الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
توقفنا عند الحديث الثالث عشر، عند قول الحافظ النووي رحمه الله تعالى:
«عن أبي حمزة أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) رواه البخاري ومسلم».
هذا الحديث حديث مشهور معروف، يحفظه كلُّكم إن لم يكن كلُّ الناس.
وهذا الحديث يرويه أبو حمزة، وهو أنس بن مالك. “حمزة” من الحَمْز وهو الحموضة، وقد كناه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك؛ كان يشتريها للنبي صلى الله عليه وسلم. الحَمْز يعني قارص، شيء إذا وضعته على اللسان يكون فيه نوع من الحرق، وهو الحموضة. فالحمز هو هذا. فسماه النبي صلى الله عليه وسلم حمزة ليس لأن عنده ابن، وأصلًا كانت صغيرة؛ الحمزة نسبة إلى بقلة كان يشتريها.
وهنا تعلمون أن دراسة الحديث النبوي تفيد عدة فوائد، منها معرفة الكُنَى ومعرفة أسباب الكُنَى. فرأينا من يُكنَّى بابنه كـ “أبي عبد الرحمن”، ومن يُكنَّى بقطته كـ “أبي هريرة”، ومن يُكنَّى بابنته كـ “أبي رقية”، ومن يُكنَّى ببقلة كان يجتنيها وهو أنس بن مالك أبو حمزة رضي الله تعالى عنه.
أنس بن مالك يا إخوة خزرجي، لما جاء النبي صلى الله عليه وسلم، يعني هو من الأنصار، جاءت به أمه أم سليم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعمره عشر سنوات، قالت له: “يا رسول الله، أريد أن تقبل ابني هذا خادمًا عندك”. فخدم أنس بن مالك النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، ومات النبي صلى الله عليه وسلم وعمر أنس بن مالك كم؟ عشرون سنة.
دعا له النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة في العمر والمال والولد.
- أما في العمر، فقد كان من آخر الصحابة موتًا، وليس آخر الصحابة، بل من آخر الصحابة موتًا رضي الله عنه، وقيل إنه مات قبيل المئة، وقيل بلغ المئة، بل في إحدى الروايات أنه بلغ مئة وعشرين سنة.
- الأمر الثاني: أنه كان من أكثر الناس ولدًا، بل دفن في حياته عشرات الأبناء والأحفاد، عنده بالعشرات من الأولاد ومن الأحفاد.
- وأما المال: فهو يحدث عن نفسه، كان يقول رضي الله عنه: “وكنت من أكثر الناس مالًا”. إذ استُجيب للنبي صلى الله عليه وسلم فيه ولا؟ استُجيب. كان من أكثر الناس عمرًا، أي طال عمره وكثر ماله وكثر ولده رضي الله عنه وأرضاه.
قال في الصحيحين: (خدمت النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنوات، فما قال لي لشيء صنعته: لِمَ صنعتَه؟ ولم يقل لي لشيء تركته: لِمَ تركتَه). ثم قال: (وكان النبي صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خُلقًا). ثم قال: (ما مسست حريرًا أو خَزًّا – وهو نوع من الحرير – أطيب وألين من كف النبي صلى الله عليه وسلم). قال: (ولا شممت ريحًا ولا رائحة مِسك أطيب من رائحة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم). رواه البخاري ومسلم.
إذاً، أنس بن مالك رضي الله عنه يصحب النبي صلى الله عليه وسلم يا إخوة هذه المدة الطويلة: عشر سنوات. عشر سنوات مدة قد يخطئ فيها الإنسان العادي، وقد يغلط، وقد يكون في يوم غاضب أو غير ذلك من الأمور. لكنه عشر سنوات. أول الحديث قال: (ولم يقل لي: أف)، أُف لم يقلها بعشر سنوات، ولم يعتب عليه في أمر واحد.
وهذا يا إخوة – مع ما ذكرنا من أن الله تعالى استجاب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم فيه – هذا من دلائل النبوة. ليش من دلائل؟ لأن لا يمكن لإنسان عادي أن يصحب إنسانًا عشر سنوات يستطيع أن يمسك عليه شيئًا كهذا، لا يمكن أبدًا. نحن واحد منا يتكلم واحد عشر دقائق يقلق منه أحيانًا، فهمتم؟ عشر سنوات، عشر سنوات وهو ملازم له. أنا إذا أتيت للدرس وأنتم إذا أتيتم للدرس، أنا أتزيَّن لكم وأنتم تتزينون لي، لكن المخالطة في الحياة تظهر كَأْمنُ الناس، ولهذا ليس كل واحد يصلح بأن يكون صاحبًا لك. الذي تصحبه في حياتك القليل من الخَلْق وإن الخُلْطة كثيرة، فهمتم؟ لكن هذا خالط النبي صلى الله عليه وسلم مخالطة قُرب، خادم يخدمه، ومع هذا قال: “لم أستطع أن أعيب على النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا واحدًا”.
ولهذا يا إخوة لما ارتد بعض الناس ممن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم: عبيد الله بن جحش في الحبشة، وارتد ابن أبي سرح ثم رجع إلى الإسلام، وارتد غيره، وارتد رجل نصراني كان نصرانيًا أسلم وكان يكتب الوحي ثم ارتد. واضح؟ هؤلاء كلهم يا إخوة ممن ارتد ليس فيهم واحد بعد ردته كان يقول: “وهذا النبي الذي تتبعونه، احفظوا عنه كيت وكيت وكيت من الأمور التي لا تنبغي”. بخلاف أتباع مسيلمة؛ لما قُتل مسيلمة وتاب من أتباعه من تاب، وكان قد هلك معه من هلكوا والعياذ بالله، أصبحوا يخرجون مخازي مسيلمة الذي كان رجلًا ساحرًا، كان كاهنًا يعني، فهمتم؟
ولهذا من العجيب أنه لما مات، قالت امرأة تصيح، قالت: “يا ضوءَ أهل الأرض جميعًا!”. قال بعضهم: كان رجلًا قبيح المنظر أصلاً، لكنهم كانوا تحت تأثير سحر وكهانة ومخرقة [هذا] الكذاب. هؤلاء الذين ارتدوا يا إخوة ليس فيهم واحد نقل شيئًا فيه عيب عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما أراد بعضهم أن يطعن في دينه.
ولهذا روى البخاري ومسلم أن رجلًا كما قلت لكم كان نصرانيًا وأسلم ثم ارتد، ولما ارتد كان يقول: “لأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكتب ولا يقرأ”، كان يقول: “ولا يدري محمد” هكذا يقول، “ما الذي زدت في دينه؟” هو يقول هذا، وليس ارتد فقط، لا، هنا طعن في أصل الوحي. بعض الناس ارتد ولم يتكلم في هذا. هذا الرجل يا إخوة، والحديث في الصحيحين، لما دفنوه لفظته الأرض. قال أصحابه: “هؤلاء أصحاب محمد جاءوا ونبشوا قبره وأخرجوه”. تعمقوا في الحفرة ودفنوه مرة أخرى. عادوا من الغد وإذا الأرض قد لفظته. ثم عمقوا مرة ثالثة في أعمق الأرض يدفنونه، فإذا بهم قاموا وقد وجدوا الأرض قد لفظته. قالوا: “هذه ليست لأصحاب محمد”. فلما رأوا هكذا تركوه هكذا فوق الأرض، قالوا: “هذا لو دفناه في أبعد الأرض سيخرج”. فعلموا أن الأمر من عند الله.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في “الصارم المسلول”: “وعامة من كفر وارتد لم يقع به [اللفظ]، بل كان من المنافقين كعبد الله بن أُبيّ”، بس هو لم يقع معه هذا، وهناك من ارتد ولم يقع معه هذا. لكن هذا ارتكب جرمًا آخر مع الردة، وهو ما هو؟ طعن في الدين، فهمتم؟ فهو أراد أن يشكك المسلمين في دينهم. قال شيخ الإسلام: “وهذا لا شك من الآيات البينات على أن هذا الدين حق، وأن الله تعالى يغار على محارمه”.
قال تعالى: ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ ﴾ (الحاقة: 44-46).
فهمتم؟ فكيف يزعم بأنه قد غيَّر الوحي وبدَّله؟ ولكن الوحي لن يتغير، فهمتم؟
إذاً، من دلائل النبوة – وهذه احفظوها – أن الناس الذين صحبوا النبي صلى الله عليه وسلم، ممن يحبه وممن لا يحبه، لن يستطيع واحد منهم أن يأتي بعيب واحد في النبي صلى الله عليه وسلم يعيبه في خَلْق أو خُلُق. بل لما قال العاص بن الوائل: “إنه أبتر”، قطع الله ذكره ورفع الله تعالى ذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ ﴾ (الكوثر: 3).
أذكر هذا يا إخوة لأنكم سمعتم ما سمعنا من هذا الهندوسي عابد البقر الذي طعن في النبي صلى الله عليه وسلم الأسبوع الماضي والذي قبله، وقام بتغريدة على الإنترنت يعيب فيها النبي صلى الله عليه وسلم بأمر ليس هذا موضع تفصيله. فهمتم؟ أنت تعبد البقر… تطعن على سيد البشر! هذا أمر لا يمكن أن يصدق، فهمتم؟ ولا يمكن أن يعقل. لكن اعلموا أنه ما من أحد يا إخوة طعن في النبي صلى الله عليه وسلم إلا أخمد الله تعالى ذكره.
ولهذا يقول عبد الله دراز رحمه الله تعالى في كتابه “النبأ العظيم”: “وليس هناك كتاب على وجه الأرض يسعى الناس لتحريفه والنيل منه مثل القرآن”. ليس هناك كتاب أعداؤه كُثر مثل القرآن، ولا يُعلم لواحد منهم استطاع للآن أن يزيد حرفًا أو أن ينقص خطًا، ليس حرف، صحيح ولا لا؟ ولا يمكن. قال: “وهذا يدل على أن حفظ هذا القرآن أمر إلهي وليس أمرًا بشريًا”.
وهذه كلها يا إخوة من الدلائل التي اتركوها عندكم. ولهذا بعض الناس يُكثر – وليس هذا موضوع الدرس – لكن بعض الناس يُكثر الكلام من الإعجاز العلمي وغير ذلك، فيه حق وكثير منه باطل وتخمين، وينسى مثل هذه الأمور، وهو أن هذه الشريعة لم يسايرها أحد إلا نجا، ولئن لم يكن صادقًا نجا في الدنيا. وما تعرَّض أحد لهذه الشريعة إلا أخزاه الله تعالى في الدنيا قبل الآخرة. فإذا اجتمع مع التعرض للشريعة النيل من شخص النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا هلك ورب الكعبة، أنتم!
إذاً، أنس بن مالك رضي الله عنه يروي هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ويقول فيه: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
قوله: إذا قرأت في حديث: (لا يؤمن أحدكم) أو (والله لا يؤمن)، اعلم أن الأمر الذي يُذكر بعده أمر واجب؛ لأن الإيمان لا يُنفى هنا إلا على أمر واجب. المقصود بالنفي هنا ليس نفي الإيمان من أصله، معناها أن من لم يحقق هذا كفر؟ لا. المقصود نفي الإيمان الواجب، أو نفي كمال الإيمان الواجب، وليس نفي أصل الإيمان، فهمتم؟ كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (والله لا يؤمن من لا يأمن جارُه بوائقَه)، فهل نقول من آذى جاره دخل النار ولا يخرج منها؟ لا. لكنه ارتكب أمرًا محرمًا ممنوعًا، جاء بأمر ينافي كمال الإيمان الواجب ولا ينافي أصل الإيمان.
إذا قال: (لا يؤمن أحدكم) أي أي واحد منكم، ذكرًا أو أنثى، حتى للغاية (يحب لأخيه ما يحب لنفسه). ومعنى هذا الحديث موجود كما في صحيح مسلم في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الطويل، قال النبي صلى الله عليه وسلم فيه: (فمن أحب أن يُزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيتُه – أي موته – وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، ولْيَأتِ إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه).
ولهذا قال تعالى: ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾ (المطففين: 1-3). فكما أنت لا ترضى الضيم والظلم إذا كان عليك، لا ترضه لغيرك، وكما أنك تحب العدل لك، أنت لا بد أن تحب العدل لغيرك. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم هنا: (لا يؤمن أحدكم) – الإيمان الواجب الكامل – (حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
ولهذا قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في “جامع العلوم والحكم” قال: “وهذا الحديث يدل على أن المؤمن يُسَرُّ بما يَسُرُّ أخاه وعكسه، ويَكْدُرُهُ ما يُكْدُرُ أخاه”، قال: “ويريد لأخيه المؤمن ما يريد لنفسه من الخير”. سيأتي بعد معنا في فوائد الحديث أن الكلام هنا ليس على مطلق الدنيا، وإنما حتى تحب له ما تحب لنفسك من الدين، وأن الدنيا أذواق الناس تختلف. فلو كنت أنت تحب سيارة من نوع ما، ليس من الإيمان الواجب بأن تحب لأخيك هذه السيارة نفسها؛ لأن هذه أذواق الناس، وما أدراك أنه أصلاً يحب هذا الأمر؟ لكن الذي يعنينا هنا الدين.
ولهذا جاء في رواية أخرى للحديث في سنن النسائي قال النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير). فبين النبي صلى الله عليه وسلم في الرواية الأخرى أن المراد هو محبة الخير له، الخير المقصود به الديني، أما الدنيا لأمر آخر، فهمتم؟
وحتى تعلموا يا إخوة حال السلف رضي الله عنهم في هذا الأمر، يقول القائل الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى يقول: “إذا كنت تحب أن يكون الناس مثلك، فما أدَّيْتَ النصيحة لربك. فكيف وأنت تحب أن يكونوا دونك؟”. الفضيل بن عياض جاوز هذه المرحلة. فضيل بن عياض يقول: إنك لن تبلغ الدرجات العلى من الإيمان حتى تحب لأخيك أفضل مما تحب لنفسك. لأن ايش قال هنا؟ قال: “إذا كنت ترى وتتمنى للناس أن يكونوا مثلك، فانت لم تؤدِّ النصيحة”. لأنك أصلاً إذا قلت: “أتمنى الناس أن يكونوا مثلي”، وكأنك تشهد لنفسك بأنك بلغت الغاية، يعني هل واحد عاقل يقول: “أريد أن يكون الناس مثلي وهو على ذنوبه ومعاصيه”؟ لا يمكن. قال: “فكيف وأنت تتمنى أن يكونوا دونك؟”. بعض الناس لا يتمنى أن يصل الناس حتى إلى درجته هو، هل ولا يريد أن يصل الناس إلى هذه الدرجة؟ فهمتم؟ وهذا لا شك من النقص، فهمتم؟
ولهذا يا إخوة لا بد ألا ينظر الإنسان إلى نفسه بعين الرضا، لأنه إذا نظر العبد إلى نفسه بعين الرضا هلك. ولا يزال العبد يرى نفسه بعين النقص حتى ينجو عند الله، أما إذا رأى الكمال في هذا خلاص انتهى أمره.
ولهذا يقول محمد بن واسع، طبعًا هذه هذه الكلام للفضيل بن عياض يا إخوة، وهو أن تتمنى أن يكون الناس فوقك. يقول ابن رجب رحمه الله تعالى: “وهذه منزلة عالية ودرجة رفيعة، وهي مستحبة وليست واجبة”. هذه لكن أنت إذا فكرت فيها هذه المنزلة صحيح، يعني لا يمكن أن تتمنى أن يكون في مثلك، وأنت تطلع على الذي عندك، بل تقول: “لو كان الناس مثلي هلكت الدنيا”، فهمتم؟
كما قال إبراهيم النخعي، وفي ترجمة إبراهيم النخعي أن أقول لكم: اقرأوها. كثير من هذه اللفتات التي فيها عِظَم النفس. لما سئل وتكلم قال: “تكلمت وما وجدت بُدًّا”، “إن زمانًا أكون فيه فقيه الكوفة لَزمانُ سُوء”. هذا إبراهيم النخعي يا إخوة درس على طلاب ابن مسعود. يقول: “زمانًا أكون أنا فيه فقيه الكوفة لَزَمَانُ سُوء”.
محمد بن واسع يا إخوة كان يقول – وهو من التابعين – كان يقول لابنه: “أما أبوك فلا كثَّر الله في الناس أمثاله”، يعني هذا نفس الكلام. كان يقول لابنه: “أما أبوك فلا كثَّر الله في الناس أمثاله”. هذه واحد منا قد لا يقولها، صح؟ يعني بعض الناس يقول: يتمنى أن يكون الناس مثله. غير صحيح هذا، هذا خلل. إذا كنت تتمنى أن يكون الناس مثلك، إذا أنت راضٍ على ما أنت فيه، وترضى للناس أن يكونوا مثلك، وهذا ليس بجيد. لا يضر بأنك إن علمك الله علمًا أو فتح الله عليك في باب، تتمنى أن يُرزق الناس منه، هذا الذي نحن فيه في الحديث. أما أن تتمنى أن يصل الناس إلى مرتبتك أنت فقط، هذا عيب ونقص، فهمتم؟ ولهذا قال: “أما أبوك فلا كثَّر الله في الناس أمثاله”.
تعلمون محمد بن واسع يا إخوة قيل فيه أنه كان إذا أقبل الليل وكأنه قتل أهل القرية جميعًا. كان إذا أقبل الليل وكأنه قتل الناس جميعًا، من كثرة ما كان عنده من الخوف والوَجَل من الله تعالى. وهذه قيلت عن جماعة من السلف كابن المبارك وابن المسيب وغيره، فهمتم؟ ولهذا يقول محمد بن واسع – نشوف التواضع – كان يقول: “لو كان للذنوب ريح ما اقتربتم مني من ريحي”، والذي قالها القحطاني بعدُ في نظمه المشهور في العقيدة: “والله لو علموا قبيح سريرتي/ لأبى السلام عليَّ من يلقاني”.
نحن نقول: أنتم تعلمون، كل واحد فينا يعلم أن لولا ستر الله تعالى ما سلَّم علينا واحد، ولا سلمت أنت إلا على القليل من الخَلْق. لكن ستر الله علينا كبير، وفضل الله جل وعلا علينا واسع، وإلا لافتضحنا. يأتي واحد يقول: “أتمنى أن يكون الناس مثلي”، مستحيل، فهمتم؟ إذاً، لا بد أنك دائمًا تقول: “لا كثَّر الله تعالى في المسلمين مثلي”، بل تريد أن يكون الناس أكثر من هذا.
ولهذا كان يقول الشافعي: “وددت أن الخلق تعلَّموا هذا العلم ولم يُنسب لي منه حرف واحد”. لماذا يقول الشافعي هذا؟ لعدة أمور، منها: أن مراد الشافعي أن يبلغ الناس في العلم الغاية، وأن واحدًا يحصل علم الشافعي هذا نادر في الخَلْق، يعني من عصر الإمام الشافعي كم واحد جاء مثل الشافعي؟ هذا قليل في الخَلْق جدًا جدًا، فهمتم؟ لكن مع هذا كانوا يتمنون أن لو أن الناس تعلموا هذا ولم يُنسب إليهم حرف.
ولهذا كان شيخ الإسلام ابن تيمية إذا أُثني عليه – وما أكثر المُثْنين عليه في زمانه، كما كان أعداؤه كُثر، كان محبوه كُثر – كان ابن القيم يقول: وإذا أثني عليه، كان يقول: “أنا المُكْدِي وابن المُكْدِي، وهكذا كان أبي وجدي”، ثم يقول: “والله أنا للآن لا زلت أجدد إسلامي”، إسلام، لا يقول: “أنا بلغت درجة الإحسان”، كان يقول: “إنني الآن لا زلت أجدد إسلامي”. وهذه قالها من هو أَجَلّ وأشرف، وهو عبد الله بن مسعود رضي الله عنه. لما جاء واحد عند عبد الله بن مسعود قال: “أما أنا فلا أريد أن أكون من أصحاب اليمين، ولكنني أريد أن أكون من المقربين”. نظر إليه ابن مسعود وقال: “هاهنا في المجلس رجلًا” يقصد نفسه، “ودَّ أنه لو مات ما بُعِثَ أبدًا”. شفت؟ يعني قال: “أنت تخيَّر من اليمين والمقربين، وهذه درجات عُلَى”، فهمتم؟ المقربون يا إخوة هم السابقون بالخيرات، وأصحاب اليمين هم المقتصدون، فهمتم؟ ابن مسعود قال: “هناك رجل يقصد نفسه، ودَّ أنه ولو مات ما بُعِثَ أبدًا”. تعرفون أن ساقه فقط أثقل من جبل أحد يوم القيامة، ساقه فقط، فهمتم؟
أنا أذكر لكم هذا ليش؟ حتى الواحد لا يغتر بكثرة الزخم الذي لا… نحن لكثرة ما نرى من الضعفاء حولنا، ومن المسرفين على أنفسهم حولنا، تظن بأنك بلغت الغاية، فهمتم؟ لا تنظر إلى من هلك كيف هلك، ولكن انظر إلى من نجا كيف نجا. ولو عشت دهرك تُقارن نفسك بمن حولك – أغلبهم ليسوا على الإسلام أصلاً – لن تتقدم. لكن لو عشت مع الأئمة، تقرأ سيرهم وتتَّبع أخبارهم، علمت بأنهم في جبل وأنت في حفرة، بعيدة عنهم كبير جدًا. لكن الذي يسلِّيني ويسلِّيكم هو أن المرء مع من أحب، لأن أنا دائمًا أذكركم بحب الصحابة وسلامة الصدر عليهم ونقاء السريرة تجاههم، لأنك ما الذي بقي عندك؟ أين أنت في العلم؟ وأين أنت في العمل؟ وأين أنت في الإخلاص؟ وأين أنت في الصدق؟ وأين وأين وأين؟ الواحد منا يقرأ سير بعض العلماء المعاصرين ممن مات منذ فترة قليلة، تخجل على نفسك، يَحْشَم الإنسان حقيقة، يستحي من نفسه، فهمتم؟
ولهذا الإمام أحمد – وما أدراكم ما الإمام أحمد؟ – كان إذا أثنى الناس عليه – وحَقَّ له من يُثني عليه إمام بحق – ومع هذا يقول: “أنا أعلم منكم بنفسي”. هذه القاعدة يا إخوة التي قالها الإمام أحمد اجعلوها دائمًا عندكم: “أنا أعلم بنفسي منكم”، فلا يَغُرَّنَّك المُثْنُونَ والمادحون والمداحون، جزاهم الله خيرًا، الناس يُحسنون بك الظن فيما رأوا، لكن أنت لا يَضُرَّنَّك هذا، فهمتم؟ بعض الناس يسمع كلمة ثناء، يصدق بأنهم يقولون عنك: “أنت صائم”. بعضهم يوصف بأوصاف كبيرة، ويسمعه، صدق. لا تكذب على نفسك، جزاهم الله خيرًا، أحسنوا بك الظن، لكن أنت أعلم بنفسك من من هؤلاء. أسأل الله تعالى أن ينقي سرائرنا، أن يصلح أحوالنا.
قال أهل العلم: “ينبغي للعبد ألا يزال يرى نفسه مقصرًا عن الدرجات العالية، بعيد جدًا”. قال ابن رجب في “جامع العلوم”: قال: “فيستفيد من ذلك أمرين:
- الأمر الأول: أن يجتهد، لأنك إذا علمت بأنك لم تصل بعد لا زلت في اشتهاء. لهذا الشافعي يقول: “كلما ازددت علمًا، زادني علمًا بجهل”. إذا وضعت هذه القاعدة أمامك، تبقى إلى آخر حياتك تقرأ وتستفيد. أما من ظن أنه بلغ الغاية، فيتأخر. ولهذا ابنك إذا كان يأتي بمعدل ثمانية عشر على عشرين، قل له: “أنت بلغت الغاية؟ الغاية عشرين. وبعد أن يبلغ عشرين، الغاية أن تأتي المرة التي بعدها بعشرين”. أما إذا أوهمت ابنك بأنه قد بلغ الغاية، سترى التأخر بعدها يومًا بعد يوم، فهمتم؟ أنت عن نفسك إذا بلغت شيئًا – مثلاً في رمضان هذا ختمت القرآن عددًا من الختمات – ضع أمامك أنك إذا رمضان الذي بعده ختمت أقل، فأنت في تأخر. إذا بلغت غاية، إن لم تتقدم، لا تتأخر عنها. إذاً، الأمر الأول مواصلة الاجتهاد، وهذا لا يكون إلا بالنظر إلى النفس بعين النقص.
- الثاني: ألا يغتر العبد بنفسه، ولهذا يجب أن تتمنى أن يكون الناس – أو لا أقول يجب – يُستحب لك أن تتمنى أن يكون الناس خيرًا منك، لأنك إذا أردت وإذا علمت بنقصك، علمت بأنك بما أنك ناقص لا ترضى أن يكون الناس ناقصين مثلك.
إذاً: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير).
ولهذا قال ابن رجب: “وهذا كله إنما يأتي من كمال سلامة الصدر من الغل والغش والحسد“. القلب الذي عنده غل على المسلمين يتمنى أن يكون الناس دونه، والذي يغش المسلمين يتمنى أن يكون الناس دونه. ولهذا الذي يغش المسلمين يأتيهم يكذب عليهم بأن الجنة قد دخلوها أو حصلت لهم. الناصح ليس هكذا، الناصح يبيِّن للناس، لا يُقنِّط الناس من رحمة الله، ولا يجعل الناس مُرجئة يقولون: “لا يضر مع الإيمان ذنب”. العقل والدين يقول: لا بد أن تدعو بحكمة وموعظة حسنة ترغِّب وترهِّب.
لهذا قال ابن رجب: “قال: والغش والحسد”، ثم فصَّل ذلك فقال: “فإن الحسد يقتضي أن يكره الحاسد أن يفوقه أحد في خير أو يساويه فيه؛ لأنه ويحب أن يمتاز على الناس بفضائله وينفرد بها عنهم”. قال: “والإيمان يقتضي خلاف ذلك، وأن يشركه المؤمنون فيما أعطاه الله تعالى من الخير”.
أكبر آفة هذا الحديث الحسد؛ لأن الحسد هو الذي يجعلك ليس تتمنى فقط أن يكون الناس دونه، بل تتمنى أن الخير الذي عندهم أن يزول عنهم بالكلية. ولهذا ذكرنا لكم ميراث الحسد، مرض عجيب. ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ (النساء: 54)، و**﴿ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ﴾** (الفلق: 5). الحسد بليَّة عظيمة، لا يمكن أن تطبق هذا الحديث وقلبك حسود. الإشكال أن الحاسود أكثر ما يضر، يضر نفسه. ولهذا قالوا قديمًا: “لله دَرُّ الحسد ما أعدلَه، بدأ بصاحبه فقتله”. ولو كان الناس يتحاسدون في الدين تكون أهون؛ لأن هذا يسمى غِبْطة ولا يسمى حسدًا. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا حسد إلا في اثنتين)، وذكر منهما العلم والمال الذي يُنفق. أما أن تحسد الناس في كل شيء من أمور الدنيا، ستعيش معذَّبًا في نكد من العيش، وإن ملكت مال قارون؛ لأنك لا تنعم بشيء.
إذاً يا إخوة، إذا أردتم أن تطبقوا هذا الحديث لا بد أن تنقى القلوب من داء الحسد، وداء الحسد ابن القيم رحمه الله تعالى له كلام حسن في تفسير المعوذتين في “بدائع الفوائد” وقد طُبعت مستقلة، وذُكرت في تفسير “بدائع التفسير” وغيره، وهو أن الحسد له كثير من الأمور، تُقوي بها القلب، فهمتم؟ منها أن العبد يعظِّم الآخرة في قلبه، وينظر إلى الدنيا بعين الاحتقار. لأن الذي يحسد الناس على الدنيا، يقول: الدنيا ما قيمتها؟ لا قيمة لها. لكن التفاضل الحقيقي وين؟ ﴿ لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ ﴾ (الصافات: 61)، ﴿ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ ﴾ (المطففين: 26). التنافس الحقيقي يكون في الدين لا يكون في الدنيا.
ولهذا تكلمنا على حديث: (الدين النصيحة). حديث الدين النصيحة داخل في هذا الحديث؛ لأن من النصيحة للمسلمين أن تحب للمسلمين ما تحب لنفسك من الخير. فإذا علمك الله تعالى التوحيد، لا يمكن لك أن ترضى بأن يبقى الناس على الشرك. وإذا مَنَّ الله تعالى عليك بعلم تفرِّق به بين السنة والبدعة، لا يمكن لك أن ترضى أن يبقى الناس على البدعة والضلال، فهمتم؟ ولهذا قلت لكم في أكثر من موطن: من قال للناس: “لا تهتموا بتوحيد العقيدة ولا تهتموا بالشرك، لأن المسلمين لن يقعوا في هذا”. قلت لكم: هذا أكبر غشاش، هو لا يقع في الشرك، لكنه لا يضره أن يقع المسلمون في الشرك. هذا لم يحب للمسلمين ما يحب لنفسه. الذي يحب للمسلمين ما يحب لنفسه إذا جاء هو للصلاة ويرى جاره لا يصلي لا يتشمت. أنت مؤمن تصلي، وترضى أن إنسانًا لا يصلي؟ فهمتم؟
بعض الناس إذا رأى عدوه الذي يكرهه من أجل الدنيا، رآه قد انتكس في الدين، تشمَّت فيه. يا أخي لا تتشمت في العصاة؛ فإن ظهور المعاصي عليهم ثُلْمَة في الإسلام. هذه عورة من عورات المسلمين لا ينبغي لك أن تكشفها. أَحْشِمْ أن واحدًا من المسلمين انحرف، ناهيك عن واحد أطلق لحيته وقصَّر ثوبه وطلب العلم ثم انتكس، وقد رأينا – كما رأى كثير من إخواننا – قصصًا من هذا، ويبقى الإنسان أيامًا وهو في سجوده لا يدعو إلا بـ “يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك”. إن العبد يخاف، يقول: هو اليوم وربما أنا غدًا. ولهذا كلما تمنيت الخير للمسلمين، كلما يُرجى لك أن تكون أنت من أهل الخير؛ لأن قلبك سليم.
ولهذا بعض الناس إذا رآه إنسان كانت سقطت، الشماتة في: (الأيام دُوَل، من سرَّه زمن ساءته أزمان). إذا سقطت أنت، ستتذوق مرارة الشامتين، وحينها تعلم. ولهذا يقول ابن حزم في “تزكية النفوس”: “إذا أردت أن تعلم مرارة الظلم، ضع نفسك لحظة واحدة مكان المظلوم، تعلم أن الظلم ظلمات عند الله جل جلاله”.
إذاً، هذا الحديث يا إخوة ليس بالأمر الهين أن يُطبق. أنا لا أقول لكم بأنك في لحظة ستكون سليم الصدر نقي السريرة تحب للمسلمين كل خير، لكن جاهد نفسك في هذا الأمر مرة بعد مرة، فإذا جاءك الحسد فادفعه وقل: لأن المسألة إذا تمنيت الخير للناس، تزداد خيرًا عند الله ولا ينقص منك شيء. بعض الناس لا يحب فضل الله على أي واحد إلا عليه. ولهذا لما قال الرجل الأعرابي: “اللهم ارحمني وارحم محمدًا ولا ترحم أحدًا معي”. ايش قال النبي صلى الله عليه وسلم؟ (لقد تحجَّرْت واسعًا). رحمة الله تعالى يا إخوة كبيرة، والله تعالى يرحمك ويرحمك ويرحمه.
لهذا سيأتي معنا في حديث أبي ذر: “لو أن الناس جميعًا في الجنة، هل يزيد هذا في ملك الله شيئًا؟ ولو أن الخَلْق جميعًا في النار، لا يضر الله تعالى شيئًا”. فمثلاً لك أنت، فإذا تمنيت الخير أنت تتمنى الربح لنفسك.
هذا الحديث يا إخوة استفادوا منه عدة أمور:
- أن يحب المسلم لأخيه المسلم ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه. وقلت لكم إن هذا يكون في الدين بالأساس، أما الدنيا فهذا أمر آخر.
- الترغيب في ذلك الأمر، وأن ضِدَّ هذا الأمر منافٍ لكمال الإيمان الواجب.
- يُستفاد أيضًا منه أن المؤمنين يتفاوتون في الإيمان. لماذا يتفاوتون في الإيمان؟ كيف يُستنبط هذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم)، فَنَفَى كمال الإيمان الواجب عمن لم يحقق هذه، فمن لم يتمنى لأخيه ما يتمنى لنفسه من الخير كان إيمانه أقل من الذي اتصف بتلك الخصلة، فدل على أن المؤمنين يتفاضلون، وعقيدة أهل السنة والجماعة أن الإيمان ليس شيئًا واحدًا. ولهذا يقول المرجئة: “الناس في الإيمان شيء واحد كالمشط عند تماثل الأسنان”، حتى قال غلاتهم: “إيمان جبريل وإيمان أفسق هذه الأمة على درجة واحدة” والعياذ بالله، هذا باطل، حكايته تكفي في إبطاله.
- من فوائد هذا الحديث تعبير النبي صلى الله عليه وسلم بلفظ “أخيه”، وهذا فيه استعطاف للمؤمن. النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لغيره)؟ لا. قال: (لأخيه)، فذكَّرك بأن الذي أنت تحب له الخير هو أخوك، وهذا فيه لفظ يشير إلى أنك لا تنسى أن هذا أخ لك في الإسلام، إن كنت صاحبًا له أو لست بصاحب له. أخوة الدين لا يمكن أن تُنزعها. وهذا في القرآن قال تعالى في مسألة أعظم من هذا، ومسألة القتل: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ﴾ (البقرة: 178). فمن عُفِيَ له من أخيه، شكون من أخيه؟ الأخوة هنا بين من ومن؟ بين القاتل وولي القاتل. قاتل، قَتَل ومقتول مات، بقي أهل المقتول: أولياؤه. فالله تعالى قال: ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ ﴾، فسماه أخًا له وهو قاتل لأخيه، أنتم! إذاً، قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه) تذكير لطيف لأنك لا تنسى أيها المسلم أن هذا الأخ هذا المسلم هو أخو لك في الدين. طبعًا هناك فوائد كثيرة في هذا الحديث، منها أيضًا التحذير من الحسد، لأن الحسد ينافي هذا الحديث، وهذا قد تكلمنا عنه قبل ذلك.
الحديث الرابع عشر
قال عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«(لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة) رواه البخاري ومسلم».
ابن مسعود تقدم الكلام عنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل)، ضد الحل: الحُرْمة، فإذا كان لا يحل، لأنه حرام. ودم المسلم على المسلم حرام، بل كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه.
إذا قال هنا: (لا يحل دم امرئ)، اللامُ ريَقُ [الكلمة غير واضحة في الأصل، أبقيتها] مُذَكَّر المرأة. كُلٌّ: مرأة وامرأة وامرؤ وامرأة. لكن هنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: (امرئ مسلم)، هل واحد يقول: “لا، إذا النساء يجوز قتلهن”؟ يجوز هذا الاستنباط؟ لا يجوز طبعًا؛ لأنها معبَّرة بالغالب، وكان يخاطب الرجال في الغالب في هذا، فقول النبي (امرئ) يدخل فيه المرأة، ولهذا بالإجماع، المرأة داخلة في هذا، بل المرأة داخلة في كل الأحكام الشرعية إلا ما جاء التنصيص عليه بأن المرأة تخالف فيه الرجل، وإلا (النساء شقائق الرجال).
قال: (لا يحل دم امرئ مسلم). قوله: (مسلم) خرج به كافر، الكلام ليس على الكافر، الكافر له حكم آخر، (إلا بإحدى ثلاث)، يعني هناك ثلاثة أمور تخرج دم المسلم – ليس الكلام على غيره – ثلاثة أمور تخرج دم المسلم من الحُرْمة إلى الحل، يعني لا يجوز قتله قبلها، فإذا جاء بأحد هذه الأمور جاز قتله.
أولًا: الثيب الزاني. الثيب من هو؟ المحصن. نعم، سيأتي معنا ذكر شروطه. إذاً، الثيب هو المحصن، عكسه ما هو؟ عندما نقول المحصن، لو أن رجلًا تزوَّج ليلة وطلق، محصن ولا لا؟ محصن. بعض الناس يظن أن الكلام في الحالة المدنية، لا. إذا تزوَّج مرة واحدة فقط، ولو كان حين الذنب أعزب، هذا حكمه حكم محصن، لأنه قال أهل العلم: “إذا ذاق العُسَيلة ولو مرة”.
إذاً قال هنا: (الثيب الزاني). الزنا تعرفونه؛ لأن حكمه في الشريعة الرجم، وكان هذا مما كان موجودًا في القرآن لفظًا، ثم نسخ لفظه وبقي حكمه، فهمتم؟ بقي الحكم ورُفع اللفظ، وقد يُرفع اللفظ والحكم، وهذا مبحثه في مباحث النسخ من كتب أصول الفقه. فمن صور النسخ المشهورة: أن يُرفع اللفظ ويبقى الحكم. كان فيما يُتلى من القرآن: (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله)، لكن هذا رُفع لفظه وبقي حكمه، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم الغامدية ورجم ماعزًا، والحديث في الصحيحين، فهمتم؟
إذاً قال هنا: (الثيب الزاني). ذكر أهل العلم – كما ذكره ابن رشيق المالكي – شروط الإحصان يا إخوة ستة، وهي: الإسلام، والبلوغ، والعقل، والحرية، والنكاح الصحيح، والوطء المباح. هذه الستة إذا اجتمعت جاز الرجم، وإلا لا يجوز. ولهذا نظمها هنا ابن رشيق بقوله:
(شروط الحصانة ست أَتَت/ فخذها على النص مستفهما/ بلوغٌ وعقلٌ وحريةٌ/ ورابعها مسلمًا/ وعقد صحيح ووطء مباح/ متى اختل شرط فلن يُرجما).
فهمتم؟ إذا اختل شرط من هذه الأمور فلا يجوز أن يُرجم. إذا قال: (الثيب الزاني).
بعض الناس لا يفهم من كلمة الإسلام وكلمة الشريعة الإسلامية إلا هذا. كم رُجِم في تاريخ الإسلام من واحد؟ أنا ذكرت لكم مرة أنا شفت غزوات النبي كلها، ذكرت لكم أحسنت! أَلْفُ متر [غير واضحة، أبقيتها كما هي] جميعًا كلُّه ليسوا أهلًا لأن يتكلموا على قتل الناس. إذاً، بعض الناس لا يفهم من الشريعة إلا هذا، يعني لو رأيتم الشروط التي وضعتها الشريعة لرجم الزاني، تقول: “لا يكاد يكون ممكنًا”، إلا إذا اعترف صاحب الإثم بنفسه. وإذا اعترف، كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتيه الرجل يعترف فيصُدُّه. يأتيه ماعز مرة فيصُدُّه، يقول: (شمُّوه، هل به خمر؟) لا. (هل به جنون؟) لا. ثم لما رُجِم – ذكرت لكم هذا – هو حديث الصحيحين. قال جابر – وكان في من رجمهم – قال: (فلما أذلقته الحجارة فَرّ، فلما فر أدركوه وقتلوه). فلما جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، النبي قال: (هلاَّ تركتموه إذ جعل الله له مخرجًا؟). ليش ليش تُدركونه أصلاً؟ أن لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: “لا، لا بد من إدراكهم وقتًا”. قال: (هلاَّ تركتموه إذ فَرّ). فهمتم؟ فليس المراد قتل الناس، وإنما المراد حفظ العفة في المجتمع، وليس هذا موضع بسط هذا الأمر.
ثم قال: والنفس بالنفس. من قتل نفسًا قُتل، وهذا أمر ليس غريبًا حتى الآن. كثير من الدول الغربية ما زال حكم الإعدام عندها جليًّا. وفي هذا البلد متى وُقف؟ تقريبًا ثمانية وسبعين، آخر واحد أُعدم في هذا البلد، وهو للأسف والعياذ بالله. طريقة إعدام تعلمونها: قطع رأس مباشرة. فـ (النفس بالنفس) ليس أمرًا غريبًا، بل هو مشروع هذا بنص القرآن.
قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى ﴾ (البقرة: 178). وقال: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾ (البقرة: 179).
ذكرت لكم هذا مرارًا: الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى، ﴿ فَمَنْ عُفِيَ لَهُ ﴾ الآيات في البقرة معروفة، فهمتم؟ فالشريعة جاءت بأنها إذا قَتَل إنسان – كما فصَّلته آيات النساء – أنت إذا قتلت عمدًا فالجزاء معروف. وإذا قتلت عن خطأ، فهناك تفصيل بين من قتلته كما بينته آيات النساء.
الذي يعنينا أن الشريعة جاءت بأن من قتل أحدًا استحق القتل، النفس بالنفس. فإن عفا أهل الميت، يُعفَى عنه ولا؟ يُعفَى عنه. لكنه لأن القاتل له حقان: حق للميت وأهله، وحق لله. إذا سقط للميت حقهم في القصاص، لا يسقط حق الله تعالى، أما بإعتاق رقبة فصيام شهرين متتابعين، فهمتم؟ هذا حق الله تعالى، فإذا تاب تاب الله عليه. ولهذا نحن نقول بأن القاتل والزاني وشارب الخمر وآكل الربا جميعهم والمشرك، من تاب تاب الله عليه. فإن لقي الله تعالى قاتل نفس يُخشى عليه، لكننا لا نقول بأنه كافر كما يقول الخوارج، بل نقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾ (النساء: 48)، فالأمر تحت مشيئة الله تعالى. لكن لا شك أن من لقي الله تعالى في نفس لا شك أنه على خطر عظيم، مسألة الدماء في الشريعة عظيمة، وسيأتي إن شاء الله معنا مزيد بيان لذلك.
قال: (والنفس بالنفس) أي القتل قصاصًا، وهذا متى يقع؟ بشروطه وبقاضٍ يحكم وغير ذلك. ولهذا سيأتي معنا: الحدود يا إخوة من يُقيمها؟ الحاكم أو من ينوب عنه، ولا يُقيمها كل واحد، كما نرى من هذه الجماعات يجتمع أربعة في جبل ويصبحوا يُقيموا الحدود على الناس. هذا من جنون الخوارج الذي أفسدوا به الدين. ثم ما رأيتم فيما فعلت بعض الجماعات التكفيرية في هذا العصر، يقتلون الناس بأبشع الطرق ويصورون ذلك وينشرونه على الشبكة. هو يظن بأنه يُرهب العدو، أنت أفسدت دينك وأفسدت صورة دينك لأنك جئت بأمر باطل، وليس من الشريعة فعل هذا الأمر. فالقتل ليس لذة في نفسه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قاتل ينهى عن قتل النساء والشيخ الكبير المُسِنّ والعابد في صومعته ومن لم يقاتل ومن عاهده ومن ائتمنه ومن ومن، بل الناس يغدرون به والنبي صلى الله عليه وسلم لا يقتلهم. سيأتي معنا إن شاء الله في السيرة النبوية.
من الذي بدأ بالغدر في فتح مكة؟ قريش. قريش خانت العهد، ومع هذا النبي صلى الله عليه وسلم دخل لم يُهدر إلا دم أربعة أو خمسة فقط، وأما الباقي فقال لهم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء). ولهذا يا إخوة لا ينبغي لأحدكم أنه يكون كأنه مستحي من دينه، لا دينك يرفع رأسك، بل ما رفع رأسك إلا بالدين، فهمتم؟ وإلا غير هذا أنت ليس لك قدر ولا قيمة، لكن الدين لمن فهمه.
قال: (والتارك لدينه المفارق للجماعة). والمراد به هنا من ارتد عن دين الإسلام، لأنه ترك دينه. التارك لدينه يا إخوة مرتد. والمفارق للجماعة لأنه بذلك فارق الجماعة، وبعضهم قال: “لا. التارك لدينه شيء، والمفارق للجماعة شيء آخر”.
سيكون هنا كما قال أهل العلم، قالوا: “فمن فارق الجماعة فقد بدل دينه”. فالذي يعنينا هنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التارك لدينه المفارق للجماعة)، من ترك دينه فارق الجماعة، فهمتم؟ لكن قد يفارق الجماعة ولا يترك دينه كالخوارج والبغاة ومن قاتل المسلمين. لم يبدِّل دينه لكنه فارق الجماعة، فهذا يُقتل ولا؟ يُقتل. إذاً عندنا كم من أمر هنا؟ اثنين. النبي ذكرهما في حديث واحد في أمر واحد بعد ذكر ثلاث وقال: (التارك لدينه المفارق للجماعة)، فدل على أن من ترك دينه فارق الجماعة. لكن أيضًا من فارق الجماعة قد يُقتل كما قتل النبي صلى الله عليه وسلم، أمر بقتل الخوارج، بل تَعُدُّ أهل العلم من أعظم مناقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه قتاله للخوارج. قتاله للخوارج. وكما نقتل البغاة وقطاع الطرق الذين يخرجون على المسلمين ويفعلون ما يفعلون.
ولهذا أهل العلم يقولون هنا: الجماعة نوعان: جماعة أديان وجماعة أبدان. من خرج على جماعة الأديان خرج على جماعة الأبدان، ومن خرج على جماعة الأبدان خرج على جماعة الأديان.
الأديان هي عقيدة المسلمين. من فارق المسلمين في عقيدتهم، يوشك أن يخرج من جماعتهم. غالبًا من ارتد يا إخوة لا يبقى مع جماعة المسلمين، لعدة أسباب، منها خوفًا على نفسه، ومنها لأنه لا يرتضي هذه الجماعة فيبحث عن جماعة غيرها. إذاً، من فارق عقيدة المسلمين دينًا (جماعة الأديان) سينتهي به الأمر لأن يفارق جماعة الأبدان.
طيب، ومن فارق جماعة الأبدان؟ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وإنَّ الذئب ليأكل من الغنم القاصية). من خرج على جماعة المسلمين سيفتك به الشيطان وسينتهي به الأمر إلى أن يغير دينه، إما أن يغيره كليًا أو أن يغيره جزئيًا، فهمتم؟ ولهذا العلماء يقولون: الظاهر مرتبط بالباطن غالبًا. ولهذا قال بعض السلف: “من ابتدع بدعة غلَّ قلبه على المسلمين”، انظروا الجماعات التكفيرية في هذا العصر، يفعلون ما يُسمى بمرحلة في تربية الناشئة عندهم يسمونها العزلة الشعورية. وهذه يستعملها أصحاب حتى الجماعات الكافرة، يستعملون هذه الطريقة. العزلة الشعورية ما هي؟ يوهمك بأنك أنت مكانك ليس هنا، وأن الناس الذين تعيشون وتعيش معهم قد ارتدوا، وأن الدولة هذه كافرة، وأن الشرطي كافر، وأن أباك كافر، وأن وأن، حتى تنعزل شعوريًا ينتهي بك الأمر لأنك تذهب وتقتل والدك ولا يضرك، كما فعل بعضهم. ليس هذا غريبًا عنكم، من يكفِّر أمه وأباه وغير ذلك. اشتهرت قصة الذي كفَّر أخته وحكم بقتلها لأنها تزوجت شرطيًا. هذا هذا في الجزائر، يعني ليس في القرون الوسطى، فهمتم؟
إذاً، جماعة الأديان تؤثر على جماعة الأبدان، وهذا أظن ذكرت لكم في دروس مضت وربما نزيد بيانًا إن شاء الله تعالى. ولهذا يقول ابن الملقن رحمه الله تعالى في شيء يقول: “يدخل في قوله: (المفارق للجماعة) يدخل في هذا الوصف كل من خرج عن جماعة المسلمين، فإذا لم يكن مرتدًا كالخوارج وأهل البدع وأهل البغي”، قال: “ودمهم حلال بالإجماع؛ لأن هؤلاء يقاتلون”. قال: “وكل من فارق الجماعة فقد بدَّل دينه، غير أن المرتد بدَّل كلَّه، وهؤلاء بدَّلوا بعضًا”. وهذا كلام عظيم. يعني لو قلت للخوارج وغير ذلك: “هؤلاء بدَّلوا دينهم”، يقول لك واحد: “أنت تكفِّر الناس”. لا. تبديل الدين نوعي جزئي وهو كله. فنحن نقول إن هؤلاء إما أن يبدلوه كليًا، وهذا قد ارتد، وإما أن يبدلوه جزئيًا؛ لأن البدعة تمسخ الإنسان.
معلش إذا لم تستطع شيئًا فدعه، وجاوزه إلى ما تستطيع أن تحفظه من هذا الحديث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة.
طبعًا هذا الحديث يا إخوة ظاهره يفيد، لكن جاءت نصوص تبين على أن هناك أقوامًا آخرين يُقتلون، الساحر يُقتل، فهمتم؟ بعضهم قال: شارب الخمر إذا تكرَّر جلده يُقتل، والسارق كذلك، والجاسوس كذلك. وإذا بُويع لخليفة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اقتلوا الآخر منهما)؛ لأنه وسيفرِّق جماعة المسلمين. وهكذا إذاً هناك جاءت أقوام في الشريعة يجوز قتلهم غير هؤلاء الثلاثة.
يُستفاد من هذا الحديث عدة أمور:
- عصمة دم المسلم إلا إذا أتى بواحدة من هذه الثلاث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث)، دل على أن فيما سوى هذا لا تتلبس بدم واحد من المسلمين، فهمتم؟ ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أول ما يُقضى يوم القيامة في الدماء)، و**(ولا يزال الرجل في فسحة من دينه ما لم يُصِبْ دمًا حرامًا)**. الشريعة جاءت بسد وتضييق دائرة القتل، بل ضيَّقت هذا الأمر. ولهذا الشريعة حرَّمت النميمة. لماذا حرَّمت النميمة؟ قال أهل العلم: “إن النميمة هي مقدمة القتل”. الشريعة ضيَّقت هذا الباب. احنا الآن نقول: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه)، وأنت تتمنى لأخيك الموت والقتل، فهمتم؟ لهذا لا بد أنك إذا رأيت إنسانًا في قلبه تَخَيُّظ على المسلمين، ولا يتكلم كلمة إلا استعملت لفظة الردة والكفر وغير ذلك والجاهلية، اعلم أنه على طريق الخوارج وأن هذا بدأ يدب فيه هذا المرض، وهو مرض الغِلّ على جماعة المسلمين، فهمتم؟ والعامي الذي يقرأ كتابًا واحدًا خير من هذا الذي تعلَّم حتى كفَّر جماعة المسلمين.
- حكم الزاني المحصن، وحكمه الرجم كما لا يخفى عليه.
- أن من قتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه نفس القتل، النفس بالنفس. وتفاصيل هذا في كتب الفقه ويختلف فيها أهل العلم في بعض المسائل كالذكر بالأنثى والحر بالعبد والمسلم بغيره وغير ذلك، وهذه مباحث في كتاب الجنايات من كتب الفقه هذا محل بسطه.
- قتل المرتد عن دين الإسلام، ذكرًا كان أو أنثى.
- أن إقامة الحدود إنما هي مهمة الحاكم أو من ينوب عنه، واضح؟ وإلا ترى واحدًا سارقًا في الطريق تمسكه وتقطع يده؟ هذا لا يمكن. لا. لا بد أن يُشهد. شوفوا أنتم الزنا، الشريعة كيف ضيَّقت دائرة هذا الأمر، لا بد أن يشهد أربعة لأنهم رأوا كما ترى المكحلة تدخل، فهمتم؟ الميل في المكحلة كيف يدخل؟ تراه لا تشك فيه، إذا رأيت هذا ومعك ثلاثة آخرون وأنتم عُدُول، تُقبل شهادتكم، جاز لكم أن تتكلموا. فإذا كنت وحدك إذا تكلمت، ما الذي سيقع؟ ستُجلد حد المفتري ثمانين جلدة، ولن تُقبل لك شهادة بعد ذلك كما فسرته سورة النور. واضح يا إخوة؟ إذاً، ليست مسألة الحدود مسألة سهلة، ولهذا انظر تأمل تاريخ المسلمين، تجد أن هذا في الخَلْق قليل جدًا، فهمتم؟ لأن الله تعالى قال: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ﴾ (البقرة: 179). انظروا الآن كل القوانين التي يقوم بها الغرب والشرق، هل ردعت من السرقة؟ هل ردعت من القتل؟ هل ردعت؟ السجون مليئة والإجرام كثير وهم يشتكون من عدم نجاعة الأمور التي فعلوها. ولو تأملوا تاريخ المسلمين، إن أعظم أمة حفظت دماء الناس هي أمة المسلمين. ولهذا لا يقول واحد: “هذا الكلام على ما بينكم”. لا. النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من قتل ذمياً أو معاهداً لم يَرِحْ رائحة الجنة، وإن ريحها لَيُشَمُّ من مسيرة كذا وكذا). ريح الجنة يا إخوة ليس عطر الدنيا، يعني يُشَمُّ من بَعْد كذا وكذا. الذي يقتل مُعاهَدًا أو ذمِّيًا أي أعطى ذمَّتَهُ للمسلمين ودفع لهم الجزية، هذا لن يَرِحْ رائحة الجنة، وهذا وعيد شديد، فهمتم؟ فالشريعة لم تأتِ فقط بحفظ دماء المسلمين، بل بحفظ الناس، لكن جوَّزت القتل أو القتال في دائرة خاصة لأسباب خاصة، مع ما فعلت حتى يُحفَظ الناس. وهذا بسطه تكلمنا عليه في السيرة وربما نزيد الكلام عليه بإذن الله تعالى.
نكتفي بهذا القدر، والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.