الدرس 14 من فقه الأربعين النووية – الصغير بن عمار

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

​وصلنا في الأربعين النووية بعد الكلام على حديث النصيحة، وصلنا إلى قول الحافظ النووي، رحمه الله تعالى:

«وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله تعالى)».

تخريج الحديث ونسبته

​رواه البخاري ومسلم. هذا الحديث قال فيه الحافظ النووي رحمه الله تعالى: «وعن ابن عمر رضي الله عنهما».

  • ابن عمر مرَّ معنا وقد ذكر له النووي هنا في الأربعين عدة أحاديث، فهو الذي روى حديث جبريل عن أبيه؛ لأن حديث جبريل عن عمر، لكن الذي رواه عن عمر هو ابنه ابن عمر.
  • ​وعندنا حديث «بُنِيَ الإسلام على خمس» أيضًا رواه ابن عمر.
  • ​وعندنا هذا الحديث «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا» إلى غير ذلك.

​وهذا يدل على عناية ابن عمر، رضي الله عنه، بأمرين:

  1. الأمر الأول: مطلق التحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بالرغم من صغر سنه، ولهذا يُعد ابن عمر من المكثرين من الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
  2. الأمر الثاني: كان كما نراه في هذه الأربعين يهتم بهذه الأمور العِظام، ولهذا روى هذه الأحاديث المتعلقة بمباني الإسلام الكبرى وهي: الصلاة والزكاة، وقبل ذلك الشهادتان، وغير ذلك من الأمور.

​فقال هنا: «وعن ابن عمر رضي الله عنهما»؛ لأنه صحابي ولأن والده أيضًا كذلك.

شرح ألفاظ الحديث

«أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم» هكذا اللفظ الذي ذكره النووي هنا. قال: «أمرت أن أقاتل الناس».

  • ​قوله: «أمرت» هنا مبني لما لم يُسمَّ فاعله. وإذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت»، فمن الآمر؟ الله تعالى.
  • ​إذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت»، فالآمر هو الله.
  • ​وإذا قال الصحابة: «أُمرنا»، فالأصل أن الآمر هو النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أفهمتم؟
  • ​إذًا، قول النبي صلى الله عليه وسلم هنا: «أمرت» أي: أمرني الله تعالى. ولماذا لم يسمِّ الفاعل؟ لظهوره، من الذي سيأمره؟ الله تعالى.
  • ​وهذا وارد في القرآن: قال تعالى: {وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا} [سورة النساء، الآية 28]، من الخالق؟ الله تعالى.
  • ​وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أسجد على سبعة أعظم). من الآمر؟ الله.
  • ​إذًا، واضح. إذا قرأت في الحديث: «أمرت»، أي أن الآمر هو الله تعالى.

​قال: «أمرت أن أقاتل الناس». نمر على الحديث إجمالًا ثم نقف مع جُمَلِه إن شاء الله تعالى بالتفصيل.

  • ​قال: «أمرت أن أقاتل الناس»، القتال غير القتل؛ القتال شيء، والقتل شيء، وقد تُقتل بلا قتال، واضح؟ غدرًا وغِيلة.
  • ​ولكن المقصود هنا المقاتلة وهي إلزام الناس بهذا الأمر. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا مرَّ من أمامك أحد وأنت تصلي، فقاتله)، ليس اقتله، واضح؟ يعني: يرده ويدفعه.

​ولهذا قال هنا: «أمرت أن أقاتل الناس حتى».

    • «حتى» قد تكون للتعليل وقد تكون للغاية. والأصل هنا أنها للغاية، أي: إلى أن.
    • «حتى يشهدوا»، وهنا تنصب، ولهذا قال بعدها: «يشهدوا» ولم يقل: «يشهدون». «يشهدوا» من الأفعال الخمسة ونصبه يكون بحذف النون. قال ناظم الآجرومية:

​وخمسة الأفعال نصبها ثبت

​بحذف نونها إذا ما نُصِبت

 

      • «فحتى يشهدوا» أي: يُقروا قلبًا وينطقوا لسانًا «أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله» صلى الله عليه وسلم.
      • ​ثانيًا: «ويقيموا الصلاة».
      • ​ثالثًا: «ويؤتوا الزكاة».

​وقال هنا: «حتى يشهدوا»، وتكلمنا عليه، شهادة التوحيد. وقال هنا: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله».

      • ​جاء في بعض الروايات: «حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله»، و**«حتى يقولوا لا إله إلا الله»** ولم يذكر «محمداً رسول الله».
      • ​وهذا لا يضر؛ لأن شهادة لا إله إلا الله تستلزم شهادة أن محمداً رسول الله.
      • ​ولهذا أنت تقول: قرأت سورة الحمد. والمقصود بها سورة الفاتحة وليس فيها إلا الحمد، لكن عبر بالشيء الأول، والأول يدل على آخره.

​إذًا، هنا ذكر الشهادتين في هذه الرواية، ثم قال: «ويقيموا الصلاة»، لم يقل: «ويفعلوا الصلاة».

      • ​فعل شيء، والإقامة شيء.
      • الفعل مجرد الأداء.
      • ​أما إقامة الصلاة يا إخوة، فلا بد أن تفعلها في وقتها، بشروطها، وأركانها، وكل ما تستلزمه هذه العبادة. ولهذا الشريعة لم تأمر بمطلق الفعل، وإنما جاءت بالإقامة.

​قال: «ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» أي: ويعطوا الزكاة.

      • ​ولم يذكر هنا لمن تُعطى الزكاة. وهذا المحذوف معلوم أي: تُعطى لمستحقها، أو تُعطى للحاكم، والحاكم يصرفها في مستحقها؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان العاملون على الزكاة يأخذونها، والحاكم يصرفها في مصارف المسلمين.

​ثم قال: «فإذا فعلوا ذلك». وقوله: «ذلك» هنا يعود على ثلاثة أمور:

      1. ​الأمر الأول: يعود على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
      2. ​ثانيًا: على إقام الصلاة.
      3. ​ثالثًا: على إيتاء الزكاة.

​إذا حققوا هذه الأمور الثلاثة، هنا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى».

      • «عصموا» أي: مُنعوا. فإن العصم هو المنع.
      • ​والعِصام أصله هو الخيط الذي يُسد به فم القِربة. رأيتم قِربة الماء؟ الخيط الذي يُغلق به، تُغلق به القِربة سُمي عصامًا؛ لأنه يعصم الماء حتى لا يسيل من القِربة، أي: يمنع.
      • ​فقوله هنا: «عصموا» أي: مُنعوا. فكما أن عصام القِربة يمنع سيلان مائها، فعصمة الإسلام للعبد تمنع سيلان دمه وأخذ ماله.

​ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم ايش قال؟ قال: «عصموا مني» أمرين:

      1. الأمر الأول: «دماءهم» أي: أنهم لا يقربون، فالإسلام حفظ له نفسه.
      2. والثاني: قال: «وأموالهم».

​ثم استثنى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إلا بحق الإسلام». رأيتم؟

      • ​يعني ليس أنك إذا دخلت في الإسلام فقد عُصم دمك نهائيًا ومالك، لا، مالك ودمك أولًا. فإذا انتهكت حرمة الله بعد، قد تضيع معه عصمة المال وعصمة الدم.
      • ​ولهذا سيأتي معنا إن شاء الله تعالى في هذه الأربعين حديث ابن مسعود في الصحيحين قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة). والتارك لدينه مفارق للجماعة، واضح يا إخوة؟ وهذا سيأتي إن شاء الله معنا مزيد تفصيله.
      • ​ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إلا بحق الإسلام» أي: أنك تبقى معصومًا ما لم تنتهك حقوق الإسلام.

​ثم قال: «وحسابهم على الله تعالى». أي: نحن لنا الظاهر، وأما الباطن فهو عند الله تعالى.

​قال: «رواه البخاري ومسلم». هذا اللفظ هو لفظ مسلم.

قصة مقاتلة مانعي الزكاة

​إذًا، ذكرنا لكم الآن يا إخوة معنى الحديث العام. الآن أنتم فهمتم معنى الحديث. ثم نقف له عدة وقفات:

​الأمر الأول: صار بين الصحابة خلاف لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم وتولى الأمر بعده أبو بكر رضي الله عنه، ارتد حينها من ارتد من العرب وامتنع حينها من امتنع من الناس عن أداء الزكاة.

      • ​قالوا: إنما كنا نعطي الزكاة للنبي صلى الله عليه وسلم وقد مات. وهذا يدل على أن هؤلاء القوم لم يرسخ الإيمان في قلوبهم يا إخوة.
      • ​لأن الله تعالى قال: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [سورة آل عمران، الآية 144]. النبي صلى الله عليه وسلم قد مات لكن دين الله تعالى باق. فهمتم؟
      • دين الله تعالى يبقى إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، ولو مات النبي صلى الله عليه وسلم.

​ولهذا من اللطائف قول بعض أهل العلم في النصيحة الذي مر معنا قالوا: لماذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (النصيحة لله)؟ ثم قال: (لكتابه)، ولم يقل: (لنبيه صلى الله عليه وسلم)؟ قال: (لكتابه ولرسوله).

      • ​قال بعض أهل العلم: قدَّم الكتاب على الرسول لأن الكتاب يبقى والرسول يموت. واضح؟ وهذا من لطائف العلم ولا بأس بذكره.

​لكن الذي يعنينا أن دين الله تعالى يبقى. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم متى مات يا إخوة؟ مات لما بلغ الشريعة وعلم بأن دين الله محفوظ.

خلاف عمر وأبي بكر

​هؤلاء القوم ارتدوا وبعضهم قال: لا نعطي الزكاة. وحينئذ اختلف الصحابة فيه، وقال بعضهم -وهم أبو بكر رضي الله عنه ومن استأنس برأيه- قال: «لأقاتلنهم». اعترض عليه عمر لعدة أسباب.

      • ​أبو بكر وعمر هنا رضي الله عنهما لم يكونا يعلمان الحديث.
      • ​لأن لو كان أبو بكر أو عمر يعلمان هذا الحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة»، كان النزاع انتهى، صحيح ولا؟ ليس هناك نزاع بين الحديث صحيح.
      • ​لكن أبا بكر لم يكن يعلم هذا الحديث وعمر لم يكن يعلم هذا الحديث. ولهذا قال الحافظ ابن حجر في فوائد هذه القصة: «وهذا دليل –وهذا في هذه القصة- دليل على أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة ويطلع عليها آحادهم».
      • ​قال: «ولهذا لا يُلتفت إلى الآراء ولو قويت مع وجود سنة تخالفها». ولا يقال: كيف خفي على فلان وفلان؟ إذا وجدت النص اتَّبِعه.

​أبو بكر رضي الله عنه رجل مسدد موفق من عند الله تعالى استدل بأمرين. ايش قال أبو بكر؟

      1. الأمر الأول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله». قال: «فإن فعلوا ذلك -هذه الرواية- عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام». قال أبو بكر: «وهذا من حق الإسلام» أي: من حق الإسلام الالتزام بما دلت عليه شهادة الإسلام. فإن تتشهد فقط ولا تفعل شيئًا، هذا ليس بدين المسلمين.
      2. ​فأبو بكر ايش قال؟ قال: «والزكاة من حق الإسلام»، ولهذا لابد من مقاتلة هؤلاء الذين منعوا الزكاة.

الأمر الثاني الذي استدل به أبو بكر رضي الله عنه:

      • ​قال: «لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة»، وقد جمع الله تعالى بين الصلاة والزكاة في أكثر من موطن في كتابه، في نحو من ستة وعشرين موضعًا من القرآن قرن الله تعالى ما بين الصلاة والزكاة.
      • ​من أول القرآن إلى آخره وأبو بكر رضي الله عنه استدل بهذا الأمر.

قال عمر رضي الله عنه: «فوالله ما هو إلا أن رأيت الله عز وجل قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق». واضح؟ عرفت أنه الحق. لأن أبا بكر هذا رجل موفق كما قلت لكم مسدَّد رضي الله عنه وأرضاه.

فوائد واستنباطات من الحديث

​من فوائد هذا الحديث أنه يُستثنى من عموم أقوام دلت النصوص عليه، من ذلكم:

      • أهل الكتاب: لا يُقاتلون حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
      • المجوس: إذا أعطوا الجزية. حكمهم حكم أهل الكتاب على الصحيح.

​فالمجوسي عابد النار، إذا أعطى الجزية، يُكف عنه. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرسل رئيسًا للجيش أوصاه بثلاثة أمور:

      1. ​الأمر الأول: أن يدعوهم إلى الإسلام.
      2. ​ثانيًا: أن يطلب منهم الجزية. والجزية مال قليل جدًا، بعض الناس يقول إن الجزية ثروة، الجزية مال قليل جدًا، ويحفظه المسلمون ويبقى معهم محفوظ الكرامة ولا يقربه أحد.

يُستفاد من هذا الحديث:

      1. طريقة الدخول في الإسلام: لأن النبي قال: «أمرت أن أقاتل حتى يشهدوا». فدل على أن الشهادتين دليل دخول العبد في الإسلام. وهذا بإجماع المسلمين.
      2. النطق بالشهادة للقادر: فإن كان الرجل أخرس شُفي منه بـ الإشارة أو بالكتابة، وبإجماع المسلمين، أما من كان قادرًا على النطق فلابد أن ينطق.
      3. المقاتلة على منع الزكاة: تكون لمن امتنع وقاتل عليها، أما إذا لم يقاتل فإنها تؤخذ منه قهرًا.
      4. الفرق بين الجماعة والفرد: الطائفة الممتنعة والجماعة الممتنعة قتالها مجمع عليه، أما الفرد فإنه لا يُقاتل، وإنما يُؤخذ منه الأمر.
      5. قضاء أهل الإسلام بالظاهر: قول النبي صلى الله عليه وسلم: «وحسابهم على الله» أي: أن من أظهر الإسلام اكتفينا منه بالظاهر وعصم نفسه.
      6. العصمة نوعان:
        • عصمة حال: قول النبي صلى الله عليه وسلم هنا: «عصموا مني دماءهم وأموالهم». أي: حالة حينية.
        • عصمة مآل: إذا مات على الإسلام ودخل الجنة.
      7. تلازم الظاهر والباطن: لأن إذا كان ظاهرك صادقًا لابد أن تفعل. إذا كنت مُقرًا بالشهادة لابد أن تقيم الصلاة وأن تؤتي الزكاة، وإلا لا ينفعك ذلك.
      8. عظم شأن الصلاة والزكاة: لأن الصلاة حق البدن والزكاة حق المال.

الحديث التاسع: اجتناب المنهيات والاتيان بالمأمورات

​الحديث الذي بعده قال:

«عن أبي هريرة رضي الله عنه عبد الرحمن بن صخر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم -وفي رواية: مسائلهم- واختلافهم على أنبيائهم)».

​رواه البخاري ومسلم. هذا الحديث التاسع من الأربعين النووية.

      • أبو هريرة رضي الله عنه يا إخوة من خيرة الصحابة وهو حافظ الصحابة، وروى أكثر من خمسة آلاف حديث مع تأخر إسلامه.

شرح الحديث التاسع

​قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم).

      • ​هذا فيه تقييد الأمر بالامتثال بالاستطاعة بخلاف النهي، فإنه لم يُقيَّد بالاستطاعة، فإنك تستطيع ألا تفعل.
      • ​مثال ذلك: لو قلت لك: لا تدخل هذا الباب. أنا لن أطلب منك فعلًا، إنما طلبت عنك كفًا، وهذا يُستطاع.
      • ​طيب، إذا قلت لك: احمل هذه الصخرة. قد تحملها وقد لا تحملها باعتبار الاستطاعة. ولهذا الأمر يحتاج استطاعة بخلاف النهي، فإن منك الكف عنه.

الاستثناء في المنهيات

النهي مباشرة والامر بحسب الاستطاعة. ودليله في القرآن قول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [سورة التغابن، الآية 16].

      • ​لكن المنهيات أيضًا فيها تفصيل. إذا اضطر الإنسان إلى المنهي يفعله ولا لا؟
      • ​قال تعالى: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [سورة الأنعام، الآية 119].
      • ​{فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ} [سورة المائدة، الآية 3] أي: مجاعة شديدة، {غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ} [سورة المائدة، الآية 3] هو لا يحب أن يشرب الخمر لدفع غُصة ولا يريد أن يأكل الخنزير ولا يريد أن يأكل الميت لكنه لم ما اضطر، غير مُحِب ومائل إلى الإثم، أي: غير متجانف للإثم، {فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة المائدة، الآية 3].
      • ​ولهذا قاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات» تقيدها أخرى: «والضرورة تُقدر بقدرها».

​نكتفي بهذا القدر والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *