الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
تكلمنا في الدرس الماضي على الجزء الأول من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لما قال: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم؛ فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة سؤالهم -أو كثرة مسائلهم- واختلافهم على أنبيائهم)، رواه البخاري ومسلم.
تتمة فوائد الحديث التاسع
وقفنا من فوائد هذا الحديث على أن ترك المنهيات في الشريعة إنما هو مخصوص بما دعت إليه الضرورة.
- أن الله تعالى قال: {إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [سورة الأنعام، الآية 119].
- قال تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة المائدة، الآية 3].
- فدل على أن الضرورة لها اعتبار خاص.
لكن قاعدة: «الضرورات تبيح المحظورات» تقيدها قاعدة أخرى وهي: «الضرورة تُقدر بقدرها».
«وكل محظور مع الضرورة بقدر ما تحتاجه الضرورة».
- ولهذا لو أن إنسانًا دفع الهلاك بشرب قسط من الخمر، لا يجوز له أن يشرب فيما بعد حتى يسكر؛ لأنه يدخل في قول الله تعالى: {مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ}، أنه صار هنا متطلعًا للإثم.
- إذًا، الضرورة تُقدر بقدرها. وهذا بحثه في كتب القواعد الفقهية.
- إن من قواعد الشريعة الكبرى: «الضرر يُزال» و «المشقة تجلب التيسير». هذه من قواعد الشريعة الكبرى، لكن تدخل تحتها قواعد أخرى ليس هذا موضع بسطها.
معنى الكراهة عند السلف
أيضًا يستفاد من هذا الحديث أن النهي الذي يجب اجتنابه هو ما كان للتحريم، أما ما كان للكراهة فهو يُستحب ولا يجب، ولهذا تعريف المكروه ما هو؟ ما نهى عنه الشارع على وجه لا يوجب الإلزام، أو على غير الإلزام، بخلاف التحريم، فإن النهي فيه على وجه الإلزام. الواجب والمستحب؛ لأن الأحكام التكليفية خمسة: واجب، مستحب، مباح، مكروه، ومحرم.
لكن ينبغي التنبيه إلى أنك ربما تقرأ في عبارات الأئمة من أئمة السلف أنهم يقولون: «ويُكره حلق اللحية»، بل ويُكره دعاء القبور أو غير ذلك.
- فيأتي واحد يقول: إذًا، هم لا يرون التحريم، وإنما يرون الكراهة.
- ما الجواب على هذا؟ أن الكراهة عند السلف الأهل فيها أن المقصود بها التحريم.
- ولماذا كانوا يعبرون بـ «الكراهة» دون «التحريم»؟ خوفًا من قول الله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَٰذَا حَلَالٌ وَهَٰذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} [سورة النحل، الآية 116].
- فكانوا يخافون من لفظ التحريم لوجود تغليظ الشريعة في هذا الأمر، واضح؟ لأن التحريم أمر شديد، ولهذا كانوا يجتنبون هذا الأمر.
- وأما الكراهة على الوجه الاصطلاحي كراهة التنزيه هذه جاءت بعدئذ. إذا قلت أمام الناس هذا مكروه ينبغي لك أن تقصد المعنى الثاني؛ لأن الناس اصطلحوا عليه الآن، واضح؟
كثرة المسائل واختلافهم على الأنبياء
أيضًا يستفاد من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم).
- إذًا، جعل سبب هلاك القوم كثرة المسائل، والثاني: اختلافهم على أنبيائهم. فيكون سبب الهلاك من جهتين.
- الجهة الأولى: أنهم أكثروا الأسئلة، وسيأتي معنا إن شاء الله بعض التمثيل للأسئلة الغريبة التي ينبغي أن تُجتنب.
- والثاني: أنهم اختلفوا على أنبيائهم. وهذا الاختلاف في الحقيقة أيضًا نتيجة لكثرة الأسئلة.
ولهذا موسى عليه السلام لما قال لهم: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} [سورة البقرة، الآية 67]. لو ذبحوا في البداية أي بقرة لخرجوا من عهدة التكليف بهذا الأمر، واضح؟ لكنهم لما شددوا، شُدِّد الله عليهم. ولو ذبحوا أي بقرة في البداية كانت تكفيهم. أفهمتم؟
ولهذا سبب هذا الحديث ذكرناه في الدرس الماضي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا).
- قال الصحابي: أكل عام يا رسول الله؟ النبي صلى الله عليه وسلم أجابه قال: (ولو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم).
- يعني: تصوَّر أنت الحج واجب عليك كل سنة الآن في هذه الظروف الآن. يمكن؟ لا يمكن.
الأسئلة المنهي عنها
قال ابن رجب رحمه الله تعالى -يعني في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم)– ذكر أن المنهي عنه في الأسئلة عدة أمور، جِماعها أمران ونزيده أمورًا أخرى:
- الأمر الأول: أن تسأل عن شيء لم يُحَرَّم، فيُحَرَّم بسبب مسألتك. وهذا قد صح فيه الحديث: (أشد الناس جُرْمًا مَن سأل عن شيء فحُرِّم بسبب مسألته).
- الأمر الثاني: ما كان فيه نوع تكلُّف وتنطُّع. وهذا باب جامع يدخل فيه كثير من الأمور.
وقد أحسن الشاطبي في الموافقات في ذكر خمسة أنواع من أنواع التكلف في السؤال.
- منها ذلك الصحابي الذي رضي الله عنه وهو أبو حذيفة سأل النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أبي؟» وكان أبوه قد مات في الجاهلية. لم يجبه النبي صلى الله عليه وسلم في البداية ثم أجابه.
- فنزلت بعدها قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ} [سورة المائدة، الآية 101]. بعض الأمور الأحسن ألا تعلمها.
فوائد واستنباطات أخرى
يُستفاد من هذا الحديث يا إخوة عدة فوائد:
-
- وجوب ترك كل ما حرمه الله تعالى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وما نهيتكم عنه فاجتنبوه)، ولم يقل: «ما استطعتم»؛ لأن الترك -كما بيناه في الدرس الماضي- بمجرد الترك حصل الأمر، الفعل تابع للاستطاعة.
- وجوب الإتيان بكل ما أوجبه الله وأوجبه رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولكن هذا تابع للاستطاعة.
- التحذير من الوقوع فيما وقع فيه أهل الكتاب مما كان سببًا في هلاكهم.
- أنه لا يجب على الإنسان أكثر مما يستطيع. وهذا مر بيانه.
- أن من عجز عن بعض المأمور كفاه أن يأتي بما قدر عليه من ذلك المأمور. وهذه قاعدة فقهية. ولهذا يقول ابن سعدي رحمه الله تعالى:
ويفعل البعض من انشق فعل
سائر المأمور وهو هذا نَظْم
-
-
- القاعدة: «المعسور لا يُسقط الميسور». لمن كان واحد فيكم سيصلي وعنده ألم في ظهره لا يستطيع الركوع، من البداية يجلس على الكرسي؟ لا، وإنما إذا استطاع أن يؤدي الركن الأول قائمًا فلابد أن يفعل، إذا عجز عن الركوع لم يركع، إذا استطاع السجود فليسجد. أفهمتم؟
- الاقتصار في السؤال على ما يُحتاج إليه وترك التنطع والتكلف في المسائل. لا تسأل إلا عن أمر تراه يقدم لك خيرًا في دين أو دنيا، أما أن تسأل على شيء يضيع وقتك ووقت المسؤول فهذا من خذلان الله تعالى لك.
- السؤال مفتاح للعلم والخير ولا ينبغي أن يصير مفتاحًا للجهل والشر.
-
الحديث العاشر: طيب الكسب واستجابة الدعاء
الحديث الذي بعده قال:
«عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [سورة المؤمنون، الآية 51]. وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [سورة البقرة، الآية 172]. ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام، فأنَّى يُستجاب له)».
رواه مسلم. هذا الحديث العاشر يا إخوة من أحاديث الأربعين النووية وهو حديث عظيم جليل القدر، بل هو من الأحاديث الأصول في باب الدعاء.
شرح الحديث
قوله هنا: «إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا».
-
-
- هذا يفيد أن من أسماء الله تعالى الطيب، والطيب هو القدوس المنزه عن كل نقص وعيب، ونحوه القدوس ونحوه السلام.
- الطيب هو المنزه عن كل نقص وعيب، وهذا هو معنى التسبيح.
- فالله تعالى طيب في اسمه وموصوف بالطيب.
- وإذا كان الله جل وعلا طيبًا، فمن آثار ذلك أن الطيب لا يقبل إلا الطيب.
- والمقصود بـ «الطيب» ما كان كسبه حلالًا. ولهذا يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: إن أكل الحرام يُفسد العمل ويمنع قبوله؛ لأن الله تعالى يقول: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا).
-
ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا وهو أن الله تعالى أمر المؤمنين كما أمر به المرسلين.
-
-
- ذكر الآية الأولى وهي قوله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا} [سورة المؤمنون، الآية 51].
- وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ} [سورة البقرة، الآية 172].
- إذاً، دل على أن الله تعالى أمر المؤمنين كما أمر المرسلين بـ أن يأكلوا الطيبات. وهذا من آثار اسم الله تعالى الطيب.
-
ثم مثَّل النبي صلى الله عليه وسلم مثالًا لأثر الذي لا يأكل الطيب.
-
-
- قال: «ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنَّى يستجاب له».
- ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الرجل -وذكره للرجل لا منافاة له من جهة أن المرأة حكمها حكم الرجل-.
-
هذا الرجل تجمعت فيه كل أسباب إجابة الدعاء:
-
-
- يطيل السفر: وهو سفر طاعة -على قول الشراح- وسفر طويل.
- أشعث أغبر: أي: رث الحال، متسخ، وهذا يدل على مسكنة في حاله، وغالبًا من دعا الله منكسر القلب يستجيب الله تعالى له.
- يمد يديه إلى السماء: فدل على أن رفع اليدين إلى السماء من الأمور التي تُفعل في الدعاء.
- يقول: يا رب، يا رب: ودعا الله تعالى بربوبيته للخلق.
-
ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم مانعًا من موانع الدعاء:
-
-
- «ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام». أي: أن حياته كلها إنما سُقيت بهذا الحرام.
-
«فأنَّى يستجاب له»؟ أي: فكيف يستجاب له؟ يعني: كيف يستجاب لك وقد سددت طريق الإجابة بأكل الحرام وشرب الحرام ولبس الحرام.
-
-
- وهذا يدل على أن الحرام يمنع استجابة الدعاء، ولهذا يجب على المسلم أن يراقب كسبه، وما يدخل بطنه وبطون عياله.
-
فوائد مستنبطة من الحديث العاشر
يُستفاد من هذا الحديث يا إخوة عدة أمور نختم بها الدرس:
-
-
- أن من أسماء الله تعالى الطيِّب، وأن الله تعالى من صفاته الطيِّب، وأن معنى ذلك أن الله منزَّه عن النقص والعيب سبحانه وتعالى.
- أن على المسلم أن يأتي بالطيب من الأعمال والمكاسب.
- أن الصدقة لا تُقبل إلا من مال حلال. فإذا تصدقت بمال حرام فإن هذه الصدقة لا تُقبل. قال النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: (لا يقبل الله صلاة لغير طهور، ولا صدقة من غلول). أي: أن الله تعالى لا يقبل الصدقة التي غُلَّت أي: سُرقت من أموال المسلمين.
- من حج بمال حرام هل حجه صحيح أم لا؟ إذا كان المقصود به براءة الذمة نعم، لكن لا أجر له فيه.
- أن من أسباب الدعاء كما قلت لكم رفع اليدين، لكن بالقيد. فحاول أن ترفع يديك في الدعاء في المواطن التي رفع فيها النبي صلى الله عليه وسلم.
- أن أكل الحرام سدُّ باب الإجابة، والعكس بالعكس: الحلال يرفع الإجابة. قال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [سورة فاطر، الآية 10]. أي: العمل الصالح يرفع الكلم الطيب.
-
نكتفي بهذا القدر والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.