الدرس 13 من فقه الأربعين النووية – الصغير بن عمار

🕌 درس فقه الأربعين النووية: الحديث السابع

​الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

​وصلنا في درس فقه الأربعين النووية إلى الحديث السابع، ووقفنا عند قول الحافظ النووي، رحمه الله تعالى، قال:

  • ​عن أبي رقية تميم بن أوس الداري رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (الدين النصيحة). قلنا: لمن؟ قال: (لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم). رواه مسلم.

شرح الحديث وتفصيل معانيه

​هذا الحديث من جوامع كلم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من الأحاديث الجامعة التي يحفظها أغلب المسلمين.

​ورَاوي الحديث هو تميم الداري، وقد كناه هنا النووي بكنيته التي اشتهر بها، وهي كنيته بابنته رقية، وقال: عن أبي رقية.

​وهاهنا مسألة، وهو: هل يجوز للإنسان أن يتكنى بابنته أولا يجوز؟ الأصل في الكنية أن تكون بماذا؟ بالولد، وبالولد الأكبر. كقول النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الرجل: (هل لك أولاد؟) قال: نعم. قال: (من أكبرهم؟) قال: الحكم. قال: (أنت أبو الحكم).

​لكن لا بأس أن يتكنى الإنسان بابنه الآخر لغرض، ولا بأس أن يتكنى بابنته، سيما إذا كانت عنده فقط بنت. ولا بأس أن يتكنى بـ**”قِطَّته”**، ولهذا نقول: عن أبي هريرة، صح ولا لا؟ إذًا لا بأس بذلك.

​ولهذا أغلب الناس يجهلون اسم أبي هريرة. ما اسمه؟ أنتم تعرفون من؟ على الصحيح فيه خلاف كبير، والأقرب أن اسمه عبد الرحمن بن صخر. وهذا من فوائد الأربعين النووية؛ لأن النووي يذكر الكنية ويذكر الاسم أيضًا، سيما من لم يشتهر باسمه. والذي اشتهر بكنيته كأبي هريرة يدخل في قسم الأحاديث بقسم المُكَنَّين؛ لأنه اشتهر.

شرف الصحابي تميم الداري

​قال: عن أبي رقية تميم الداري. تميم الداري يا إخوة كان رجلًا نصرانيًّا وأسلم. وأسلم في السنة التاسعة للهجرة، قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بسنة.

​وهو قد شرفه الله تعالى بشرف قل نظيره، بل لا يشاركه فيه أحد. من يعرف هذا؟

​محمد: إذا رأى الدجال.

​وروى حديث الجساسة، لكن المشكلة ليست رواية حديث الجساسة، هو الصحابي الوحيد الذي روى عنه النبي صلى الله عليه وسلم حديثًا. فهمتم؟

​وهذا يُمَثِّل له العلماء في باب المصطلح في رواية الأكابر عن الأصاغر. قال أهل العلم، قال الحافظ ابن حجر وغيره: “وأشرف مثال له على الإطلاق هو رواية النبي صلى الله عليه وسلم عن تميم الداري”. يعني النبي صلى الله عليه وسلم روى عنه. فهمتم؟ لما جاء في حديث فاطمة بنت قيس في صحيح مسلم وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وقد أخبرني تميم، وقد وافق خبر تميم ما كنت قد أخبرتكم). ثم ذكر لهم حديث أنه لقي الدجال في جزيرة، ولقي قبله الجساسة، والحديث في صحيح مسلم.

​إذًا شرفه الله تعالى بهذا الشرف العظيم، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم روى عنه، كما شرف النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعبد الرحمن بن عوف بأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلفهم. فهمتم هذا يا إخوة؟ شرف عظيم. الواحد أحدنا أحيانًا إذا سأله طالب علم قوي أو شيخ عن مسألة يفرح بأنه سألني، فما بالك النبي صلى الله عليه وسلم يروي عنك حديثًا! لا عن جهل، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر الصحابة، لكن الله تعالى شرفه بذلك الأمر.

​قال: وتميم الداري يا إخوة، قلت لكم، كان رجلًا نصرانيًّا وأسلم. وكان صاحب تمسك وعبادة، وهو ممن أُثر عنه أنه كان يختم القرآن في ليلة. هذا الأمر لم يُحكَ عن الكثير، لكن من أشهرهم في ذلك من هو؟ عثمان رضي الله عنه، الذي كان يختم القرآن في ركعة، في ركعة! تميم الداري رُوي عنه هذا، ورُوي عن التابعين عن سعيد بن جبير وهكذا، وهم في الخَلْق قليل، واضح؟

​فتميم الداري رضي الله عنه هو ممن يدخل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لهم أجران)، منهم: (النصراني فإنه كان على دين نبيه قبل ذلك فاتبعه، فلما بُعِثَ النبي صلى الله عليه وسلم اتبع النبي صلى الله عليه وسلم، فجمع بين الأجرين) رضي الله عنه وأرضاه.

​لم يروِ له أهل الصحيح إلا هذا الحديث، وهو حديث شريف. حديث واحد يا إخوة، ليست العبرة بكثرة الرواية، سيما بعض الناس يسرع في أخذ الإجازات ونقل الحديث ولقاء المشايخ، وربما ذكروا في ترجمته: لقي فلانًا وفلانًا وفلانًا. غيره لقي واحدًا فقط، لكنه عالم. خذ ترجمة الشيخ ابن عثيمين، من المعاصرين، كم درس على شيخ؟ يُعَدُّون على اليد الواحدة. إمامهم من؟ ابن سعدي. واحد فقط تفقه به وصار إمامًا في العلم، واضح؟ فـأحيانًا أنت تتقن مسألة في العلم، يشرفك الله تعالى بها.

​وهذا أقوله تسمية لنفسي ولكم: “لا تزهدوا في العلم”. حتى كانوا قديمًا يسمون رجلًا: “الكافي”. هذا عالم كان يشرح ويتقن كتابًا واحدًا، وهو “كافية ابن الحاجب” في النحو. سُمِّيَ؛ لأنه يتقن كتابًا واحدًا يشرحه للناس.

​فلا عيب عليك أنت إذا حفظت الأربعين وفهمتها، ومكثت حياتك إلى أن تموت تشرح الأربعين. ليس عيبًا عليك. ولهذا: قليل من العلم يبقى فينفع، خير من كثير من العلم يُلقى في رفع، واضح؟

(الدين النصيحة): الحصر المجازي والحقيقي

​ولهذا قال هنا تميم: (أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: الدين النصيحة). كلمتان: (الدين النصيحة). مبتدأ وخبر.

​فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين). وقد مر معنا في حديث جبريل: الدين ما هو؟ على ثلاث مراتب: الإسلام، والإيمان، والإحسان. إذًا قال النبي صلى الله عليه وسلم هنا: (الدين)، يقصد به الثلاث.

​والدين في القرآن وفي الكتاب والسنة دِينَان: دين جزاء ودين عمل.

  • دين العمل هو المراتب الثلاثة الذي هو في الدنيا.
  • ​وقوله جل وعلا: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) [سورة الفاتحة: 4]، ما هو؟ الجزاء، لأن الجزاء يكون على ذلك الدين.

​إذًا إذا سمعت حديثًا فيه: (الدين)، وكان المقصود به العمل، ينطبق على: الإسلام، والإيمان، والإحسان.

​طيب حديث النبي في الصحيحين: (من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين).

​يأتي واحد يقول: عالم العقيدة لا يدخل في هذا؛ لأنه ليس متقنًا للفقه. هل هذا صحيح؟ الدين: الإسلام، والإيمان، والإحسان. فلن تكون فقيهًا حتى تُحْكِم هذا، على الأقل في أصوله، ثم كل واحد يفتح الله تعالى له فيما شاء من العلم.

​قال: (الدين النصيحة). قوله هنا: (الدين النصيحة)، هذا يسمى عند أهل العلم: الحصر المجازي، وبعضهم يسميه بـالحصر الإضافي. ما معنى الحصر المجازي والحصر الإضافي؟ عفواً: الحصر الحقيقي وهو الحصر المجازي، وبعضهم لا يعبر بالمجازي بل يقول: الحصر الإضافي.

الحصر الحقيقي هو الحصر الذي يقصد به حقيقة معناه. مثال: لو قلت: الله ربنا، حقيقي ولا حقيقي؟ محمد نبينا، حصر حقيقي؛ أي ليس لنا نبي نتبعه إلا محمد، وليس لنا رب نطيعه ونعبده إلا الله جل جلاله.

​طيب إذا قلت: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الحج عرفة). حقيقي ولا مجازي؟ على من عبر بالمجازي. فهمتم؟ وبعضهم يقول: إضافي.

​ليش مجازي أو إضافي؟ لماذا؟ من ذهب للحج ووقف بعرفة ورجع إلى بيته، حجه صحيح؟ لا. فقط ذهب لعرفَة ووقف بعرفة وراح، لم يُحْرِم ولم يَطُف ولم يَسْعَ بين الصفا والمروة، حج صحيح؟ لا. أركان الحج أربعة، منها الوقوف بعرفة، وليس هو واحدًا منها. لكن لماذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الحج عرفة)؟ هذا يدل على ماذا؟ يدل على أهمية الشيء وعظمته وجلاله من الحج.

​فقال بعضهم: نفسه هنا في هذا الحديث: (الدين النصيحة)، قال بعض أهل العلم: النصيحة هنا حصر مجازي؛ إذ النصيحة جزء كبير من الدين، وليست النصيحة كل الدين. وعلى هذا أغلب شراح الحديث يوافقون على هذا القول.

​طيب، عبد الله: لا.

​نحن قلنا: الدين هو الإسلام والإيمان والإحسان. ليش؟ الأقرب والله أعلم أنه حصر حقيقي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له: (لمن؟) قال: (لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم). هل تركت شيئًا؟ لن تترك شيئًا. إذًا كل الدين قائم على النصيحة، واضح ولا لا؟

​إذًا الأصل بأنه حصر حقيقي، ولكن من قال من أهل العلم هو حصر مجازي، نظر والله أعلم إلى نصيحة المسلمين وعامتهم وأئمتهم، ولم ينظر إلى المعنى العام؛ لأن فيها: النصح لله، ولكتابه، ولرسوله. فهمتم ولا لا؟ لا تستغربوا إن وجدتم من يقول غير هذا، لكن العبرة بفهم مأخذ العلماء.

تعريف النصيحة لغة واصطلاحًا

​النصح يا إخوة في اللغة مأخوذ من أمرين:

  1. الأمر الأول: من قولهم: “نصح العسل” أي “صفاه”. عسل ناصح أي صافي، أي لا غش فيه.
  2. الثاني: وتقول العرب: “نصح الثوب” أي “خاطه ورقعه”.

​إذًا عندنا النصح ينطبق على أمرين:

    1. المرادف للإخلاص.
    2. المرادف للإصلاح.

​طيب إذا قلنا: “النصيحة لله، ولكتابه، ولرسوله”، أي معنى يؤخذ؟ الأول.

وإذا قلنا إن النصح معناه ترقيع الثوب وخياطته، يكون هذا ينطبق على نصح لأئمة المسلمين وعامتهم. فهمتم؟

​وهذا يغنينا عن قول من قال من أهل العلم: “نصح العبد لله هو لنفسه، لأن الله غني عنه”. هذا حق، لكن ليس هنا الأولى كالنصيحة الثانية.

​ولهذا يا إخوة، وقال بعض أهل العلم وهذه عبارة دقيقة: قال: “النصيحة معناها جماع تفسير النصيحة”، قال: “هي عناية القلب للمنصوح”. وهنا لا تفرق ما بين: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم. فهمتم ولا لا؟ لأن أنت الأصل في أنك تنصح إنسانًا يحتاج إلى نصيحتك. أنت تنصح لله. الله غني عنك، يكون بالمعنى هذا أن النصح هو جمع القلب للمنصوح له.

​فإذا كان معبودًا بعبادته، وإذا كان بشرًا بنصحه، نصحه أي بالسعي في إصلاحه.

​ولذا قال ابن الملقن، رحمه الله تعالى، قال لما تكلم على المعنى اللغوي في خياطة الثوب قال: “فيكون الناصح لأخيه يلم شَعَثَهُ ويَضُمّه، كما تَضُمُّ الإبرةُ خَرْقَ الثوب”. وهذا الثاني يا إخوة مرتبط بالمعنى الأول. ليش؟ من الذي يرجو ثواب الله يوم القيامة؟ الذي نصح للناس حبًّا في إرضاء رب الناس، وهذا لا يكون إلا بالإخلاص. إذًا معنى النصح يا إخوة من جهة اللغة، المعنى الأول مرتبط بالمعنى الثاني، ولا يتم الخير للعبد إلا بمجموعهما. فهمتم؟

​ولهذا تفهم هنا دقة التعبير العربي وتفهم فصاحة النبي صلى الله عليه وسلم، بأنه عبر عن الدين كله في كلمتين اثنتين. قال: (الدين النصيحة).

​وهذا الكلام يا إخوة لم تكن تعرفه العرب، كما قالوا: “أجمع كلمة في الخير هي الفلاح”. هذه كلمة لم تكن تعرفها العرب، وذكرت لكم في القرآن نظائر، والقرآن أبلغ وأعظم. فإن الله تعالى قال: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [سورة البقرة: 179]. العرب كانوا يقولون: “القتل أَمْثَلُ لِلْقَتْل”. كلمة فيها تكرار وليست بقوة معنى قول الله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ)؛ إذ ليس المراد أصل القتل، وإنما المراد إحياء الناس. تقتل واحد، تحيي آلافًا بالملايين، واضح؟

​إذاً، هنا وهذا نبه عليه أهل البلاغة والمجاز في من تكلم في إعجاز القرآن اللفظي، قالوا: لو تأملت براعة كلام النبي صلى الله عليه وسلم لوجدت أن كلام النبي صلى الله عليه وسلم يفوق العرب. واضح؟ وإذا تأملت كلام القرآن، تجد أن براعة القرآن أعظم بكثير من كلام السنة النبوية. قالوا: ولهذا لا يمكن أن يكون شخص واحد يخرج نوعين من الكلام على هذا الاختلاف. لو كان النبي صلى الله عليه وسلم الكلام من كيسه، كان كل مرة تأتي بعض الألفاظ تشابه الذي قاله. لكن من قرأ لفظًا علم أن هذا قرآن وأن هذا سنة. فهمتم ولا لا؟

أهمية النصيحة وتأكيدها

​قال هنا النبي صلى الله عليه وسلم: (النصيحة). قال هنا: هذه كلمة جامعة تدل على أهمية النصيحة في الدين، وأنها أساسه وعماده، ويدخل تحتها ما ذكر في الإسلام والإيمان والإحسان.

​وجاء في مستخرج أبي عَوَانة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدين النصيحة)، كررها ثلاثًا. وإذا كرر النبي صلى الله عليه وسلم، إنما يكرر ذلك للتأكيد.

​قال الصحابة: (قلنا: لمن؟). إذًا الصحابة لم يسكتوا على هذه الكلمة. ليش؟ لم يكن الصحابة يسألون يا إخوة لمجرد السؤال، ولما سألوا هنا لم يَنْهَرْهُم النبي صلى الله عليه وسلم، بخلاف الذي لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله كتب عليكم الحج فحُجُّوا). قال رجل: “أفي كل عام يا رسول الله؟” ولهذا كان نفسه ينهى عن المسائل التي ربما لو سُئِلَ عنها لأفتى أو لتكلم، ففُرِضَ ذلك الأمر. ولهذا في الحديث الصحيح: (أشد الناس جُرْمًا من سأل عن أمر لم يُحَرَّم، فُحُرِّمَ من أجل مسألته). وسيأتي معنا إن شاء الله تعالى في الأربعين: (إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم).

​إذًا قول الصحابة هنا رضي الله عنهم: (لمن؟) هي كلمة حق. ليش؟ لأن (الدين النصيحة) كلمة عامة، فهم الآن الصحابة معناها اللغوي، لكن النصح هذا لمن يكون؟ هل يكون للناس فقط؟ أم يكون للخالق والمخلوق؟ فبين لهم النبي صلى الله عليه وسلم هنا، فقال: (لله، ولكتابه).

​قال الفاكهاني المالكي رحمه الله تعالى في “النهج المبين في شرح الأربعين”: قال: “وقول الصحابة هنا: لمن؟ قال: يُستفاد منه أنه لا يَلْزَمُ العالم استقصاء المبالغة في البيان لكل ما يُلقى من الأحكام، ولكن إذا سمعها المتعلم، فإما أن يجد فيها إشكالًا فيستفتي، وإلا إذا لم يجد إشكالًا لا تحتاج جوابًا، وإذا وجد إشكالًا سأل، وإذا سأل المنتبه وجاءه الجواب، كان الجواب أوقع في صدره وأحفظ وأبلغ في فهمه”. فهمتم هذا ولا لا؟ النبي صلى الله عليه وسلم كان يستطيع من البداية يقول: (الدين النصيحة لله ولكتابه). لا. هو قال: (الدين النصيحة)، قال الصحابة: (لمن؟)، أجاب النبي صلى الله عليه وسلم. إذا سألتك سؤالًا وأجبتني عنه، سأكون منتبهًا لذلك الجواب، بخلاف لو أنك سَرَدْتَ لي كل الأحكام جملة واحدة. ولهذا جاء جبريل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يجيب، حتى استفاد الصحابة ونُقِلَ لنا ذلك الحديث العظيم.

أولًا: النصح لله تعالى

​قالوا هنا: (لله). فبدأ بـالنصح لله. والنصح لله المقصود به: الصدق والإخلاص مع الله. هذا جماعُه.

​ولا يكون ذلك إلا بـتوحيد الله. وتوحيد الله تعالى يكون:

      1. بإفراده في ربوبيته بأنه هو الخالق الرازق المدبر. إذا علمت ذلك، فلا ينبغي لك أن تصرف العبادة إلا لإله واحد لا شريك له. وآفة المشركين أنهم أقروا بالأول وأنكروا الثاني. قالوا: (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) [سورة ص: 5]. (إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ (36) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ) [سورة الصافات: 35-37].
      2. ​ثم بتوحيده في عبادته.
      3. ​ثالثًا: بأن تثبت لله تعالى الأسماء الحسنى والصفات العلى على الوجه التام اللائق به. تثبت اللفظ والمعنى.

​فإذا قرأت في كتاب الله تعالى بأن الله حكيم، تعلم بأن اسمه الحكيم، ومن صفاته الحكمة والإحكام والحكم، وتتعبد لله تعالى بهذا الاسم. فإنك لا يمكن أن تكون مؤمنًا باسم تعالى الحكيم، ثم تأتي وتستدرك على الشرع، وتقول: “هذا الأمر الذي فرضه الله علينا لا أعلم ما الحكمة فيه”، ليس على وجه السؤال بل على وجه الاعتراض. كما قال إبليس: قال: (لَمْ أَسْجُدْ). ليش؟ قال: (أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61) قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ) [سورة الإسراء: 61-62]. فاستعظم إبليس بجهله وتكبره حكمة الله في أمر من هو أفضل منه وهم الملائكة، بالسجود لآدم، فعصى ربه ورجمه الله تعالى لعنه إلى يوم الدين.

​إذًا لا بد من توحيد الله جل وعلا في كل هذه الأمور. ولا بد أن يُنَزَّه الله جل جلاله عما يضاد ذلك. لا كما ضَرَبت له النصارى مثلًا: الابن أو ضَرَبوا له: الصاحبة. قال المشركون: إن الملائكة بنات الرحمن. كل هذا من التناقص. أو كما قال المعتزلة والجهمية ومن نَحَا نحوهم: “الله موجود ولكن لا صفة له”. فهمتم؟ هذا لا يمكن أن يكون لائقًا بالله تعالى.

​كما قال بعض السلف: “لو قلت لك: في الدار نخلة. قلت لي: كم طولها؟ قلت: ليس لها طول. كم عرضها؟ ليس لها عرض. هل فيها جريد؟ لا. هل فيها كذا؟ لا. هل فيها ثمر؟ لا. قال: ما في ذلكم نخلة. لا يمكن”. أنت لو قلت لك: “صِف لي العدم”، ما كنت لتصفه بأحسن من هذا.

​ولهذا قال الأئمة:

      • “من عطل الله تعالى عن أوصافه فإنما يعبد عدمًا”.
      • “ومن شَبَّه الله بخلقه وبالمخلوقين فإنما يعبد صنمًا”.
      • “ومن وَحَّدَ الله تعالى وأثبت صفاته على الوجه اللائق به فإنه يعبد إلهًا: \text{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}. [سورة الشورى: 11].

​ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله تعالى في النونية:

​**”لسنا نُشَبِّهُ وصفه بصفاتنا ** إن المشبه عابد الصلبان

كلًا ولا نُخْلِيه من أوصافه ** إن المعطِّل عابد بهتان”

**”من عطل الله العظيم **ومن شبه الله العظيم بخلقه فهو النسيب لمشرك نصراني”

**”أو عطل الرحمن عن أوصافه فهو الكفور وليس ذا إيمانه”

​لا يمكن أن يكون مؤمنًا من قال: (لله) على هذا الوجه، فإنه لم ينصح لله.

​ومن النصح لله: اجتناب معاصيه والقيام بطاعته ومحبة كل طريق يؤدي إلى محبته وبغض كل طريق يصد عن طاعته. فلن تكون ناصحًا لله تعالى إلا إذا اتصفت بهذه الأمور. فإذا قصرت، قلَّ نُصْحُك. العاصي ليس ناصحًا لله، والمبتدع ليس ناصحًا لله، والمشرك بعيد جدًا عن النصيحة لله، إلى غير ذلك من الأمور. بل كل ذلك يدخل في النصح لله تعالى.

ثانيًا: النصح لكتابه

​ثم قال: (ولكتابه). كيف النصح لكتابه؟

​النصح لكتابه، كما قال ابن الصلاح رحمه الله تعالى، هو: الإيمان به، وتعظيمه، وتنزيهه، وتلاوته حق تلاوته، والوقوف مع أوامره ونواهيه، وتفهم علومه وأمثاله، وتدبر آياته، والدعاء إليه، وذبّ تحريف الغالين وطعن الملحدين عنه، إلى غير ذلك.

​إذًا لن تكون ناصحًا لكتاب الله حتى تؤمن به، وحتى تؤمن بأنه كتاب الله تعالى الذي تكلم به، فسمعه جبريل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. لن تكون ناصحًا لكتاب الله تعالى حتى تعلم أن هذا القرآن محفوظ، وليس بين دفتيه من البسملة فالفاتحة إلى الناس إلا الحق. ليس في القرآن إلا الحق. فمن قرأ القرآن على وجه الاعتراض، سينكب على أم وجهه.

​ولهذا الله تعالى قال في أهل الباطل قال: (وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى) [سورة فصلت: 44]. يعني هذا القرآن الذي أنزله الله هداية للناس، قال: (هُدًى لِّلنَّاسِ)، جعله الله تعالى على أهل الغواية عمًى، جعله عمًى؛ لأنهم زائغون ولم يقرأوا القرآن طلبًا للحق، وإنما قرأوا القرآن طلبًا للاعتراض.

​ولهذا بعض الناس يقوم بالرقية بالقرآن يقول: “جربتها”. أنت إذا رقيت نفسك على سبيل التجربة، فلا شفاك الله تعالى. كما قال ابن القيم: “من لم يشْفِه القرآن، ومن لم يكْفِه القرآن، فلا كفاه الله”. أنتم؟ بعض الناس يقول: “سأحاول الرقية”. أنت إذا كنت غير مخلص وغير صادق بأن الرقية من كلام الله وهي سبب قد ينفع الله به، فهذا لا تنفعك الرقية، واضح؟ يعني دين الله تعالى صار دين تجارب. هذا حال المنافقين، الذين لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر أصحابه بالفوز في معركة الأحزاب، قالوا: (مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا) [سورة الأحزاب: 12].

​يعني النبي صلى الله عليه وسلم في أحلك الأوقات، وسيأتي إن شاء الله معنا هذا في السيرة النبوية، يضرب الصخرة تضيء نوره فيقول: (رأيت كنوز كسرى عندنا). فهمتم؟ هذا في تلك اللحظة لا يصدق به إلا قلب صادق. هو مُحَاصَر أصلًا من الشمال والجنوب في أصعب أوقات الضيق، وقد وصفه الله تعالى: (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ) [سورة الأحزاب: 10-11]. وصف دقيق، نعم. وصف دقيق.

​قال الصحابي: قال: “جاء القرآن بتوصيف حالتنا على أعظم وصف”. أنت مُحَاصَر في كل لحظة يمكن أن تموت. شرقًا، يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويضرب صخرة ويقول ويضيء منها نور، يقول: (رأيت كنوز كذا فُتِحَتْ لنا). الصحابة صدقوا ولم يترددوا. يأتي المنافقون وقالوا: “هذا مُحَاصَر ويتكلم على كنوز كسرى”. هذه كانت متى يا إخوة؟ الخندق متى؟ السادسة للهجرة. متى فُتِحَت القادسية؟ الخامسة عشر للهجرة. تسع سنوات بعد ذلك كانت كنوز كسرى عند عمر بن الخطاب. سنوات، سنوات فقط، ليست مئة سنة ومئتين سنة. تسع سنوات تحقق الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم.

​بعض الناس الآن يقرأ آيات في القرآن أو بعض قصص الأنبياء ويستعظمها. أنت إذا كنت غير مصدق بالقرآن، لا ينفعك القرآن. فهمتم؟

​إذًا لا يمكن أن تكون ناصحًا لكتاب الله تعالى حتى تؤمن به حق الإيمان. ثم إذا آمنت به، لا بد أن تكون ممن يتلو كتاب الله تعالى. يعني تميم الداري روى هذا الحديث كان يختم القرآن في ركعة! من الذي روى حديث: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه؟) عثمان بن عفان رضي الله عنه في البخاري. طيب عثمان كان يختم القرآن في ركعة! هنا تفهمون بأن الصحابة يا إخوة لم يكونوا مثلنا. يقرأون العلم ويمرونه على اللسان، وليس للقلب فيه نصيب إلا من رحم الله. تميم الداري روى هذا الحديث، كان ناصحًا لكتاب الله تعالى. عثمان بن عفان روى هذا الحديث، وكان ناصحًا لكتاب الله تعالى، بل كان يقرأه في ليلة. ورُوي بأنه لما قتله الخوارج، أصاب دمه آيات البقرة: (فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ۚ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) [سورة البقرة: 137]. وقد كفى الله تعالى عثمان من قتله واحدًا واحدًا.

​روى هذا الحديث عن عثمان أبو عبد الرحمن، قال في آخر الحديث: “وهذا الذي أقعدني مقامي هذا”. كم سنة؟ أربعين سنة أو أكثر. أربعين، أحسنت. أربعين سنة يعلِّم القرآن بسبب حديث رواه. رواه عن عثمان: (خيركم من تعلم القرآن وعلمه).

​إذاً، لا بد يا إخوة أن نكون نعيش مع كلام الله جل جلاله. اليوم الذي يمر عليك ليس لك في كتاب الله تعالى نصيب، فهو يوم ناقص من عمرك. (وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَٰنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) [سورة الزخرف: 36].

​لا يمكن أن تترك كلام الله تعالى. إن عجزت عنه لفظًا، فلا تعجز عنه سماعًا. لا يوصي واحد فيكم يقول لي: “ليس عنده وقت ليقرأ القرآن”. طيب تعذر عليك لعذر، في سيارتك تسمع شيء من كتاب الله. أما أن يمر عليك يوم ليس لك بكلام الله تعالى أي صلة، فهذا إذا كان عارضًا، فيُرجَى لك التوفيق بعدها، وإذا كان مُتَعَمَّدًا، فيُخشى على قلبك من الموت والهلاك. أنتم؟ ولهذا جاءت أحاديث في تَوَعُّدِ من حفظ القرآن ونَسِيَه. قد اختلف أهل العلم في معناه، والأقرب أن من نسيه انشغالًا بالدنيا عنه. وليس مطلقًا نسيان. ونعرف من كان يحفظ ومُنكِبًّا على كلام الله تعالى في الليل والنهار، حتى تراه مع الأيام يقلل من ذلك. الناس تزيد وينقص. ولهذا بعض الناس كان يقرأ قبل رمضان جزئين أو جزء، جاء رمضان يقرأ في اليوم ثلاثة وأربعة، بل ربما ستة أجزاء في اليوم، ثم بعد رمضان يصبح يُهْجَر.

أنت لا يمكن أن تبقى على ما كنت عليه في رمضان؛ لأن رمضان فيه إعانة خاصة وغير ذلك. لكن لا ينبغي لك أن تعود أقل من الحال الذي كنت عليه قبل رمضان. يعني جاء رمضان لك حتى تتأخر! من كان على هذه الحال يا إخوة، يسأل نفسه: “هل صمت رمضان بصدق وإخلاص أم لا؟” ولهذا من حكمة صيام شوال أن من ثواب الطاعة الطاعة بعدها. وكذلك القرآن. أقل شيء أن تعود إلى المستوى الذي كنت عليه قبل رمضان. أما أنك تترك كلام الله تعالى، أنا أقول لكم هذا أمرًا وكررته: لا أعلم طالب علم واحد وُفِّقَ في العلم وليس له في كلام الله تعالى نصيب. وأبغض من يتكلم في العلم وبعيد عن القرآن حفظًا وتلاوة. ونقول لكم: لن يفلح. ونعلم من رأيناه وكان فيه شَرَهُ ونَهَم في العلم وليس له في كتاب الله تعالى حظ ولا نصيب، مع الأيام لا تراه إلا ضعيفًا في العلم ولا يفلح أبدًا.

​إذًا لا يمكن أن تكون موفقًا إلا إذا نصحت لله ثم نصحت كتابه.

​ومن النصح لكتاب الله تعالى يا إخوة -والكلام يطول- الرد على مطاعن الجاهلين في كلام الله تعالى. قد ابتلينا الآن، تعرفون الناس الآن يصعب عليهم أن يسمعوا درسًا في ساعة. أنتم أنفسكم إذا لم تكونوا حاضرين هنا، درس تسمعه في ساعة صعب، صار كالجبال. قبل كانت الناس تسمع محاضرات ساعتين ولا يضرهم. الآن صار زمن السرعة في كل شيء. فبعض الناس فَهِم هذه الطريقة العصرية في إيصال المعلومة. يسجلون مقطع خمس دقائق، أربع دقائق، دقائق. وبعضهم ماكينة تشتغل في تحريف كتاب الله تعالى. فظهر لنا في السنوات الأخيرة مفسرون جدد يأتوننا بدين جديد. الثوابت التي عاش عليها أجدادنا على قلة علومهم، يأتي هؤلاء ويزعزعونها. فرأينا من يفسر القرآن بـالفيزياء، ومن يفسر القرآن بـالرياضيات، ومن يجعل ربه، ثم يُسَيِّحُ كلام الله تعالى كما يريد في سبيل الجري وراء هذا، حتى رأيت أحدهم يثبت أن عذاب القبر غير موجود ويعمل بعملية حسابية: مثلث ومربع ويخطط هكذا، وهو كالذي تكلم عنه النبي صلى الله عليه وسلم من (ضرب بالخط). فهمتم؟ هذا كاهن من الكهنة، لكن الكهنة إما أن يتكلموا أو أن يخطوا.

​حتى مرة قريبة امرأة كبيرة من عائلتي أرسلت لي مقطعًا، رجل هذا وهو رجل خبيث ينكر عذاب القبر بهذا الكلام. امرأة كبيرة كادت أن تفتتن بهذا الضال. ثم يسوق له بعض الجماعات الحزبية لما رأوا أن عنده أتباع كُثُر. أنا قلت لكم: الكثرة ليست دليلًا يا إخوة؛ لأن من يأتيك ويقول: “فلان على الحق لأن أتباعه كثير”، يقال: إذًا الديانة البوذية ديانة حق، مليارات! طيب، لا نبالي. نقول: مئات الملايين في العالم. الذي يأتي ويستدل على أن هذا على الحق؛ لأن أتباعه كثر، ولأنه في اليوتيوب يراه مئات الآلاف، بل ربما الملايين، هذا رجل جاهل؛ لأن الدليل هو الشرع وليس القدر. أنتم؟ الدليل هو الشرع ليس القدر أنه كثر أتباعه، فقد يكون هلاكًا له ووِزْرًا له، وليس جديدًا. طيب إذا كانت الكثرة دليل؟ في الصحيحين: يأتي النبي وليس معه من يتبعه. يقول: هذا ليس على الحق! ولا واحد! نوح عليه السلام لبث في قومه: (أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا) [سورة العنكبوت: 14]. بعض الروايات أربعين، بعضها ثمانين. هَبْ أنها مليون، تُعتبر شيئًا باعتبار السنوات التي مكث يدعو فيها. وهو أول رسول على وجه الأرض، ولم يتبعه إلا الأغنياء، بل اتبعه الضعفاء: (وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ) [سورة هود: 27].

​إذاً، لا يمكن أن تكون ناصحًا لكتاب الله تعالى إلا وأنت ذابٌّ عن كلام الله تعالى. لكن من الذي يذب عن القرآن؟ من شَرِبَ قلبه معاني القرآن. وإلا من كان جاهلًا فليسكت. بعض الناس بحماسه وطيبته يريد أن يدافع، فيفسد أكثر مما يصلح.

ولا تخف على الدين، فإن الدين… وإنما خف على نفسك أنت ألا تموت على هذا الدين. بعض الناس يقول: “الدين ضائع”. أنت ضائع. الدين لن يضيع، لكن العبرة: من الذي سينصر الدين؟ (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا) [سورة غافر: 51]. الدين منصور.

​ولهذا يقول ابن القيم في النونية:

“والدين منصور ومُمْتَحَنٌ فلا ** تعجب فهذه سنة الرحمن”

​ونختم قبل المرور إلى ما بعده: ومن النصح لكتاب الله تعالى: تدبر معانيه. فإنك لا يمكن أن تتمتع بالقرآن وأنت لا تتدبر معانيه. وإذا قلت لكم: “تدبروا معانيه”، أمركم بـالغاية، والغاية لا بد لها من وسيلة، فإن الوسائل لها أحكام المقاصد. أي: عليكم بقراءة التفسير حتى تتدبروا. فإنك لا يمكن أن تتدبر كلامًا لم تفهم معناه. يعني مرة أحد الإخوة سألني قال: “دعوتنا لتدبر القرآن”. أنا إذا دعوتكم بتدبر القرآن، كما دعوتكم للصلاة. هل يعني هذا نصلّي بلا وضوء؟ الأمر بالشيء أمر بشرطه. يقول ناظم الورقات: “فالأمر بالصلاة بالطهارة أمر بشرطيتها المختارة”. فهمتم؟ والأمر بالتدبر أمر بقراءة التفسير وفهم كلام الله. فإذا فهمت، تدبرت.

​ولهذا يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى في “الواسطية”: “ومن تدبر القرآن طالبًا للهدى منه، أدرك طريق الحق”. لكن بشرطين:

      1. الأول: أن تتدبر.
      2. الثاني: أن تكون مخلصًا في تدبرك.

​وإلا الذين في قلوبهم زيغ، فيتبعون. قال تعالى: (فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ) [سورة آل عمران: 7]. أما للزائغ هذا يزيغ.

ثالثًا: النصح لرسوله صلى الله عليه وسلم

​قال هنا: (لله، ولكتابه، ولرسوله صلى الله عليه وسلم). النصح لرسوله يكون بعدة أمور:

      1. الأمر الأول: الإيمان به، وتصديقه، ومحبته، وتوقيره، وتبجيله، وإعظام سنته.
      2. ​وأن تُقَدِّمَ محبته على النفس والأهل والمال والولد.
      3. ​وأن تُحِبَّ أصحابه الذين نقلوا لنا سنته. فمن قال: “أنا أحب رسول الله”، وهو يسب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا كذاب.

​يعني النبي صلى الله عليه وسلم يغضب على الصحابة أنفسهم لما تكلموا في أبي بكر وقال: (هل أنتم تاركو لي صاحبي؟) وهو يخاطب من؟ يخاطب الصحابة. ما بالك بإنسان يأتي بعدهم بقرون يلعنهم، يحكم عليهم بالردة إلا نفر قليلًا! لا لله ولا لكتابه ولا لرسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

​إذاً، لا بد أن تكون للنبي صلى الله عليه وسلم مطيعًا له إذا أمر، منتهيًا عن نهيه إذا زجر، مصدقًا لكل أمر عنه كان قد أخبر، وإلا تعبد الله تعالى إلا على وَفْقِ سُنَّته. \text{فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}. [سورة الكهف: 110]. ما معنى صالحًا؟ السنة.

​قال تعالى: \text{لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}. [سورة هود: 7]. قال الفضيل بن عياض: “أحسنه أصوبه وأخلصه”. وتكلمنا عن البدعة وما إليها من إفاضة في حديث عائشة: (من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد)، فلا يحتاج تكرارًا.

​لكن الذي يعنيه أنك لن تكون ناصحًا للنبي صلى الله عليه وسلم حتى تقدم محبته وسنته وشرعته على كل شيء. حتى لما وجد النبي صلى الله عليه وسلم في يد عمر رضي الله عنه ورقات من التوراة، وجدها يوم خيبر، قال النبي صلى الله عليه وسلم -الأنبياء كلهم دين واحد وموسى أخي-: (هذه مُتَهَوِّكُونَ فيها أنتم يا ابن الخطاب). ما معنى متهوكون فيها؟ يعني شاكون، متحيرون. ما معنى متحيرون؟ لا تعلمون من أين تأخذون دينكم. لأن النبي صلى الله عليه وسلم إيش قال؟ (تركتكم على المحجة البيضاء). المحجة هي: الطريق، والبيضاء: الواضحة. قد تخطئ في الليل، نعم، لكن في النهار لا. الطريق واضح. ثم فسر النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ليلها كنهارها، أي لا يختلف أمرها، بل هو واحد). قال: (لا يزيغ عنها إلا هالك). ليش؟ لأنها واضحة بينة.

​فالواحد كن واحدًا في واحد، اعني: سبيل الحق والإيمان واحد فقط. يقول ابن القيم في أول “مدارج السالكين” وفي مواضيع أخرى: “يوم القيامة كل الأبواب مغلقة، وكل الطرق مسدودة، إلا طريقًا واحدًا هو طريق النبي صلى الله عليه وسلم”. واحد فقط. ليس لي ولا لكم سبيل إلى الجنة إلا عن طريق النبي صلى الله عليه وسلم. ليس لك أي طريقة. حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، لو كان موسى حيًّا). موسى كليم الله يا إخوة، واضح؟ خير خلق الله تعالى بعد النبي وإبراهيم، سلمه الله مباشرة. قال: (لو كان موسى حيًّا الآن)، لو موسى عليه السلام حي، بعضكم يذهب ويتبع موسى كليم الله، تضل ويدخل النار ولا يخرج منها؛ لأنه رَغِبَ عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم. أنتم؟

​ولهذا يقول القاضي عياض الـ… يقول:

​**”ومما زادني عزًّا وشرفًا ** وكِدْتُ بأَخْمَصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا

دُخُولي تحت قولك يا عبادي ** وأن صيَّرْتَ أحمدَ لي نبيَّا”

​بعض الناس يا إخوة ليس عنده تقديم لهذه النعمة؛ لأنك جئت من خير الأمم: \text{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}. [سورة آل عمران: 110]. نبيك أعظم نبي، وكتابك أعظم كتاب، ودينك وشريعتك هي أعظم شريعة. لماذا أنت دون غيرك؟ هذه نعمة جليلة تحتاج منك شكرًا لله تعالى في الصباح والمساء. وأعظم شكر: أن تكون متبعًا لهذه الشريعة، لا أن تكون خارجًا منها، ناكصًا على عَقِبَيك منها.

رابعًا: النصح لأئمة المسلمين

​ثم قال: (لله ولرسوله، ثم قال: ولأئمة المسلمين وعامتهم). ففرق النبي صلى الله عليه وسلم هنا بين أئمة المسلمين وعامتهم. والتفريق في اللفظ يدل على التفريق في المعنى. فدل على أن نُصْحَك لأئمة المسلمين شيء ونُصْحَك لعامة المسلمين شيء آخر.

​قال بعض أهل العلم: أئمة المسلمين المقصود بهم نوعان: العلماء والأمراء. وهم الذين يطلق عليهم أولو الأمر. هؤلاء يتولون الأمر العام، وهؤلاء يتولون أمر الإفتاء في الشريعة وغيرها. المفتي يُعَلِّم، والقاضي يُلْزِم، والحاكم يَحْكُم. أنتم؟ هؤلاء داخلون في كلمة أئمة المسلمين. لكن إذا أُطلِق اللفظ يدخل فيه الاثنين، ولكن في هذا المقام والله أعلم يدخل فيه بالأساس من هم على رأس المسلمين من حاكم أو ملك أو رئيس ونحوه.

​فقال النبي صلى الله عليه وسلم هنا في جملة النصيحة قال: (لأئمة المسلمين وعامتهم). ونصحهم يكون بعدة أمور:

      1. الأمر الأول: اعتقاد صحة ولايتهم إن كانت صحيحة. بعض الناس بالنسبة له كل حكومة الآن غير شرعية. أنتم؟ وهذا يجر بعضهم إلى الغلو في هذا الباب، كما يفعل بعض ما يسمون بـحزب التحرير، يجعلون الغاية من الخلق هي الخلافة. وعندهم ما يسمى بـالتفسير السياسي للدين. يجعل الدين كله من أجل الخلافة. لا. (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [سورة الذاريات: 56]. والخلافة وسيلة وليست غاية في نفسها؛ لأن المراد من الخلق يا إخوة أن يعبد الله، وهذا لا يتم إلا بإمام. فكان وجوده من باب الوسائل لا من باب المقاصد. فمن جعله غاية، عكس الأمور، ولهذا تراهم منحرفين في أبواب العقيدة ولا يضرهم ذلك، ولكنهم متشبثون بهذا الأمر، وهم منحرفون كما لا يخفى عليهم. إذًا أولًا: أن تعتقد صحة ولايتهم إن كانت ولاية صحيحة.
      2. ثانيًا: أن تحب لهم الخير. لماذا؟ لأنك إذا كنت تحب لهم الشر، إذا جاء شرهم، شرهم هو شرك أنت. أنتم؟ لأن الحاكم إذا فَسَدَ أضر بك أنت الأول. إذا صَلُحَ، صَلُحَت البلاد. وصلاحك أنت يؤثر في صلاح حاكمك، وصلاح حاكمك يؤثر في صلاحك أنت. ولهذا يقول شيخ الإسلام في “السياسة الشرعية”: يقول: “وأحوال البلاد كأحوال العباد”. نفس الحال، صِفْ هذا صِفْة الآخرة. فإذا كان الناس يسرقون في أسواقهم، يُسَلِّط الله عليهم من يسرق أموالهم. كما قال عمر بن عبد العزيز: “الحاكم كالسوق، إذا أنفق فيه الخير أجيد الخير، وإذا أُنفِقَت فيه السلع المغشوشة، كل واحد سيشتري سلعًا مغشوشة”؛ لأن البضاعة التي تُجْلَبُ هي التي ستُبَاعُ وتُشْتَرَى. إذًا لا بد أن تعتقد صحة ولايته وأن تحب له الخير.
      3. ​وأن تناصحه إن كنت ممن يستطيع نصحه. وليس النصح: تويتر وفيسبوك، وكل الناس أبطال. وبعضهم يحكم كل يوم: “أنا أرى أن تنزع الوزير الفلاني وتحط كذا”. كأنه يتكلم عن تشكيلة كرة قدم، ليس الأمر! ولهذا بعضهم كان كثير الثرثرة قبل أن يدخل الحكم، لما دخل الحكم سَكَتَ. أن الواقع أليم جدًا، الواقع صعب. وليس الحكم بين الناس يا إخوة تشريفًا، وإنما هو تكليف.

​ولهذا البارحة كنت أقرأ في سيرة عمر رضي الله عنه. سيرته رضي الله عنه في هذا الزمن كسيرة غيره من الصحابة، لكن في هذا الباب خاصة؛ لأنه طال حكمه ودام أكثر من عشر سنوات. إذا رأيت العبء الذي كان على عمر، تفهم حجم المسؤولية. حتى لما طُعِنَ وكان الناس يدخلون عليه ويقولون له: “صحبت النبي صلى الله عليه وسلم فأحسنت، وأبا بكر فأحسنت، وحكمت فعدلت، فأَمِنْتَ وأَمِنَ الناس”. كان يقول: “وددت لو أني خرجت منها كَفَافًا”. ما معنى؟ قال: “لا لي ولا علي”. ثم لما كان علي رضي الله عنه -وهو من هو- يعاتبه على ما في نفسه، يقول: “أتقف مكاني يا علي يوم القيامة؟” قال: “لا”. إذًا قال: “خليني بما أني أنا الذي سيقف”. ورُوي عنه: “لو عثرت بَغْلَة بالعراق لَخِفْتُ أن يسأل الله عنها عمر يوم القيامة”. عمر لن يعود، وليس في الأمة مثل عمر. لكن \text{فَتَشَبَّهُوا إِنْ لَمْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ * إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالكِرَامِ فَلاحُ}.

​إذا رأيت كيف كان عمر يتعامل مع تلك المسئولية التي لم يطلبها، وإنما أعطاه إياها أبو بكر. ولما حضرت أبا بكر الوفاة، قالوا له: “كيف تعطي الأمر لعمر وهو غليظ؟” قال أبو بكر: “لو سألني الله تعالى: لماذا أعطيت عمر؟ أقول لهم: أعطيته لخير الناس بعدي”. أن لم يكن أبو بكر يشك طرفة عين بأن أفضل الناس بعده هو عمر. وحكم عشر سنوات. عشر سنوات يا إخوة، ليس شهر شهرين. سنوات يحكم ولا يأتي واحد من الأمة يقول: “ظلمني عمر”. بل العِلْجُ الذي قتله، قتله ظلمًا وزورًا؛ لأن عمر أحسن إليه. ومع هذا قتله “الكلب”، كما قال عمر: “قتلني الكلب”. فهمتم؟ لأنه أحسن إليه ولكنه غَدَرَ تلك اليد التي أطعمته.

​إذًا النصح لهم يكون بهذه الأمور. ثم من النصح لهم يا إخوة: طاعتهم في المعروف. ومن النصح لهم: عدم طاعتهم في المنكر. فإذا أمرك الحاكم بأمر فيه شر، فلا يجب عليك بل يحرم عليك أن تطيعه في ذلك الأمر. ولهذا لما أمر أمير الجيش بعض الصحابة الذين كانوا معه قال: “احفروا حفرة من النار والقوا أنفسكم فيها”. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لو دخلتموها ما خرجتم منها)؛ لأن الطاعة إنما تكون في معروف.

​ولهذا بعض الناس إيش يقول؟ يقول: “أنتم يا فلان” ويسمي هذا المنهج الذي هو لا يرتضيه. يقول: “تقولون نطيع الحاكم في كل شيء”. أقسم بالله العظيم بأنه كذاب. ولا أعلم أحدًا من أهل السنة والجماعة ممن تحقق بعقيدتهم يقول: “يُطَاعُ الحاكم بإطلاق”. لا يمكن أن يقول هذا حتى ضعيف المسلمين. إذًا هذا من الكذب والافتراء. ولهذا لا تقوم لهم قائمة؛ لأنهم لا يعدلون مع أصولهم. أنتم؟ ولا واحد من أهل السنة يقول: “أطيعوا”. لكن إذا أمر بمعصية لا يُسْمَعُ له ولا يُطَاعُ في ذلك الأمر. ولكن فيما سوى ذلك يُسْمَعُ ويُطَاعُ. فليس أمره بمعصية في موضع مُجَوِّزٍ لك على أن تخلع إمامته من عنقك. ومن جَرَّبَ ذلك يا إخوة لم يجنِ إلا الحنظل. والحنظل أحسن. من لم يجنوا إلا الشوك مر فقط وشوك السَّعْدان، ولكنهم لا يعترفون.

      1. ​ثم من النصح لهم وهو تابع لما قبله: عدم الخروج عليه. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ولا نخرج حتى تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان). ولا بد أن يكون:
        • كفرًا.
        • ​ثانيًا: بواحًا.
        • ​ثالثًا: عندك أنت لا عند غيرك فيه برهان.

البرهان ما هو؟ إذا رأيت الشمس تراها، هكذا هو البرهان. أما إذا كنت تقول: “بلغني عن فلان أنه ربما قال”، والذي قال: “أمر مختلف فيه”. هذه عقبات بعيدة تجعل بينك وبين الحكم عليه بالتكفير مسافة كبيرة.

​طيب هب أنه قال كفرًا صُراحًا لا يشك فيه اثنان. اختلف أهل العلم: هل إذا صدر منه كفر أكبر؟ وأفتى بذلك أهل الحل والعقد -ليس جهال المسلمين وأبطال الفيسبوك-. إذا صدر منه هذا، اختلف أهل العلم على قولين:

      • ​قال بعضهم: يجب حينها الخروج عليه.
      • ​وقال بعضهم: يجوز ولا يجب حينها الخروج عليه.

​اترك قول الجواز وخذ قول الوجوب؛ لأن بعض الناس يقول: “بعض أئمة السنة قال بالوجوب”. طيب الصلاة واجبة، \text{وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} [سورة البقرة: 238]. من صلى في فريضة جالسًا مع القدرة على القيام، صلاته صحيحة؟ لا. طيب من كان عاجزًا عن القيام، كيف يصلي؟ ومن كان عاجزًا عن القعود، صلى على جنب. بالرغم من أنه واجب. إذًا الواجب يسقط ويتغير حاله بعدم القدرة. ولا الصيام، هذا ركن من أركان الإسلام. طيب من لم يستطع الصيام؟ \text{فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ}. [سورة البقرة: 184]. الحج، من لم يستطع يحج؟ لا يحج. والزكاة كذلك. فإذا كانت مباني الإسلام العظام تسقط على اختلاف -الصلاة تبقى على قلة- لعدم قدرة، فما بالكم بالخروج على حاكم كافر؟ يسقط من عدم القدرة. ولا القول بالوجوب يا إخوة لا يشكل عليكم؛ لأن حتى لو كان واجبًا فإنه يسقط مع عدم القدرة. ومن قال: “عندي القدرة”، كذاب. عصابة من الناس يجمعها في بيت وبيتين ستقاوم حكومة! وما رأينا عبر التاريخ القديم والحديث من فعل هذا، إلا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “لم يُبْقُوا على لم يقيموا دينًا ولم يُبْقُوا على دنيا”. شجر مطر. وضيَّعوا الناس معهم شجر مطر وبقي هذا الحاكم، فإن ذهبت، جاء ما هو شر منه؛ لأنهم لم يفهموا الباري في تغيير الخلق، وأن أعمالكم عُمَّالكم. وأن الله تعالى كما قال ابن القيم: “لا أن يُسَلِّط” -في عصر ابن القيم في القرن الثامن- “علينا مثل أبي بكر وعمر”.

​البعض على علي قالوا له: “أنت وعثمان لم تسيروا فينا سيرة أبي بكر وعمر”. قال: “عثمان لما كان أبو بكر وعمر يحكمان، كنت أنا وعثمان الرعية، فلما كان عثمان وعلي، هم الرعية”. كان الراعي أبو بكر وعمر، لكن تأتي الرعية فيها من الشرك وفيها من الفسق، وخير قليل جدًا مع شر عظيم. حكمة الله تعالى: لا يسلط عليك إلا من كان هو من جنس أعمالنا.

خامسًا: النصح لعامة المسلمين

​قال: (لأئمة المسلمين وعامتهم). فكما نصح لعامة لأئمة المسلمين، لا بد أن تنصح لـعامة المسلمين. وقول النبي صلى الله عليه وسلم هنا فرَّق بين اللفظين للتفريق بين النصيحتين. ليست لعامة المسلمين تقول له: “اتق الله” أمامك أو ترسل له أو تكتب له أو تتكلم عنه إذا كان فاسقًا، كالنصح للحاكم.

​الحاكم النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كانت له نصيحة إلى حاكم فليؤدها فيما بينه وبينه). بعض الناس الآن يقول: “هذا كلام رجل ساذج”. هكذا يقول بعضهم. وقاله النبي صلى الله عليه وسلم. يقول: “هذا كلام ساذج لا قيمة له”. لأن من الآن يستطيع أن يتكلم في الحاكم؟ آه، من يستطيع أن ينصح الحاكم؟ يقال: إذا كان الصوم يسقط بعدم القدرة، فلأن تسقط النصيحة من باب عدم القدرة من باب أولى. بعض الناس يريد كل الواجبات يجد فيها الرخص، إلا هذا الواجب يريد أن يفعله أيًّا كان الأمر.

​ثم النصيحة ليست من كل أحد، إنما هي على أهل الحل والعقد. الناس الذين إذا تكلموا، سَمِعَهُم الحاكم. وليس إنسان يكتب التدوينات وراء لوحة المفاتيح لا يعلمه أحد ولا يعرفه أحد، إنما هو بطل وهمي كذاب. والناس ينساقون وراء كل ناعق.

​تأملوا ما وقع في الأسبوع الأخير أو العشرة الأيام الأخيرة من كيف أهل الباطل يُهَيِّجُون عامة الناس حتى ينكروا أصولًا مستقرة عندهم في عقيدتهم. تعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن من البيان لسحرًا). وتعلم أن الدجال إذا خرج تبعه أقوام من المسلمين. عطيني شيء قوية. الدجال أعور، بين عينيه كافر، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا عنه. لا. سيتبعه أقوام. ليش؟ لأن الفتن كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من استشرفها استشرفته). فسرت لكم: استشرفها. أنا جالس الآن سقط شيء، أفعل هكذا، شفتوا؟ الاستشراف. إذا طَلَّيْتَ على الفتنة، تخطفك على أم رأسك. ولهذا المؤمن العاقل أيها الإخوة، سيما في هذه الأزمان، لا يعدل بالسلامة شيئًا. دينك حافظ عليه، أهلك وأهل بيتك حافظ عليهم. ولهذا لما قيل لأبي هريرة: ما هي التقوى؟ قال: (أرأيتم إنسانًا يمشي على أرض شوك، كيف يمشي؟) يمشي يضع رِجْلًا ويفكر قبل أن يضع القدم الأخرى. ولهذا قال المُعتَز أو غيره:

​**”خَلِّ الذنوب صغيرها وكبيرها ذاك التقى ** وَامْشِ كَرَاكِبٍ فَوْقَ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى

لَا تَحْقِرَنَّ صَغِيرَةً إِنَّ الجِبَالَ مِنَ الحَصَى”

 

​فهمتم؟ إذًا النصح لعامة المسلمين غير النصح لأئمة المسلمين.

​أما عامة المسلمين، فلا بد من إرشادهم إلى كل خير، ولا بد من نهيهم عن كل شر. وأعظم خير هو أن تُعَلِّمهم التوحيد. وأعظم شر هو أن تكون سببًا لهم في الشرك، وأن تغويهم وأن تضلهم في عقيدتهم. لأن لو سقط المسلم في الزنا ومات على الزنا، إما أن يُعَذَّب وإما أن يُعْفَى عنه. لو سقط في الشرك الأكبر، حَلٌّ واحد وهو: \text{نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى}. [سورة الليل: 14-16]. فهمتم؟

​ولهذا لا يمكن أن تكون ناصحًا للمسلمين وأنت لا تهتم بعقيدتهم، ولا تهتم بما يسوء المسلمين. ولهذا الله تعالى قال -وذكرت لكم هذا مرة أو مرتين-: \text{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا ۙ فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) إِنَّ إِلَٰهَكُمْ لَوَاحِدٌ ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ}. [سورة البقرة: 159-163]. قال القرطبي: “ذكر خطر كتمان الدين، ثم ذكر التوحيد”: \text{لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ}. قال: “فدل على أن أخطر شيء يكتمه الناس هو التوحيد”. ولهذا في الصفحة التي بعدها قال: \text{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ} [سورة البقرة: 164]. قال القرطبي: “فدلل بعدها على آيات تدل على التوحيد”. فهمتم؟ يعني إذا كنت عندك شك، تأمل: الذي خلق وبَرَأَ هو الذي يستحق العبادة. إذا علمت أن الله يستحق العبادة، فلا ينبغي لك أن تكتم هذا الأمر. اكتم كل شيء في الدين، وهو ذنب، لكن إياك أن تكتم توحيد الله تعالى.

​بعضكم يقول: “كيف يكتم توحيد الله تعالى؟” بعض الناس يسمع الناس عنده ويحلفون بغير الله ولا يتكلم. ويعلم من أقاربه من يذهب للسحرة والكهنة والعرافين ولا يتكلم، بل بعضهم ربما فتح الجريدة وقرأ الأبراج ولا يتأثر ولا يتغير. وبعضهم إذا سمع بمقهى بملهى ليلي فُتِحَ في بعض ديار المسلمين، قال: “لا حول ولا قوة إلا بالله”. وحُقَّ له. لكن إذا سمع بقبر يُعْبَد وزاوية تُزار ويُعَظَّم فيها غير الله، لم يتحرك قلبه. الشكل من الخلل وعدم المنهج السَّوِيّ في فهم هذا الدين.

​أظن دخل الوقت. فقط نكمل فوائد الحديث في دقيقة إن شاء الله تعالى.

​إذا قال: (لأئمة المسلمين وعامتهم). وهناك أمور أخرى ستأتي معنا إن شاء الله تعالى في الأحاديث. فقط أمر من النصح لعامة المسلمين أيضًا يا إخوة: الاهتمام بما يهم المسلمين. لأن بعض الإخوة يهرب من تأجيج العواطف عن طريق بعض الحركيين والمنحرفين.

      • ​والحركيون نسبة إلى الحركة؛ أي أنهم يحركون الناس لغاية عندهم.
      • ​وهذا اللفظ والمتحزبون هم الذين يتحزبون على طائفة أو جماعة أو رئيس على طريق يخالف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم.

​بعض الناس يهرب من تأجيج العواطف الذي يفعله بعض المنحرفين، لكنه يقع في الطرف المقابل. إذا قُتِلَ المسلمون، لا يهتم. وإذا أُصِيبَ المسلمون، لا يهتم. ويقول: “هذا يهتم له فلان وفلان الذين يريدون أن يأخذوا أموال الناس، أو يريدون أن يقلبوا الدولة الفلانية”. ليس لأن الكلمة قالها مبطل، يجعلك أنت تترك الحق. لا. ليس لأن هناك في المسلمين من يصلي وهو منافق، أن نترك نحن الصلاة.

​ولهذا (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم). ليش؟ لأن المسلمين كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. فليس لأن فلانًا وفلانًا انحرف في باب من أبواب الدين، تأتي أنت وتترك هذا الباب من أبواب الدين. أهل السنة والجماعة كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “هم الذين يتبعون الحق ويرحمون الخلق”. فجمعوا بين إرضاء الخالق والنصح للمخلوق.

فوائد الحديث الختامية

​يستفاد من هذا الحديث عدة أمور ونختم بذلك:

      1. بيان عِظَم شأن النصيحة في الدين.
      2. بيان لمن تكون هذه النصيحة.
      3. تفصيل النصح لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين، وعامتهم.
      4. ​وأيضًا فيه حرص الصحابة على الخير. لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (الدين النصيحة)، قالوا: (لمن؟)، فأجاب النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء هذا الجواب العظيم.

​ويستفاد منه عدة أمور أخرى، ربما نرجئها إلى موطن آخر. نكتفي بهذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *