الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
أنهينا في الدرس الماضي حديث: (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا). تكلمنا فيه على أسباب منع إجابة الدعاء، وكنا قد نبهنا في شرح وصية الباجي إلى ما ينبغي للعبد أن يتحلى به بعد أن يدعو الله. وهذا نبهنا عليه مرارًا، وهو أنه ليس بمجرد أنك دعوت ولم تُعطَ السُّؤل الذي طلبت يقول: “دعوت ولم يُستجب لي”.
قد يستجيب الله تعالى لك وأنت لا تدري؛ لأن استجابة الدعاء شيء وإعطاء العبد ما يريد شيء آخر.
- قد يعطيك الله تعالى ما تريد عذابًا لك ونقمة بك.
- وقد يمنعك الله تعالى ما تريد رحمة بك وإنعامًا عليك.
النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن استجابة الدعاء تكون بثلاثة أمور:
- الأول: إعطاء السُّؤل.
- الثاني: أن يدفع الله بها عنك البلاء.
- الثالث: يدخرها الله تعالى لك يوم القيامة.
إعطاء السُّؤل شيء أخص من إجابة الدعاء. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله تعالى يستجيب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت ولم يستجب لي).
الذي يقول هذا وكأنه يدعو لمصلحة معينة، وينسى أن الدعاء هو العبادة. ولهذا ينبغي لنا جميعًا إذا دعونا الله تعالى ندعو ونتذكر أنك حال دعائك أنت في عبادة، أُعطيت الذي تريد ولا لم تُعطَ الذي تريد. عندما تقوم تصلي أنت في عبادة، حينما تذكر أنت في عبادة، حينما تدعو الله تعالى أنت في عبادة. وكم من إنسان يا إخوة أُعطي أمرًا كان فيه هلاكه، وكم من إنسان مُنع أمرًا كانت فيه نجاته. وتأملوا حولكم تجدوا مصداق هذا الأمر.
الحديث الحادي عشر: ترك ما يريب
الحديث الذي بعده، والحديث الحادي عشر، قال الإمام النووي رحمه الله تعالى:
«عن أبي محمد الحسن بن علي بن أبي طالب سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دع ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ)».
رواه الترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حسن صحيح.
- قوله: يَرِيبُكَ ويصح الوجهان. لا يَرِيبُكَ من الريب.
هذا الحديث يا إخوة قال فيه النووي: “عن أبي محمد” فذكر الكنية. وقلت لكم منهج الحافظ النووي رحمه الله تعالى في الأربعين النووية وهو أن الراوي الذي يروي له أول مرة في الأربعين يذكره بكنيته فإذا تكرر لا يذكره بكنيته.
- فقال: “عن أبي محمد”، من هو أبو محمد؟ هو الحسن ابن علي ابن أبي طالب. ولهذا قال هنا: “رضي الله عنهما” هنا عائد إلى من؟ الحسن وإلى أبيه، ولا يعود إلى جده؛ أن جده أبا طالب مات على كفر، الحديث في الصحيحين.
- قال: “سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم”. السبط يا إخوة هو ابن البنت، والحفيد هو ابن الابن. غالباً نعبر بـ “الحفيد” للكل وهذا جائز في وجه في لغة العرب، لكن الأقرب والأحسن أن تقول: “السبط” لابن البنت، و**”الحفيد”** لابن الابن.
- قال: “وريحانته”. لماذا قال هنا النووي: “وريحانته”؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن الحسن والحسين: (هما ريحانتاي من الدنيا).
- قال: “حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم” وذكر الحديث.
إذًا، الحسن ابن علي رضي الله عنه يا إخوة على صغر سنه في ذاك الوقت روى بعض الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. متى ولد الحسن؟ السنة الثالثة للهجرة. ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم كم كان عمره؟ سبع سنوات، ما زال صبيًا.
معنى الحديث:
- قوله: (دع ما يَرِيبُكَ) أي: اترك الأمر الذي فيه ريب وشك.
- وقوله: (إلى ما لا يَرِيبُكَ) أي: وافعل الأمر الذي لا شك فيه ولا ريب فيه. هذا هو معنى الحديث.
- الريب هو الشك والقلق.
ومعنى هذا الحديث موجود في الحديث الذي مر معنا حديث النعمان بن بشير في الصحيحين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه).
- غير أن هذا الحديث يا إخوة فيه التصريح بالأمر بالترك.
مسألة الورع والتكلف
هذا الحديث يبين أن الشبهات يقع في القلب منها اضطراب وشك. وقد نبه أهل العلم -منهم ابن رجب الحنبلي رحمه الله تعالى في جامع العلوم والحكم– إلى أمر مهم له علاقة بما ذكرت لكم الآن، أن القلب الذي يُحِس هو القلب الحي.
- قال: “وها هنا أمر ينبغي التَّفطُّن له، وهو أن التدقيق بالتوقف عن الشبهات إنما يصلح لمن استقامت أحواله كلها، وتشابهت أعماله في التقوى والورع. فأما من يقع في انتهاك المحرمات الظاهرة ثم يريد أن يتورع عن شيء من دقائق الشُّبَه، فإنه لا يُحتَمَل ذلك، بل يُنكَر عليه”.
مثل الذي يفعل المحرمات الكبرى ثم يتورع في أقل الأمور، هذا ورع كاذب، ورع الخوارج.
- مثل ما قال ابن عمر لما سأله الخوارج عن حكم قتل البعوض في الحرم. قال ابن عمر: “يسألونني عن دم البعوض وقد قتلوا الحسين، سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: هما ريحانتاي من الدنيا”. فقه ابن عمر رضي الله عنهما.
فوائد الحديث الحادي عشر
يُستفاد من هذا الحديث يا إخوة عدة أمور:
- ترك ما يكون فيه ريبة والأخذ بما لا ريبة فيه.
- ينبغي للعبد أن يبتعد عن كل أمر فيه شك.
- العبرة ومرجع الريب للإسلام والصدق، وليس للهوى.
- هذا الحديث لا يُستدل به على ضرورة الخروج من خلاف العلماء في كل مسألة. بل ينبغي لك أن تتبع -إن كنت عالمًا بالدليل- أن تتبع الدليل، وأن تتبع الرخص التي أعطاها لك الله جل جلاله.
الحديث الثاني عشر: من حسن إسلام المرء
قال عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«(من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)».
حديث حسن، رواه الترمذي وغيره.
- قوله: (من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) أي: أن هذا الحديث أصل في أن المسلم لابد له أن يترك كل أمر لا يهمه في دينه ولا يزيده عند الله جل وعلا قُربًا.
- ومفهوم هذا الحديث: لابد أن تجتهد فيما يعنيك. إذا كنت مأمورًا بأن تترك ما لا يعنيك، إذًا من حُسن إسلام المرء اهتمامه بما يعنيه.
معنى الحديث أمران:
- لابد أن تترك ما لا يزيدك نفعًا في الدنيا والآخرة.
- ولابد لك أن تهتم بما فيه نفع لك في الدنيا والآخرة.
قال ابن رجب رحمه الله تعالى: “أكثر ما يطلق عليه هذا اللفظ: حِفظ اللسان من لغو الكلام”.
- ولهذا قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه: “مَن عدَّ كلامه من فعله، قلَّ كلامه إلا فيما يعنيه”.
قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) لا تتكلم كما لا تفعل إلا ما يعنيك. ولو أن كل واحد فينا طبق هذا لارتحنا. بعض الناس أحيانًا يسأل عن كل شيء، ويريد أن يعلم كل شيء، ويريد أن يكون له رأي في كل شيء.
- العناية هي شدة الاهتمام، وليس المراد أن يترك ما لا عناية له به بحكم الهوى وطلب النفس.
- بل الذي لا يعنيه بحكم الشرع ليس بحكم الهوى.
فوائد الحديث الثاني عشر
يُستفاد من هذا الحديث يا إخوة عدة أمور:
- ترك الإنسان ما لا يعنيه من أمور الدنيا.
- اشتغال الإنسان بما يعنيه في أمور دينه ودنياه.
- في ترك ما لا يعني للنفس طمأنينة، بخلاف الذي يشغل نفسه بما لا يعنيه.
- تفاوت الناس في الإسلام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه). دل أن من الناس من إسلامه حسن ومن الناس من إسلامه أحسن.
- أن الغاية من الخلق هي تحقيق العبودية؛ لأن كل شيء يعوقك عن هذه العبودية فُرَّ منه واهرب منه.
نختم بقصة: لما وقع الإفك، جاء أبو أيوب الأنصاري إلى زوجته وأخبرها، فقالت له: “أتظن أنه قد وقع كما حُكي؟” قال لها: “الذي اتُّهِم خير مني، والتي اتُّهمت خير منك، أكنت تفعلين هذا؟” قالت: “لا”. قال: “أكنت أنا ترضين أن أفعل هذا؟” قالت: “لا”. إذًا قال: “لماذا نظن بالناس سوءًا؟” فأثنى الله تعالى عليهما في سورة النور.
لهذا يا إخوة لا تكونوا مسارعين إلى تصديق الباطل، وإلى الجري وراء الباطل، وإنما اجعلوا هذا الحديث قاعدة، والذي قبله: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك)، و (من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه).
نكتفي بهذا القدر والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.