الناس فيها إلى ثلاثة أقسام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يعلمهن كثير من الناس”. دل على أن هناك من يعلم. طيب. الذي يعلم والذي لا يعلم بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بعد قال: فمنهم من يتقي الشبهات. يعني الذي لا يعلم. قال: “فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام”. وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الناس أصناف:

  • الصنف الأول: من عرف الشبهة وعرف حكمها واتبع هذا الحكم حِلًّا أو حرمة. فلا تستطيع أن تأتي إلى عالم اجتهد في مسألة ورأى جوازها وأنت ترى حرمتها وتقول: هذا لم يتورع عن الشبهات. لا، هو مجتهد اتبع الدليل. فهو أصلًا لا يدخل ولا تُعتبر في حقه شبهة؛ لأنه هو أصلًا كشف المسألة بالدليل. ولهذا يقول ابن رجب في “جامع العلوم والحكم”: يقول: “وأما الراسخون في العلم فلا يخفى عليهم حكم ذلك”. قال: “وهم أفضل الأقسام وإن أخطأ”. يعني مثلًا اختلف (الناس) في أكل بعض الحشرات. عالم مثلًا مالكي، والمالكية يتوسعون في باب الأطعمة، فهمتم؟ ولا يتوسعون هوًى، وإنما مسألة أدلة ونظر، فهمتم؟ ولهم أجرهم إن شاء الله تعالى. فمن اجتهد منهم ورأى أنه يجوز أكل الحشرة الفلانية أو الحلزون الفلاني مثلًا، لا تقول: هذا رجل لم يتورع عن الشبهات. لا، هي أصلًا ليست في حقه شبهة؛ لأنه متأكد من نظره ومن استدلاله. إذًا هو أصلًا خارج المسألة.
  • ​الكلام على مَن؟ الكلام على الذين لا يعلمون هذا. ولهذا قال: “لا يعلمهن كثير من الناس”. فـ “من اتقى”، فالكلام على الشبهة من جهة الاتقاء ومن جهة عدم الاتقاء إنما هو على القسم الذي لا يعلم لا على القسم الذي يعلم. فإن القسم الذي يعلم هذا خارج محل النزاع. واضح يا إخوة؟

​هؤلاء الذين لا يعلمون ينقسمون إلى قسمين:

  • القسم الأول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه”. قوله: “استبرأ”: السين والتاء للطلب. (استسقى) طلب سُقيًا، استعان طلب العون، استعاذ طلب العون. طيب. تبرأ طلب البراءة. البراءة لماذا؟ لدينه ولعِرضه. أي أنه ترك تلك الشبهة إرادة منه إلى أن يبرأ في دينه – وهذا بينه وبين الله – وفي عرضه – وهذا بينه وبين الناس. العرض هو موضع المدح من الإنسان. أنت الذي يُمدَح فيك ويُذَم هو عِرضك. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: “المسلم على المسلم كله حرام، دمه وماله وعِرضه”. إذًا من استبرأ، من اتقى الشبهات ضمن أمرين: ضمن ما بينه وبين الخالق؛ لأنه لم يغضب ربه بأمر قد يكون حرامًا. والثاني ضمن ألا يُساء به الظن عند الناس. وقد جاءت الشريعة بالابتعاد عن مواطن الشبهة. وفي الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءته صفية وهو مُعتكف في العشر الأواخر، فلما خرجت كان معها النبي صلى الله عليه وسلم عند باب المسجد. فمر صحابيان، فلما رأيا النبي صلى الله عليه وسلم ومعه خيال، فهموا ربما أنها امرأة، لكن لم يفهموا من هي، أسرعا. ناداهما النبي صلى الله عليه وسلم وقال: “على رِسْلكما” أي: على مهلكما، “إنها صفية”. قالوا: يا رسول الله! قال النبي (صلى الله عليه وسلم): يا رسول الله (كيف نشك)؟ يعني أصلًا نحن لا نشك ولا يمكن أن نظن بك شيئًا غير هذا. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “ولكن الشيطان يجري من بني آدم (مجري الدم)”. فهمتم؟ قال ابن الملقن وغيره في “الأحكام”: قال: “وهذا الحديث أصل في البعد عن الشبهات”. يعني: لا تعرِّض نفسك إلى موطن شبهة، ثم تقول: لا يهمني ما يظن الناس بي. غير صحيح هذا خطأ. لو كان أحد لا يهمه ما يقول الناس فيه (لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم). إذًا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذ هو أطهر الناس، ومع هذا قال: “على رِسْلكما، إنها صفية”. فأنت وأنا ممن هم دون النبي صلى الله عليه وسلم بما لا يتخيل، ينبغي لك أن تستبرئ بدينك وعرضك، وألا تضع نفسك موضع شبهة. فإذا وُضِعت في مكان قد يُظَن فيك به (سوء)، أو يُظَن في بك فيه سوء، فلا بد أن تبين للناس ذلك الأمر. تقول: كنت في كذا، أو أنني أردت كذا، أو اللباس الذي رأيته علي كان من أجلك، إلى غير ذلك من الأمور. واضح؟

​وهذا يا إخوة من تأمل سنن العلماء قديمًا وحديثًا، وجد هذا. فإن بعض أهل العلم يا إخوة يكتب كتابًا ومسألة ويفتي فتوى لا غبار عليها من جهته هو. لكن بعض الناس يفهمونها فهمًا (خاطئًا). شيخ الإسلام ابن تيمية في رده على البكري يقول: “وكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم مملوء بأقوام يفهمونه فهمًا سوءًا. فكيف بفهم كلام العلماء؟” يعني الناس يفهمون كلام الله خطأ. كيف بكلام العلماء؟ فلا تقل: كيف الناس يفهمون كلامي خطأ؟ كلامك ليس وحيًا مقدسًا. بل الوحي جعله جل وعلا (يُعمل به) على من أراد الغواية والزيغ. فبعض العلماء يكتب كتابًا أو بحثًا، فبعض الناس يفهمونه على غير مراده. فلا يقل: أنا كتبته، والله يعلم، ولا يهمني أحد. غير صحيح هذا. لا نتكلم إن إذا رد عليك سفيه، هذا لا قيمة له ولا تنظر إليه. وأصلًا هذا كما قال الشافعي: “إن كلمته فرَّجت عنه، وإن خليته كمدًا يموت”. نحن نتكلم بأن أهل العلم فهموا كلامك خطأ. تجد أن البخاري لما اتُّهِم في مسألة خلق القرآن وأنه يقول باللفظية، كتب كتاب “خلق أفعال العباد”. وهذا الكتاب يا إخوة لو كان البخاري كتبه – والله أعلم – كتبه فقط ليُبرِّئ ساحته هو. ربما لبقي الكتاب في عصر البخاري. الكتاب إلى الآن يقرأه طلاب العلم (ويستفيدون). لِيش؟ لأنه والله أعلم إنما كتبه ليس لنفسه فقط وإنما ينفع الناس. ولهذا وُجِد الكتاب إلى الآن. الإمام المزني – وقد شرحنا لكم عقيدته كاملة من عشرين مجلسًا – اتُّهِم بماذا يا إخوة؟ بالتوقف في بدعة القرآن – يعني بدعة شنيعة – كتب عقيدته كاملة ولم يتكلم إلا على هذه المسألة، بل تكلم عليها وعلى غيرها حتى جئنا نحن بعد عشرات القرون – ليس عشرات القرون لكن (يعني تقريبًا) اثني عشر قرنًا بعده – ونشرحها في فرنسا عقيدته. فهمتم؟ ناهيك عن الكتب. لِيش؟ لأن هؤلاء والله أعلم يا إخوة يستبرئون لعِرضهم ولكنه في نفس الوقت يرجون الله والدار الآخرة. ولهذا يقول ابن رجب كلمة عظيمة يقول: “من ترك الشبهات تصنعًا للناس، فإن هذا لا يترك إلا ما يظن أنه ممدوح، وهذا لا قيمة له”. يعني بعض الناس يترك إلا الأمور التي يرى أنها قد تُنقص جاهه عند الناس. وليس المقصود هو حفظ جاه الله. حفظ جاهه عند ربه. أنت كطالب علم ينبغي لك إذا استبرأت لعرضك لا تنظر فقط لمصلحتك أنت، بل انظر إلى أنك تُمثل الدين. ولهذا سوء الظن بطالب العلم هو أعظم وأكثر من سوء الظن بالعامة. لِيش؟ لأنك أنت لا تُمثل نفسك فقط، وإنما تُمثل دينك أولًا وتُمثل السُّنة والمنهج الذي تحمله. ولهذا بعض الناس ايش يقول؟ لا يقول: هذا فلان فَعَل. لا يقول: هذا من جماعة السُّنة. شفتم الفرق؟ إذًا هو همه ليس شخصك، ليس شخصك. لا. همه الطريقة التي أنت عليها. ولهذا قال بعضهم: “إياك أن يُؤتى الإسلام من قِبَلك”. وهذا أحد الأقوال في تفسير قول الله تعالى: (رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا) [سورة الممتحنة: 5]. أن يَفتِن الناس ويبقى الناس على كفرهم بسببك أنت؛ لأنك أنت لم تُمثل الإسلام كما ينبغي. وهذا موضوع طويل ليس هذا موضع بسطه.

​لكن الذي يعنينا هنا أن القسم الأول ممن لا يعلم حقيقة هذا الاشتباه قال: “فمن اتقى الشبهات” أي: جعل بينه وبين الشبهة وقاية، “فقد استبرأ” أي: طلب البراءة في دينه وعرضه.

  • ثم قال: “ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام”. فسَّره أهل العلم بأمرين:
    1. الأمر الأول: قالوا أن يقع في الحرام وهو يظن أنه حلال.
    2. والثاني: أنه لكثرة مُقاربته للحرام يوشك أن يقع فيه. ولهذا قالوا قديمًا: “المعاصي بريد الكفر”. والله تعالى يقول: (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) [سورة الأعراف: 182-183].

    ​إذًا الأمر الأول: إيش معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: “من وقع في الشبهات وقع في الحرام”؟ (هل هي) شبهة ولا حرام؟ الجواب: إما أن هذه الشبهة هي في حقيقتها حرام لكنها اشتبهت عليه وإلا هي حرام. واضح؟ إذًا هنا وقع في الحرام حقيقة. ​والثاني: هي ليست حرامًا لكنها قريبة من الحرام، فبمجرد قربه من الحرام مع الأيام سيقع في الحرام. ولهذا يا إخوة لو تذكرون في دروس رمضان في شرح فصل أسباب انشراح الصدر من “زاد المعاد”، ذكرنا لكم التوسع في المباحات. يعني بعض الناس يتوسع يقول: هذا مباح مباح. طيب أنت لست مطالبًا (بأنك) كل مباح تفعله؛ لأن التوسع في كثير من أمور الدنيا يُضعِف القلب، وإذا ضعف القلب سقط في الشبهات، وإذا سقط في الشبهات سقط في الحرام، وهكذا، فهمتم؟ ولهذا الله جل وعلا يقول: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا) [سورة البقرة: 187]. وفي الآية الأخرى: (فَلَا تَعْتَدُوهَا) [سورة البقرة: 229]. لا تقربوا الحرام ولا تتعدوا الحلال. وهذه الحدود هي التي مثَّل لها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله هنا قال: “ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام”. ​طيب. انتقل (بالتمثيل). تقول: كيف وقع؟ مثَّل النبي صلى الله عليه وسلم بمثال بديع قال: “كالراعي”. الراعي ما هو؟ يرعى الغنم أو غير الغنم. قال: “كالراعي يرعى حول الحمى”. قوله هنا: “حول الحمى”. الحمى يا إخوة هو ما يحميه الملوك وغيرهم من الأراضي المصانة يمنعون غيرهم من قُربها. يعني غالبًا يجعلون مكانًا ترعى فيه إبل المسلمين التي هي لبيت مال المسلمين، فيه عشب وكَلأ خاص بإبل بيت مال المسلمين. أنتم؟ والنبي صلى الله عليه وسلم هنا قال: “الراعي يرعى حول الحمى”. ثم قال: “ألا وإن لكل ملك حمى”. فدل على أن مسألة الحمى عند الملوك أمر معروف؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “ألا وإن لكل ملك حمى”. كل ملك عنده حمى، وهي الأراضي اللي تابعة للدولة الآن. أنت مكان خاص بالدولة تمنع الناس من دخوله. واحد يقول: أنا لن أدخله، ولكن سأحوم حوله. إذا كنت ترعى في الأغنام حول هذا المكان ولم يكن بينك وبينه حاجز، أغنامك قد تدخل، وإذا دخلت دخلت ليس الحساب على الغنم وإنما على راعي الغنم. لهذا قال هنا قال: “كالراعي يرعى حول الحمى”. قال: “يوشك أن يرتع فيه”. يعني: يوشك أن يدخل هو وأغنامه إلى ذلك المكان. لِيش؟ لأنه لو كان يريد حفظ دينه وعرضه كان ابتعد بغنمه عن تلك الحدود المحدودة، ولكنه قال: أنا سأضبط نفسي أتقيد بتلك الحدود. لكن إذا قاربت على الحدود وقعت فيها. وهذا نرى بعض الناس ايش يقول؟ يقول: أنا إيماني قوي، سأصحب هذا (الشخص) لأُدخله في الدين. فإذا به هو ينكَب على أم رأسه. وبعضهم يقول: هذه أخت في الله أنا سأتحدث معها حتى أنصحها. قد تتكلم (معها) في الدين اليوم الأول، اليوم الثاني، اليوم السادس، (ذهب) هذا الدين وجاءت الدنيا وجاء الفساد. ومن منكم يظن غير هذا، فإما غبي أو مُتَغَابي. وأعتذر منكم، حقيقة لا نكذب على أنفسنا. وسلوا من جرَّب هذا يخبركم. احفظ دينك أحسن. ولهذا أحدكم هل يقبل أن زوجته تكلِّم رجلًا ولو إشارة؟ لا. تتصور؟ أقصد ليس ذات، لا، تتصور في العقل؟ فهمتم؟ ولهذا لا تقل: أنا إيماني، هذه بنت صالحة. ليس هناك (فائدة في) صلاة. تأملوا القصص قديمًا ستعلمون. لِيش؟ لأن من يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه. لا تعدل بالسلامة شيئًا ما دمت في عافية من دينك.

​لهذا يا إخوة على الصراط ماذا؟ لطيف وكلاليب (تخطف) وكلاليب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: “تَخطف الناس بأعمالهم”. فمن خطفته شبه الدنيا وشهواتها خُطِف يوم القيامة عن الصراط. الخطاطيف والكلاليب قال الشوكاني: السعدان المشك الذي يُصطاد به في البحر. فهمتم؟ خُطَّاف هذا هكذا وهكذا الاثنين. هكذا هي – والعلم عند الله تعالى – ايش معنى؟ يعني تخطفك أينما كانت إذا مرت عندك تخطفك. هذه على جنبات الصراط. طيب. إذا أردت ألا تُخطف يوم المعاد، فعليك ألا تُخطف قبل يوم المهد؛ لأن الصراط و(الدار) الآخرة يا إخوة هي صورة من الدنيا. وهذا ذكرناه لكم في أكثر من موطن على وجه من التفصيل.

​إذًا قال: “كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه”. “ألا وإن” شُف التأكيد قال: “ألا وإن لكل ملك حِمًى”. لا يقول واحد: ليس لبعض الملوك حِمى. لا. الكل لهم حمى. “ألا وإن” شُف التأكيد مرة أخرى. قال: “ألا وإن حمى الله محارمه”. الله جل وعلا هي المحارم التي لا ينبغي لك أن تدخلها بل ولا ينبغي لك أن تحوم حولها؛ لأن من حام حول الحرام يوشك أن يقع فيه. ما الذي حام حول الحمى يوشك أن يرتع فيه؟ نفس الأمر. قال: “ألا وإن لكل ملك حمى. ألا وإن حمى الله محارمه”.

​ثم قال: “ألا وإن في الجسد مُضْغَة”. قال أهل العلم: الأصل في أن تطويل الكلام بغير حاجة ليس من بلاغة. فإذا كان لحاجة كهذه كان هو من أعظم فصاحة العرب. فلا يقول واحد: لِيش النبي صلى الله عليه وسلم يزيد في: “ألا وإن، ألا وإن، ألا وإن”؟ أنا وأنت لو قلنا هذا الكلام لكان ركيكًا. لكن في هذا المقام هو غاية البلاغة.

​قال: “ألا وإن لكل ملك حمى. ألا وإن حمى الله محارمه. ألا وإن في الجسد مُضْغَة، إذا صلحت – أو صَلُحَت كلاهما يصلح – صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب”.

​قال أهل العلم: لماذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم القلب بعد الكلام على الشبهات؟ قالوا: لأن القلب الصالح هو الذي يدفع صاحبه خارج تلك الحمى، والقلب الفاسد هو الذي يدخل صاحبه إلى تلك الحمى. لِيش؟ لأن الكل مدار الأمر كله على القلب بدليل هذا الحديث. ولهذا قال أبو هريرة رضي الله عنه قال: “القلب ملك والأعضاء جنوده، فإن استقام استقامت، وإن ضل ضلت وزل زلت”. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال – وسيأتي معنا إن شاء الله تعالى: “التقوى ها هنا” وأشار إلى صدره – يعني القلب. وأهل السُّنة والجماعة لا يقولون بأن الإيمان في القلب فقط، هذا قول الجهمية. أهل السُّنة والجماعة يقولون: (هو) قول وعمل واعتقاد. لكن أصل الإيمان في القلب ولا بد لو كان قلبك صحيحًا أن تعمل وأن تقول. ولهذا من قواعد أهل السُّنة والجماعة قولهم بـ تلازم الظاهر والباطن. ولهذا كفَّر أهل السُّنة والجماعة من قال من كان يعيش بين المسلمين ولا يعمل عملًا ويقول: أنا مؤمن. يُقال: لو كنت مؤمنًا لعملت. وهذه المسألة التي تسمى – فما لا يخفى عليكم – مسألة جنس العمل أو أصل العمل. والله جل وعلا يقول: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً) [سورة التوبة: 46]. فلما لم يُعدوا العدة دل على أنهم لا يريدون الخروج. فلو كان القلب سليمًا لكانت الجوارح أيضًا سليمة سليمة. إذًا هنا قال: “إذا فسد فسد الجسد كله”.

​💡 فوائد الحديث السادس

​هذا هو (شرح) الحديث من حيث الإجمال. نستفيد من هذا الحديث يا إخوة – وهو حديث جديد أردت أن ننهيه اليوم وإلا لَزِدْنَا فيه تفصيلًا، لكن فيما ذكر إن شاء الله تعالى كفاية – يستفاد منه عدة أمور:

  1. الأمر الأول: تقسيم الأشياء في الشرع إلى ثلاثة أقسام أو إلى ثلاثة أشياء:
    • ​الأول: حلال بيِّن.
    • ​الثاني: حرام بيِّن.
    • ​الثالث: أمور مشتبهة أي مترددة بين الحلال والحرام. وهذا الاشتباه اشتباه نسبي ليس اشتباهًا مُطلقًا. وإلا ليس في الشريعة أمر يكون مشتبهًا اشتباهًا كليًا، انتبهوا. ليس هناك شيء في الدين لا يُعلَم حكمه؛ لأنه لا بد أن يكون هناك طائفة من هذه الأمة تعلم (الـ)حق، لكنه باعتبار الأشخاص وباعتبار الأمكنة قد لا (يعلمونه). إشكال. لكن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تزال طائفة من أمتي على الحق منصورين أو ظاهرين”. فلا بد أن يعلم الحق أقوام، لكنه يخفى على أقوام آخرين. هذا المشتبه “لا يعلمه كثير من الناس” وبعضهم يعلمه بحكم الدليل وما أوتي من آلة الاجتهاد.
  2. استفادوا من هذا الحديث أنه ينبغي ترك المشتبه حتى يُعلَم حِلُّه. لا بد أن تترك هذا المشتبه؛ لأنك أنت لا تعلم أهو حلال أم حرام. يُخشى عليك أن تفعله وهو حرام. ويُخشى عليك حتى إن لم يكن هذا حرامًا بأن تتساهل أنت في دينك بأن كلما عُرِض عليك أمر متردد بينهما اخترت فعله، فمع الأيام ستختار فعل الحرام صراحة. وهذا نراه (في) بعض الناس. يعني بعض الناس لا يزال يهدم دينه حتى لا يبقى فيه شيء. أنت لا تجعل دينًا (ورقة). ولهذا إذا تركت الحرام في بعض المواطن عفواً، إذا تركت المشتبه في بعض المواطن، زاد في دينك قوة. إذا تجرأت على كل مشتبه في كل مرة، زادك وهنًا وضعفًا. واضح؟

​ها هنا مسألة ذكرها ابن رجب رحمه الله تعالى في “جامع العلوم والحكم” قال: وهي مسألة اختلاط المال المحرم بالمال المحلل. واحد جارك تعرفه يتعامل بمعاملات محرمة وأخرى فيها حلال. يتعامل بالربا، يبيع سلعًا محرمة وسلعًا حلالًا. بعض الأموال التي عنده بعضها كسبه من تجارة وبعضها قد سرقه. فاختلط في ماله هذا وهذا. هل يجوز أن تأكل من ماله ولا لا يجوز أن تأكل من ماله؟ وهذه مسألة تأتينا في الأسئلة أحيانًا. وهذه عليها خلاف معروف قديمًا. وبعضهم قال: لا يجوز لك أن تأكل عنده إلا إذا كان شيئًا قليلًا لا قيمة له، وإن الأصل لأن هذا ماله حرام وفي ماله نوع حرام، فلا تقربن ماله. القول الثاني قالوا: بل يجوز لك أن تأكل عنده. وقد سُئل ابن مسعود رضي الله عنه عن هذا، فقال عن من يأكل الربا ولا يتحرج منه، وفي ماله قسط خبيث، قال: ويدعوك إلى الطعام. قال ابن مسعود رضي الله عنه قال: “أجيبوه، فإنما الهَنَاءُ لكم والوِزْرُ عليه”. فهمتم؟ عفواً، الهناء لكم والوزر عليه هو. وهذا يدل على أن ابن مسعود فرَّق بين الأمرين. أنت استجابتك لدعوة جارك أو لدعوة أخيك حق، إن ما له حرام، الوزر عليه هو. وأنت أصلًا لست مُكلفًا بالبحث عن ذلك الأمر. ولذا بعض الإخوة يقول: أنا أبيع السلع يأتيني واحد يبيع المخدرات. ما لك أنت في أموال الناس التي تأتيك؟ أنت تبيع، بيعك حلال. لا يهمك يأتيك (من) وصفة. لست مسؤولًا أن تسأله: ولا كل واحد يدخل، ما لك؟ من أين أتيت به؟ هذا لا يمكن. لهذا بعض الإخوة يفرِّق ما بين التورع والتكلف. التورع والورع شيء، وهو أن تترك ما ليس به بأس خوفًا وحذرًا من الوقوع فيما هو بأس. أما التكلف شيء ليس له دليل لا شرعي ولا يترتب عليه شيء، وإنما هو شيء من الوسواس.

​إذًا قال ابن مسعود هنا. لكن رُوي عنه الإمام أحمد بأنه قال لما سئل عن شيء كهذا قال: “الإثم حزَّاز القلوب”. أي أن الإثم مرض ينتقل من قلب (لآخر). ولم يُجب ابن رجب رحمه الله تعالى عن الجمع بين هذين الأمرين. ابن مسعود في الأول أجاز، بعدين قال: لكن هذا حزاز القلوب. (و) في الحزازة هذه – يعني بالفرنسية الإكزيما – يعني وكأن الشيء أحيانًا ينتقد من إنسان لإنسان. والله أعلم ابن مسعود وكأنه في البداية جوَّزه من حيث الأصل حتى لا يقع الناس في التكلف. لكنه في نفس الوقت حذَّر بأنك لن تُصبح تستمتع بين كل ما تسمع واحد عنده حرام يدعوك تذهب، وأنك (تتصرف) لا. ربما مع الأيام يصير أكل الحرام والمشي مع أهل الحرام يصير شهوة عندك فتتضرر به. نقول: هذا لو كان مرة في أمر عارض واضطررت إليه. أما أن يكون في محيطك أقوام تعلم بأن أموالهم كلهم حرام أو اختلط وغلب الحرام (على) الحلال، وأنت تُكثر الدخول والخروج، انتبه. فإن الفرقة دسَّاسة، وإن الطبع سَرَّاق، وصاحب ساحب، والزميل مُلوِّي. فهمتم؟ ولهذا لا ينبغي للعبد أن يتساهل في هذا الأمر.

​يا إخوة، أنا ذكرت لكم في أكثر من موطن بأن الصاحب الفاسد يَعْدِيك بمجرد النظر. كيف وأنت تعاشره وتأكل وتدخل وتخرج معه؟ هذا لا شك. هنا على هذا يُفهم كلام ابن مسعود رضي الله عنه. ولهذا يا إخوة إذا أردتم أن تفهموا حال الصحابة في المنع أو الابتعاد عن الأمور المشتبهة، انظروا ايش قال ابن عمر رضي الله عنهما. قال: “إني لأحب أن أَدَعَ بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها”. يعني بالعبور. قال: بيني وبين الحرام دائمًا أدع سترة من الحلال لا أخرقها. يعني بعبارة أخرى: ابتعد كثيرًا عن الناحية التي يكون فيها حتى شبهة. يعني ابن عمر يتوقف عند الحلال البين ولا يبقى في مكان يمكن (أن يقع). فهمتم؟ وأنا لا أتكلم عن طالب العلم يرجح في مسألة ويأكل من مسألة مختلف فيها. مثلًا مسألة الجيلاتين، ليس الجيلاتين في حد ذاته، لكن هل هو استحالة؟ لم يستحل؟ وغير ذلك. بعض الناس يُرجِّح المسألة بدليله ويأكل. بعض الناس إذا سألته عن تأصيل المسألة لا يعلم. وإذا أخبرته يقول: أنا لم أُقلد. لو أنت مُقلد ولا عالم؟ إذا كنت عالمًا هنيئًا لك. إذا لم تكن، إذا كنت مقلدًا هنيئًا لك؛ لأن المقلد يُقلِّد بالإجماع، يأخذ قول عالم. أما أنك تجمع في نفس الوقت ما بين التقليد والاجتهاد، لا يمكن؛ لأنه يقول: أنا فعلته، أنا لست أهلًا، ولكنني حسب رأيي. إذًا إذا كنت مُقلدًا (فأنت) مُقلد. إذا كنت مُجتهدًا (فأنت) مجتهد. لا. فهمتم ولا؟ ولهذا يا إخوة إذا كنت أنت تأكل منه مثلًا أخذًا بقول فلان الذي قال: هذا الجيلاتين عن طريق الخنزير، هذا استحالة وغير ذلك. وأنت صادق، لا إشكال في ذلك. أما إذا كنت تعلم بأنه شبهة وشبهة قوية وتواصل على أكله، يُخشى عليك أن تكون ممن قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: “فمن وقع في الشبهات وقع في الحرام”؛ باعتبار أن هذا حرام وقد وقعت فيه بغير بيِّنة، أو باعتبار أنك تساهلت في هذا وستتساهل في غيرك. وكل واحد منكم طبيب نفسه.

​ثم قال هنا في فوائد الحديث:

    1. يستفاد منه أيضًا يا إخوة ضَرْب الأمثلة. لأن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم عن حكم المسألة ثم وضَّحها بطريقة عجيبة. فبضرب هذا المثال اتضح المقال: الحلال والحرام والشبهة. إذا أردت أن تعلم كيف تقع في الشبهات؟ يرعى حول الحمى.
    2. أيضًا من فوائد هذا الحديث أن الإنسان إذا وقع في الأمور المشتبهة، هان عليه أن يقع في الأمور الواضحة. ولهذا هذا الحديث يا إخوة أصل في مسألة وهي مسألة سد الذرائع. وهي مسألة (اهتم) فيها المالكية. يعني المالكية من أصولهم التي بَنَوا عليها الكثير من المسائل وهي مسألة سد الذرائع. وهي تُبحث في كتب الأصول في باب ما يسمى في الأدلة المختلف فيها. المتفق عليها ما هي؟ كتاب وسنة وإجماع وقياس من حيث الجملة خلافًا للظاهرين. أما الباقي أدلة مختلف فيها: حجية قول الصحابي، والاستحسان، والاستصحاب، والمصالح المرسلة، وعمل أهل المدينة – أحسنت – والأحاديث المرسلة على أحاديث الأقوال وغير ذلك، ومنها هذه المسألة وهي مسألة سد الذرائع. وخلاصة القول فيها – وليس هذا المقام مقام تفصيل – كما يقول القرافي في “الفروق” وغيره: الذرائع في الشريعة على ثلاثة أقسام:
      • القسم الأول: ما اتفقت الناس (عليه)، ما اتفق الناس على سدّه، كـ سب آلهة المشركين بالنص: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ) [سورة الأنعام: 108]. فلا يجوز لك أن تسب آلهة المشركين حتى يسبوا الله جل جلاله، فهمتم؟ فهذه ذريعة مسدودة بالاتفاق. وكذلك من حفر بئرًا في طريق الناس، هذا لا يقول: هذا البئر أنا أستفيد منه. لا. لكن هذا تقتل به الناس. بخلاف إذا كان هذا البئر عندك. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “والبئر جُبَار”. فإذا كان البئر في بيتك وجاء إنسان وقع فيه ليس له دية. لكن لو كنت بئر (في) طريق الناس، هذا مَهلكة حقيقية. فهذا يُسد بالاتفاق.
      • من الذرائع ما لا يُسد بالاتفاق. مثلًا: زراعة العنب. العنب يُستعمل خمرًا ولا (لا)؟ طيب. لو أن الإنسان يقول: العنب بما أن هناك بعض الناس يستعملونه خمرًا، (فـ)لا يتكلم عن من يزرعه من البداية للخمر. لا. أصل زراعة العنب. واحد يقول: بما أن العنب يُستعمل في الخمر، إذًا يلا نُحرِّم زَرْع العنب في كل العالم. يجوز؟ هذه ذريعة لا تُسد بالاتفاق. العنب طيب ويستفيد منها الناس. بما أن هناك محرم (له)، يُقال: من زرعه للمحرم، الوسائل لها أحكام المقاصد. (ومن قواعد الأمور في النعم، ومن قواعد الأحكام في التبع يثبت لا إذا استقل فوقع). الوسائل لها أحكام المقاصد. (و) ثم إن المقصد حرام، فالوسيلة حرام.
      • ​وهناك ذرائع يا إخوة جاءت الشريعة بأدلة مدفأة. فهنا يجتهد العلماء، فبعضهم يسدها – فبعض المعاملات إلى آجال وغير ذلك – وبعضهم لا يسدها. وهذه هي التي يكون فيها نظر العلماء. لكن هذا الحديث لا شك أصل في الاستدلال بـ سد الذرائع.
    3. استفادوا من هذا الحديث أيضًا بيان عظم شأن القلب، وأن الأعضاء تابعة له، تصلح بصلاحه وتفسد بفساده. لهذا لا بد للعبد العاقل أن يتفقد قلبه وأن يسعى إلى صلاح قلبه. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الله تشريفه بالرسالة، أخذ من قلبه حظ الشيطان. لِيش؟ لأنه لما أخذ حظ الشيطان من القلب، الجوارح بعدين تستسلم لذلك القلب.
    4. استفادوا من هذا الحديث أن فساد الظاهر دليل على فساد الباطن. فلا يقولن أحد: أنتم لم تُبعَثوا مُفتشين، وليس لك الحق بأن تقول إن فلانًا قصده سيئ. يُقال: لا خطأ. بل علي رضي الله عنه لما قال له الخوارج: حكَّمت فينا كتاب الله. قال: “كلمة حق أريد بها باطل”. تدل (تلك الجملة) على (كلام) علي رضي الله عنه بفقهه وعلمه وبصيرته على فساد باطنهم بفساد ظاهرهم. لِيش؟ لأنه مُتقرَّر عند العقلاء وخاصة عند المؤمنين وأتباع المرسلين بأن صلاح الباطن يدل على صلاح الظاهر وفساد الباطن يدل على فساد الظاهر. والعكس كذلك. هذا يؤثر في هذا وهذا يؤثر في هذا. ولهذا قلنا لكم مرارًا: الإيمان قول وعمل واعتقاد. فلو واحد يقول لك: أنا قلبي كذا ولا تصلي. إذًا كنت لا تصلي، وين الإيمان تحكي عليه؟ فهمتم؟

لو كان حُبُّك صادقًا لأطعته

إن المحب لمن يحب مطيع

 

​والله جل وعلا يقول: (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً) [سورة التوبة: 46].

      1. استفادوا من هذا الحديث أيضًا أن في اتقاء الشبهات محافظة الإنسان على دينه من النقص وعرضه من العيب والسلب. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: “فقد استبرأ لدينه وعرضه”. وذكرنا لكم مرارًا بأن الشريعة جاءت بصلاح الخَلق من جهتين: الجهة الأولى: من جهة عبادة الخالق، والجهة الثانية: من جهة معاملة المخلوق. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أكثر ما يُدخل الجنة تقوى الله وحسن الخلق”. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا يستعيذ بالله تعالى من المَأثَم والمَغْرَم. المأثم يُعارض التقوى، والمغرم يُعارض حسن الخلق. فإذا فسدت علاقتك بربك عبادة، وبالناس خُلقًا، فأنت من الهالكين. ولا يمكن أن يستقيم هذا بغير هذا. ولهذا الصالح مع الله في عبادة الله وصالح مع خَلْق الله. والفاسد إذا فسد بهذا قد يفسد من الآخر. وإذا فسد في عبادة الله فسد مع الناس. ولا ينفع الناس الذين يقولون: عنده أخلاق ودين المعاملة. إذا كان لا يعبد الله تعالى حق عبادته، فلن ينفعه خُلُق مع كلب وهو يُشرك بربه جل جلاله. واضح يا إخوة؟

​ولهذا ذكرت لكم مرارًا ونختم بهذا إن شاء الله تعالى أن هذه الأربعين – ولهذا سمينا هذه الدروس فقه الأربعين النووية – نحن الآن تكلمنا على ستة أحاديث. شوفوا كم مرة مرَّ معنا من الفوائد المتعلقة بهذه الأحاديث. ما بالكم إن شاء الله تعالى إذا أنهينا اثنين وأربعين حديثًا. ولهذا أنا قلت لكم في البداية يا إخوة احفظوها وحفِّظوها أبناءكم. نحن ليس لنا وقت لأن نسمع منكم ونقوم بتسميع كل مرة نختار واحدًا ليقرأ لضيق الوقت. لكن من حفظ منكم الأربعين كاملة وأراد أن يعرضها عليَّ في مجلس آخر، فإن شاء الله تعالى يعرضها وأُجيزه بها. لكن لا بد من حفظها وخاصة لا بد من فهمها. ونسأل الله تعالى أن يوفقنا للعمل بها.

​نكتفي بهذا القدر والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *