الدرس 2 من شرح موطأ مالك – عبدالسلام الشويعر

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

​اللهم اغفر لشيخنا ولوالديه وللحاضرين ولعموم المسلمين. وبإسنادكم حفظكم الله، وقال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه:

(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده.)

بسم الله الرحمن الرحيم.

​الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، ثم أما بعد.

​ما يتعلق بقراءة الكتاب العظيم، كتاب الإمام مالك، كتاب “الموطأ”. وهذا الكتاب جمع فيه الإمام مالك رحمه الله تعالى أربعة أمور:

  1. ​جمع فيه أولًا: الأحاديث المرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم، وسيأتي حديث مفصل عن أقسامها وأنواعها.
  2. ​وجمع فيه كذلك: أقوال الصحابة رضوان الله عليهم، وأصح القولين عن الإمام مالك أن قول الصحابي حجة، وكذا هو أصح القولين عن الشافعي، قاله في القديم والجديد معًا، وهو أصح القولين عن أبي حنيفة النعمان، وكذا أحمد.
  3. ​والأمر الثالث الذي جمع به مالك في هذا الكتاب: جمع فيه عمل أهل المدينة.
  4. ​والرابع: ذكر فيه بعض رأيه واختياره واجتهاده.

​وسأتكلم اليوم بإيجاز عما جمع فيه الإمام مالك في كتابه من عمل أهل المدينة. فقد كان للإمام مالك رحمه الله تعالى طريقان في جمع وذكر عمل أهل المدينة:

  1. ​أحدهما: أن يصرح بعملهم، فيقول: “عملهم كذلك”، أو “أنه أدرك أهل المدينة، أدرك الناس على ذلك”، أو نحو ذلك من الصيغ التي ستأتي.
  2. ​والثاني: أنه رحمه الله تعالى كان يذكر قول أعيان أهل المدينة وفقهائها، فعند ذلك لا غرو أن ترى أن مالكًا يسند قولًا بذكر قول أعيان فقهاء المدينة، سواء من متقدميهم بعد الصحابة رضوان الله عليهم، كالتابعين وصغار تابعيهم، أو ممن أدركهم مالك من شيوخه، أو من تابعي التابعين الذين لم يدركهم، سواء من الفقهاء الأربعة، ومن آخر من نقل عنه ربيعة.

​وسيأتي الإشارة لبعض مصطلحات مالك في النقل. وعمل أهل المدينة ذكر أهل العلم أنه من أصح العمل، إذ الفقهاء إنما يحتجون بعمل أهل المدينة في ثلاث طبقات فقط، حتى قال القاضي عبد الوهاب: “ما بعد هذه الطبقات الثلاث، يكاد لا نزاع أن عمل أهل المدينة ليس بحجة”.

​والطبقات الثلاث هي: قول الطبقة الأولى: الصحابة، ثم تابعوا الصحابة، ثم تابعوا التابعين. فمن بعد هذه الطبقات الثلاث لا حجة في عمل أهل المدينة، وحكي اتفاقًا نقلته لكم عن القاضي عبد الوهاب بن نصر المالكي رحمه الله تعالى.

​وقد تميز الإمام مالك بأمرين:

  1. ​الأمر الأول: أنه آخر الطبقة الثالثة، فإنه من طبقة تابعي التابعين، فحينئذٍ يدخل في هذه الطبقات الثلاث التي هي حجة عند من يرى الاحتجاج أو العمل بهم بقولهم.
  2. ​والأمر الثاني: أنه اتفق العلماء -كما قال الشيخ تقي الدين- على أن أعلم أهل زمانه، بل ومن بعدهم، بعمل أهل المدينة هو الإمام مالك رحمه الله تعالى.

​وعمل أهل المدينة تارة في الاحتجاج ابتداءً، وتارة في الترجيح بين الأدلة المتعارضة، وتارة في تقوية الاستدلال بالحديث الذي ضعف إسناده، وقد مر معنا بتوسع هذا الكلام في شرح رسالة “صحة أصول أهل المدينة”، وقد سبق معنا هنا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان ذلك.

​أول حديث في هذا الباب هو حديث أبي هريرة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في وضوئه.) هذا الحديث فيه حكمان:

​أول حكم هو من لطيف استدلال الإمام مالك، فإن الإمام مالك أشار بهذا الاستدلال أو بإيراد هذا الحديث بعد الباب الذي عُنون له دلالة على أن النوم ناقض للوضوء، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في وضوئه)، فدل على أنه كل من استيقظ من النوم أنه يلزمه الوضوء، ولا يدخل يده في إنائه -وهو وضوءه- إلا بعد غسلها ثلاثًا.

​نعم. حدثنا القعنبي، عن مالك، عن زيد بن أسلم: (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إذا نام أحدكم مضطجعًا فليتوضأ.)

​نعم. هذا الحديث بمثابة المخصص للعموم الأول، فإن العموم الأول يُفهم منه أن كل نوم يكون ناقضًا للوضوء، وهذا الأثر الذي جاء عن عمر رضي الله عنه يكون بمثابة المخصص. ووجه التخصيص أنه ليس كل نوم يكون ناقضًا للوضوء إلا ما كان حال اضطجاع. وبناءً على ذلك، فإن الإمام مالك يرى أن النوم الذي يكون ناقضًا للوضوء هو نوم المضطجع، وأما الساجد فلا ينتقض وضوؤه إلا إذا طال نومه، وإذا لم يطل نومه فإنه لا ينتقض وضوؤه، وكذا من لم يكُ على هيئة الاعتماد.

​وقال بعض أهل العلم: إن العبرة بنقض الوضوء أو عدمه إنما هو بالاعتماد، فكل من كان معتمدًا على الأرض فلو نام لم تتغير هيئته، فإن نومه -ولو قل زمانه- يكون ناقضًا.

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن زيد بن أسلم: (أن تفسير هذه الآية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ ۚ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ۚ وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم} [سورة المائدة: 6] الآية، أن ذلك: {إِذَا قُمْتُمْ مِنَ الْمَضَاجِعِ} يعني النوم.)

​نعم. هذه الآية التي في سورة المائدة التي استدل بها الإمام مالك على أنها دليل على أن الاستيقاظ من النوم يكون ناقضًا، وذلك في قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ}. ولأهل العلم في معنى: {إِذَا قُمْتُمْ} أوجه ثلاثة، أحدها: “إذا قمتم من النوم”، كما نُقل عن زيد بن أسلم، وأقره مالك وجماعة من أهل العلم. فحينئذٍ يكون القرآن حمال أوجه، فكل المعاني الثلاث صحيحة، ومنها أن الآية تكون دالة على أن النوم ناقض للوضوء، وقد دل عليه الحديث الآخر: (العين وِكَاء السَّه، فمن نام فليتوضأ.)

قال مالك: “الأمر عندنا أنه لا يتوضأ من رعاف، ولا من دم، ولا من قيح يسيل من شيء من الجسد، ولا يتوضأ إلا من حدث يخرج من ذكر أو دبر، أو نوم، أو فساء.”

​نعم. هذا قول الإمام مالك، أن مالكًا رحمه الله تعالى يرى أن الدم وسائر النجاسات إذا خرجت من جسد الآدمي فإنها لا تنقض الوضوء، هذا مذهبه. وليس معنى ذلك أن الإمام مالك لا يرى نجاسة الدم، فإن نجاسة الدم حُكي الإجماع، وعلى أي حال حكى الإجماع على نجاسة الدم ابن حزم وابن المنذر والإمام أحمد وجماعة. الإمام مالك يرى نجاسة الدم ولكنه ينازع في نقض الوضوء بخروج الدم من الآدمي، سواء كان الخروج قليلًا، الدم الخارج قليلًا أو كثيرًا.

​نعم. باب الطهور والوضوء.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن صفوان بن سليم، عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق: (أن المغيرة بن أبي بردة -وهو من بني عبد- أخبره أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هو الطهور ماؤه، الحل ميتته.)

​نعم. هذه يذكرها أهل العلم من باب إذا كان السؤال خاصًا وكان الجواب عامًا، فإنه يدل حينئذٍ على عموم الجواب. فقول النبي صلى الله عليه وسلم حينما سئل عن البحر قال: (هو الطهور ماؤه) أي أنه يكون مطهرًا لغيره، فإنهم سألوه عن الماء فلم يجب بأنه طاهر، وإنما أجاب عليه الصلاة والسلام أنه طهور، فهو طاهر في نفسه يطهر غيره. وأجاب زائدًا عن ذلك بقوله: (الحل ميتته)، فميتة البحر تكون حلالًا.

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد بن رفاعة، عن كبشة بنت كعب بن مالك رضي الله عنه، وكانت تحت ابن أبي قتادة: (أن أبا قتادة رضي الله عنه دخل، فسكبت له وضوءًا، فجاءت هرة فشربت منه، فأصغى لها الإناء حتى شربت. قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قالت: فقلت: نعم. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات.)

​نعم. هذا الحديث فيه دليل على أن شرب الهرة من الماء القليل لا يسلبه الطهورية، وذلك أن الهرة لم تغيره، ولأن ما اختلط من سؤر الهرة الماء القليل فإنه لا يسلب الطهورية. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات)، فيه احتمالان: إما أن يكون ذلك حديثًا واحدًا، وإما أن يكونا حديثين، وأن أبا قتادة رضي الله عنه جمع الحديثين فجعلهما واحدة.

​فإن كان حديثًا واحدًا، فيكون قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنها ليست بنجس) هذا هو الحكم. وقوله: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) هو تعليل للحكم، فيكون من باب الإيماء إلى العلة. وذلك أن الحكم إذا قُرن بوصف لو لم يكن ذكر الوصف علة له، لكان ذكر ذلك الوصف لغوًا، يُعد إيماءً للعلة. فحينئذٍ تكون العلة لعدم نجاسة سؤر الهرة إذا شربت من الماء أنها من الطوافين والطوافات.

​والاحتمال الثاني: أن يكون الحديث حديثين. فحينئذٍ قوله عليه الصلاة والسلام: (إنها من الطوافين عليكم والطوافات) حكم مستقل، وخبر مستقل، ليس علة ولا إشارة لتعليل للحكم الأول وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (إنها ليست بنجس).

​وحينئذٍ فقد ذكر بعض المتأخرين أن الأوفق لمذهب الإمام مالك القول الثاني، لأن الإمام مالك رحمه الله تعالى يرى طهارة سؤر الماء الذي شرب منه الكلب والسبع. فلو قلنا بالتعليل بالطوافة، فإنه حينئذٍ يلزم منه نجاسة سؤر الماء الذي شرب منه الكلب الذي يطوف على الناس بأن يكون كلب حرث ونحوه. فحينئذٍ ذكر بعض المتأخرين أن الأنسب لمذهب مالك ذلك. ولكن جمعًا من أهل العلم قالوا: بل الأول أولى، فالتعليل بأن الهرة إنما عُفي عن سؤرها ولم تسلب الماء القليل الطهورية لكونها من الطوافين والطوافات.

​وحينئذٍ، فما أخذ حكمها فما أخذ صفتها أخذ حكمها. وما الذي يأخذ صفتها لأصحابنا وجهان: فمنهم من يقول: إن من أخذ صفتها هو من كان مثلها في الحجم أو دون، فحينئذٍ يكون سؤر الهر وسؤر الفأر والجِرذ وغير ذلك يكون طاهرًا. ومن أهل العلم -وهو الأقرب- أن يكون الحكم متعلقًا بذات الطوافة، فكل حيوان يكون مباشرًا للآدمي في بيته ويكون طائفًا عليه ويختلط به، فإن سؤره يكون معفوًا عنه، وكذا غيره من الأمور لأجل المشقة.

​نعم. قال: حدثني القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم، عن يحيى بن عبد الرحمن: (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص رضي الله عنه، حتى وردوا حوضًا، فقال عمرو بن العاص لصاحب الحوض: يا صاحب الحوض، هل يرد حوضك السباع؟ فقال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض، لا تخبرنا؛ فإنا نرد على السباع وترد علينا.)

​نعم. هذا الحديث فيه ثلاثة أحكام:

  1. ​أول هذه الأحكام: أن هذا الخبر عن عمر رضي الله عنه يستدل به على أن الشك الطارئ إذا ورد على أصل يدل على الإباحة، فلا عبرة بالشك الطارئ. وذلك أن هذا الحوض الأصل فيه طهارة الماء الموجود فيه، فلما شكوا بطروء النجاسة عليه، لا نعتبر بالشك ونستمسك ونستصحب حكم الأصل. هذه المسألة الأولى.
  2. ​المسألة الثانية: أن هذا الحوض لما عُبّر بالحوض، دل على أن الماء في الحوض كثير، فنستفيد من ذلك حكم أن الماء الكثير ولو وقعت فيه نجاسة فإنه لا تًسلبه الطهورية إلا أن يكون ذلك النجس الطارئ قد غير أحد أوصافه الثلاثة.
  3. ​الحكم الثالث: استدل بعض أصحاب الإمام مالك بهذا الحديث عن عمر رضي الله عنه أن سؤر السباع وسؤر الكلب ليس بنجس، لأن الكلب من السباع، فحينئذٍ يأخذ حكمه، فلا يكون حينئذٍ نجسًا.

​والصواب نقول: إن السؤر للكلب وما في معناه يكون نجسًا إذا كان الماء قليلًا، وإنما كلام عمر رضي الله عنه محمول على أحد أمرين كما سبق: أنه شك طارئ على أصل إباحة، أو أن الحوض كان كبيرًا، فإن كل ما طرأ عليه من سؤر نجس وغيره لا يؤثر فيه بسلب الطهورية إلا أن يغير أحد أوصافه الثلاث. أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما: (كان يقول: إن الرجال والنساء كانوا يتوضأون في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم جميعًا.)

​نعم. هذا الحديث فهو لفظ الإمام مالك، وقد جاء في لفظ من طريق مسدد بن مسرهد رحمه الله تعالى أنه قال: “كانوا يتوضأون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من الإناء الواحد جميعًا”، فزاد لفظة: “من الإناء الواحد”.

​وفي هذا الحديث استدل بعض أصحاب الإمام مالك بمذهب مالك أن المرأة إذا توضأت من ماء ثم توضأ بعدها رجل فإنه جائز، وهذه المسألة الحقيقة أن فيها تفصيلًا. والصواب أن المسألة لا تخلو من حالتين: الحالة الأولى لا نزاع فيها، والثانية هي التي فيها النزاع.

​فأما التي لا نزاع فيها فهي أن الرجال والنساء إذا توضأوا من ماء واحد في وقت واحد فإنه يكون جائزًا، وهذا بإجماع لا خلاف عليه، وظاهر هذا الحديث يدل عليه كما بينه الشرح.

​وأما الحالة الثانية فهي التي فيها النزاع، وإن حمل بعض أصحاب الإمام مالك هذا الحديث عليها، وهو إذا انفردت المرأة بوضوء كامل بماء قليل فرفعت به الحدث، فهل يجوز لرجل أن يتوضأ بذلك الماء أم لا؟ فيه قولان مشهوران لأهل العلم. والإمام أحمد رحمه الله تعالى قال: إن الأحاديث المرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم في هذه المسألة مضطربة، قال: “وأعمل بقول صحابتي”، فقد صح عن جمع من الصحابة رضوان الله عليهم المنع من وضوء الرجل بفضل طهور المرأة الذي خلت به في طهارة واجبة كاملة. نعم. العمدة في ذلك إنما هو بقول الصحابة، والأحاديث فيما يتعلق بما خلت به المرأة مضطربة. وأما هذا الحديث فمحله أن يتوضأوا في موضع واحد من إناء كبير، أو ألا يكون فيه خلوة.

​نعم. أحسن الله إليك.

باب ما لا يجب فيه الوضوء.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن محمد بن عمارة، عن محمد بن إبراهيم، عن أم ولد لإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: (أنها سألت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنها: إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر. فقالت أم سلمة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يطهره ما بعده.)

​نعم. هذا الحديث فيه من الفقه أمران:

  1. ​الأمر الأول: قول المرأة: “إني أطيل ذيلي”، فدل على أن من عادة الناس في ذلك الزمان إطالة الذيل، وهذا جائز، وفيه الحديث الذي تعرفونه في إباحة النبي صلى الله عليه وسلم لإطالة الذيل.
  2. ​الأمر الثاني: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يطهره ما بعده). هذا الحديث يحتمل احتمالين: يحتمل التطهير من النجاسة، وهو الذي ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه، ووافقهم أحمد في رواية اختارها الشيخ تقي الدين، فيكون قول النبي عليه الصلاة والسلام: (يطهره ما بعده) أي يطهره من النجاسة. والاحتمال الثاني: أن يكون معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (يطهره) أي يطهره من القذر، وهو الذي عليه الجمهور، وقد حمل أحمد في أشهر الروايتين عنه الطهارة على ذلك، فقد نقل الأثرم أن أحمد قال: “ليس هذا الحديث عندي أن الثوب أصابه بول فمرت به بعده على الأرض فطهَّرته، وإنما تمر المرأة بالمكان القذر فتتقذره، فتمر بعد ذلك بمكان أطيب فيطهره.” فذهب مالك وأحمد والشافعي كذلك إلى أن معنى قوله عليه الصلاة والسلام: (يطهره ما بعده) إلى ذلك.

​المسألة الثانية والأخيرة: أن هذا الحديث موافقته للباب أن ملامسة النجاسة أو ملامسة القذر لا يكون موجبًا للوضوء.

​نعم. أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع: (أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان ينام وهو قاعد ثم يصلي ولا يتوضأ.)

​نعم. هذا الحديث فيه أن عبد الله بن عمر كان ينام وهو قاعد، فدل على مذهب مالك أن الوضوء إنما يجب على المضطجع أو الساجد إذا طال نومه، وأما القاعد فلا يجب عليه في نومه شيء، لأنه في هذه الحالة لا يكون كامل التمكن، كما عبر غيره من الفقهاء.

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع: (أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حنط ابنًا لسعيد بن زيد وحمله، ثم دخل المسجد فصلى ولم يتوضأ.)

​نعم. هذا الأثر عن ابن عمر أتى به الإمام مالك للتدليل على أن تغسيل الميت لا يوجب الوضوء. فإن من أهل العلم من يقول: إن تغسيل الميت موجب للوضوء، تنزيلًا للمظنة منزلة المئنة، فالمغسل قد تمس يده عورة الميت، فحينئذٍ أُلزم بالوضوء. فأراد مالك رضي الله عنه أن يبين أن عمل الصحابة على خلاف ذلك، فنقل أن عبد الله بن عمر حنط ابنًا لسعيد بن زيد، ومن حنط فستمس بشرته بشرة الميت، لا يلزم مس العورة لكن مس البشرة، فحينئذٍ لم يتوضأ رضي الله عنه.

​وهذه المسألة أو هذا أثر عن ابن عمر يقابل القول الذي احتج به من قال بوجوب الوضوء على من غسل ميتًا، فإنهم قالوا: إن عبد الله بن عمر وابن عباس رضي الله عنهما كانا يأمران من غسل ميتًا أن يتوضأ، وهذا هو حجة الفقهاء الذين قالوا بأن تغسيل الميت يوجب الوضوء.

​فأراد مالك أن يبين أن ابن عمر لم يتوضأ، ولذلك فإن المحققين كالموفق ابن قدامة وتلميذه ابن أبي عمر الشارح ذهبوا على خلاف المشهور أن تغسيل الميت يستحب له الوضوء ولا يجب، ويُحمل أمر ابن عمر وابن عباس على أمر الندب والإرشاد، بدليل فعل ابن عمر رضي الله عنه، وهو الأوفق لمذهب مالك والأقرب.

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك: (أنه رأى ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقلس مرارًا ماء وهو في المسجد، ثم لا ينصرف ولا يتوضأ حتى يصلي.)

​نعم. فيه أن ربيعة بن عبد الرحمن -وهو رأس فقهاء أهل المدينة من طبقة شيوخ الإمام مالك- كان “يَقْلِس” -يَعني يخرج منه القلس- بتحريك اللام، ويصح بسكونها: القَلْس. والقَلْس هو ما يخرج من الجوف، فإن كان ملء الفم أو أقل من ملء الفم سُمِّي قَلْسًا، وأما إن كان أكثر من ملء الفم فإنه يسمى قَيئًا.

​فهنا ربيعة بن أبي عبد الرحمن -ربيعة الرأي- كان “يقلس مرارًا ماء”، بعض النسخ في موطأ يحيى وكذا في بعض نسخ موطأ القعنبي بعضها اقتصرت على “مرار”، وبعضها اقتصرت على “ماء”، فالمراد بها معنى متقارب، وبعضها جمعت بين “المرار” و “الماء”. فمعنى قوله: “يقلِس مرارًا” يعني شيئًا مُرًّا، يخرج شيئًا مُرًّا، ونسميه الآن بلهجتنا الدارجة يخرج منه “مرار”، “مِرَار” هي المِرَار التي جاءت في هذا الأثر. فحيانًا يخرج، يحس الشخص بأنه قد خرج من جوفه مرار. وقوله: “مرارًا ماء” أي ماء حامضًا، هذا هو الذي يحس بخروجه.

​قال: (وهو في المسجد، ثم لا ينصرف ولا يتوضأ.) استدل بهذا الأمر على أمرين:

  1. ​الأمر الأول: أن القلس ليس بنجس، وهذا هو مذهب الإمام مالك، فإن الإمام مالك رحمه الله تعالى يرى أن القلس ليس بنجس، ويرى أن القيء ليس بنجس إذا كان على حال الطعام، وأما إذا تغير عن حال الطعام الذي دخل إلى جوفه فإنه يكون نجسًا. فما دام قلسًا فإنه لم يتغير، فحينئذٍ لا يَنجس.
  2. ​والأمر الثاني: استدل بهذا الحديث على أنه ليس بناقض للوضوء، ومالك يرى أن القلس والقيء كلاهما ليس بناقض.

​وأما جمع من أهل العلم فإنهم يقولون: الصواب التفريق بين القيء والقلس، وتُحمل الآثار عن التابعين وعن الصحابة المتقدمين في أن الذي لا ينقض الوضوء إنما هو القلس فقط، وأما القيء فناقض، لما جاء عن الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فتوضأ)، فحينئذٍ علق الفعل حكمًا على وصف القيء، فدل على أن القيء ناقض للوضوء. فيكون فعل الفعل الذي اتفق عليه أهل العلم بعد ذلك إنما هو استثناء القلس للمشقة دون القيء. فالقيء يكون ناقضًا، وكذلك قال جمع من أهل العلم: إن القيء يكون نجسًا، لأن الناقض في الأصل إنما يكون من النجس الكثير لا من المطلق.

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، قال: سئل مالك عن رجل قلس طعامًا، هل عليه وضوء؟ قال: “ليس عليه وضوء، فليمضمض من ذلك ويغسله.”

​نعم. هذا تصريح في مذهب الإمام مالك في أن القلس وكذا القيء لا يوجب الوضوء، وأما هل هو نجس أم لا فقد ذكرت لكم التفصيل. وهنا نكتة لطيفة، فإن القعنبي قال: “سئل مالك”، والذي في الموطأ ثلاث تعبيرات: إما “سئل مالك” أو “سمعت مالكًا” أو “قال مالك”. وقد أنكر الشيخ أبو الوليد ابن رشد رحمه الله تعالى -صاحب المقدمات والبيان وغيرها- أن يوجد في موطأ يحيى وكذا في غيره: “سألت مالكًا”، وإنما توجد ثلاث صيغ. قال: “ولا يكون من يحيى وكذا غيره من الرواة أن يزيد في روايته للموطأ شيئًا سمعه من مالك ولم يكن في الموطأ”. فالمعهود من الرواة إنما هو الثقة.

​والفرق بين الصيغ الثلاث: أنه إذا قال: “قال مالك”، فهذا سهل، إما أن يكون قارئًا أو أن مالكًا تلفظ به في أثناء قراءة مالك. وأما إذا قال: “سمعت مالكًا” -مثل الصيغة التي مرت معنا في الدرس الماضي- فهذا يدل على أن هذه اللفظ قرأها مالك فسمعها منه راوي الموطأ. وأما إذا قال: “سئل مالك”، فقد ذكر أبو الوليد احتمالين: إما أن يكون مالك في نسخته كتب: “سُئلت”، فقرأها القارئ -وهو قارئ القارئ على الإمام مالك- فقرأها: “سئل مالك”، وإما أن يكون مالك هو الذي أقرأ الرواة، فيقول: “سئلت”، فأتى الراوي فكان هو الذي عدلها، كالقعنبي وغيره، فقال: “سئل مالك”. إذا قال: “سئل”، فيحتمل أنها من القارئ -وهو كاتب مالك كحبيب- وإما أن يكون من الراوي. وهذا ملخص كلام أبي الوليد ابن رشد نقله عنه في “المعيار”.

​نعم. باب ترك الوضوء مما مست النار.

​نعم. هذا التبويب المراد بما مست النار المقصود به اللحوم، وليس كل ما مسَّته النار، وإنما محل ذلك اللحوم، ولكن أُطلق هذا من باب الأغلب. نعم. كأنه في أول الإسلام كان يتوضأ ثم نُسخ، كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار، وهو ظاهر تبويب مالك.

​نعم. أحسن الله إليكم.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ.)

​نعم. حديث ابن عباس صريح أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يتوضأ من لحم أكله وهو مما مسته النار، فدل على نسخ جميع ما مسته النار، وهذا هو قول جمهور أهل العلم. وقال بعض أهل العلم -وهي من مفاريد مذهب الإمام أحمد- أنه لم يبقَ مما مسته النار يجب الوضوء له إلا لحم الإبل خاصة، لورود حديثين صحيحين في “صحيح مسلم” أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء مما مست النار، أمر بالوضوء من أكل لحم الجزور، فدل على أن الحكم باقٍ، لأنه في الحديث نفسه لم يُلزم الوضوء مما مسته النار من غير لحم الجزور كالغنم وغيره.

​وقوله: “ترك الوضوء مما مست النار”، هل يدل على نسخ الحكم بالكلية أم نسخ الوجوب؟ فيه وجهان، والأقرب من الوجهين إنما هو نسخ الوجوب، فيبقى الحكم بالندب باقيًا، فيستحب لمن أكل لحمًا أن يتوضأ منه، وهذا هي رواية عن الإمام أحمد اختارها الشيخ تقي الدين.

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن بشير بن يسار: (أن سويد بن النعمان أخبره أنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر، حتى إذا كانوا بالصهباء -وهي من أدنى خيبر- صلى العصر، ثم دعا بالأزواج فلم يُؤتَ إلا بالسويق، فأمر به فثُرِّي، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكلنا، ثم قام إلى المغرب فتمضمض ومضمضنا، ثم صلى ولم يتوضأ.)

​نعم. هذا فيه استدلال على أن ما مست النار لا وضوء فيه وإن لم يكن لحمًا، وهذا من باب أولى. ومحل الشاهد فيه قال: (ثم دعا بالأزواج فلم يؤتَ إلا بالسويق.) السويق هذا كان طعامًا سهلًا جدًا، وهو أن يُؤخذ الحب من القمح أو من الشعير ثم يُطحن، ثم بعد ذلك يُحمس على النار -وهو الذي يُسمى يُقلى- لكنه ليس بزيت الآن، لأن المصطلح الحديث القلي يكون بالزيت، وإنما يُحمس على النار على الصاج مثلًا ونحوها، ثم بعد ذلك قد يؤكل وحده، وقد يُجعل مع غيره من تمر وغيره، وقد يُفعل به كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فأمر به فثُرِّي.) أي: أُضيف إليه ماء أو أُضيف إليه زيت، فأكل بعد إضافة الماء والزيت إليه. وهذا هو السويق، وهو أمر سهل يُفعل في السفر وغيره، لأنه سهل طبخه، يُؤتى بالدقيق بقشره فيُدق ويُطحن بقشره من غير نخل له.

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن محمد بن المنكدر، وصفوان بن سليم: (أنهما أخبراه عن محمد بن إبراهيم عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير أنه تعشى مع عمر رضي الله تعالى عنه ثم صلى ولم يتوضأ.)

​نعم. هذا فيه فعل عمر رضي الله عنه، وانتشاره عند أهل المدينة بدليل إسناد أهل المدينة.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ضمرة بن سعيد المازني، عن أبان بن عثمان: (أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أكل خبزًا ولحمًا، ثم مضمض وغسل يديه، ثم مسح بهما وجهه.)

​نعم. هذا فيه أن عثمان لم يفعل إلا ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من مضمضته بعد أكله.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد: (أنه سأل عبد الله بن عامر بن ربيعة عن الرجل يتوضأ للصلاة ثم يصيب الطعام قد مسته النار، أيتوضأ؟ قال: رأيت أبي يفعل ذلك ثم لا يتوضأ.)

​نعم. هذا أُخذ منه أنه يُندب إلى الوضوء مما مست النار ولا يجب.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن محمد بن المنكدر قال: (دُعي رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعام، فقُرب إليه خبز ولحم، فأكل منه ثم توضأ ثم صلى، ثم دعا بفضل ذلك فأكل منه، ثم صلى ولم يتوضأ.)

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي نعيم وهب بن كيسان: (أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: رأيت أبا بكر الصديق رضي الله عنه أكل لحمًا ثم صلى ولم يتوضأ.)

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك: (أنه بلغه أن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم كانا لا يتوضآن مما مست النار.)

​نعم. جامع الوضوء.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الاستطابة فقال: أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار؟)

​نعم. ذكر الإمام مالك رحمه الله تعالى في هذا جامع الوضوء، أي: أحاديث متفرقة ليس لها معنى واحد يربطها إلا المعنى الكلي للباب وهو الوضوء. وأول حديث أورده حديث هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير مرسلًا: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الاستطابة) وهو إزالة النجو بالحجارة ونحوها. فقال: (أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار؟) قوله عليه الصلاة والسلام: (أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار؟) التعبير بالحجر هنا قالوا: إنه وصف أغلبي، وحينئذٍ فلا يكون له مفهوم. ومن أهل العلم من يقول: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (أحجار) هو من مفهوم اللقب، ومفهوم اللقب فيه نزاع قوي. والأولى أن نقول: خرج مخرج الغالب؛ لكي يبقى الاحتجاج بمفهوم اللقب، وحينئذٍ فيجوز الاستجمار بالحجارة وبغيرها. ومذهب الإمام مالك أنه يجوز، وكذلك أحمد أنه يجوز الاستجمار بكل يابس مُنَقٍّ طاهر. فما دام قد وُجدت فيه هذه الأوصاف الثلاث فيجوز ولو لم يكُ حجرًا، كمنديل أو تراب أو غيره.

​الأمر الثاني في قوله عليه الصلاة والسلام: (أو لا يجد أحدكم ثلاثة أحجار؟) التقييد بالثلاث هل هو واجب أم لا؟ مشهور مذهب الإمام مالك أن التقييد بالثلاث ليس بواجب، وإنما الواجب هو الإنقاء، ولا يجب العدد، ورأى أن التقييد بالثلاث واشتراط ذلك إنما هو من باب مفهوم العدد. ولكن الذي يدل عليه الحديث الآخر -وهو نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستجمار بأقل من ثلاثة أحجار- صريح، فليس من باب مفهوم العدد، بل هو صريح على أنه لا يجوز الاستجمار بأقل من ثلاثة، وهو قول الجمهور كالشافعي وأحمد، فيكون أظهر للفظ الآخر الذي ذكرت لكم قبل قليل وهو خارج الموطأ.

​نعم. أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى المقبرة، فقال: السلام عليكم ديار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، وددت أني قد رأيت إخواننا. قالوا: يا رسول الله، ألسنا بإخوانك؟ قال: بل أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد، وأنا فرطهم على الحوض. قالوا: يا رسول الله، كيف تعرف من يأتي بعد من أمتك؟ قال: أرأيت لو كان لرجل خيل محجبة في خيل دهم بُهم، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فإنهم يأتون يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلين من أثر الوضوء، وأنا فرطهم على الحوض، فَلَيُذَادَنَّ رجال عن حوضي كما يُذاد البعير الضال، أناديهم: ألا هلمَّ، ألا هلمَّ، ألا هلمَّ! فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول: فسُحقًا سُحقًا سُحقًا.)

​يعني: هذا الحديث فيه فضل الوضوء، ومحل الشاهد قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنهم يأتون يوم القيامة غُرًّا مُحَجَّلين من أثر الوضوء.) والغرة هي العلامة في الجبين، والتحجيل في القدم. وقوله عليه الصلاة والسلام: (فَلَيُذَادَنَّ) اللام لام التأكيد، وأتى بعض الرواة بلام النفي وهذا غير صحيح، والصواب أنها لام التأكيد.

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن حُمْران: (أن عثمان بن عفان رضي الله عنه جلس على المقاعد، فجاء المؤذن فأذّنه بصلاة العصر، فدعا بماء فتوضأ، ثم قال: والله لأحدثنكم حديثًا، لولا آية في كتاب الله عز وجل ما حدثتكموه. ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من امرئ مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يصلي الصلاة، إلا غُفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها. قال مالك: أرى الآية: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ} [سورة هود: 114].)

​نعم. هذا الحديث محل الشاهد فيه قوله عليه الصلاة والسلام: (ما من امرئ مسلم يتوضأ فيحسن وضوءه ثم يصلي الصلاة، إلا غُفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها.) وهل المغفرة للصغائر والكبائر معًا؟ كلام أهل العلم طويل في هذه المسألة، ولعل الأقرب أن نقول: إن المسلم يُحسن ظنه بالله عز وجل، والله عز وجل كريم، وهو قادم على كريم.

​وقول مالك: “أرى” أي: أظن، أن مراد عثمان رضي الله عنه بالآية في قوله: “لولا آية في كتاب الله”، وهذا أقرب النقلين في الحديث. وذلك أن رواة الموطأ بعضهم يقول: “لولا آية”، وبعضهم يقول: “لولا أنه في كتاب الله”، فجعلها بنون فوقية موحدة. وقد مال الحافظ ابن حجر في “فتح الباري” إلى أن الصواب رواية القعنبي وغيره: “لولا آية”، وكأنه مال لخطأ وتصحيف من رواه: “لولا أنه”. والحقيقة أن في ذلك تأملًا، لأن لفظة: “لولا أنه” جاءت عند ابن بكير وغيره من الرواة، ولم يتفرد بها أحدهم، فقد يقال إن لها وجهًا محتملًا. ولكن نقول: الأوجه من الروايتين “آية”، فإنها أقرب من قوله: “أنه”.

​نعم. أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا توضأ العبد فمضمضت خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنشق خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من في أظفار رجليه. قال: ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له.)

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن، فغسل وجهه خرجت من وجهه كله كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع آخر قطر الماء، أو نحو هذا. فإذا غسل يديه خرجت من يديه كل خطيئة بطشتها يداه مع الماء أو مع آخر قطر الماء حتى يخرج نقيًا من الذنوب.)

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك رضي الله عنه: (أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، أُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده في ذلك الإناء، وأمر الناس أن يتوضأوا منه. قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضأوا من عند آخرهم.)

​هذا الحديث إضافةً لما فيه من معجزة النبي صلى الله عليه وسلم وكرم وبركة يده الكريمة صلى الله عليه وسلم، فيه من الفقه أنه يجوز الوضوء من الإناء مباشرة، كما غمس عليه الصلاة والسلام يده الكريمة الشريفة المباركة في الإناء. وفيه كذلك استدلال بأنه يجوز الوضوء من ماء توضأ به أحد قبله، فيجوز الوضوء بفضل الغير، وهذا يُستدل به بحديث الباب.

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة؛ فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط.)

​نعم. قوله: (فذلكم الرباط، فذلكم الرباط)، الظاهر أنه يعود لآخر الجمل. لأنهم تكلموا على أن الشرط إذا عاد إلى جمل معطوف بعضها إلى بعض، هل يعود لجميعها أم يعود للأخير؟ وهذه مسألة مشهورة. ومحل الشاهد من الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: (وإسباغ الوضوء على المكاره)، فإن هذا مما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات.

​وهل هذا الأجر العظيم متعلق بالإسباغ أم متعلق بالمشقة التي هي المكاره؟ ويحتمل الأمرين معًا:

  1. ​فأما الإسباغ فإن له معنيين:
    • ​المعنى الأول: هو تعميم الأعضاء بالوضوء، وهذا واجب فيشترك كل من توضأ فيه.
    • ​والمعنى الثاني: هو الزيادة والتوفية، فيكون حينئذٍ فعل السنن فيه من غير إسراف في الماء، فحينئذٍ يكون هذا الذي فيه فضل زائد.
  2. ​وأما المكاره: فهي المشاق، كحال شدة البرد أو عند وجود اللباس كما سيأتي مع صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام.

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لولا أن يشق على أمته لأمرهم بالسواك مع كل وضوء.)

​نعم. فيه استحباب السواك، كما أن الأول فيه استحباب أو فضل فعل المستحبات التي يحصل بها الإسباغ والإحسان للوضوء.

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نعيم بن عبد الله المُجْمِر: (أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول: من توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج عامدًا إلى الصلاة، فإنه في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة، وإنه يُكتب له بإحدى خُطْوَتيه حسنة، ويُمْحَى عنه بالأخرى سيئة. فإذا سمع أحدكم الإقامة فلا يَسْعَ، فإن أعظمكم أجرًا أبعدكم دارًا. قالوا: لِمَ يا أبا هريرة؟ قال: من أجل كثرة الخطا.)

​نعم. هذا الحديث فيه فضل الوضوء، يهمنا هنا قول أبي هريرة: (من توضأ فأحسن وضوءه ثم خرج عامدًا إلى المسجد، فإنه في صلاة ما كان يعمد إلى صلاة.) أن هذا الفضل إنما يتحقق بأمرين:

  1. ​الوضوء في المنزل، وأن يكون الوضوء حسنًا كاملًا.
  2. ​والأمر الثاني: أن يكون خروجه للمسجد لا يخرجه غيرها.

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد: (أنه سمع رجلًا يسأل سعيد بن المسيب عن الوضوء من الغائط، فقال سعيد: إنما ذلك وضوء النساء.)

​نعم. هذه مسألة قول سعيد الذي نقله مالك -وهو سعيد بن المسيب- أنه لما سُئل عن الوضوء من الغائط، المراد بالوضوء من الغائط: أي تنظيف المحل بالماء، وهو الاستنجاء بالماء. قال سعيد: (إنما ذلك وضوء النساء.) فسَّر هذا تلميذ الإمام مالك عبد الملك بن حبيب القرطبي في كتابه “الواضحة”، فذكر أن معنى قول سعيد بن المسيب هنا أن الاستنجاء بالماء يومئذٍ إنما كان للنساء، وأن الرجال يكتفون بالحجارة، وهذا إنما كان في صدر الإسلام، ثم إن الماء لما كثر بعد ذلك أصبح الناس يستنجون بالماء ولا يستجمرون، فجاء بعض الصحابة فأراد أن يُظهر السُنَّة ويُبين جواز الاستجمار -عمر وغيره- فكان يستجمر ولا يستنجي بالماء لإظهار السُنَّة.

​نعم. أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات.)

​نعم. هذا الحديث أورده الإمام مالك، والإمام مالك رحمه الله تعالى -خلافًا للجمهور- يرى أن شرب الكلب وسؤره وولوغه في الإناء لا يسلبه الطهورية، فيرى أن هذا الحديث إنما هو للندب غسل الماء دون الطعام الذي شرب منه و ولغ فيه الكلب، ويكون الغسل هنا تعبدًا لا لسلب الطهورية، والتحديد بالسبع كذلك تعبدي، فالغسل تعبدي والتعديد تعبدي، ويكون هذا الندب إذا أراد وقصد الاستعمال.

​وعند مالك أنه لا يلزم فيه نية ولا تثريب، ولذلك فإن مالكًا لم يروِ رواية التثريب هنا، فالذي نقله إنما هو التسبيع دون التثريب. ولكن الألفاظ الأخرى -وهو قول كثير من أهل العلم كالشافعي وأحمد- يرون وجوب التسبيع ولزوم التثريب في غسل نجاسة الكلب وسؤره إذا وقع في الإناء.

​نعم. أحسن الله إليك.

باب المسح بالرأس.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع: (أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يأخذ الماء بإصبعيه لأذنيه.)

​نعم. هذا الأثر فيه أمران:

  1. ​الأمر الأول: أنه يجب مسح الأذنين عند مسح الرأس، وجاء فيه حديث أنس: (الأذنان من الرأس.)
  2. ​الأمر الثاني في هذا الأثر: دليل على أنه يستحب أن يُؤخذ لمسح الأذنين ماء جديد، وألا تُمَسَح الأذنان بالماء الذي مُسح به الرأس، وهذا أصح ما في الباب، وهو فعل ابن عمر رضي الله عنه، وأنتم تعلمون مكان ابن عمر في الاتباع والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم.

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك: (أنه بلغه أن جابر بن عبد الله رضي الله عنه سئل عن المسح على العمامة، فقال: لا حتى يمس الشعر الماء.)

​نعم. هذا الأثر الذي نقله مالك عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما أنه لا يمسح على العمامة، ولذلك فإن مذهب الإمام مالك -وهو مشهور عنه- أنه لا يجوز المسح على العمامة إلا في حالة واحدة فقط، وهو إذا شق المسح على الرأس. فالإمام مالك أعمل الأحاديث التي فيها المسح على العمامة حال المشقة فقط. وأما فقهاؤنا رحمهم الله تعالى فيقولون: يجوز المسح على العمامة ولو لم يكن هناك مشقة في نزعها؛ لأن الأحاديث التي وردت لم تقيد ذلك بالمشقة بل أطلقت، وهذا هو الفرق بين المذهبين في هذه المسألة.

​نعم. أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة: (أن أباه عروة كان ينزع العمامة ويمسح رأسه بالماء.)

​هذا الأثر عن عروة بن الزبير أراد به مالك أن عمل أهل المدينة على ذلك.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع: (أنه رأى صفية بنت أبي عبيد -امرأة عبد الله بن عمر رضي الله عنهما- تنزع خمارها وتمسح رأسها بالماء، ونافع يومئذٍ صغير.)

​نعم. هذا ما يتعلق بالمسح على الخمار، فإن المسح على الخمار جمهور أهل العلم على أنه لا يجوز للمرأة أن تمسح على خمارها، وهذا الذي ذهب إليه مالك وكثير من أهل العلم. ولكن ذهب أحمد في رواية إلى أنه يجوز مسح المرأة على خمارها بشرط أو بشرطين:

  1. ​أحدهما: أن تكون قد لبسته على طهارة.
  2. ​والشرط الثاني: أنه لا بد أن يكون الخمار مُدارًا تحت الحَنَك، فلا بد أن يكون من الخُمُر التي تحت الحَنَك مُدارة، وليست الخُمُر التي تكون خلف الرأس.

​وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث المسح على الخمار. وأما الذين لا يرون المسح على الخمار فيقولون: المراد بالمسح على الخمار العمامة، فإن العمامة قد تسمى خمارًا.

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، قال: سئل مالك عن المسح على العمامة والخمار؟ فقال: “لا ينبغي أن يمسح الرجل والمرأة على العمامة ولا على الخمار، وليمْسَحَا على رءوسهما.”

​نعم. هذا أطلق كلام مالك، ولكن الذي اعتمد المتأخرون من أصحابه التقييد بشرط ألا يشق عليه مسح رأسه، وهذا الذي اعتُمد عند ابن عرفة، وهو عامة المتأخرين.

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، قال: سئل مالك عن رجل توضأ فنسي أن يمسح برأسه حتى جف وضوءه؟ قال: “أرى أن يمسح برأسه، وإن كان صلى رأيت أن يعيد صلاته.”

​نعم. هذا أثر مالك، فيه أن مالكًا سئل عن رجل توضأ فنسي أن يمسح برأسه، بمعنى أنه ترك مسح الرأس وما بعده، قال: (حتى جف وضوءه.) أي: الماء الذي على أعضائه، بمعنى أنه قد طال ذلك، طال الفصل، وصرح بذلك ابن القاسم في “المدونة”.

​قال مالك: “أرى أن يمسح برأسه.” بمعنى أنه يبني على وضوئه، وهذا صرح به ابن القاسم أن مالكًا قال: “يبني على وضوئه فيمسح رأسه ويغسل رجليه بعد ذلك”. قال: “وإن كان صلى رأيت أن يعيد صلاته.” الحقيقة أن هذه الجملة قد تكون عامة، صرح بمعناها ما ذكرت لكم ابن القاسم في تصريح معنى ذلك، وسيأتي ما يدل عليه. فإن مالكًا يرى التفريق بين حالتين: أنه إن طال الفصل وكان بسبب النسيان جاز له أن يبني على وضوئه حينئذٍ. وأما إن تركه عمدًا فإنه في هذه الحالة يبتدئ الوضوء. وهذا التفصيل الذي بينت لكم هو الذي نقله ابن القاسم. وابن القاسم هو الذي يعتمد أصحاب مالك قوله في الفقه، فإن ابن القاسم فرق بين الحالتين، فبدلًا من أن يقول: “وإن كان صلى رأيت أن يعيد صلاته”، قال -كما في “المدونة”-: “وإن ترك ذلك عامدًا ابتدأ الوضوء”.

​نعم. باب المسح على الخفين.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب، عن عباد بن زياد -من ولد المغيرة بن شعبة-، عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذهب لحاجته في غزوة تبوك. قال المغيرة: فذهبت معه بماء، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فسكبت عليه، فغسل وجهه، ثم ذهب ليُخرج يديه فلم يستطع من ضيق كُمِّ جُبَّته، فأخرجهما من تحت جُبَّته، فغسل يديه ومسح برأسه ومسح على الخفين. فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وعبد الرحمن بن عوف يؤمهم، وقد صلى بهم ركعة، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم الركعة التي بقيت عليهم، ففزع الناس، فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أحسنتم، أحسنت.)

​هنا هذا الحديث فيه أمور:

  1. ​الأمر الأول في قول القعنبي: (عن مالك، عن ابن شهاب، عن عباد بن زياد -من ولد المغيرة بن شعبة-)، جزم عدد كبير من أهل العلم أن هذا خطأ، وذلك أن عباد بن زياد اسمه عباد بن زياد بن أبي سفيان بن حرب، وليس من ولد المغيرة بن شعبة. وهل هذا الخطأ من الرواة عن مالك كما قال القاضي عياض؟ أم أنه من مالك؟ جزم الإمام الشافعي رحمه الله تعالى أن هذا خطأ من الإمام مالك، وقد أيد الشافعي على ذلك جماعة كابن عساكر وغيره. ومن ذا الذي يرجى، ومن ذا الذي يسلم من المعايب؟ كفى بالمرء نُبلًا أن تُعد معايبه، على العموم وقد قال أحمد: “ما من أحد يسلم من الوهم”.
  2. ​المسألة الثانية في قول الراوي: (فأخرجهما النبي صلى الله عليه وسلم من تحت جُبَّته.) هذا يدل على أنه لا يُشرع المسح على الملبوس على غير الرأس وعلى غير القدمين، فالملبوس على اليدين لا مسح عليه إلا أن يكون جبيرة، وأما ملبوس القدمين كالخف وما يأخذ حكمه، وملبوس الرأس وهو العمامة والخمار دون ما عداهما، فيشرع المسح عليهما على الخلاف المتقدم.
  3. ​المسألة الثالثة في قوله: (ومسح برأسه ومسح على الخفين.) هذا هو محل الشاهد ورود المسح. وقد قال أحمد: “ليس في نفسي شيء من المسح على الخفين، فيها أربعون حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم”.

​نعم. أحسن الله إليك. وقول النبي: (أحسنتم) أي: أحسنتم بأن أقمتم الصلاة وصليتم.

​أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع وعبد الله بن دينار: (أنهما أخبراه أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قدم الكوفة على سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه وهو أميرها، فرآه عبد الله يمسح على الخفين، فأنكر ذلك عليه، فقال له سعد: سَلْ أباك إذا قدمت عليه. فقدم عبد الله فنسي أن يسأل عمر حتى قدم سعد، فقال: سألت أباك؟ قال: لا. فسأله عبد الله، فقال له عمر رضي الله عنه: إذا أدخلت رجليك في الخفين وهما طاهرتان، فامسح عليهما. قال عبد الله: وإن جاء أحدنا من الغائط؟ قال عمر: وإن جاء أحدكم من الغائط.)

​نعم. هذا الحديث واضح وليس فيه إشكال إلا إنكار ابن عمر رضي الله عنه، فقد يُفهم أن إنكار ابن عمر على المسح فلا يرى مشروعية المسح، وهذا غير صحيح، وإنما ابن عمر رضي الله عنه خفيت عليه سُنَّة، فكان ينكر المسح على الخف في الحضر. وهذا التنبيه نبه إليه ابن عبد البر، وإلا فإن المسح على الخف في السفر واضح ولا نزاع فيه بين الصحابة رضوان الله عليهم، وإنما النزاع الذي ظنه ابن عمر وهو المسح على الخف في الحضر فقط.

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع: (أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بال بالسوق ثم توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه، ثم دُعي لجنازة حين دخل المسجد ليصلي عليها، فمسح على خفيه ثم صلى عليها.)

​يعني: هذا الأثر فيه أن ابن عمر رضي الله عنهما توضأ وضوءًا كاملًا ما عدا القدمين، لأنه كان عليه مُحِلَّيْن وهما الخفان، فأخر مسح الخفين حتى طال الفصل عمدًا، ولم يمسح على الخفين إلا عندما دخل المسجد. هذا الأثر خالفه مالك، فقد نقل ابن أبي زيد القيرواني في “النوادر والزيادات” أن ابن القاسم قال: “لم يأخذ مالك بما رُوي عن ابن عمر رضي الله عنهما في تأخير مسح الخفين.” إذ مالك روى هذا الحديث وخالفه، وسبق قول مالك أنه إن تعمَّد عدم الموالاة فإنه يلزم ابتداء وضوء، وتقدم كلام مالك في المسألة.

​نعم. أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا القعنبي، قال: سئل مالك عن رجل غسل قدميه ثم لبس خفيه ثم توضأ؟ قال: “لينزع خفيه ثم ليتوضأ ويغسل رجليه، وإنما يمسح على الخفين من أدخل رجليه في الخفين وهما طاهرتان، فأما من أدخل رجليه في الخفين وهما غير طاهرتين فلا يمسح عليهما.”

​نعم. هذا تفسير من مالك ولما يُظن من قول بعضهم أن قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث المغيرة: (دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين.) أن المراد بكونهما طاهرتين أن يغسل رجليه دون غسل سائر أعضاء في وضوئه، فبين مالك أن إدخالهما طاهرتين أي بغسل أعضاء الوضوء وغسل القدمين بعدها أو معها.

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، قال: سئل مالك عن رجل توضأ وعليه خفاه فسهى عن المسح على خفيه حتى جف وضوءه وصلى؟ قال: “يمسح على خفيه ثم يعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء.”

​نعم. هذا صريح فيما قلت لكم قبل قليل في كلام مالك، ففيه هنا نقل القعنبي أن مالكًا سُئل عن رجل توضأ وعليه خفاه فسهى عن المسح على خفيه، إذا ترك الموالاة في المدة الطويلة حتى جف وضوءه، أي: الماء الذي على أعضائه، إنما كان بسبب السهو، فقال مالك: “يمسح على خفيه” فلا يلزم حينئذٍ الموالاة، “ثم يعيد الصلاة” لأنه صلى ولم يكن قد أكمل الوضوء، قال: “ولا يعيد الوضوء” لأنه لا يلزم الموالاة إذا كان الترك سهوًا لا عمدًا.

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن سعيد بن عبد الرحمن: (أنه قال: رأيت أنس بن مالك رضي الله عنه أتى قباء فبال، فأُتي بوضوء فتوضأ، فغسل وجهه ويديه إلى المرفقين، ثم مسح برأسه، ومسح على الخفين، ثم صلى.)

​نعم. واضح العمل في المسح على الخفين.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة: (أنه رأى أباه يمسح على الخفين، قال: وكان لا يزيد إذا مسح على الخفين أن يمسح ظهورهما ولا يمسح بطونهما.)

​نعم. هذا فيه المسح على ظهور القدمين دون البطون، فالظهور هو الأعلى والبطون الأسفل.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن ابن شهاب: (أنه كان يقول: يضع الذي يمسح على الخفين يدًا من فوق الخفين ويدًا من تحت الخفين ثم يمسح. قال مالك: وذلك أحب ما سمعت إلي.)

​نعم. عندنا مسألتان:

  1. ​المسألة الأولى في قول مالك: (وذلك أحب ما سمعت إلي.) هذا التعبير من مالك ذكر ابن عبد البر رحمه الله تعالى أنه يدل على أن مالكًا سمع خلافًا عند أهل المدينة. فهذا التعبير من مالك الذي يكثر في الموطأ يدل على أنه سمع خلافًا ويكون في المسألة خلاف عند أهل المدينة، كما أنه يدل كذلك على اختيار مالك عند وجود الاختلاف بين أهل المدينة. هذا الأمر الأول.
  2. ​الأمر الثاني: أن أول هذا الأثر فيه أن ابن شهاب كان يضع الذي يمسح على الخفين يدًا من فوق الخفين ويدًا من تحت الخفين ثم يمسح، فكان يمسح على الظاهر والباطن معًا. وقد اختار مالك ما جاء عن ابن شهاب. وقول مالك -كما ذكر جماعة ومنهم ابن عبد البر- أنه لا يختلف أن مالكًا يقول: إن المسح على الخف إنما هو على ما ذكره ابن شهاب، فيمسح الأعلى ويمسح الأسفل معًا، ولكن مالكًا يرى أن من اقتصر على مسح الظاهر دون الأسفل فإن وضوءه صحيح، إلا إذا كان قد اقتصر عليه في الوقت، فإن له تفصيلًا، وتعرفون تفصيل المسائل التي كان مالك يقول فيها الإعادة في الوقت.

​نعم. باب الرعاف.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع: (أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان إذا رعف انصرف فتوضأ ورجع فبنى ولم يتكلم.)

​نعم. هذه مسألتان:

  1. ​المسألة الأولى طبعًا في التبويب قال: “في الرعاف”، أفرد مالك هذا الباب في الرعاف، وهو الدم الذي يخرج من الشخص -سواء بقصد منه أو بدون قصد- من أنفه، نُقل فيه أن ابن عمر كان إذا رعف -أي: خرج الدم من أنفه- انصرف فتوضأ ورجع فبنى ولم يتكلم. فيه أمران:
    • ​الأمر الأول في قوله: (انصرف فتوضأ.) أهل العلم في توجيه قولهم: (انصرف فتوضأ) احتمالان: فمنهم من يقول: توضأ وضوء الصلاة، فحينئذٍ يكون قد بطل وضوؤه بسبب خروج الدم، وليس هذا هو المراد، فإن الأقرب أن فعل ابن عمر رضي الله عنه إنما توضأ بمعنى غسل الدم، وليس أنه توضأ وضوء الصلاة لأجل نقض الوضوء، فإن الوضوء هنا مأخوذ من الوضاءة وهو النظافة. ويحتمل أنه توضأ وضوء الصلاة لا لكونه ناقضًا وإنما لكونه يُندب له ذلك. إذ المسألة الأولى: ابن عمر رضي الله عنه لا يرى نقض الوضوء من الدم كما نقلوا ذلك عنه، من خروج الدم إذا كان كثيرًا ولو كان قليلًا، وهذا ظاهر تبويب مالك.
  2. ​الأمر الثاني قوله: (ورجع فبنى ولم يتكلم.) هذه مسألة مشهورة جدًا، وهي مسألة مَن خرج منه دم كثير في أثناء صلاته، فخرج ليقطع هذا الدم، ثم عاد. هل يبني على ما فات أم أنه يستأنف؟ نقول: كل من قال إن الدم ناقض للوضوء فإنه يلزم على قوله أن يقول: إنه لا بد له أن يستأنف. وأما من قال: إنه ليس بناقض، فقد يقول بعضهم: إنه يلزمه أن يستأنف بخروجه من الصلاة، ومنهم من يقول: له أن يستأنف ويكمل ما فاته، فيكون خروجه لحاجة لمنع استمرار الدم بإيقافه أو لأجل غسله.

​نعم. أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك: (أنه بلغه أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما كان يرعف فيخرج ثم يرجع فيبني على ما قد صنع.)

​نعم. هذا مثل فعل ابن عمر رضي الله عنه. وهل يُلحق كل النجاسات بالدم إذا خرجت من الشخص التي لا تكون ناقضة، مثل القيء عند من يرى القيء نجسًا ونحو ذلك؟ هذا أيضًا فيه خلاف مندرج تحت الخلاف الأول وليس مثله. نعم.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط: (أنه رأى سعيد بن المسيب رعف وهو يصلي، فأتى حجرة أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنها، وأُتي بوضوء فتوضأ، ثم رجع فبنى على ما قد صلى.)

​نعم. هذا نفس الكلام السابق من فعل سعيد وهذا فعل أهل المدينة، لكن الإمام مالك يرى أن من خرج منه دم فإنه يبني على ما عقد من صلاته بشرط أن يكون قد أنهى ركعة تامة بسجدتيها، فإن كان لم يتم ركعة تامة بسجدتيها فيلزمه أن يستأنف الصلاة.

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الرحمن بن حرملة الأسلمي: (أنه كان يرى سعيد بن المسيب يرعف فيخرج منه الدم حتى تختضب أصابعه من الدم الذي يخرج من أنفه، ثم يصلي ولا يتوضأ.)

​يعني: هذا الأثر لا إشكال فيه حتى على قول الجمهور، فإننا نقول: إن هذا دم مستمر، والدم المستمر لا ينقض، فحينئذٍ يمكن توجيه هذا الأثر بعدم النقض بالدم، كما أن في هذا الأثر ليس فيه قطع الصلاة. ولعل أظهر الأدلة في الباب أن خروج الدم الكثير يكون ناقضًا للوضوء، وهو الأحوط لعبادة المسلم في صلاته.

​نعم. أحسن الله إليك.

باب ما يفعل من غلبه الدم من جرح أو رعاف.

​نعم. غَلَبه أي خرج من غير إرادته، فيكون كالدم المستمر، وهذا بمثابة المحل الذي اتفق على حكمه.

​قال: حدثني القعنبي، عن مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة رضي الله عنه: (أنه أخبره أنه دخل على عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد أن صلى الصبح من الليلة التي طُعن فيها، فأُوقظ عمر فقيل له: الصلاة، صلاة الصبح. فقال عمر: نعم، ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة. فصلى عمر وجرحه يثعب دمًا.)

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد الأنصاري: (أن سعيد بن المسيب قال: ما ترون فيمن رعف فلم ينقطع عنه الدم؟ قال يحيى: ثم قال سعيد: أرى أن يومئ برأسه إيماءً.)

​هذان الخبران وغيرهما يُقال: إنه لا خروج عن محل النزاع؛ لأن من كان دمه دمًا مستمرًا -كرعاف مستمر، وجرح يثعب دمه كما فعل عمر رضي الله عنه- ومثله المستحاضة كحمنة رضي الله عنها، فإنه يصلي على حاله ولو كان الدم خارجًا. فإن حمنة رضي الله عنها كانت تصلي وتجعل تحتها طستًا، ويُرى في الطست أثر الحمرة والصفرة. فدل على أنه معفو عن الدم الذي يكون من جهتين: معفو عنه أولًا من حيث نقض الوضوء عند من يرى أنه ناقض للوضوء، ومعفو عنه ثانيًا من حيث التطهير عند من يرى أن النجاسة أن الدم نجس.

​نعم. أحسن الله إليك.

قال مالك: الأمر أنه لا يتوضأ من رعاف، ولا من دم، ولا من قيح يسيل من شيء من الجسد.

​نعم. هذا مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى أن جميع النجاسات التي تخرج من جسد الآدمي من غير السبيلين فإنه لا يكون ناقضًا، سواء كان قيحًا أو دمًا أو قيئًا قد تغير عن هيئة الطعام الذي دخل، ونحو ذلك من النجاسات، فكلها لا تكون ناقضة للوضوء، مع إقراره بنجاستها كما تقدم في الجملة.

​نعم. أحسن الله إليك.

باب الوضوء من المَذْيِ. (المَذْي له وجهان في اللغة: إما بسكون الذال أو بتحريكه: المَذْي أو المَذِي بكسر الذال. نعم. أو بكسر الذال. نعم. أحسن الله إليك.)

​قال: حدثني القعنبي، عن مالك، عن أبي النضر، عن سليمان بن يسار، عن المقداد بن الأسود رضي الله عنه: (أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أمره أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل إذا دنا من أهله فيخرج منه المذي، ماذا عليه؟ فإن عندي ابنته وأنا أستحيي أن أسأله. فقال المقداد: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك؟ فقال: إذا وجد أحدكم ذلك فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ، وَلْيَتَوَضَّأْ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ.)

​نعم. هذا الحديث فيه أمران:

  1. ​الأمر الأول: أن المذي ناقض للوضوء وهذا واضح.
  2. ​الأمر الثاني في قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا وجد أحدكم ذلك فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ.) معنى نضح الفرج أهل العلم لهم حَمْلان:
    • ​الحمل الأول: أنهم حملوا ذلك على غسل الفرج كما سيأتي بعد قليل، وهو الحديث الذي يليه.
    • ​ومنهم من حمل نضح الفرج هنا على نضحه بالمعنى المعتاد لأجل بعد إنهائه الوضوء، بعد أن يتوضأ وضوءًا كاملًا ينضحه بعد ذلك لأجل تخفيف شهوته وطرد الوسواس عنه، وقد رُوي فيه حديث لكن في إسناده مقال، وقد ذكر الوجهين ابن رجب في “الفتح الباري”.

​نعم. أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إني لأجده ينحدر مني مثل الخَرِيزَة، فإذا وجد أحدكم ذلك فليغسل ذكره وليتوضأ.)

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه: (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إني لأجده ينحدر مني مثل الخَرِيزَة، فإذا وجد أحدكم ذلك فليغسل ذكره وليتوضأ وضوءه للصلاة.) (يعني: المَذْي.)

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن زيد بن أسلم، عن جُنْدب مولى ابن عياش: (أنه قال: سألت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن المذي؟ فقال: إذا وجدته فاغسل فرجك وتوضأ وضوءك للصلاة.)

​نعم. هذان الخبران فيهما أن خروج المذي من الرجل أو المرأة واحد، وأنه موجب للوضوء. والأمر الثاني: أن هذا نجس، فيجب منه غسل المحل.

​والمشهور من مذهب الإمام مالك ومشهور مذهب الإمام أحمد أنه يجب على الرجل أن يغسل ذكره كله، ولا يكتفي بغسل موضع النجاسة فقط، وهذا هو ظاهر الحديث في قوله: (فليغسل ذكره) أي: كله، بخلاف البول فإنه إنما يغسل محل النجاسة فحسب موضع الخروج، وهذا هو ظاهر السنة أنه يجب غسل الذكر كله. قلت لكم مذهب مالك وأحمد في المشهور عنهما. وأما النجاسة إذا أصابت الثوب فإن فيها قولان لأهل العلم: قيل إن حكمها سائر النجاسات العادية فيلزم فيها الغسل، وقيل إنه بكثرته يكفي فيه النضح. فيكون ما سبق معنا: (فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ) له وجه ثالث واحتمال ثالث، باعتبار النجاسة وليس لإزالة الوهم والوسواس فحسب.

​نعم. أحسن الله إليك.

باب الرخصة في ترك الوضوء من المذي. (نعم. هذا التبويب الذي أورده الإمام مالك اعترض عليه ابن عبد البر، وقد ذكر أن ترجمة هذا الباب بـ “الرخصة في ترك الوضوء من المذي” ليست من الباب في شيء، قال: “لأنه لا رخصة عند أحد من أهل العلم من علماء المسلمين في ذلك، بل إن علماء المسلمين جميعًا مجمعون على الوضوء من المذي، وهي سنة مجمع عليها لا خلاف فيها.” ومحل هذا التبويب الذي نقله مالك وحُمِلَت الرخصة إنما هو على صورة واحدة، وهو إذا كان خروج المذي مستمرًا، وكان ذلك بسبب فساد وعِلَّة لا بسبب طارئ كنظر ونحوه، فإنه حينئذٍ الوضوء عليه لأجل حرج، فيكون حكمه حكم الحدث الدائم الذي مر معنا في الدم.

​أول أثر فيه قول سعيد: (إني لأجد البلل وأنا أصلي فأنصرف. فقال سعيد: لو سال على فخذي ما انصرفت حتى أقضي صلاتي.) مالك يرى أن الحدث الدائم كالدم ونحوه يَلزَم غسل ذلك قبل الصلاة، ثم إذا شَرَعَ في صلاته ودخل فيها فلا يقطع صلاته ولو سال المذي أو سال الدم على فخذه، فيفرق في الحدث الموجود في أثناء الصلاة والموجود قبل والذي كان قبله، فما كان قبله يجب غسله.)

​نعم. أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن الصلت بن زياد: (أنه قال: سألت سليمان بن يسار عن البلل أجده، فقال: انضح تحت ثوبك بالماء والْهَ عنه.)

​نعم. هذا أمران: أن الحدث الدائم يُعفى عنه، والأمر الثاني: أن الشخص قد يشك ويوسوس في خروج بعض النجاسات، فحينئذٍ مَشروع له أن ينضح، وذكرت لكم أحد الاحتمالين في الحديث السابق أنه لدرء الوسواس عن الشخص.

​نعم. أحسن الله إليك.

باب الوضوء من مَسِّ الفرج.

​نعم. قوله: “الفرج” يشمل القُبُل والدُّبر، ويشمل كذلك من الذكر والأنثى.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد: (أنه سمع عروة بن الزبير يقول: دخلت على مروان بن الحكم فذكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: من مس الذكر الوضوء. فقال عروة: ما علمت ذلك. فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ.)

​نعم. هذا لفظ صريح بوجوب الوضوء من مس الذكر، وجاء في بعض الألفاظ: وهو الفرج، فدل على عمومه في كل فرج: القُبُل والدُّبر.

​قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن مصعب بن سعد: (أنه قال: كنت أمسك على سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه المصحف، فاحتككت، فقال: لعلك مسست ذكرك؟ فقلت: نعم. قال: قُمْ فتوضأ. فقمت فتوضأت ثم رجعت.)

​نعم. قوله: (فاحتككت) أي: حككت جلدي بظفري أو بيدي، والظاهر أن قوله: (فاحتككت) أي: حككت جلده الذي يكون تحت إزاره.

​نعم. قال: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن نافع: (أن عبد الله بن عمر كان يقول: إذا مس الرجل فرجه فقد وجب عليه الوضوء.)

​نعم. هذه هي اللفظة العامة. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *