الدرس 1 من شرح موطأ مالك – عبدالسلام الشويعر

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعدُ:

​اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولوالديه ولجميع المسلمين.

قال الفقير إلى الله الغني عبد الرحيم بن عبد الكريم بن نصر الله الجُراعي، عفا الله سبحانه عنه:

أخبرنا الشيخ الإمام العلامة زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن الشافعي، الشهير بابن العراقي، فسح الله مدته، قال: أخبرني محمد بن أبي القاسم بن إسماعيل، ومحمد بن أبي عبد الله بن محمد القلانسِي بقراءة عليهما، قالا: أخبرتنا سيدة بنت موسى قالت: أنبأنا المؤيد بن محمد في كتابه قال: أنبأنا هبة الله بن سهل قال: أنبأنا سعيد بن محمد البُحيري قال: أنبأنا زاهر بن أحمد السرخسي قال: أنبأنا إبراهيم بن عبد الصمد قال: حدثنا أحمد بن أبي بكر قال: حدثنا مالك. (ح)

وأخبرنا شيخنا شيخ الإسلام سعيد الدين محمد بن مسعود الكازروني رحمه الله تعالى قال: أخبرتنا الشيخة الصالحة عائشة بنت الحافظ عفيف الدين عبد الرحيم بن الزجاج، عن الشيخ الحافظ أبي الحسن علي بن عبد اللطيف بن يحيى الدِّينَوَري، المدعو بابن الخَيِّمي، عن الكاتبة فخر النساء شُهدة بنت أحمد بن الفرج الإِبَرِي. وقال شيخنا عفيف الدين الكازروني فسح الله مدته:

أخبرتنا الشيخة المسندة زينب بنت أحمد بن عبد الرحيم بن عبد الواحد المقدسية إجازة، عن الشيخ أبي محمد إبراهيم بن محمود بن سالم بن مهدي المعروف بابن الخير المقرئ قال: أخبرتنا شُهدة الكاتبة قالت: أخبرنا أبو الحسين أحمد بن عبد القادر بن يوسف قال: أنبأنا أبو عمر عثمان بن محمد بن يوسف بن جُوستَا، قال: هو والحافظ أبو نُعيم: أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعي البزّار قال: أنبأنا أبو يعقوب إسحاق بن الحسن بن ميمون الحربي. نعم.

​قال: أما بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. ثم أما بعدُ:

​فإن هذا الإسناد الذي قُرئ قبل قليل هو إسناد النسخة التي وصلتنا من موطأ الإمام مالك رحمه الله تعالى، برواية عبد الله بن مسلمة القعنبي المدني رحمه الله تعالى، ثم البصري. وهذا الإسناد أوله ليس متعلقاً بهذه الرواية، وإنما الإسناد الثاني هو المتعلق بهذه الرواية. وأسانيد أهل العصر تتصل بهذا الإسناد من طرق متعددة، وجُلُّها يرجع للحافظ ولعدد من الذين يُسندون إليه كالسخاوي وغيره. ومما تتصل به الأسانيد لناسخ هذا الكتاب أو بعض شيوخه: الأسانيد التي رُويت عن طريق مشايخ الحرمين.

​وسأذكر إسناداً من هذه الأسانيد ثم يوصل بالإثبات المشهورة المعروفة ويُرفع السند بعد ذلك. فمن ذلك أن هذا الكتاب وغيره من الكتب أجاز به الشيخ عبد الفتاح بن حسين رَاوَه الجاوي ثم المكي، المدرِّس في المسجد الحرام، والمتوفى سنة ألف وأربع مئة وأربع وعشرين من الهجرة، فقد أجاز بهذا الكتاب ورواه عن الشيخ عمر بن حمدان المَحْرَصي المدني ثم المدني المتوفى ألف وثلاث مئة وستة وثمانين – أو ثمانية وستين – من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. وشيخنا الشيخ عبد الفتاح راوة له ثبْت مشهور “المصاعد الراوية”. وشيخه عمر بن حمدان جُمع له ثبْت مشهور في ثلاثة أجزاء مشهورة اسمه “مَطْمَع الوجدان في مشايخي وشيوخي وأسانيد عمر بن حمدان”. وبهذين الثَبَتَيْن يتصلوا بالإثبات المشهورة.

​عندنا قبل أن نبدأ في قراءة هذا الكتاب عدد من المسائل المهمة التي سأشير إليها على سبيل العُجالة والاختصار بإذن الله عز وجل. فأول هذه المسائل أن هذا الكتاب الذي نقرؤه هو كتاب “موطأ الإمام مالك” رحمه الله تعالى. وموطأ الإمام مالك رحمه الله تعالى كتاب عظيم، وقد عُني به الأئمة عناية جليلة. وقد رُوي عنه رحمه الله تعالى بروايات متعددة، أوصلها بعضهم لخمسين رواية، وجاوز بعضهم عدد الروايات المنقولة عن الإمام مالك لهذا الكتاب لمئة راوٍ عنه رحمه الله تعالى. إذ الرواة عن الإمام مالك نوعان: رواة للموطأ ورواة خارج الموطأ.

​وسيأتي بمشيئة الله عز وجل تفصيل أكثر من ذلك فيما يتعلق بهذا. بيد أن قراءتنا في هذا المجلس وما بعده بمشيئة الله عز وجل سيكون لرواية عبد الله بن مسلمة القعنبي المدني. وسبب اختيار هذه الرواية عدد من الأمور. أول هذه الأمور أن هذه الرواية تعتبر عند كثير وجمع من أهل العلم من أصح الروايات عن الإمام مالك لهذا الكتاب، فقد جزم الإمام أحمد ويحيى بن معين وعلي بن المديني والنسائي وأبو حاتم وغيرهم بتفضيل هذه الرواية على غيرها. فمن ذلك أن الإمام علي بن المديني قال: “لا أقدم من رواة الموطأ على القعنبي أحداً”. وقال الإمام أحمد لما سُئل: عمن أكتب الموطأ؟ قال: “اكتبه عن القعنبي”. وقال أبو عبد الله الحاكم: سُئلت بعد سنة سبعين وثلاث مائة من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم عن أصحاب الموطأ ورواياتهم: أيها أصح وأعلى؟ قال: فقلت: رواية القعنبي العالم الزاهد. ومثل ذلك ما نقله الحافظ ابن حبان أن يحيى بن معين كان لا يقدم على القعنبي عن مالك أحداً. ثم قال ابن حبان: لو صح سماع سَلَمة عن أنس رضي الله عنه لأدخلنا القعنبي في طبقة أتباع التابعين، لكن لم يصح سماعه عندنا. وذكرت لكم كذلك أن أبا حاتم والنسائي وجمع من أهل العلم قدموا رواية القعنبي على غيره.

​وسبب تقديم رواية القعنبي عدد من الأمور. من ذلك أن القعنبي رحمه الله تعالى لم يكتفِ بقراءة القارئ على مالك، بل إنه قيل: إنه قرأه، وقيل: إنه قرأ عليه مالك. وقد جاء في بعض الكتب وفي ذكر – أن في إسنادها ضعفاً – أن القعنبي قال: اختلفت إلى مالك ثلاثين سنة، ما من حديث في الموطأ إلا لو شئت لقلت سمعته منه مراراً، ولكني اقتصرت على عليه. وذلك أن مالكاً رحمه الله تعالى قرأ على القعنبي نصف الكتاب، وقرأ القعنبي عليه النصف الآخر من الكتاب. وسيأتي ما يتعلق بقراءة القعنبي بعد قليل. ومن اللطائف أيضاً أن القعنبي مدني، كما أن أبا مصعب الزهري مدني، فناسب أن تُقرأ رواية المدنيين في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، عن إمام دار الهجرة وإمام أهل المدينة الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى. فلعل ما يُعنى به أهل الحديث من وجود السلاسل البلدانية لها في ذلك. وقد ذكرت أول الاتصال أنه متعلق.

​الجزئية الأخيرة قبل أن نبدأ في قراءة الكتاب: أن الشيخ ولي الدين الدهلوي رحمه الله تعالى زار مكة والمدينة في نحو سنة ألف ومئة وثمانين من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسمع كثيراً من كتب الحديث فيهما. وذكر كلمة عن طريقة علماء الحرمين مكة والمدينة في التدريس وأنها ثلاثة طرق. فمما قاله: “إن دراسة كتب الحديث عند علماء الحرمين على ثلاثة مناهج: الأول منهج السرد، وهو أن يقرأ الشيخ المسمِع أو القارئ الكتاب بدون تعرض للمباحث اللغوية والفقهية وأسماء الرجال وغيرها”. ثم ذكر أن هذه الطريقة عليها بعض علماء الحرمين، وإنما تكون للمتبحرين والخواص ليقوموا بسماع الحديث وتصحيح متنه وتصحيح إسناده بسرعة، وإن كانوا يُحيلون إلى الشروح في المباحث الأخرى. قال: “والطريقة الثانية أو المنهج الثاني منهج البحث والتحليل، وهو أن يتوقف بعد قراءة حديث بكلام متوسط ثم ينتقل للحديث الذي بعده”. وذكر أن هذه الطريقة تكون للمبتدئين وللمتوسطين. ثم ذكر قال: “الطريقة الثالثة أو المنهج الثالث منهج الإمعان والتعمق، وهو أن يتكلم كثيراً على كل كلمة إعراباً وصرفاً وفقهاً ولغة وأسماء رجال ونحو ذلك”. ثم قال: “وهذا المنهج منهج القُصاص، وكأن القصد منه إظهار العلم والفضل لا تحصيل الرواية وتحصيل العلم”. هكذا ذكر ولي الله الدهلوي قبل نحو من مائتي وخمسين عاماً حينما أتى مدينة المصطفى صلى الله عليه وسلم. ذكرت كلامه هذا لنعلم أن الطريقة التي سنسير عليها بإذن الله عز وجل هي طريقة المبتدئين والمتوسط وهو المرور على أحاديث هذا الكتاب بإذن الله عز وجل، مع التنبيه في كل حديث بفائدة، وخاصة فيما يتعلق بتعلقه بأصل الباب.

​لعلنا أن نشبّه مالكاً في قراءته الموطأ، فقد جاء أن الإمام مالكاً رحمه الله تعالى كان يقرأ الموطأ في كل سنة مرة واحدة. فلعلنا إن أمكن في العمر وبارك الله في الوقت أن نُوافق طريقة الإمام مالك في ذلك، وربما نكون أو أقل أو أقصر. العلم عند الله عز وجل. نعم.

أخبرنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن مسلمة القعنبي قال: قرأت على مالك بن أنس عن ابن شهاب الزهري أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أخَّر الصلاة يوماً، فدخل عليه عروة بن الزبير فأخبره أن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أخَّر الصلاة يوماً وهو في الكوفة، فدخل عليه أبو مسعود الأنصاري رضي الله عنه فقال: ما هذا يا مغيرة؟ أليس قد علمت أن جبريل نزل فصلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (بهذا أُمرت). فقال عمر لعروة: أَعْلَمُ ما تحدث به يا عروة! أو أن جبريل هو أقام لرسول الله وقت الصلاة؟ فقال عروة: كذلك كان بشير بن أبي مسعود يحدث عن أبيه. قال عروة: لقد حدثتني عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها قبل أن تظهر. نعم.

​هذا الحديث – وهو الذي أسنده الإمام مالك عن ابن شهاب عن الزهري إلى آخر الحديث – عندنا فيه مسألتان أو ثلاث. أول هذه المسائل أن افتتح القعنبي كتابه الذي وصل إلينا بهذه الطريق بقوله: “قرأت على مالك”. وهذا تصريح من القعنبي أنه قرأ على مالك. وقد نُقل أن القعنبي قرأ نصف الكتاب على مالك، وقرأ عليه مالك النصف. وقد ذكر علماء الحديث رحمه الله تعالى منهج مالك، وقد ذكروا أن مالكاً كان يذهب إلى أن قراءة الرجل على العالم أثبت من قراءة العالم. وقد مر معنا في درس الأصول الخلاف: أيهما أقوى وأثبت؟ أهو القراءة على العالم؟ أم قراءة العالم؟ ثم تليها أن يقرأ قارئ ويسكت العالم، وهذه طريقة غالب الرواة عن مالك. وكان لمالك راوٍ أو قارئ يقرأ له وهو حبيب. وحبيب هذا بعض الناس كان له رأي في قراءته ولهم – ولبعضهم – رأي في كذلك. فالمقصود أن تصريح القعنبي بالقراءة هذه ميزة قد لا توجد عند كثير من الرواة عن الإمام مالك للموطأ. هذه المسألة الأولى.

​المسألة الثانية أن النسخة التي بين أيدينا ليس فيها تبويب لهذا الموضع، وكثير من الرواة للإمام مالك بوَّبوا هذا الحديث – بهذا الحديث وما بعده – بأنه بوَّبوا له بالمواقيت والتوقيت للصلوات. ومعلوم أن الروايات عن الإمام مالك في الموطأ مختلفة في تبويب الأبواب، ومختلفة كذلك في عدد الكتب ودمج بعضها مع بعض. وقد ذكروا أن مالكاً كان يُغير في التبويب بعد كل إقراء، فكان يزيد ويُنقص. وهذا الذي جعل بعض الناس يرجح رواية المتأخر منهم زماناً، كيحيى بن يحيى وأبي مصعب بن الزهري. بيد أن يحيى بن يحيى نُقل عنه روايتان، وكل رواية تخالف الثانية في ترتيب بعض الكتب. فدل ذلك على أن جزءاً من ترتيب الكتب لعله اجتهاد من الرواة. وسيأتينا حديث إن شاء الله بتوسع عن التبويب بعد ذلك. إذ قد نُقل الزبير بن بكار في بعض كتبه أن التبويب بعضه كان من بعض أصحاب الإمام مالك. وسيأتي النقل في محله إن شاء الله بعد ذلك.

​هذا الحديث الأول معنا أُورد لأجل بيان مواقيت الصلوات، حيث أمَّ جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم. وأوله فيه أن عمر بن عبد العزيز أخَّر الصلاة، وذلك أن بني أمية كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، إذ مما حدث في وقت بني أمية تأخير الصلوات عن وقتها. فلما جاء عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ورحمه أرجع الصلاة على السُنَّة، وهو أن تُصلَّى الصلاة في أول وقتها. فإن الصلاة في أول وقتها أفضل من الصلاة في آخرها. إذا عرفت ذلك عرفت ما حدث من عمر وما حدث من المغيرة وغيرهم. فعرَفتَ سبب إيراد هذا الخبر من الرواة لهم. نعم.

حدثنا القعنبي عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن وقت صلاة الصبح. قال: فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من الغد صلى الصبح حين طلع الفجر، ثم صلى الصبح من الغد بعد أن أسفر. ثم قال: (أين السائل عن وقت الصلاة؟) فقال: ها أنا ذا يا رسول الله. فقال: (ما بين هذين وقت). نعم.

​هذا الحديث كذلك فيه وقت صلاة الصبح خاصة، وفيه أن صلاة الصبح يمتد إلى الإسفار، وأن أولها حين طلوع الفجر الثاني. وسيأتي ما يتعلق بالتغليس بعد ذلك. نعم.

حدثنا القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لَيُصَلِّي الصبح فينصرف النساء مُتَلَفِّعاتٍ بمُروطِهِنَّ ما يُعرفن من الغَلَس). نعم.

​هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الفجر في أول وقتها، وأنه عليه الصلاة والسلام يخرج من الصلاة فيخرج النساء من المسجد وقد صَلَّيْنَ معه وما يُعرفن من الغَلَس، مما يدل على أنهن يخرجن في الظلمة قبل الإسفار، قبل أن تُسفر. وما جاء في الإسفار في صلاة الفجر فإننا نقول: إنه محمول على إطالة صلاة الفجر، حتى يكون آخر صلاة الفجر في وقت إسفار. نعم.

حدثنا القعنبي عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، وعن بُسْر بن سعيد، وعن الأعرج يحدثونه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَن أدرك ركعةً مِن الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومَن أدرك ركعةً مِن العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر).

​هذا حديث أصل من الأصول فيما يتعلق بأقل ما تُدرك به الصلاة في الوقت. فقد جاء في حديث أبي هريرة أن من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس. فإن أقل ما تُدرك به الصلاة هو ركعة. وكثير من أهل العلم يحمل ركعة هنا على الركن، لأنه يقول: جاء في بعض ألفاظ الحديث أنها سجدة. فحينئذ تكون الركعة في هذا الحديث بمعنى أدرك ركناً من أركان الصلاة، وأول أركان الصلاة هو تكبيرة الإحرام. ومنهم من حملها على الركعة الكاملة. والمصنِّف – وهو الإمام مالك رحمه الله تعالى – أورد هذا الحديث لبيان أن وقت صلاة الفجر يمتد إلى طلوع الشمس، فالإسفار داخل في وقت صلاة الفجر، وأن صلاة العصر يمتد إلى غروب الشمس. فحينئذ يكون لصلاة العصر وقتان: وقت اختيار ووقت اضطرار. وما سبق وسيأتي في وقت صلاة العصر فيكون محمولاً على وقت الاختيار. وإلا فإن وقت الاضطرار يكون ممتداً إلى غروب الشمس لأجل هذا الحديث.

حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عُمَّاله: (أن أهم أمركم عندي الصلاة، مَن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لِما سِواها أضيع. ثم كتب: أن صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعاً إلى أن يكون ظِلُّ أحدكم مِثْلَه، والعصر والشمس بيضاء نقيَّة، قدر ما يسير الراكب فَرْسَخَيْن أو ثلاثة، والمغرب إذا غربت الشمس، والعشاء إذا غاب الشفق إلى ثلث الليل. فمن نام فلا نامت عينه! فمن نام فلا نامت عينه! فمن نام فلا نامت عينه! والصبح والنجوم بادية مُشْتَبِكَة). نعم.

​هذا فيه ما كتبه عمر رضي الله عنه إلى عماله، ويدلنا هذا على أمور. الأمر الأول: الحرص على الوصية بالصلاة، فالمسلم لا يمل ولا يكل من تكرار الوصية بالصلاة والحث عليها. ومن ذلك قول عمر رضي الله عنه: “أن صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعاً إلى أن يكون ظِلُّ أحدكم مِثْلَه”. المراد بهذا: عندما يكون الفيء في حال قِصَره، أن الفيء – تعلمون – في السنة يطول ويقصر، وفي كل يوم يطول ويقصر، فيبدأ وقت صلاة الظهر من حين انحسار الفيء لأقل ما يصل إليه. ثم إذا في الطول فقد دخل وقت صلاة الظهر. وأما حال انحساره لأقل ما انحسر إليه فهذا ما يسمى قيام قائم الظهيرة، فحينئذ يُنهى عن الصلاة فيه وهو قصير. وقدَّره بعض أهل العلم بمقدار قراءة الفاتحة. وإذا بدأ وشرع في الطول بعد فيء الزوال – لأن فيء الزوال هو أقصر ما يصل إليه الفيء – فإن شرع في الطول بعد فيء الزوال فهذا وقت، فهذا هو وقت الظهر قد دخل. ولعل عمر رضي الله عنه عندما قال: “أن صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعاً” كان في وقته في ذلك اليوم أقصر ما يصل إليه الفيء ذراع للشاخص الذي قُدِّر به. لأنه في تكون في بعض مواضع الأرض تتعامد الشمس على الشواخص فلا يكون لها فيء مطلقاً في وقت قيام قائم الظهيرة. فمن حين يبدأ بالطول ولو يسيراً فقد دخل وقت الظهر حينذاك. نعم.

​فقول عمر رضي الله عنه: “فمن نام فلا نامت عينه” مراده: فمن نام قبل العشاء. وقد جاء النهي عن النوم قبل العشاء، قبل أن يصلي العشاء. ومن أولى لأجل ذلك فقد دعا عليه عمر رضي الله عنه.

حدثنا القعنبي عن مالك عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: (أن صَلِّ الظهر إذا زاغت الشمس، والعصر والشمس بيضاء نقيَّة قبل أن تدخلها صُفرة، والمغرب إذا غربت الشمس، وأمْسِكْ، وآخِرِ العشاء ما لم تنم، وصَلِّ الصبح والنجوم بادية، واقرأ فيها بسورتين طويلتين من المفصَّل). نعم.

​هذا الحديث فيه ما كتبه عمر لأبي موسى الأشعري، مع أن موسى حكى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما يتعلق بالمواقيت. وهذا دلَّ ذلك على أن عمر رضي الله عنه اختار أموراً: إما على سبيل الأفضلية في بعض الأوقات، وبعضها على سبيل… فعلى سبيل المثال حينما قال: “وصَلِّ الصبح والنجوم بادية” دل على أن أفضل الوقت لصلاة الصبح هو أوله قبل الإسفار. وقول عمر: “واقرأ فيها بسورتين طويلتين من المفصَّل” الضمير هنا يعود إلى صلاة الفجر. وقد جاء أن عمر كتب إلى الأنصار: “أن اقرأوا في الفجر بطُوال المفصَّل، وفي الظهر والعصر والعشاء بأواسطه، والمغرب بقِصاره”. نعم.

حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: (أن صَلِّ العصر والشمس بيضاء قدر ما يسير الراكب ثلاثة فراسخ، وأن صَلِّ العتمة ما بينك وبين ثلث الليل، فإن أخَّرت فإلى شَطْرِه، ولا تكوننَّ من الغافلين). نعم.

​هذا الحديث يجمع بين روايتين. إذ جاء مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم في حدِّ وقت مُنتهى صلاة العشاء حديثان: جاء ثلث الليل وجاء إلى نصف الليل. فمن أهل العلم من أخذ الأقل احتياطاً، فقال: إن الأقل والاحتياط أن يكون منتهى وقت الاختيار لصلاة العشاء هو الثلث الأول من الليل. وذهب بعض أهل العلم أن وقت الاختيار ينتهي بنصف الليل، لأن الحديث جاء بهذا وبذاك. ولكن يمكن تقسيم الوقت إلى ثلاثة أوقات، فيقال: الأفضلية إلى الثلث والجواز إلى النصف. ومن النصف إلى طلوع الفجر يكون الوقت وقت اضطرار. وهذا تجتمع به الأدلة، ويشهد له ما كتبه عمر لأبي موسى، لأنه قال: “صَلِّ العتمة – أي العشاء – ما بينك وبين ثلث الليل، فإن أخَّرت إلى شطر الليل – وهو النصف – يعني: فإنه يجوز ذلك، ولا تكوننَّ من الغافلين”، يصليها بعد ذلك وهو وقت الاضطرار. نعم.

حدثنا القعنبي عن مالك عن يزيد بن زياد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنها، أنه سأل أبا هريرة رضي الله عنه عن وقت الصلاة، فقال أبو هريرة: (أنا أُخْبِرُكَ: صَلِّ الظهر إذا كان ظِلُّكَ مِثْلَك، والعصر إذا كان ظِلُّكَ مِثْلَيْك، والمغرب إذا غربت الشمس، والعشاء ما بينك وبين ثُلُث الليل. إنْ نِمْتَ إلى نِصْف الليل فلا نامت عينُكَ، وصَلِّ الصبح بغَلَس). نعم.

​قول أبي هريرة: “إنْ نِمْتَ إلى نِصْف الليل فلا نامت عينُكَ” أي: إن نمت قبل أن تصلي العشاء إلى نصف الليل فخرج وقت الاختيار، هل نامت عينك؟ والدعاء عند العرب بقولهم: “لا نامت عينك” من باب الدعاء بضد ما يفعله الشيء/الشخص. فمن نام فلا نامت عينه أي أصابه الأَرَق. فهو دعاء عليه ما رجا كسبه وفعله والراحة به. ولعل الإنسان أن يحرص على أن يبتعد عن هذه الدعوات الخطيرة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا القعنبي عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (كنا نُصَلِّي العصر فيخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف فيجدهم يصلون العصر). نعم.

​بنو عمرو بن عوف كان يسكنون قريباً من مسجد قباء. فكان الناس يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم يخرجون إلى بني عمرو بن عوف فيجدوهم يصلون العصر، فدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في أول الوقت، وهم يؤخرونها إلى آخر وقت اختيارها. ولعل هذا ربما يكون في الصيف حينما يكون العصر طويلاً.

حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: (كنا نُصَلِّي العصر ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة). نعم.

​الفرق بين الحديثين؟ هنا صرَّح بالموضع وهناك صرَّح بسكانه. والثاني أنه ذكر أنهم – في الخبر الأول – أنهم يصلون، والخبر الثاني أخبر بحال الشمس. ولا تعارض بينهما. فقد يكون أنس رضي الله عنه أخبر بصيغتين مختلفتين. نعم.

حدثنا القعنبي عن مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن القاسم بن محمد أنه قال: (ما أدركت الناس إلا وهم يصلون الظهر بعَشِيّ). نعم.

​العَشِيُّ هو الذي يكون بعد الزوال. نعم.

باب وقت صلاة الجمعة

حدثنا القعنبي عن مالك بن أنس عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه قال: (كنت أرى طِنْفِسَةً لعقيل بن أبي طالب تُطْرَح يوم الجمعة إلى جدار المسجد الغربي، فإذا غَشِيَتِ الطنْفِسة كلها ظِلُّ الجدار خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه. قال: ثم نرجع بعد صلاة الجمعة فنقيل قائلة الضحى). نعم.

حدثنا القعنبي عن مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبي بن أبي سَلِيط أن عثمان بن عفان رضي الله عنه صلى الجمعة بالمدينة وصلى العصر بمَلَل. وذلك للتهجير وسرعة السير. نعم.

​هذان الخبران اللذان قالهما الإمام مالك: الأول عن عمه أبي سهيل بن مالك عن أبيه – وأبوه هو مالك بن أبي عامر – قال: “كنت أرى طنْفسَةً لعقيل بن أبي طالب تُطْرَح يوم الجمعة إلى جدار المسجد الغربي”. فدل هنا على أن الشمس يكون الظل يخرج من جهة المشرق، وهذه الطنْفسة جُعلت من جهة الجانب الغربي، فالظل يأتي قبل الزوال. قال: “فإذا غَشِيَتِ الطنْفِسة كلها ظِلُّ الجدار خرج عمر رضي الله عنه، ثم نرجع بعد صلاة الجمعة فنقيل قائلة الضحى”. ثم ترى خبراً كذلك عن عثمان أنه كان يصلي الجمعة بالمدينة والعصر بمَلَل. مَلَل: لعله الوادي المشهور الذي على طريق مكة، وادي مَلَل، لعله هو وربما يكون غيره، وهو ما زال بهذا الاسم ومعروف من الوديان المشهورة ويقطع الطريق.

​في هذين الحديثين فيه أن عمر وعثمان رضي الله عنهما يُفهم منهما أنه كانوا يصلون الجمعة قبل الزوال. وقد قال ابن رجب رحمه الله تعالى: إن أبا بكر وعمر وعثمان ثبت عنهم جميعاً صلاة الجمعة قبل الزوال. وكذلك جاء في أحاديث متعددة عنه صلى الله عليه وسلم مثل ذلك. ومعنى قولهم أنه يُصلَّى قبل الزوال أي افتتاح الصلاة، ويجوز كذلك ختم الصلاة قبلها. ولذا قال فقهاؤنا: إن الجمعة ليست بدلاً للظهر، وإنما الظهر بدل للجمعة لمن لم يُصلِّها أو لم يكن من أهل وجوبها. الجمعة تختلف عن الظهر من أوجه متعددة. أهمها أن وقت صلاة الجمعة يختلف عن وقت صلاة الظهر. فإن ابتداء وقت صلاة الجمعة يبدأ قبل الزوال. ثم نظرنا فلم نجد ما يدل صراحة على ابتداء الوقت، وإنما ثبت عندنا أنه صُلي قبل الزوال. فنقول حينئذ: ننظر لمعهود الشارع، وهو ما يسمى في الأصول بشهادة… وهو ما يسمى في أصول الفقه بشهادة الأصول. فوجدنا أن أقرب توقيت قدَّره الشارع هو وقت صلاة العيد وغيرها من الصلوات، وهو صلاة الضحى كذلك، وهو عندما ترتفع الشمس قيد رُمح. لكن أهل العلم يقولون: والأفضل أن تُؤخَّر لآخر الوقت، وقت الضحى، لا في أول الوقت، تُصلَّى في أول وقت صلاة الضحى. نعم.

باب فيمن أدرك ركعة

حدثني القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَن أدرك ركعةً مِن الصلاة فقد أدرك الصلاة).

حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يقول: (إذا فاتتك الركعة فقد فاتتك السجدة). نعم.

حدثنا القعنبي عن مالك أنه بلغه أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يقول: (مَن أدرك الركعة فقد أدرك السجدة، ومَن فاتته قراءة أم القرآن فقد فاته خير كثير). نعم.

​هذه الأخبار الثلاثة أولها مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم الثاني عن ابن عمر وأبي هريرة. هذا الحديث فيه – أو هذه الأحاديث – يُؤخذ من فقهها تعلقها بالباب أن الركعة تُدرك بالركوع لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مَن أدرك ركعةً مِن الصلاة فقد أدرك الصلاة). فإدراك الركعة بالركوع جاء من حديث أبي بكرة. ويترتب على أن الصلاة تُدرك بإدراك ركعة أحكام. أولها هذه الأحكام أن من صلى بمقدار ركعة أو سجدة – كما ذكرت قبل قليل – قبل خروج الوقت فإن صلاته تكون أداء. والحكم الثاني: أن من لم يكن من أهل الوجوب إذا أدرك هذا المقدار قبل خروج الوقت لزمه الصلاة، مثل الصبي إذا بلغ، والمجنون إذا… والحائض والنفساء إذا انقطع دم حيضهما أو حيضها أو نفاسها، وكذلك الكافر إذا أسلم، فإنه إذا أدرك الحد الأدنى لزمه. ومما يترتب على ذلك أيضاً مسألة ثالثة وهي إدراك الجماعة، فبما تُدرك الجماعة؟ هذه كلها مبنية على هذا الحديث. فقوله عليه الصلاة والسلام: (مَن أدرك ركعةً مِن الصلاة فقد أدرك الصلاة) يشمل هذه المعاني، وينبني عليه هذه الأحكام الثلاثة جميعاً. وقلت لكم: إن أهل العلم لهم في تفسير قوله عليه الصلاة والسلام: “أدرك ركعة” وجهان. فمنهم من يقول: إن المراد بالركعة الركن من الصلاة، فهو من تسمية البعض باسم الكل، لأن بعض الركعة يسمى ركعة باعتبار أنه بعض فيها. واستدلوا على ذلك بأن بعض ألفاظ الحديث: “مَن أدرك سجدة”. ومن أهل العلم من يقول: لا بد من إدراك ركعة كاملة، فلا تثبت الأحكام في المسائل الثلاث السابقة إلا إذا أدرك من الزمان بمقدارها. وكله راجع لتفسير معنى الركعة الذي بوب عليه الإمام مالك قوله: “باب فيمن أدرك ركعة”. وابن عمر لما قال: “إذا فاتتك الركعة فقد فاتتك السجدة” يدل على ما سبق ببيان معنى الركعة. نعم.

باب ما جاء في دُلُوك الشمس وجامع الوقت

حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يقول: (دُلُوكُ الشمس مَيْلُها).

حدثنا القعنبي عن مالك عن داوود بن الحصين قال: أخبرني مُخْبِرٌ أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كان يقول: (دُلُوكُ الشمس إذا فَاءَ الفيء، وغَسَقُ الليل اجتماع الليل وظلمتُه). نعم.

​هذه بيان لما في كتاب الله عز وجل بمعنى الدلوك: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} (الإسراء: 78). فذكر فيها خبرين: الأول عن ابن عمر رضي الله عنه أنه ذكر أن دلوك الشمس هو مَيلها، أي: ميلها للغروب وهو الزوال. ولذلك قال ابن عباس: “دُلُوكُ الشمس إذا فَاءَ الفيء”. وفسر “غَسَقُ الليل” وهو اجتماع الليل والظلمة، وهو الغروب حينذاك. المقصود من هذا أن أهل العلم رحمهم الله تعالى يقولون: إن الأصل أن كلام الله عز وجل يفسر بما فسره به النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بما فسره به أصحابه رضوان الله عليهم. ثم بعد ذلك يُرجع فيه إلى لسان العرب. وقد مر معنا في درس الأصول خلافاً لبعض أهل العلم: هل يجوز تفسير القرآن بمجرد العربية دون الرجوع للنقل والأثر؟ فيه وجهان لأهل العلم مشهورة. الإمام مالك رحمه الله تعالى لتعظيمه الأثر أراد أن يُبين أن الرجوع في تفسير كلام الله عز وجل إنما هو لكلام أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كلامهم في مثل ذلك حُجَّة ولا شك. نعم.

حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (الذي تَفُوتُه صلاة العصر كأنما وُتِرَ أهلَه ومالَه). نعم.

​هذا فيه فضل هذه الصلاة العظيمة على الصلوات، والصلاة الوسطى. جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (شَغَلُونَا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر). فدل على التأكيد على هذه الصلاة. نعم.

​فحينئذ يُقال: لها أمر بها في لفظين: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} (البقرة: 238) وهي واحدة منها، و**{وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى}** (البقرة: 238). فأُمِرَ بها مرتين. ولذلك فإن إثم تاركها أعظم. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: “كأنما وُتِرَ أهلَه ومالَه”. وُتِرَ أي: نُقِص. وحينئذ يجد المرء فَقْد بركة في أهله وفَقْد بركة في ماله بسبب تفويته لصلاة العصر خاصة.

حدثنا القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انصرف من صلاة العصر، فلَقِيَ رجلاً لم يشهد صلاة العصر. فقال له: ما حَبَسَكَ عن صلاة العصر؟ فذكر له عذراً. فقال له عمر: طَفَّفْتَ. قال مالك: ويُقال لكل شيء وفاء وتطفيف. نعم.

​هذا الكلام من عمر رضي الله عنه أنه قال: “طفَّفْتَ” بمعنى أنك زدت في شُغلك حتى أَشغلك عن الصلاة. ولذلك المسلم أحرص على أن يجعل ارتباطه بالصلاة ومواقيتها. وقد جاء أن من السبعة الذين يُظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: (رجلٌ معلقٌ قلبُه بالمساجد). من أهل العلم من يقول: إن المساجد المراد بها البُقَع التي بُنيت وأُحيطت. ومن أهل العلم من يقول: إن المساجد المراد بها المواضع التي يُسجَد فيها، كما قال عليه الصلاة والسلام: (وجُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً). فحينئذ فكل من كان قلبه معلقاً بصلاته فلا يُقدِّم شُغلاً من شُغله ولا عذراً من أعذاره على صلاته فإنه يكون من هؤلاء السبعة الذين وعدهم الله عز وجل بأن يظلهم في ظله يوم لا ظل إلا ظله. ثم ذكر مالك قال: “ويُقال إن لكل شيء وفاء وتطفيف”. هذه مسألة مفيدة وتُؤخذ من قول النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: (إياكم والغُلُوَّ)، فإن لكل شيء زيادة عنها ونقص عنها تطفيف: إما بزيادة أو بنقص. وقد سُئل الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن حديث: “إياكم والغُلُوَّ” قال: “الغُلُوُّ في كل شيء”. فالزيادة قد تكون في كل شيء، والتطفيف بالنقص كذلك يكون في كل شيء.

حدثنا القعنبي عن مالك أنه سمع يحيى بن سعيد يقول: (إن المصلي لَيُصَلِّي ولما فاته من وقتها أعظم أو أفضل من أهله وماله). نعم.

​هذا الكلام الذي قاله يحيى بن سعيد الأنصاري رحمه الله تعالى الإمام الجليل وهو من أجلِّ شيوخ الإمام مالك. وسيأتينا في يوم الحديث عن شيوخ مالك والقواعد في ضبطهم. أنه يقول: “إن المصلي لَيُصَلِّي ولما فاته من وقتها أعظم وأفضل من أهله وماله”. هذه تشمل صورتين: صورة فيها إثم وصورة لا إثم فيها. فأما الصورة التي فيها إثم فهي أن يُؤخر الصلاة حتى يخرج وقتها، بل إن من أهل العلم من يقول: إن الصلاة إذا أُخِّرت حتى خرج وقتها من غير عذر لم تُقبل صلاته. ويستدلون على ذلك بحديث أبي بكرة في البخاري تعليقاً: (إن لله عبادة في الليل لا يقبلها في النهار، وإن له عبادة في النهار لا يقبلها في الليل).

​النوع الثاني الذي يأثم بتأخير الصلاة: من أخَّر صلاة إلى وقت الاضطرار من غير عذر، فإن الصلاة تكون أداء ومقبولة ولا تدخل في النزاع الذي أوردته قبل قليل، ولكنه يأثم لتأخير الصلاة، لتأخيرها لوقت الضرورة من غير عذر. والأوقات التي لها وقت ضرورة وقتان: العصر والعشاء فقط.

​الأمر الثاني: أن يكون الذي فاته لا إثم في تأخيره، وهو أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها، وقت الاختيار. وأهل العلم يقولون: إن كل الصلوات الأفضل صلاتها في أول وقتها، إلا صلاة العشاء فيُستحب تأخيرها لآخر وقت أفضليتها وهو الثلث الأول من الليل. والوقت الثاني وقت الظهر فيُستحب تأخيرها في شدة الحر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أَبْرِدُوا بالهاجِرة، فإن حَرَّ – فإن شدة الحر – من فَيْحِ جهنم). نعم.

حدثنا القعنبي قال مالك فيمن أدركه الوقت وهو في سفر، فأخَّر الصلاة ساهياً أو ناسياً حتى قَدِمَ على أهله: أنه إن كان قَدِمَ على أهله وهو في الوقت فإنه يصلي صلاة المقيم، وإن كان قَدِمَ وقد ذهب الوقت فإنه يصلي صلاة المسافر، لأنه إنما يقضي مثل الذي كان عليه. نعم.

​عندي هنا مسألة، وسيأتي إن شاء الله مزيد حديث عن كلام الإمام مالك رحمه الله تعالى. الإمام مالك رحمه الله تعالى فقهه ينقسم إلى قسمين: فقه في الموطأ وفقه خارج الموطأ. وبعض أصحاب مالك عُني بمخارج الموطأ عن الذي في الموطأ، وسيأتي حديث موسَّع له في غير درس اليوم.

​الأمر الثاني: أن مما جاء في رواية القعنبي بمقارنة برواية يحيى بن يحيى ما نقله القعنبي عن مالك من رأيه أقل مما نقله يحيى بن يحيى. فإن يحيى بن يحيى الليثي أعني، لأن السابوري نقل من رأي مالك وفقهه في الموطأ أكثر مما رواه القعنبي وبعض الرواة. وقد كان بعض الأئمة كأحمد – فيما نقله ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل – يعيب على رأي مالك أنه أُثبت في كتب الحديث. إذ كان المتقدمون من أهل العلم يرون أن الكتب يجب أن تُجرَّد عن الاجتهاد والرأي. ولكن الإمام مالك لجلالة قدره له اجتهاده. ولا يُعاب اجتهاده، وهي طريقة في التصنيف سار عليها من بعده بعد ذلك.

​هنا مالك يقول فيما أدركه: “فيمن أدركه الوقت وهو في سفر فأخَّر الصلاة ساهياً أو ناسياً حتى قَدِمَ على أهله. أنه إن قَدِمَ على أهله وهو في الوقت فإنه يصلي صلاة مقيم، وإن كان قَدِمَ وقد ذهب الوقت فإنه يصلي صلاة مسافر، لأنه إنما يقضي مثل الذي كان عليه”. هذا مذهب الإمام مالك واجتهاده رحمه الله تعالى. وغيره من أهل العلم قد لا يقبل ذلك، فإن من أهل العلم يقول: إن مسألة من وجبت عليه صلاة حال سفره ثم أداها مقيماً أو العكس، هل العبرة فيها بوقت الأداء أم العبرة فيها بوقت الوجوب؟ فمنهم من يقول بالاداء، ومنهم من يقول بالوجوب. وفقهاؤنا يأخذون بالأحوط. ويقولون: ليس العبرة بالاداء والوجوب مطلقاً، وإنما العبرة بالأحوط من الوقتين. فحينئذ يقولون في الحالتين: إذا قَدِمَ من سفره ولم يكن قد صلى، سواء أخَّر أو لم يؤخر، فيُصليها صلاة مقيم. ولذا قالوا: “والمسافر إذا أقام أو المقيم إذا سافر صلى صلاة مقيم”. فالعبرة بالأحوط. ولم ينظروا لطرد في قاعدة العبرة بوقت الوجوب ولا العبرة بوقت الأداء. وهو الأحوط في العبادات، فإن قاعدة الاحتياط في العبادات حسنة، وهي مُعتبرة. (الحلال بيِّن والحرام بيِّن وبينهما أمور مشتبهات، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه). نعم.

قال مالك فيمن أراد سَفَراً فأدركه الوقت وهو في أهله: قال: (إذا خرج وهو في الوقت صلى صلاة المسافر، وإذا خرج وقد ذهب الوقت ولم يكن صلى في أهله فليصلِّ صلاة الحاضر، لأنه إنما يقضي على قَدْرِ ما أُوجِبَ عليه). نعم.

​هذا بناء على أصل مالك المتقدم. نعم.

قال مالك: (الشفق الحُمرة التي في المغرب، فإذا ذهبت الحُمرة فقد وجبت الصلاة). نعم.

​هنا قول الإمام مالك: “الشفق الحُمرة”. الشفق مبتدأ والحمرة خبر، وليست صفة للشفق. وذلك أن الشفق إما أن يكون أحمر وإما أن يكون أبيض، وبعضهم يزيد الأصفر. وبعض الفقهاء كأصحاب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى يقولون: إن المراد بالشفق الأبيض والأحمر. وأما جماهير أهل العلم فيقولون – كمالك وغيرهم – فيقولون: المراد بالشفق الذي غيابه يكون انتهاء وقت صلاة المغرب هو الشفق الأحمر. وهو أكثر زماناً وفترة من الشفق الأبيض. وليس هذا من باب الإجمال كما مر معنا في الدروس. نعم.

باب النوم عن الصلاة

حدثني القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قَفَلَ من خيبر أَسْرَى، حتى إذا كان من آخر الليل عَرَّسَ، وقال لبلال: (اِكْلَأْ لنا الصبح). فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وكَلأَهُ بلال ما قُدِّرَ له، ثم استَسْنَدَ إلى راحلته وهو مُقَابِل الفجر، فغَلَبَتْهُ عيناه. فلم يستيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أحدٌ من الركب حتى ضَرَبَتْهُم الشمس. فَفَزِعَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (يا بلال). فقال بلال: يا رسول الله، أخذ بنفسيَ الذي أخذ بنفسك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقتادوا). فابْتَعَثُوا رَوَاحِلَهُم فاقتادوا شيئاً، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً فأقام الصلاة، فصلى بهم. ثم قال حين قضى الصلاة: (مَن نسي صلاةً فليصلِّها إذا ذكرها. فإن الله عز وجل قال: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} (طه: 14)). نعم.

​هذا الحديث جاء من طريق سعيد بن المسيب، وهذا هو النطق الصحيح اسمه فاعل: مُسَيِّب. وما جاء أنه قال: “سَيِّبُوني” ودعا على من ذكر ذلك عنه، فإنه لا يثبت عنه. وأهل الحديث أعلم فإنهم ينطقونه بالفتح على وزن اسم مفعول: مُسَيَّب.

​الأمر الثاني: أن هذا من المراسيل – سعيد – وسيأتي حديث إن شاء الله بعد في عن مراسيل مالك وطريقته في وصلها. فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قَفَلَ من خيبر أَسْرَى، وهو المشي – المشي أو الذهاب في المساء يسمى أسرى – وما زلنا في لهجة نقول “أسري” أو “سرى” ونحو ذلك بتسهيل الهمز وهمز الكَلِم. وعَرَّسَ أي: في آخره بات وجلس. فيه أن بلالاً لما نام ونام النبي صلى الله عليه وسلم كان هذا لحكمة. وقد جاء في الموطأ حديث وهو من الأربعة التي قيل إنها بلاغات لم يَصِلْها ابن عبد البر فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إني لَأَنْسَى لِأَسُنَّ). أي: أن الله عز وجل أخذ بيدي، أخذ قلب النبي صلى الله عليه وسلم وبنفسه عليه الصلاة والسلام، فنامت تلك الليلة لأمر أراده الله عز وجل لِيُعْلِمَ الناس الحكم: أن من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها.

​من فقه هذا الحديث من مسائله مسألتان فقط. المسألة الأولى: أن هذا أهل العلم أخذوا منه أمراً واجباً ومستحباً. أما الواجب – وهو المسألة الأولى – فهو أن من فاتته الصلاة بعذر النوم أو النسيان فإنه يجب عليه قضاء الصلاة ولو طال الزمن، بعموم حديث: (مَن نسي صلاةً فليصلِّها إذا ذكرها). وفي لفظ: (مَن نام عن صلاة أو نسيها). وقاس بعض أهل العلم عليها سائر ترك الصلاة ولو كان لغير عذر. وهذا مبني على قاعدة أخرى وهو: هل قضاء الأمر الواجب؟ هل قضاء الواجب المؤقت يكون بالأمر الأول أم يحتاج إلى أمر جديد؟ هذه المسألة مشهورة وفيها وجهان لأهل العلم مشهورة.

​المسألة الثانية: أن أهل العلم أخذوا من هذا الحديث أمراً مستحباً. وهو أن من فاتته الصلاة بسبب نومه في مكان فيُستحب له أن ينتقل عنه ويصلي في مكان آخر. وذلك لحكمة تَلَمَّسَها بعض الفقهاء، وهو أن الشيطان يكون قد حضره، فلا يصلي في مكان مَحْتَضَر. هكذا ذكره جمع من أهل العلم منهم الشيخ تقي الدين وجماعة. نعم.

حدثنا القعنبي عن مالك عن زيد بن أسلم قال: عَرَّسَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلةً بطريق مكة، ووَكَّلَ بلالاً أن يوقظهم للصلاة، فرَقَدَ بلال ورَقَدُوا حتى استيقظوا وطلعت الشمس، فاستيقظ القوم وقد فزعوا، فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يركبوا حتى يخرجوا من ذلك الوادي، وقال: (إن هذا وادٍ به شيطان). فركبوا حتى خرجوا من ذلك الوادي. ثم أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلوا ويتوضأوا، وأمر بلالاً أن ينادي بالصلاة أو يُقيم، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس، ثم انصرف إليهم وقد رأى من فزعهم، فقال: (يا أيها الناس، إن الله عز وجل قَبَضَ أرواحنا ولو شاء رَدَّها إلينا في حين غير هذا، فإذا رَقَدَ أحدُكم عن الصلاة أو نَسِيَها ثم فزع إليها فليصلِّها كما كان يصليها في وقتها). ثم التفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي بكر فقال: (إن الشيطان أتى بلالاً وهو قائم يصلي، فأضْجَعَهُ، ثم لم يزل يُهَدِّئُهُ كما يُهَدَّأ الصبي حتى نام). ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً، فأخبر بلال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذي أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر. فقال أبو بكر رضي الله عنه: أشهد أنك رسول الله. اللهم صل وسلم على محمد.

​هذا الحديث يعني فيه معنى السابق، ولكن فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا وادٍ به شيطان). فمن الشُّرَّاح من يقول: إن هذا الخبر منه صلى الله عليه وسلم مختص بالمكان الذي عَرَّسَ وبات فيه عليه الصلاة والسلام. ومن أهل العلم – كما نقلت لك في الكلام – قال: إن هذا حُكْمٌ لكل – أو معنى – نقول: إن هذا معنى لكل من نام في مكان فكان نومه مستمراً حتى فاتته الصلاة، حتى خرج وقتها، فإنما الذي منعه من ذلك شيطان، بدليل ما خَبَّرَ به النبي ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم مما فعله الشيطان مع بلال.

حدثنا القعنبي عن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وزيد بن ثابت رضي الله عنه كانا يقولان: (مَن أدرك الركعة من قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك السجدة). نعم.

​أدرك السجدة هنا بمعنى الصلاة، من باب تسمية الشيء باسم بعضه: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} (البقرة: 43). فسمى الصلاة ركوعاً.

باب النهي عن الصلاة بعد الصبح والعصر

حدثنا القعنبي عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشمس تَطْلُعُ ومعها قَرْنُ الشيطان، فإذا ارتفعت فارَقَها، ثم إذا استَوَتْ قَارَنَها، فإذا زالت فارَقَها، فإذا أَذِنَتْ للغروب قارَنَها، فإذا غربت فارَقَها). ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في تلك الساعات. نعم.

​هذه أوقات النهي وهي خمسة على سبيل البَسْط وثلاثة على سبيل الإجمال. بيَّنها النبي صلى الله عليه وسلم: عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وارتفاعها في قوله عليه الصلاة والسلام: “فإذا ارتفعت فارَقَها” أي: ارتفعت قيد رُمح. ثم الثانية: عند استوائها، والمراد باستوائها عند أي: عند قيام قائم الظهيرة، حيث يكون الفيء قد انحصر وقَصُرَ إلى أقل قَدْرٍ يصله. ثم إذا شرع في الزيادة فقد كان وقت صلاة الظهر وهو الزوال. وهذا الوقت قلت لك: إن من أهل العلم من قدَّره بأنه بمقدار قراءة الفاتحة وهو قصير. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: “فإذا زالت” أي: الشمس “فارَقَها”. ثم قال عليه الصلاة والسلام: “فإذا أَذِنَتْ للغروب قارَنَها”. وهذا الوقت الثالث وهو وقت مُغَلَّظ. إذ الأوقات خمسة كما ذكرت لك. هذه الخمسة ثلاثة منها مُغلَّظة، واثنان منها دونها. والمُغلَّظة جاءت في هذا الحديث، حديث عبد الله الصنابحي، وجاءت في قول بعض الصحابة حينما قال: (إن ثلاث ساعات نُهينا عن الصلاة فيها وأن ندفن فيها موتانا). وهي أوقات قصيرة هي هذه الثلاثة.

​بقي وقتان: وهو من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس، والوقت الثاني – على أكثر الأحاديث – من بعد صلاة العصر إلى أن تَصْفَرَّ الشمس. نعم.

​وقلت: على أكثر الأحاديث، أن المسألة فيها خلاف في ابتدائي الناحية الثانية. نعم.

حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تَحَرَّوْا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإنها تَطْلُعُ مع قَرْنِ الشيطان، أو نحو هذا). وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا بدأ حاجِبُ الشمس فأخِّروا الصلاة حتى تَبْرُز، وإذا غاب حاجِبُ الشمس فأخِّروا الصلاة حتى تَغِيب). نعم.

​هذا فيه بيان الأوقات الثلاثة وهي أشد الأوقات نهياً. نعم. أحسن الله إليك. ومن شدة النهي فيها أن الفقهاء يقولون: إنه يُنهى فيها حتى عن صلاة الجنازة. فلا يُصلَّى فيها على صلاة الجنازة ويُنهى فيها كذلك عن دفن الجنازة. وأما الوقتان الطويلان فإن النهي فيهما لما كان دونهما في التغليظ فيجوز صلاة الجنازة فيها ويجوز كذلك الدفن للجنازة فيها. فحُمِلَ حديث: (ثلاث ساعات نُهينا عن الصلاة فيها) أي: صلاة الجنازة.

حدثنا القعنبي عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه قال: دخلنا على أنس بن مالك رضي الله عنه بعد الظهر، فقام يصلي العصر. فلما فَرَغَ من صلاته ذَكَرْنا تعجيل الصلاة أو ذكرها. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين، تلك صلاة المنافقين. يجلس أحدُهم حتى إذا اصْفَرَّتِ الشمس فكانت بين قَرْنَيِ الشيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله عز وجل فيها إلا قليلاً). نعم.

​هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ أن من أخَّر الصلاة إلى وقت الاضطرار فإنها صفة صلاة المنافقين. وبناء على ذلك فنقول: المنافقون يؤخرونها على سبيل العادة لآخر وقتها، والمنافق يصلي ومع ذلك حُكم بـنفاقه. عندنا هنا من هذا الحديث نستفيد أمرين: الأمر الأول ما ذكرته قبل أن العصر لها وقتان: وقت اختيار ووقت اضطرار، وأنه لا يجوز تأخير الصلاة لوقت الاضطرار إلا لعذر. ومن غير عذر يأثم الشخص لتأخيرها لوقت الاضطرار.

​المسألة الثانية: أن أهل العلم اختلفوا – وهما وجهان عند الفقهاء – في انتهاء وقت الاختيار وابتداء وقت الاضطرار. فمنهم من يقول: إن ابتداء وقت الاختيار – انتهاء وقت الاختيار وابتداء وقت الاضطرار – حينما يكون ظِلُّ كل شيء مِثْلَيْه، كما سبق في حديث أبي موسى. ومنهم من – بل يمتد وقت الاختيار – إلى حين اصفِرار الشمس، حينما يذهب شعاعها القوي فلا يبقى إلا الشعاع الخفيف الذي يكون مائلاً للصفراء. والقول الثاني في الحقيقة أوجه، ومما يدل عليه هذا الحديث. فإن هذا الحديث فيه أن النبي عليه الصلاة والسلام جعل الحد الذي يصلي فيه المنافقون، فيُفهم منه أنه مُحرَّم، هو اصفِرار الشمس. فإن قيل: إن الأول فيه احتياط. فإن بعض أهل العلم قالوا: بل الاحتياط تصحيح صلاة المسلمين الثاني، حيث أن أبا حنيفة النعمان وأصحابه لا يرون دخول وقت صلاة العصر إلا حينما يكون ظِلُّ كل شيء مِثْلَيْه. فحينئذ الأحوط لتصحيح صلاة المسلمين أن نَحكُم بأن وقت الاختيار ممتد إلى اصفِرار الشمس، لا إلى حين يكون ظِلُّ كل شيء مِثْلَيْن. وهذا من باب تحقيق الاحتياط: ما هو؟ وإلا فالدليل صريح ومنه حديث الباب. وحينئذ نقول في العصر كما قلنا في العشاء: لها ثلاثة أوقات، أفضلها أن تُصلَّى قبل أن ظِلُّ كل شيء مِثْلَيْه، ويجوز أن تُصلَّى إلى اصفِرار الشمس، ويُمنع ويُحرَّم صلاتها بعد اصفِرار الشمس إلى الغروب، لكنها تكون أداء إلا لعذر. وأما تأخيرها بعد وقتها فإنه ليس بجائز، بل قال بعض أهل العلم كأبي بكر الصديق: إنها لا تُقبل. نعم.

حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يَتَحَرَّى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها). نعم.

​هذا نهيان مُغلَّظان وهما قصيران سبق. نعم.

حدثنا القعنبي عن مالك عن محمد بن يحيى بن حَبَّان عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس.

​هذا الحديث فيه بيان وقتين آخرين. وقد جُمِعَ في هذا الحديث أربعة أوقات: منها الوقتان الضيقان مع الوقتين الطويلين. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: “نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس” تشمل وقتين: من بعد صلاة العصر إلى اصفِرار الشمس، والوقت الثاني من اصفِرار الشمس إلى غروب الشمس. فيكون الوقتان كلاهما وقت نهي، ولكن الثاني أشد من الأول. والثاني فيه: “وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس” فيه وقتان: من طلوع الفجر مَنهيٌ عن الصلاة إلا صلاة الصبح وما أُذن به كَسُنَّة راتبة قبله، والوقت الثاني من طلوع الشمس إلى ارتفاعها قيد رُمح.

​هذا الحديث اختلفت الروايات من حديث أبي هريرة وغيره: هل الوقت يبدأ بالصبح أم بصلاتها؟ وهل وقت النهي يبدأ بالعصر أم بصلاتها؟ وقد حَكَمَ الإمام أحمد: أكثر الأحاديث جاءت – وهذا من الإمام أحمد ترجيح بأكثر الطرق وبأكثر الأحاديث – ومن قواعد الترجيح عند أهل العلم الترجيح بالكثرة في الرواة. قال أحمد: إن أكثر الأحاديث جاءت في العصر تعليق النهي بالصلاة. وبناء على ذلك فمن جَمَعَ جَمْعَ تقديم، فإن وقت النهي يكون متعلقاً في حقه من أول الوقت، كما يفعل كثير من الناس بل أغلب الحجيج في يوم عرفة فإنهم يجمعون جمع تقديم فلا يُشرع لهم الصلاة إلى غروب الشمس. وأما الصبح فذكر أحمد أن أغلب الأحاديث علَّقَتْه بالصبح أي: بطلوعه. وهنا ننظر لأغلب الأحاديث فنحكم به، فيكون من باب الترجيح بين الأحاديث والألفاظ الواردة. نعم.

حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله بن دينار قال: كان عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (لا تَتَحَرَّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها، فإن الشيطان تَطْلُعُ قَرْنَاهُ مع طلوع الشمس وتَغْرُبَان مع غروبها). وكان يضرب الناس على تلك الصلاة. نعم.

​هذا مثل ما سبق. نعم.

حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد أنه رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه مُنْكَدِراً في الصلاة بعد العصر. نعم.

​هذا منه رضي الله عنه ورحمه – أعني عمر بن الخطاب – من باب التعزير والتأديب. فإنه من فَعَلَ أمراً مُحرَّماً جاز تعزيره. وأما التأديب فيكون بغير المحرمات. وإن تجوز بعض الفقهاء فسمى التأديب تعزيراً، فهذا يدل على أن هذا الفعل مُحرَّم وهو الصلاة بعد صلاة العصر. هذا هو الظاهر كما ذكرت لكم. نعم.

أحسن الله إليك.

باب النهي عن الصلاة بالهاجرة

حدثنا القعنبي عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن شدة الحر من فَيْحِ جهنم، فإذا اشتد الحر فأَبْرِدُوا عن الصلاة). وقال: (اشتكت النار إلى ربها فقالت: يا ربِ، أكل بعضي بعضاً. فأذن لها بنفسَيْن في كل عام، نَفَسٍ في الشتاء ونَفَسٍ في الصيف). نعم.

​هذا الحديث الذي بوَّب له مالك رحمه الله تعالى بـ**”النهي عن الصلاة بالهاجرة”**. وأورد فيه عدداً من الأحاديث، فإن جُلَّ الأحاديث التي في الباب هي أمر وليست نهياً. والأمر حينئذ يكون للندب. وسأذكر صريحة النهي إن ورد في بعض الألفاظ فهو محمول على الكراهة، على خلاف الأولى، وليس الكراهة وإنما على خلاف الأولى. ودليل ذلك أن هذا الأمر مُعلَّل، وهو بالحر والتخفيف عن الناس. فلما كان حكم مُعلَّقاً بمصلحة الناس جاز لهم أن يفعلوا خلافه، فلا يكون الأمر ولا النهي للوجوب ولا للتحريم. وهذا من باب التخصيص بالعلة التي وردت في النص، فإن من صُوَرِ التخصيص والصَرْف التخصيص أيضاً هو الصَرْف عن الأصل في الأوامر والنواهي بالعلة. نعم.

​ففي هذا الحديث قال عليه الصلاة والسلام: “إن شدة الحر من فَيْحِ جهنم، فإذا اشتد الحر فأَبْرِدُوا عن الصلاة”. فهنا الأمر هنا محمول على الندب. ومخالفته – ومخالفته – محمولة على مخالفة الأولى على أصح قول أهل العلم. صلوا على النبي.

حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله بن يزيد مولى الأسود بن سفيان عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كان الحر فأَبْعِدُوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فَيْحِ جهنم). وذكر أن النار اشتكت إلى ربها، فأذن لها في كل عام بنفسين: نَفَسٍ في الشتاء ونَفَسٍ في الصيف. نعم.

حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا اشتد الحر فأَبْرِدُوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فَيْحِ جهنم). نعم.

​قبل أن أنتهي من هذا الحديث، هنا في مسألتان ربما لم يتبين للبعض معنى “الصلاة بالهاجرة”. المراد بالصلاة بالهاجرة أي: أول وقت الظهر. وهنا محمول على وقت الصيف دون وقت الشتاء، فهذا الذي وردت به الأخبار.

​الأمر الثاني: أن الإمام مالك رحمه الله تعالى بوَّبَ بـ**”النهي”** وأورد أحاديث كلها أمر وليس فيها نهي. فنقول: يُحمل على أحد أمرين: إما على القاعدة المشهورة: هل الأمر بالشيء نهي عن ضده؟ أم ليس كذلك؟ وهذه مسألة تعرفونها. والأمر الثاني: أن يكون قد أخذ النهي من التعليل، فكأن التعليل بـ**”أن شدة الحر من فَيْحِ جهنم”** أن من فَعَلَ ذلك أُصيب بجهنم، وليس كذلك. فإنما هذا التعليل لأجل مصلحة الناس. وكل حُكْمٍ عُلِّقَ بمصالحهم وآدابهم، فقد نص الشافعي وكثير من أهل العلم على أنه يُحمل على الأدب ولا يُحمل على التحريم أو الوجوب.

باب النهي عن دخول المسجد بريح الثوم

حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَن أكل من هذه الشجرة فلا يَقْرَبَنَّ مسجدَنا يُؤذينا بريح الثوم). برِيحِهِ. نعم. يؤذينا بريح الثوم. أحسن الله إليك.

حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الرحمن بن مُجَبِّر أن سالم بن عبد الله كان إذا رأى الإنسان يُغَطِّي فاه وهو يصلي جَبَذَ الثوب جَبْذاً شديداً حتى يَنزِعه عن فيه. نعم.

​هذان حديثان: الأول مناسب للباب، والثاني له معنى مختلف، ولكن ربما له مناسبة قد أُُريدت. الأول فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن أكل من هذه الشجرة) – يعني شجرة الثوم ونحوها والبصل – (فلا يَقْرَبَنَّ مسجدَنا يُؤذينا برائحة الثوم). هنا قوله عليه الصلاة والسلام: “لا يَقْرَبَنَّ” يدل على التحريم وأنه لا يجوز. وقوله: “مسجدَنا” يُحمل على معنيين كلاهما صحيح: “لا يَقْرَبَنَّ” المسجد المُحاط، فيَحْرُم على من فَعَلَ ذلك أن يدخل المسجد فلا يؤذي الناس ولو كان وحده. وهذا الذي مشى عليه فقهاؤنا: أنه يَحْرُم دخول المسجد لأنه قد عُلِّلَ في بعض ألفاظ الحديث: (فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم). والأمر الثاني: “مسجدَنا” أي: الصف الذي يصلي به الناس. فلو صلى مع أناس يتأذَّون برائحته، بأن كانوا ليسوا ممن لا يَشَمُّ وهو الأَشَمُّ، فإنه حينئذ يُمْنَع منه فلا يصلي، فيُحمل على التحريم حينئذ. فإن قلت: إن أكل الثوم ليس مُحَرَّماً، فكيف يكون الفعل مُحَرَّماً؟ نقول: الفعل لمن أكل الثوم ثم أراد الدخول… الله أكبر.

​الأثر الثاني الذي فيه أن سالم بن عبد الله كان إذا رأى إنساناً يُغَطِّي فَاهُ وهو يصلي جَبَذَ الثوب جَبْذاً شديداً حتى يَنزِعه عن فيه. فيه أن أهل العلم كرهوا تغطية الفم في الصلاة، وضابطه أن يُغَطِّي المرء أكثر وجهه، إذ الأكثر يأخذ حكم الكُلّ. وحَدُّ الأكثر عند الفقهاء قالوا: أن يَصِلَ التغطية إلى الأنف، فكل هذا يكون مَنهياً عنه. نعم. ما هي كراهة…

باب العمل في الوضوء

حدثنا القعنبي عن مالك عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه أنه قال لعبد الله بن زيد رضي الله عنه – وهو جَدُّ عمرو بن يحيى -: (هل تستطيع أن تُرِيَنِي كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ؟) فقال عبد الله بن زيد: نعم. فدعا بوضوء، فأفرغ على يديه فغسل يديه، وتمضمض واستنشق ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل يديه مرتين مرتين إلى المرفقين، ثم مسح رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر. بدأ بمُقَدَّم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه، ثم غسل رجليه. نعم.

​هذا حديث عبد الله بن زيد وهو الأصل في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهو بيان لما جاء في كتاب الله عز وجل في قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ} (المائدة: 6). نعم.

حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء، ثم ليَنْتَثِر، ومَن استجمر فليُوتِر). نعم.

​هذا الحديث فيه ثلاثة أوامر: أمران للوجوب وأمر للندب. وسأذكر لِمَ فُرِّق. الأول: قوله: “إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه” هذا هو الاستنشاق وهو واجب لأنها صيغة أمر. والثاني قوله: “ثم ليَنْتَثِر” قالوا: هذا على سبيل الندب، لأن هذا تابع، والتابع في الهيئة لا يلزم أن يكون واجباً. ولذلك فإن كثيراً من الأحاديث إنما جاءت بالأمر بالاستنشاق دون الانتثار. وقوله عليه الصلاة والسلام: “ومَن استجمر فليُوتِر” يدل على وجوب الاستجمار وتراً في الثلاث، وما زاد عن الثلاث فالوتر فيه مستحب. فحينئذ فقوله عليه الصلاة والسلام: “ومَن استجمر فليُوتِر” له معنيان: معنى واجب وهو الإيتار بالثلاث، ومعنى مستحب فيمن زاد عن الثلاثة يستحب له أن يقطع على وتر. فحينئذ نقول: إن الأمر على وجهه وهو الوجوب. نعم.

حدثنا القعنبي عن مالك أنه بلغه عن عبد الرحمن بن أبي بكر أنه دخل على عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنها يوم مات سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، فدعا بوضوء. فقالت له عائشة: (أَسْبِغِ الوضوء يا عبد الرحمن، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ويلٌ للأعقاب من النار).

​هذا الحديث نستفيد أمرين: أن الإسباغ هو إيصال الوضوء لكل أعضاء الجسد. والأمر الثاني: أن الوضوء لا يصح إذا تُرك جزء من الجسد من غير إيصال الماء له. لأنه رَتَّبَ عليه بـ**”ويل”** وهو عذاب شدة، فدل على حُرمته.

حدثنا القعنبي عن مالك عن يحيى بن محمد بن طَحْلاء عن عثمان بن عبد الرحمن أن أباه حَدَّثَهُ أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتوضأ وضوءاً لِما تحت إزارِهِ بالماء.

حدثنا القعنبي قال: سُئل مالك عن رجل توضأ فَنَسِيَ فغسل وجهه قبل أن يَتَمَضْمَضَ أو غسل ذراعيه قبل وجهه. قال: (أما الذي غسل وجهه فيَتَمَضْمَضُ ولا يُعيد غسل وجهه. وأما الذي غسل ذراعيه قبل فليغسل وجهه، ثم ليُعِد غسل ذراعيه حتى يكون غسلهما بعد وجهه، إذا كان في مكانه أو بحضرة ذلك). نعم.

​كلام مالك هنا يدل على أن الترتيب واجب إلا في مسألة ما بين أجزاء العضو الواحد، فإن من أجزاء العضو الواحد المضمضة والاستنشاق، فهما في معنى الوجه، فهما داخلان في قول الله عز وجل: “فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ” إذ قَعَّدَ العلماء أن في حُكْم الوجه تجويف الفم وتجويف الأنف. كما أن في حُكْم الرأس الأُذُنَان – كما أن في حُكْم الرأس أن الأُذُنَيْنِ في – كما أن في حُكْم الرأس الأُذُنَيْن بدليل حديث أنس: (الأُذُنَان من الرأس). فهما ليستا رأساً وإنما في حُكْمه. فمالك لما سُئل عن رجل غسل وجهه قبل أن يَتَمَضْمَضَ أو غسل ذراعيه قبل وجهه، قال: “أما الذي غسل وجهه فيَتَمَضْمَضُ ولا يُعيد غسل وجهه. وأما الذي غسل ذراعيه قبل وجهه فليُعِد غسل ذراعيه حتى يكون غسلهما بعد وجهه”. وهذا يدل على وجوب الترتيب في نص مالك في الموطأ، أبو مالك في الموطأ وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء. نعم. أحسن الله إليك.

حدثنا القعنبي قال: سُئل مالك عن رجل توضأ فَنَسِيَ أن يَتَمَضْمَضَ أو يَسْتَنْثِرَ حتى صلى. قال: (ليس عليه أن يُعيد الصلاة، ويَتَمَضْمَضُ ويَسْتَنْثِرُ لِما يَسْتَقْبِلُ إن كان يريد أن يصلي). نعم.

​هذه تُحمل على معنيين: المعنى الأول: إن كان محمولاً على عدم وجوب المضمضة والاستنشاق، وهو أحد قول أهل العلم في المسألة. ولكن ظاهر الأحاديث تدل على وجوبهما إذ الأمر فيهما صريح. وما نَقَلَ أحد وضوء النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا ذكر أنه تمضمض واستنشق، فدل على وجوبهما. الأمر الثاني: أو قد يُحمَل أن كلام مالك هنا يرى أن الترتيب… قد يخرج كلام مالك أنه يرى – وهو أحد أقواله في مذهب مالك – أن الموالاة ليست بواجبة. قد يُقال ذلك، والعلم عند الله. نعم. أحسن الله إليكم.

وضوء النائم

حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يُدخِلَها في وضوئِه، فإن أحدكم لا يدري في أين باتت يده).

حدثنا القعنبي عن مالك عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: (إذا نام أحدكم مُضْطَجِعاً فليتوضأ). نعم.

​هذان الخبران: الأول من لطيف استدلال الإمام مالك، استدل به على أن هذا لا يَنقض الوضوء، فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يُدخِلَها في وضوئِه) يدل على أنه إذا استيقظ لزمه الوضوء، فدل على أنه ناقض.

​وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *