الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
اللهم اغفر لشيخنا ولوالديه وللحاضرين ولعموم المسلمين.
وبإسنادكم حفظكم الله تعالى قال: باب الوضوء من مسِّ الفرج
حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله ابن أبي بكر ابن محمد أنه سمع عروة ابن الزبير يقول: دخلت على مروان ابن الحكم، فذكرنا ما يكون منه الوضوء، فقال مروان: من مسِّ الذكر الوضوء. فقال عروة: ما علمتُ ذلك. فقال مروان: أخبرتني بسرة بنت صفوان رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا مسَّ أحدكم ذكره فليتوضأ).
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، ثم أما بعد:
فهذا هو لقاؤنا الثالث في قراءة الكتاب العظيم، كتاب الإمام مالك “الموطأ”. وقد سمى الإمام مالك رحمه الله تعالى كتابه الموطأ على وزن مُعظَّم. قيل إن سبب تسميته لهذا الكتاب أنه قد وافقه وواطأه عليه غيره، فيكون “موطأ” مأخوذًا من مواطأة غيره له. فقد نُقِل عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه قال: “عرضتُ كتابي على سبعين فقيهًا، فكلهم واطأني عليه”. فحينئذ يكون اشتقاق هذا الاسم من كون غيره قد واطأه عليه، أي وافقه وتابعه. وقيل إن اشتقاق هذا الاسم مأخوذ من توطئتي، أي وطَّأ مالك الكتاب، فيكون مالك هو الذي وطَّأ. وقد جاء عن أبي حاتم السجستاني الإمام أبي حاتم الرازي رحمه الله تعالى الإمام الجليل أنه سُئل: لِمَ سمى الإمام مالك رحمه الله تعالى هذا الكتاب؟ فقال: “إنه شيء قد صنَّفه ووطَّأه للناس حتى قيل موطأ مالك، كما قيل جامع سفيان”. ومعنى أن مالكًا وطَّأه بالمعنى أي سهَّله ويسَّره وجعله يسيرًا، ومنه قول الكُمَيْت:
أغشى المكاره أحيانًا ويحملني … منه على وطأة والدهر ذو نوب
أي أحمله على حال ليِّنة سهلة.
هذه المسألة الأولى المتعلقة بسبب تسمية الكتاب.
المسألة الثانية: قيل إن مالكًا رحمه الله تعالى هو أول من سمى كتابه بهذا الاسم. وقيل إنه قد سُبِق إليه من عبد العزيز ابن الماجشون. فقد نقل المفضل بن حرب أن أول من عمل الموطأ هو عبد العزيز ابن الماجشون. فلما عُرِض على الإمام مالك وقرأه الإمام مالك قال: “ما أحسن ما عمل، لولا لو (ولو كنت أنا) لبدأت بالآثار ثم تبعته بالكلام”. وذلك أن ابن الماجشون إنما اقتصر في موطَّئِه على رأيه وفقهه دون ذكر الآثار المسندة للنبي صلى الله عليه وسلم أو للتابعين بعده. وقد ذكروا بعد ذلك أن عددًا كبيرًا من أهل العلم جمع مؤلفات وسمى كتبه بالموطأ. وقد نُقِل -والعلم عند الله عز وجل في صحة هذا النقل- أن الإمام مالك لما ألَّف كتابه تابعه الناس في تأليف مؤلفات باسم الموطأ. فقيل لمالك: “إن الناس قد ألَّفوا بعدك كتبًا باسم الموطأ“. فقال الإمام مالك رحمه الله تعالى: “ما كان لله فإنه يبقى”. وهذا الأثر وعلمه عند الله عز وجل في صحته وثبوته، ولكن فيه من المعاني ما قد يكون صحيحًا.
الباب الذي وصلنا إليه بالدرس الماضي هو ما بوَّب عليه الإمام مالك رحمه الله تعالى بقوله: باب الوضوء من مسِّ الفرج. فهنا بوَّب الإمام مالك بالوضوء من مسِّ الفرج. تعبير الإمام مالك بـمسِّ الفرج لأن الأحاديث قد تعددت، فبعضها عبَّرت بالفرج وبعضها عبَّر بالذكر. والمعتمد عند متأخري المالكية رحمهم الله تعالى أن الأحاديث التي وردت إنما تكون ناقضة للوضوء إذا مسَّ الرجل ذكره فحسب، ولم يعمموا في كل فرج. وعلى ذلك المعتمد عند متأخري المالكية أن الرجل إذا مسَّ دُبُرَه أو أن الأنثى إذا مست قُبُلها أو دُبُرَها، فإنه (ولكن المعتمد عند فقهائنا رحمهم الله تعالى أن كل مسِّ فرج يكون ناقضًا) لأن اللفظ وإن جاء بلفظ الذكر تارة والحديث جاء مرة أخرى بلفظ الفرج، فلا نقول يُحمَل المطلق على المقيَّد، بل نقول إنهما حديثان. وحينئذ فيكون ذكر الذكر من ذكر بعض أفراد العموم، فلا يكون مقيدًا للعموم ولا يكون مخصصًا له.
أول حديث في الباب هو ما جاء عن مروان أن بسرة رضي الله عنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا مسَّ أحدكم ذكره فليتوضأ). هذا فيه تصريح بالذكر، فدل مفهوم الاسم المذكور وهو أو اللقب أن ما عداه كالدبر أو فرج الأنثى لا يكون ناقضًا. وقلت لكم قبل قليل إن الأقرب هو قول فقهائنا للعمل بالألفاظ الأخرى التي جاءت من حديث أم حبيبة وغيرها أن من مسَّ فرجها فيشمل جميع الصور، وأن التعبير بلفظ الذكر إنما هو بذكر بعض ألفاظ العموم، وليس مخصصًا للعموم. نعم.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن إسماعيل ابن محمد ابن سعد عن مصعب ابن سعد أنه قال: كنت أمسك على سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه المصحف، فاحتككت، فقال: لعلَّك مسستَ ذكرك؟ فقلت: نعم. قال: قم فتوضأ. فقمت فتوضأت ثم رجعت.
نعم، هذا الأثر فيه أن مصعب ابن هو ابن سعد ابن أبي وقاص، وكان فقيهًا راويًا للحديث. قال: كنت أمسك على سعد ابن أبي وقاص المصحف، يعني يمسك على أبيه. فاحتككت، أي حكَّ داخلة إزاره بأظافره وبيده فمسَّت البشرة البشرة. فالاحتكاك هنا ليس لمطلق الجسد، وإنما لداخلة الإزار، ولم يعبَّر باحتكاك ما يكون داخل الإزار من باب الكناية ولوضوحه. فقال له أبوه سعد: لعلَّك مسستَ ذكرك؟ فقال: نعم. فقال: قم فتوضأ. فقمت فتوضأت ثم رجعت.
هذا الحديث فيه من فقه المسائل:
أول هذه المسائل: فيه دليل على أن على أن مسَّ المصحف يشترط له الطهارة. فلا يجوز مسُّ المصحف بِمَن ليس على طهارة. وهذا يدل عليه حديث آخر مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم وآية. فأما الآية فقول الله عز وجل: ﴿لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ (الواقعة: 79). وأما الحديث فهو المُرسَل من حديث عمرو بن حزم، وقد اتفق العلماء على تَقَبُّل مراسيله في الديات ونحوها، وهذا مُلحَق بها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وأن لا يمسَّ القرآن إلا طاهر). فدل ذلك على أنه يلزم الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر عند مسِّ المصحف. وهذا الذي عليه جماهير أهل العلم، وهو الذي فهمه الصحابة رضي الله عنهم، ومنهم سعد وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، فدل على ظهور هذا الحكم وفهمه عند كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المسألة الثانية: أن سعدًا قال لابنه: قم فتوضأ. قال: فقمت فتوضأت ثم رجعت. فيه أن سعدًا رضي الله عنه فهم من الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أن مسَّ الذكر يكون منه الوضوء. المراد بالوضوء: الوضوء الشرعي، لا الوضوء اللغوي؛ لأن الوضوء اللغوي إنما هو غسل أحد الأعضاء كاليد ونحوها، وأما الوضوء الشرعي فهي صفة مخصوصة التي جاءت في سورة المائدة: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (المائدة: 6). وهذا يدلنا على أن أقوم ما يُحمَل عليه تأويل أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم هو فهم الصحابة لها. وهذه طريقة أهل الحديث كمالك وغيره أنه حينما يورد حديثًا قد يورده وعليه بعض الفقهاء رأيًا، فإنه يُتبِعُه بفهم الصحابة رضوان الله عليهم. ولا شك أن أعلى الصحابة درجةً في الفهم الخلفاء الأربعة، ثم يتبعهم في ذلك العشرة المشهود لهم بالجنة، ثم أكابر الصحابة ثم من بعدهم.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع أن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما كان يقول: إذا مسَّ الرجل فرجه فقد وجب عليه الوضوء.
نعم، هذا أثر عبد الله ابن عمر رضي الله عنه فيه لفظان: أحدهما قوله: إذا مسَّ الرجل فرجه. فالفرج هنا يشمل كل ما يصدق عليه هذا الاسم سواء كان قُبُلًا أو دُبُرًا، لكن مالك فهم أن هذا الحديث خاص بالقُبُل دون الدبر للحديث المتقدم، وأنه خاص بالرجل دون الأنثى لقول ابن عمر: إذا مسَّ الرجل، فجعله خاصًا بالرجل دون الأنثى. وقلت لكم الخلاف وذكرت لكم الخلاف في المسألة قبل. نعم. أحسن الله إليكم.
حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سالم ابن عبد الله أنه قال: إن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما كان يغتسل ثم يتوضأ. فقلت له: يا أبتاه، ما يجزئك الغسل من الوضوء؟ قال: بلى، ولكن أحيانًا أمسُّ ذكري فأتوضأ.
نعم، هذا حديث عبد الله ابن عمر فيه من الفقه مسائل:
أول هذه المسائل: أنه كان يغتسل ثم يتوضأ. الظاهر أن اغتسال ابن عمر رضي الله عنه كان اغتسال جنابة، بدليل أنه قال: إنه يكفيني عن الوضوء. والأصل أن الذي يكفي عن الوضوء هو الغسل من الحدث، لا غسل التبرد. وأما غسل التبرد فهل يكفي عن الحدث؟ فنقول يرفع الحدث بشروط. الشرط الأول: وجود النية، نية رفع الحدث. والشرط الثاني: وجود الغسلات الأربع. وهل إذا اتصلت الجرية؟ وهل إذا كانت الجرية طويلة؟ هل تقوم مقام أربع جريات؟ أم أن المتصلة لها حكم نفسها ولا تأخذ حكم الغسلات الأربع؟ هذه مسألة أصولية مشهورة. الشرط الثالث وهو عند فقهائنا: أنهم يشترطون أن يُمِرَّ المرء يديه على رأسه ليصدق عليه أنه قد مسح رأسه. فإن مجرد سيلان الماء على الرأس لا يجزئ إلا بمسح بظاهر الآية. فإذا وجدت هذه الشروط الثلاث فإنه في هذه الحالة قد احتاط المسلم لعبادته، ويكون حينئذ قد ارتفع حدثه الأكبر ولو كان تعميمه البدن بسبب غسل غسل مندوب، وليس لأجل رفع حدث أكبر، هذه الأولى.
المسألة الثانية: أن ابنه سالم ابن عبد الله قال لأبيه: أما يجزئك الغسل أي من الجنابة عن الوضوء وهو الحدث الأكبر؟ قال: بلى، ولكن أحيانًا أمسُّ ذكري فأتوضأ. هذا يدلنا على أن من مسَّ ذكره في أثناء غسله من جنابته فإنه يلزمه أن يتوضأ. ويتفرع على ذلك مسألة أوردها فقهاؤنا حيث يقول فقهاؤنا بأن طهارة الغسل لا يلزم فيها الموالاة بين الأعضاء. فإنهم يقولون لو أن امرأ غسل بعض أجزاء جسده ثم طال المكث وغسل باقيه ارتفع حدثه الأكبر لعدم اشتراط الموالاة في الحدث الأكبر. لكنهم يقولون لو أحدث بين الجزأين بأن غسل رأسه وشقه الأعلى من جسده، ثم في آخر الليل غسل باقي جسده وكان قد أحدث قبل غسله باقي الجسد، فإنه يلزمه الوضوء. الدليل: حديث ابن عمر، فإن ابن عمر رضي الله عنه ذكر أنه يمسُّ ذكره في أثناء غسله أي قبل تمامه، ومع ذلك أوجب على نفسه أو أوجب الوضوء، مما يدل على أن مسَّ الذكر يكون ناقضًا بعد الغسل تامًا وفي أثناء الغسل، ما لم يتبعه بأربع غسلات على الصفة التي ذكرتها قبل قليل. نعم.
حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع أن سالمًا قال: كنت مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في سفر فرأيته بعد أن طلعت الشمس توضأ ثم صلى. فقلت له: إن هذه لصلاة ما كنت تُصليها. فقال: إني بعد أن توضأت لصلاة الصبح مسست فرجي، ثم نسيت أن أتوضأ، فتوضأت وعدت للصلاة.
نعم، هذا الحديث واضح، لكن يهمنا هنا فيه من الفقه على ما سبق تقريره أن مسَّ الفرج يكون ناقضًا. فيه من الفقه أن كل ما كان من شروط الصلاة فإنه لا يُعذَر فيه بالنسيان. لأن كل ما كان شرطًا فإنه لا يُعذَر فيه بالنسيان ولا بالجهل إذ كان مثله لا يُعذَر بالجهل لظهوره. وأما ما لم يكن شرطًا وإنما كان واجبًا فإنه يُعذَر فيه بالنسيان. وكل ما كان من نواقض الوضوء فإن الوضوء لرفع الحدث يعتبر شرطًا، للحديث المتقدم معنا: (لا صلاة لمن لا وضوء له)، (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ). والخلاف بين أهل العلم إنما هو في إزالة النجاسة. هل إزالة النجاسة عن بدن وثوب وبقعة المصلي شرط فلا يُعذَر فيها بالنسيان؟ أم أنها واجب فيُعذَر فيها بالنسيان؟ فيها قولان.
حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام ابن عروة عن أبيه أنه كان يقول: مَن مسَّ ذكره فقد وجب عليه الوضوء.
نعم، هذا الذي استدل به مالك وذهب إليه متأخرو أصحاب مالك أن الحكم خاص بمسِّ الذكر فقط. وأما الإضافة هنا فهي إضافة أغلبية، سواء كان المرء قد مسَّ ذكر نفسه أو مسَّ ذكر غيره كطفل ونحوه.
باب الوضوء من القبلة
حدثنا القعنبي عن مالك عن جهاد عن سالم ابن عبد الله عن أبيه رضي الله عنه أنه كان يقول: قُبلة الرجل امرأته وجسُّه بيده من الملامسة، فمَن قبَّل امرأته أو جسَّها بيده فعليه الوضوء.
نعم، هذه المسألة متعلقة بالوضوء من القُبلة. والوضوء من القُبلة أورد فيها الإمام مالك رحمه الله تعالى مسألتين: مسألة القُبلة ومسألة مسِّ الرجل المرأة. وهما مسألتان مناطهما مختلف عند متأخري المالكية. وأما عند الإمام أحمد فالحكم فيهما سواء.
أول أثر في الباب هو أثر سالم ابن عبد الله عن أبيه أنه أنه كان أي أبوه عبد الله بن عمر يقول: قُبلة الرجل امرأته وجسُّه بيده من الملامسة. إذًا عندنا أمران: قُبلة الرجل لامرأته وجسُّه بيده. وقوله: من الملامسة، يقصد قول الله عز وجل: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (النساء: 43). وفي القرآن أن ملامسة الرجل المرأة موجبة للوضوء، فإن لم يجد ماء فإنه يتيمم. قال: فمَن قبَّل امرأته أو جسَّها بيده فعليه الوضوء.
قبل أن نتكلم في الآثار التي بعده سأذكر معنى كلمة ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾. إذ قُرِئَت هذه الآية أو لامستم، وفي قراءة عشرية ثابتة كذلك عشرية: أو مسستم، باللمس وبالمس. وهذا يدلنا على أنه يشمل الأمرين: الوقاع والجَسُّ باليد. وأهل العلم رحمهم الله تعالى على على مسلكين وبعضهم يعدها ثلاثة. فمنهم من يقول: إن كل إن كل مسِّ رجل لامرأة يكون ناقضًا، سواء كان بشهوة أو بغير شهوة. وهذه طريقة الإمام الشافعي وأصحابه. ومنهم من نفى المسَّ أن يكون ناقضًا وحمل الآية على الجماع. ومنهم من توَسَّط وهي طريقة الإمام مالك وأحمد رحمهم الله تعالى. فإنهم يقولون إن مسَّ الرجل للمرأة لا يكون ناقضًا إلا أن يكون بشهوة، بدليل سياق الآية، ولأن المَظِنَّة تنزل منزلة المَئِنَّة. وهذا هو الذي دل عليه الأثر. لكن مالك لكن متأخري أصحاب الإمام مالك يفرِّقون بين أمرين. فيقولون إن اللمس للبشرة لا يكون ناقضًا إلا أن يكون بلذة. وأما القُبلة فإنها تكون ناقضة، ولا يُشترط في القُبلة لنقضها الوضوء لا طوع ولا علم ولا قصد ولا وِجدان. هكذا عبَّر جمع من المتأخرين نقلًا عن اللَّخْمي صاحب التبصرة وجزموا بكلامه. وأما مذهب أحمد فإن النقض إنما يكون بكل ما يكون بشهوة ولا فرق بين مسٍّ وآخر. نعم شيخنا. أحسن الله.
حدثنا القعنبي عن مالك أنه بلغه أن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه كان يقول: من قُبلة الرجل امرأته الوضوء.
نعم.
حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب أنه كان يقول: من قُبلة الرجل امرأته الوضوء.
نعم، هذا مثل ما سبق. نعم.
العمل في الغسل وما يكفي
حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ثم يُدخل أصابعه في الماء فيخلِّل بها أصول شعره، ثم يصبُّ على رأسه ثلاث غُرَف بيديه، ثم يُفيض الماء على جلده كله.
نعم، هذا الحديث هل بوَّب له مالك بقوله: العمل في الغسل وما يكفي؟. قوله: العمل في الغسل يشمل صفة الغسل الكاملة. وقوله: وما يكفي مراده أي ما هو حدُّ الإجزاء الذي يجزئ في رفع الحدث الأكبر؟
أول حديث في الباب هو حديث عائشة رضي الله عنها إذ العمدة في الاغتسال على حديثين: حديث عائشة وحديث ميمونة رضي الله عنهما. حديث عائشة فيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فغسل يديه. هذا على سبيل الندب باتفاق. قالت: ثم يتوضأ كما يتوضأ للصلاة. ووضوء النبي صلى الله عليه وسلم كما يتوضأ للصلاة كذلك على سبيل الندب، لكن جاء في حديث ميمونة أنه يتوضأ ولا يغسل قدميه، فيؤخر غسل قدميه لآخر غسله من الجنابة. فبعض أهل العلم يجعله اختلاف تنوع، وبعضهم يجعله اختلاف حال. فمَن قال إنه تنوع يقول: يجوز لك أن تتوضأ وضوءًا كاملًا ويجوز لك أن تؤخر الوضوء إلى بعد الغسل، فيكون كلاهما تحققت به السنة بورود الأمرين. ومن أهل العلم من يقول: إنه اختلاف تنوع (اختلاف أحوال)، ومعنى كونه اختلاف أحوال: أنها أنه إذا كانت الأرض مُبَلَّطة فيتوضأ وضوءًا كاملًا، وإذا كانت الأرض فيها طين فإنه يتوضأ ويؤجل غسل قدميه إلى بعد انتهاء غسله لكي لا يُصيب الطين قدميه.
قالت رضي الله عنها: ثم يُدخل أصابعه في الماء فيخلِّل بها أصول شعره. الأصل في لسان العرب أن تكون العين مفتوحة وهكذا ضُبِطَت في رواية مالك للموطأ على شَعَر، ويصح في اللغة أن تقول شِعر. وقول عائشة رضي الله عنها: أصول شعره، ذكر أهل العلم ومنهم اللَّخْمي صاحب التفسير وغيره أن المراد به كل شَعَر النبي صلى الله عليه وسلم الذي يكون في رأسه والذي يكون في وجهه وهو لحيته. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يخلِّل شَعَر رأسه ويخلِّل شَعَر لحيته معه. وهنا مسألة أن التخليل يشمل أمرين: الأمر الأول: الباطن، والأمر الثاني: يشمل أصول الشَّعَر. فأما أصول الشَّعَر وهي الجلد، فإنما يستحب وصول الماء إليها، يستحب وصول الماء إليها. وهذا جزم به جمع من أهل العلم، ومنهم ابن عبد الحكم من أصحاب الإمام مالك صرَّح به وغيره، وحكى النووي الإجماع على أن وصول الماء إلى أصل الشَّعَر ليس بواجب، وهو الجلد، وإنما هو مستحب، فيُخلِّل أصول الشَّعَر. هذا تخليل أصول الشَّعَر وهو مستحب وليس بواجب. النوع الثاني من التخليل هذا لا يُتصوَّر في الوضوء، وذلك أن الوضوء إنما هو الإسالة على الوجه، ويُستَحب فيه تخليل اللحية بالصِّيَغ الثلاث التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، الأولى والثانية تخلل اللحية والعارضين والثالثة جعل الماء تحت الحنك وفي إسنادها ضعف. إذًا الذي في الغسل هو تخليل أصول الشَّعَر وهو الجلد. وقد حُكي الإجماع على استحبابه لا على وجوبه.
قال: ثم يصبُّ على رأسه ثلاث غُرَف بيديه. الحديث إنما ورد ثلاث غرفات للرأس، وسكت عن هل تعميم البدن يكون ثلاث مرات أم يكون مرة؟ ولأهل العلم فيه قولان: فمنهم من وقف على النص وقال إن المستحب في تعميم البدن مرة وما زاد هو مشروع ومباح. ومنهم من قال قياسًا على الوضوء فإنه يستحب تعميم البدن ثلاثًا. قال: ثم يُفيض الماء على جلده كله. المراد هنا يشمل كل ما كان ظاهرًا من جلده، ويشمل ذلك المضمضة والاستنشاق ونحو ذلك مما يكون من المعاطن داخلًا فيه. نعم. أحسن الله.
حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عروة ابن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من إناء هو الفَرَق من الجنابة.
نعم، هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من إناء هو الفَرَق من الجنابة. هذا إناء يعني يَسَع مقدارًا معينًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد اختلفوا في تقديره. يهمنا هنا مسألتان:
المسألة الأولى في الحديث الفَرَق، هكذا رواه عامة أصحاب الإمام مالك رحمه الله تعالى ما عدا يحيى ابن يحيى الليثي فإنه وحده الذي رواه بالسكون فقال الفَرْق، وقد أنكر ذلك ثعلب الإمام اللغوي المعروف فقال بل وقد نعم أنكر ذلك ثعلب وقال: “قُل فَرَق ولا تَقُل فَرْق”. فدل ذلك على شذوذ رواية يحيى وأن الصواب هي رواية القعنبي وغيره بالتحريك الفَرَق.
المسألة الثانية الفقهية مما يتعلق أن بهذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يَكُ يُسْرِف في الماء عليه الصلاة والسلام. نعم.
حدثنا القعنبي عن نافع أن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا اغتسل من الجنابة بدأ فأفرغ على يده اليمنى فغسلها، ثم غسل فرجه، ثم تمضمض واستنثر، ثم غسل وجهه، ثم نَضَح في عينيه، ثم غسل يده اليمنى، ثم غسل يده اليسرى، ثم غسل رأسه، ثم اغتسل وأفاض عليه الماء.
نعم، هذا صفة الاغتسال التي وردت عن ابن عمر رضي الله عنه وفيها: أنه إذا اغتسل من الجنابة بدأ فأفرغ على يده اليمنى فغسلها. قال: ثم غسل فرجه. محل غسل الفرج إذا وُجِد فيه أذى، حيث وُجِد فيه الأذى وهو مَظِنَّة الأذى الذي يكون بعد الجنابة. قال: ثم تمضمض واستنثر، فدل على وجوبهما. ثم غسل وجهه، ثم نَضَح في عينيه. كان مذهب ابن عمر رضي الله عنه ولم يوافقه غيره من الصحابة رضوان الله عليهم يرى أن داخل العين إنما هو من الظاهر وليس من الباطن. نعم، تقدَّم معنا أن تجويف الأنف وتجويف الفم من الظاهر، فيجب غسلهما لذا وجبت المضمضة والاستنشاق. وأما تجويف العين فقد ذهب إلى كونه من الظاهر دون الباطن ابن عمر رضي الله عنه، فكان ينضح في عينيه فيغسل فيغسل ما في عينيه، هكذا نُقِل عنه فيفهم في فهم ما نُقِل عنه رضي الله عنه. وقد يقال: إنه يفعل ذلك ربما تَبَرُّدًا، فلربما كان في عينه ألم، لأنه كُفَّ رضي الله عنه وضُرَّ ذلك بعينيه، فقد يقال: إنه تَدَيُّن وقد يقال: إنه تَبَرُّد والعلم عند الله عز وجل، ولكنه لم يُتابَع. قال: ثم غسل يده اليمنى، ثم غسل يده اليسرى، ثم غسل رأسه. تعبيره بقوله: غسل رأسه يدل على أنه ليس وضوءًا، وإنما أراد أن يتابع أعضاء الوضوء؛ لأن الوضوء إنما هو بالمسح دون الغسل. قال: ثم اغتسل وأفاض عليه الماء. فهذا يدل على أنه أخَّر غسل رجليه في آخر الوضوء. نعم. أحسن الله.
حدثنا القعنبي عن مالك أنه بلغه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها أنها سُئلت عن غسل المرأة من الجنابة فقالت: لتَحفِن على رأسها ثلاث حَفَنات من الماء ولتُبْغِث رأسها بيديها.
نعم، هذا صفة غسل الجنابة ذكرت عائشة أنها قالت: لتَحفِن على رأسها ثلاث حَفَنات من الماء، أي لتَسكُب على رأسها قدرًا من الماء. ولتُبْغِث يعني تَخلِط بعض رأسها ببعض أي تَخلِط شَعَرَها بعضه ببعض بيديها. فدل ذلك على وجوب وصول الماء إلى ظاهر الشَّعَر وباطنه. نحن قلنا إن أصول الشَّعَر وهو (الجلد) لا يجب وصول الماء إليه، وإنما يجب وصول الماء إلى ظاهر الشَّعَر وباطنه. ما هو ظاهر الشَّعَر وباطنه؟ كل شَعَرة لها ظاهر وهو الذي يكون مُواجِهًا للناس، والباطن هو الذي يكون أقرب إلى جِلدة الرأس، فيجب وصول الماء للظاهر والباطن معًا دون أصل الشَّعَر فإنه مستحب وتَقَدَّم الخلاف فيه (وتقدم الكلام فيه عفوًا لا خلاف فيه فيما نقل النووي). نعم. أحسن الله.
باب ما أوجب الغسل إذا التقى الختانان
حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد ابن المسيب أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وعثمان ابن عفان رضي الله عنه وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنها كانوا يقولون: إذا مسَّ الختان الختان فقد وجب الغسل.
نعم، هذا الأثر الذي نقله الإمام مالك رضي الله عنه ورحمه في أول هذا الباب فيه من الفقه شيء عظيم. وذلك أنه قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما الماء من الماء). هذا اللفظ ثابت، وفي لفظ آخر: (الماء من الماء). وإنما قدمت اللفظ الأول لأنه جاءت فيه إنما الكافَّة التي تدل على الحصر. والحصر عند كثير من الأصوليين دلالته نُطقية لا مفهومة، وحينئذ فإننا نقول: فالحديث يدل على أن الغسل إنما يجب من الإنزال فقط. وقد كان يأخذ بهذا القول جمع من الصحابة. ثم لما ظهر لهم الحديث وبان رجعوا إلى القول بأن التقاء الختانين يكون موجبًا للغسل. ولذلك قيل إن عقد الإجماع على ذلك في عهد الصحابة بعد خلافهم. وهذا من فقه مالك فإن ممن نُقِل عنه أنه لا غسل إلا من الإنزال فقط عثمان رضي الله عنه. فبدأ الإمام مالك رحمه الله تعالى هذا الباب ببيان أن أن (بأن) إمام عثمان بن عفان رضي الله عنه ورحمه رجع للحديث كعمر وعائشة، وكلهم أجمعت الأمة في آخر عهد الصحابة على أن من موجبات الغسل التقاء الختانين وإن لم يكن فيه إنزال. نعم.
حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن أنه قال: سألت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها: ما يوجب الغسل؟ فقالت: هل تدري ما مَثَلُك يا أبا سلمة؟ مَثَلُك مَثَلُ الفروج يسمع الدِّيَكة تصرخ فيصرخ معها، إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل.
نعم، هذا فيه أن أبا سلمة ابن عبد الرحمن سأل عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: ما الذي يوجب الغسل؟ فقالت: هل تدري ما مَثَلُك يا أبا سلمة؟ مَثَلُك مَثَلُ الفُرُوج. الفروج هو صغار الدِّيَكة. يسمع الدِّيَكة تصرخ فيصرخ معها. هذا الكلام الذي ذكرته عائشة لأبي سلمة ذكرته هنا وفي أثر آخر كررت له ذلك. وقد كان أبو سلمة رضي الله عنه من الصغار الذين يسألون عائشة وهو صغير السن، فكأن عائشة تقول له: “يا أبا سلمة، إنك صغير في السن فلا تعلم ما معنى إيجاب الغسل؟”. فربما كان سؤاله لها وهو دون سن البلوغ. هذا هو الظاهر وهكذا ذكره بعض الشراح.
واستدل بعض الأصوليين بهذا الحديث على مسألة أصولية حينما قالت أم سلمة (عائشة) رضي الله عنها: إنما مَثَلُك مَثَلُ الفُرُوج يسمع الدِّيَكة تصيح معها على أن اجتهاد الصحابة إذا خالفهم فيه تابعي فإنه لا يدخل خلافه معهم. وهذه المسألة تكلمنا عنها في درس الأصول عن مسألة انقراض العصر، ما معنى العصر؟ وهل صغار التابعين يدخلون في اجتهاد الصحابة أم لا يدخلون فيه؟ فمَن قال بعدم دخولهم استدل بأثر عائشة هنا، وإن كان أثر عائشة يُحمَل توجيهه على توجيه آخر.
هنا قالت عائشة: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل. هذه من كنايات النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (إذا مسَّ الختان الختان فقد وجب الغسل). والمراد بالمسِّ مسُّ الختان لا بمجرد المُمَاسَّة. وإنما مسُّ الختان الختان الذي يوجب الغسل هو تغييب الحشفة. ولذلك العلماء يقولون: إن الغسل إن الفعل الذي يكون جماعًا يوجب للغسل ويفسد الصيام إنما هو تغييب الحشفة. وأما مجرد المُمَاسَّة دون دون دون تغييب فالمشهور عند فقهائنا أنه لا يوجب الغسل، وإنما يوجب الوضوء. نعم.
حدثنا القعنبي عن مالك عن يحيى ابن سعيد عن عبد الله ابن كعب مولى عثمان ابن عفان رضي الله عنه أن محمود ابن لبيد الأنصاري رضي الله عنه سأل زيد ابن ثابت رضي الله عنه عن الرجل يُصيب أهله ثم يَكسَل ولا يُنزِل. فقال زيد: يغتسل. فقال له محمود بن لبيد: إن أُبَيَّ ابن كعب رضي الله عنه كان لا يرى الغسل. فقال له زيد: إن أُبَيًّا نَزَع عن ذلك قبل أن يموت.
نعم، هذا الأثر من فقه الإمام مالك رحمه الله تعالى، فقد ألمح في أول أثر فيه رجوع عثمان رضي الله عنه وغيره من الصحابة إلى الحديث. وهنا بيَّن أن أُبَيًّا رضي الله عنه هو من أشهر مَن نُسِب له القول بأن أن (بأن) الغسل إنما يجب بالإنزال فقط، نَزَع أي رجع عن هذا القول قبل أن يموت. نعم.
حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع أن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما كان يقول: إذا خلف الختان الختان فقد وجب الغسل.
هذا الأثر عن ابن عمر فيه توضيح لمعنى إذا مسَّ الختان الختان، وأنه ليس مجرد المُمَاسَّة كما ذكرت لكم، وإنما هو تغييب الحشفة، كما قال ابن عمر: إذا خَلَف الختان الختان. نعم، أليس هو الختان هو موضع الختان؟ لأن الختان يكون قد زال. أحسن الله إليك.
وضوء الجنب إذا أراد أن ينام أو يطعم قبل أن يغتسل
حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله بن دينار عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ذكر عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تُصيبه الجنابة من الليل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (توضأ واغسل ذكرك ثم نم).
نعم، هذا الأثر الباب الذي عقده الإمام مالك عنون له بقوله: وضوء الجنب إذا أراد أن ينام أو يطعم قبل أن يغتسل. أي أنه يجوز للجنب أن ينام أو أن يطعم أن يأكل دون من دون اغتسال، وإنما يكفيه الوضوء. وأول حديث فيه أن عمر بن الخطاب ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تُصيبه الجنابة من الليل. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (توضأ واغسل ذكرك ثم نم). قوله: (توضأ) هذا محمول عند جماهير أهل العلم وهو المشهور في المذاهب الأربعة جميعًا على الندب. فإنه يستحب للجنب إذا أراد أن ينام أن يتوضأ. وقوله: (واغسل ذكرك) فهذا يعني يكون أيضًا كذلك على سبيل الندب، لأنه من باب النظافة. (ثم نم) يدل على الجواز. نعم. أحسن الله إليك.
حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول: إذا طاب أحدكم المرأة ثم أراد أن ينام قبل أن يغتسل، فلا ينم حتى يتوضأ وضوءه للصلاة.
نعم، هذا حديث عائشة ورُوِي مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم. ومحل الشاهد فيه في قوله: فلا ينم، هنا نهي، والأصل في النهي إنما هو للتحريم، وهذا الذي جعل بعض أهل الظاهر يذهب لوجوب الوضوء قبل النوم. ولكن نقول من حيث المعاني وهو قول جماهير أهل العلم أن هذا الوضوء إنما هو مستحب وليس بواجب؛ لأن هذا الوضوء لا يرفع حدثًا، فليس رافعًا للحدث الأصغر وليس رافعًا للحدث الأكبر، فدل على أن هذا الوضوء إنما هو مستحب، وأنه من باب تخفيف الحدث، لا من باب رفع الحدث، فإن هناك صورًا أربع أوردها العلماء يكون فيها تخفيف الحدث، منها هذه وهو الوضوء قبل النوم وقبل الطعام. نعم.
حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع أن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا أراد أن يَطعَم أو ينام وهو جنب غسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه، ثم طَعِم أو نام.
نعم، هذا الأثر عن ابن عمر فيه مسألتان:
المسألة الأولى: فيه أن عبد الله بن عمر كان إذا أراد أن يَطعَم أو ينام وهو جنب فعلى (فعل) الوضوء أو الصفة التي سيرد ذكرها. فقوله: أن يَطعَم أو أن ينام يدل على استحباب الوضوء للأمرين معًا، للأكل وللنوم معًا. ولكن نَقَل أبو الوليد الباجي أن المعتمد في مذهب الإمام مالك أن الاستحباب إنما هو للنوم فقط. والقول الثاني وعليه مذهب أحمد وغيره أن الاستحباب للجنب أن يتوضأ سواء كان إذا أراد النوم أو إذا أراد الأكل، وهو ظاهر الأخبار المنقولة في الباب.
المسألة الثانية: فيه صفة ما كان يفعله ابن عمر، ففيه أن ابن عمر إذا أراد أن يَطعَم أو أن ينام غسل وجهه ويديه إلى المرفقين ومسح برأسه، ثم طَعِم أو نام، ولم يأت فيه أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يغسل رجليه، فدل هذا الفعل من ابن عمر رضي الله عنه أن هذا الوضوء ليس بواجب؛ إذ لو كان واجبًا لوجب فيه إتمامه بغسل رجليه، ففهم ابن عمر رضي الله عنه وهو من يعني كبار الصحابة رضوان الله عليهم فقهًا أن هذا ليس بواجب. وهذا أحد التوجيهين وهو توجيه قوي للحديث. ومن ومن أهل العلم من قال وفيه تكلف قول أن ابن عمر رضي الله عنه لم يغسل رجليه لأن رجليه كان بهما جرح، فكون الجرح في الرجلين معًا فيه تكلف قد يكون في أحدهما دون الآخر والعلم عند الله عز وجل. ولكن الظاهر هو الأول فهم الصحابة بمثابة الصارف للأمر وللنهي عن أصله وهو الوجوب والتحريم إلى الندب أو خلاف الأولى. نعم.
الجنب إذا صلَّى ولم يغتسل غسل ما به
حدثنا القعنبي عن مالك عن إسماعيل ابن أبي ابن أبي حكيم أن عطاء ابن يسار أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبَّر في صلاة من الصلوات، ثم أشار بيده: (أن امكثوا). ثم رجع، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى جلده أثر الماء.
نعم، فيه في هذا الباب وهو أن الجنب إذا صلَّى ولم يغتسل غسل ما به، يعني فإنه يلزمه أن يغتسل ويُعيد صلاته. هذا هو المراد في أول أول آثار عن حديث عطاء ابن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كبَّر في صلاة من الصلوات ثم أشار بيده: (أن امكثوا)، أي في مكانكم. ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى جلده الماء. هذا يدلنا على أنه لا يصح الوضوء (إمامة) لمن كان عليه حدث أكبر، وكذا لمن كان عليه حدث أصغر، فإن إمامته إذا كان عالمًا تكون باطلة، وتكون صلاة مَن خلفه كذلك باطلة ما دام عالمًا بحدثه. نعم.
حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام ابن ابن عروة عن أبيه عن زيد ابن الصلت أنه قال: خرجت مع عمر ابن الخطاب رضي الله عنه إلى الجُرُف، فنظر فإذا هو قد احتلم، فصلى ولم يغتسل. فقال: والله ما أراني إلا قد احتلمت، وما شعرت، وصلَّيت وما اغتسلت. قال: فاغتسل وغسل ما رأى في ثوبه ونضح ما لم يَرَ، وأذَّن وأقام ثم صلَّى الغَداة بعد ارتفاع الضحى متمكنًا.
نعم، هذا الحديث رواه القعنبي عن مالك عن هشام ابن عروة عن أبيه وهو عروة ابن الزبير عن زييد ابن الصلت. يحيى ابن يحيى في رواية روايته لهذا الحديث أسقط عن أبيه. وكل الرواة ومنهم القعنبي وغيره أثبتوا هذه الزيادة وهو الصواب، فإن الصواب رواية مالك عن هشام عن أبيه عن زييد فيكون الحديث متصلًا لا منقطعًا. فيه أن زييدًا قال: خرجت مع عمر إلى الجُرُف. هكذا أغلب الذين نقلوا الموطأ مضبوطًا ضَبَطوه بضبط الجيم والراء: الجُرُف أو الجُرْف بضم الجيم وضم الراء. ولكن جاء في المصباح وغيره من الكتب سكون الراء الجَرْف، وهو الذي يُنطَق به الآن وهو منطقة قريبة من الشمال الغربي بمسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي قريبة من مسجد القبلتين نوعًا ما بينها وبين الجامعة، وما زال اسمها إلى الآن. وكانت قديمًا مناطق زروع ومزارع لأهل المدينة. قيل بينها وبين المدينة في في ذلك الوقت نحو من سبعة أميال، أي دون مسافة القصر بكثير. وبناء على ذلك فقد كان لعمر رضي الله عنه ولأبنائه بعده مزارع ربما يأتون إليها.
قال: فنظر أي عمر فإذا هو قد احتلم، فصلى ولم يغتسل. يعني أنه احتلم ولم ينتبه لاحتلامه فصلى بوضوء دون اغتسال. فقال: والله ما أراني إلا قد احتلمت، وما شعرت، وصلَّيت وما اغتسلت. هذا الكلام قاله عمر وهو زييد (وذلك وزييد نقل). فاغتسل وغسل ما رأى من ثوبه. قوله: فاغتسل واضح هو غسل الجنابة. وأما قوله: وغسل ما رأى في ثوبه، الذي رآه في ثوبه هو مَنِيُّه. وهذا الذي استدل به الإمام مالك رحمه الله تعالى على أن المني نجس. فاستدل به كما ذكر ابن عمر على أن مَنِيَّ الرجل والمرأة نجس، لأنه لو لم يكن نجسًا لَمَا شَغَلَ عمر رضي الله عنه مع سفره في شيء غير إزالة النجس، فلم ينشغل بإزالة طاهر. ولكن القول الثاني وهو المعتمد عند فقهائنا وغيرهم ظاهر الحديث أن المني من الرجل والمرأة طاهر. فإن أم المؤمنين رضي الله عنها تقول: (كنت أفركه من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي). فقد كان النبي عليه الصلاة والسلام يصلي وثوبه فيه أثر مائه صلوات الله وسلامه عليه، وربما كان مختلطًا بماء زوجه. فدل على أنه فدل على طهارتهما معًا. ولم يقل: هو من خصائصه صلى الله عليه وسلم، لأن عائشة قالت: (من أثر جماع). فدل ذلك على أن الماء طاهر ويُحمَل فعل عمر رضي الله عنه على الندب. فإنه يستحب غسله نظافة وتطهُّرًا، وأما الوجوب فليس بواجب على أظهر القولين.
قال: ونضح ما لم يَرَ. قوله: نضح ما لم يَرَ. هذا هو الذي أخذ منه أهل العلم النضح وهو الرش دون إسالة. والفرق بين الغسل والنضح أن النضح إذا أُطلِق في مقابلة الغسل -وانتبه لهذا القيد- النضح إذا أُطلِق في مقابلة الغسل فهو غَمْر المحل بالماء دون إسالة. وأما الغسل حينئذ فهو وصول الماء للمحل وانفصاله عنه، فيكون فيه إسالة. الذي نضحه عمر رضي الله عنه هو ما لم يَرَ فيه ماء له، وهو الذي يسميه فقهاء المالكية بالمُسْتَنْكَح، أي المشكوك فيه هل أصابه ماء أم لا؟ لأن المحل إذا أصابه ماء الرجل ثم طال ربما خَفِيَ محلُّه، فيكون مشكوكًا فيه. وهذا المشكوك أهل العلم بعضهم يستحب النضح وبعضهم يوجب النضح. نضح المستنكح وهو المشكوك فيه. والصواب هو الاستحباب لا الوجوب. فهنا عمر رضي الله عنه نضح ما لم يَرَ مما يحتمل ويُشَك في كون مائه قد وصل له.
قال: وأذَّن ثم أقام ثم صلَّى الغَداة بعد ارتفاع الضحى متمكنًا. أي يعني متمكنًا بمعنى أنه صلاها متمكنًا من صلاته وغير (غير) اه يعني مستعجلين عليها. نعم. السلام عليكم.
حدثنا القعنبي عن مالك عن إسماعيل ابن أبي حكيم عن سليمان ابن يسار أن عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه غدا إلى أرضه بالجُرُف، فرأى في ثوبه احتلامًا، فقال: لقد ابتُليت بالاحتلام منذ وُلِّيت أمر الناس، فاغتسل وغسل ما رأى في ثوبه من الاحتلام، ثم صلى بعد أن طلعت الشمس.
نعم، هذا مثل السابق تمامًا، لكن هنا فيه زيادة وهو قول عمر رضي الله عنه: لقد ابتُليت بالاحتلام منذ وُلِّيت أمر الناس. معنى هذه كما ذكر الشراح ومنهم أبو عمر ابن عبد البر قالوا: “لأن عمر رضي الله عنه لما وُلِّي أمر الناس انشغل بأمورهم ليلًا ونهارًا، فشغله ذلك عن إتيانه أهله، فكان هذا هو سبب احتلامه” رضي الله عنه. فيه من الفقه إضافة لما سبق أن الشراح يقولون أن عمر رضي الله عنه صلى ولم يأمر من خلفه بإعادة الصلاة. فنقول: إن من كان خلفه وغاب فنقول: يحكم ولم يعلموا بحاله. فإنهم هم يحكمون بناءً على غلبة ظنهم. وقد كان ظنهم وظن إمامهم أن الصلاة صحيحة، فحينئذ لا يلزمه أن يأمر مَن خَلْفَهُ بالإعادة. نعم.
حدثنا القعنبي عن مالك عن يحيى ابن سعيد عن سليمان ابن يسار أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه صلَّى الصبح بالناس، ثم غدا إلى أرضه بالجُرُف، فوجد في ثوبه احتلامًا. فقال: إنا لَمَّا أصَبْنَا الوَدَك لانَت العروق. فاغتسل وغسل الاحتلام من ثوبه وعاد.
نعم، قول سليمان بن يسار أن عمر بن الخطاب صلَّى الصبح يعني الفجر بالناس، ثم غدا إلى أرضه بالجُرُف. فهو صلَّى بالناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذهب إلى الجُرُف أي مكان من بعيد، وهناك وجد في ثوبه احتلامًا، احتلامًا أي مَنِيًّا من أثر احتلام. فهنا نُسِب الشيء إلى سببه وإلا هو وجد المني بسبب الاحتلام. فقال أي عمر رضي الله عنه: إنا لَمَّا أصَبْنَا الوَدَك لانَت العروق. هنا يختلف عن السبب الأول. هنا قوله: لَمَّا أصَبْنَا الوَدَك. عمر رضي الله عنه كان لا يتنعَّم، بل إنه رضي الله عنه امتنع من أن يأكل شيئًا في عام المجاعة حتى يشبع الناس. قال: “لا أشبع حتى يشبعوا”. وإنما كان عمر رضي الله عنه إذا جاءه الوفود يُقدِّم لهم الدَّسَم وفيه الوَدَك. والوَدَك الذي هو الشحم المذاب يجعل دَسَمًا في الطعام إنما يأكله عمر رضي الله عنه مع الضيوف والوفود الذين يَقْدَمون عليه، ولم يكن أكل عمر رضي الله عنه له في خاصة نفسه وهذا معلوم من حاله ولا شك. فقال: لَمَّا أصَبْنَا الوَدَك أي لأجل هذا السبب الذي أصبناه، فإنه تلين العروق حينذاك. وهذا يدل على الحديث الذي قاله عليه الصلاة والسلام: (يا معشر الشباب مَن استطاع منكم الباءة فليتزوج)، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (فمَن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجَاء). فإن الأطعمة تؤثر في الرغبة. قال: فاغتسل وغسل الاحتلام من ثوبه أي أثر الاحتلام وعاد. نعم عاد يعني أعاد صلاته. جاء هذا الحديث عند عبد الرزاق والمصنَّف وفيه زيادة: (ولم يأمر الناس أن يصلوها). وهذه الزيادة تدل على المعنى الذي ذكرت لكم في الأثر السابق. نعم.
أحسن الله إليك. حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام ابن عروة عن عن أبيه عن يحيى ابن عبد الرحمن ابن حاطب أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه اعتمر في رَكْب فيهم عمرو ابن العاص رضي الله عنه، وأن عمر عَرَّس ببعض الطريق من بعض المياه فاحتلم عمر وقد كاد أن يصبح، فلم يجد مع الرَّكْب ماء، فركب حتى جاء الماء، فجعل يغسل ما رأى في ثوبه من الاحتلام حتى أسفر. فقال له عمرو بن العاص: قد أصبحت ومعنا ثياب، فدَع ثوبك يغسل. فقال قال عمر: واعجبًا لك يا ابن العاص، إن كنت تجد ثيابًا، ما كل المسلمين يجد ثيابًا. فوالله لو فعلتها لكانت سُنَّة. بل اغسل ما رأيت وانضح ما لم أرَ.
نعم، هذا الأثر الذي نَقَل الإمام مالك رحمه الله تعالى في قصة عمرو مع عمر رضي الله عنهما فيه أن عمر عَرَّس يعني بات في آخر الليل ببعض الطريق أي في مَسلَك له يريد سُلوكه من بعض المياه أي يعني قريبة من بعض المياه، سواء كانت غُدْران أو كانت آبار. قال: فاحتلم عمر وقد كاد أن يصبح، فلم يجد مع الركب ماء، فركب حتى جاء الماء. العلماء رحمهم الله تعالى يقولون: إن مَن لم يكن عنده ماء لغُسل أو لوضوء ويَعلم أنه سيجد الماء قبل خروج الوقت فإنه يجب عليه السعي في طلبه، إذا علم أنه موجود قبل خروج الوقت. وهذا الذي فعله عمر رضي الله عنه أنه أدركه قبل خروج الوقت. قال: فجعل يغسل ما رأى من ثوبه حتى أسفر. فدل على أنه أخَّر صلاة الفجر إلى آخر وقتها ولم يخرجها عن وقتها، لأن الإسفار هو آخر وقتها، وينتهي وقتها بطلوع الشمس. وهنا قوله: فجعل يغسل ما رأى من ثوبه من الاحتلام هو الذي ذكرت لكم عن ابن عبد البر أنه استدل به مالك على أن المني نجس، بدليل أن عمر غسله مع ضيق الوقت. قال: فقال له عمرو بن العاص: لقد أصبحت ومعنا ثياب، فدع ثوبك يغسل، أي غيِّر ثيابك. فقال له عمر: واعجبًا لك يا ابن العاص، إن كنت تجد ثيابًا، ما كل المسلمين يجد ثيابًا. فوالله لو فعلتها لكانت سُنَّة. هذا هو محل الشاهد. قول عمر رضي الله عنه: والله لو فعلتها لكانت سُنَّة. هذا يدلنا على أنه قد استقر في نفوس الصحابة عمومًا أن الاقتداء بالخلفاء الأربعة أصل من أصول الشرع. (اقتدوا باللذين من بعدي). قال عليه الصلاة والسلام: (اقتدوا باللذين من بعدي) أو (باللذين من بعدي). وهكذا الأحاديث الكثيرة المتعددة في الاقتداء بالخلفاء بعده، فقد استقر في نفوس الصحابة رضوان الله عليهم أن الاقتداء بهم سُنَّة. ولا شك أن ما قالوا به مما لم يخالفهم غيرهم فهو حجة. وأما ما قالوا به وخالفهم غيرهم هل يكون حجة أم لا؟ فيه قولان. وأحسن من تكلم عن هذه المسألة ابن رجب. ونقل كلام ابن رجب في كتاب له مفقود، لكن نقله عنه يوسف ابن عبد الهادي في كتابه “سير الحاث” في في مسألة الطلاق الثلاث، فقد ذكر ما قاله أحد خليفتين أبي بكر وعمر أو أحد الأربعة وخالفه الصحابة هل يكون حجة أم لا؟ وذكر فيه تقسيمًا بديعًا أشرت إليه في درس الأصول لكني أحيلكم على موطنه في هذا الدرس. نعم.
قال مالك في رجل وجد في ثوبه أثر احتلام لا يدري متى كان ولا يذكر شيئًا رآه في منامه. قال: يغتسل من أحدث نوم نام. فإن كان صلَّى بعد النوم فليُعِد ما صلَّى بعد ذلك النوم. من أجل أن الرجل يحتلم ولا يرى شيئًا، ويرى ولا يحتلم. فإذا وجد في ثوبه ماء فعليه الغسل. وذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعاد ما كان لاحِقًا مَنامَه ولم يُعِد ما كان قبل ذلك.
نعم، هذا الكلام الذي قاله الإمام مالك هو حقيقة من دقيق الفقه. ومن دقيق الاستنباط الذي استنبطه الإمام مالك ووافقه عليه أئمة رحمهم الله تعالى. إذ ذكر أهل العلم أن اليقين لا يزول بالشك. وما ثبت بيقين لا يُنقَل عنه إلا بيقين. وهنا الأصل أن المرء لم تحدث به جنابة. فلما أصبح عمر رضي الله عنه فوجد جنابة فإنه يحتمل أن تكون من نومته الأولى ونومته التي قبلها ونومته التي من يومين أو من ثلاثة. فـالأصل أن المرء يستصحب الحكم اليقيني وهو عدم وجود الحدث وينسب الناقل لآخر وقت له. فمن وجد في ثوبه أثر جنابة فنقول: آخر نومة نِمتَها هي التي يُنسَب إليها الفعل، مع أنه يحتمل عقلًا أن تكون في النومة التي قبلها أو التي في (التي قبلها) كذلك لا بعدها أخرى. ومثله أيضًا لو أن امرأ وجد في ثوبه نجاسة فنقول له: آخر وقت يحتمل أن تكون هذه النجاسة قد خرجت منك فيه، نحكم حينئذ بأن الثوب يكون فيه نجس وأن الوضوء قد انتقض. فلو أن المرء وجد نجاسة في ثوبه وكان قد صلَّى الظهر قبل ساعة. فنقول: متى يمكن آخر وقت أن يحتمل أن تكون هذه النجاسة خرجت منك فيه من بول أو غائط؟ قد يقول: قبل نصف ساعة. إذًا نقول: صلاتك صحيحة. لكن قال لو كان قد صلَّى من عشر دقائق ثم نظر فوجد أثر النجاسة. فسألناه: ما هو آخر وقت يحتمل أن تكون هذه النجاسة قد خرجت منك فيه؟ فقال: قبل نصف ساعة أي قبل الصلاة. فنقول: أعد الصلاة. ومثله الحائض إذا طافت وسَعَت ثم رأت أثر خروج الحيض. فنقول: ما ما آخر وقت يمكن أن يخرج أن يخرج فيه الحيض منك؟ فإن قالت: بعد الطواف. فنقول: إن طوافك صحيح وكذا سَعْيُك. وهكذا إذًا هذه قاعدة مؤداها أن يُنسَب الفعل إلى آخر وقت يمكن أن يحدث فيه. وهي من دقيق الفقه، فرحم الله الإمام مالك وسائر الأئمة. نعم.
غسل المرأة إذا رأت ما يرى الرجل
حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عروة ابن الزبير أن أم سُليم رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل أتغتسل؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم، فلتغتسل). فقالت لها عائشة: أُفٍّ لك، وهل ترى ذلك المرأة؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تربت يمينك، ومن أين يكون الشَّبَهُ؟).
نعم، هذه المسألة باب بوَّب له الإمام مالك بقوله: غسل المرأة إذا رأت ما يرى الرجل. قوله: إذا رأت ما يرى الرجل الذي يراه الرجل أمران. مالك قَصَد الأول، لكن أريد أن أذكر الأمرين معه. الأمر الأول: وهو المني، ويسمى ماء الرجل وماء المرأة. والثاني: هو المَذْي. فالمرأة يخرج منها مَذْي ومَنِيُّ الرجل، ويجب فيهما الحكم واحد. في المني يوجب الغسل؟ وهل يُحكَم بطهارته أم لا؟ الخلاف الذي ذكرته. والمَذْي يوجب الوضوء ويوجب غسل المحل، لكن الرجل يختلف؛ لأن الرجل يجب غسل ذكره، مرَّت معنا في الدرس الماضي. وأما الأنثى فالمحل الخارج فقط. في هذا الحديث أن أم سُليم رضي الله عنها سألت النبي عليه الصلاة والسلام: المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل أتغتسل؟ تدل على أن المراد به الماء. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم، فلتغتسل). فقالت لها عائشة: أُفٍّ لك، وهل ترى ذلك المرأة؟ قول عائشة هذا رضي الله عنها نستدل به على أنه ليس كل امرأة تحتلم. وهذا مهم؛ لأن بعض النساء قد ترى رطوبات فتظن أن هذه الرطوبات إنما هي موجبة للغسل، وليس كذلك ويكثر ذلك في الوسواس التي تُصاب بوسواس وغيره، وأنه (ولكن) لابد من النظر لصفته وأثر الاحتلام. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (تربت يمينك، ومِن أين يكون الشَّبَهُ؟). نعم.
حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام ابن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة أنها قالت: جاءت أم سُليم امرأة أبي طلحة رضي الله عنهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ قال: (نعم، إذا هي رأت الماء).
نعم، هذا الحديث مثل السابق، لكن فيه أن أم سُليم رضي الله عنها قالت: إن الله لا يستحيي من الحق. فدل ذلك على أن العلم لابد فيه من تبيينه وإظهاره، وإن كان فيه أمور قد يستحي بعض الناس من الحديث فيها والتعبير عنها. وأم سُليم رضي الله عنها وسائر الصحابيات لا شك أنهن أكمل النساء حياء، وأتمهن خُلُقًا ومروءة، ومع ذلك رضي الله عنهن ورحمهن سألن النبي صلى الله عليه وسلم، وكان في سؤالهن تعليم المسلمات والمسلمين بعدهم. فرضي الله عنهم ورحمهم صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أجمعين. أحسن الله إليك.
جامع غسل الجنابة
حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع أن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما كان يقول: لا بأس أن أن يغتسل بفضل المرأة ما لم تكن جنبًا أو حائضًا.
نعم، هذا الحديث فيه خَبَران. الأمر الأول في قول ابن عمر رضي الله عنه: لا بأس أن يغتسل بفضل المرأة. المراد بفضل المرأة أي ما يبقى من وضوئها إذا اغتسلت أو إذا توضأت. فهل يجوز للرجل والمرأة أن يغتسل منه أم لا؟ ومسألة الاغتسال بفضل المرأة سواء كان المغتسل أو المتوضئ ذكر أو أنثى من المسائل التي طال فيها الخلاف بين أهل العلم. وقد اختصر الإمام أحمد المسألة وأظن أني سبقت الكلام (ذكرت الكلام فيها) قبل. أن الأحاديث في الباب لا يصح فيها شيء مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم. ولكن الذي جاء عن جمع من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم نهي الرجل عن الوضوء والاغتسال من باب أولى بفضل طَهُور المرأة. فالنهي متَّجه للرجل فقط دون المرأة. فالمرأة مع فضل المرأة جائز، وإنما المنهي عنه غسل رفع حدث الرجل بفضل المرأة. إذًا العمدة في هذا الباب إنما هو قول الصحابة. وفضل المرأة متى يكون ممنوعًا منه؟ قال فقهاؤنا بشروط:
الشرط الأول: أن تكون المرأة قد خَلَت به. معنى كونها خلت: عدم وجود مُشارِك معها وعدم وجود مَن ينظر إليها. والمشارك مثل أن تغتسل هي وغيرها في ذلك الإناء، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل مع أزواجه من إناء.
الشرط الثاني: لابد أن يكون في طهارة كاملة لا في بعض الطهارة.
والأمر الثالث: أن تكون الطهارة واجبة لا مندوبة.
ويزيد بعضهم قيدًا رابعًا: وأن يكون الفضل قليلًا لا كثيرًا أي دون القلتين.
حينئذ إذا وُجِدَت هذه الشروط فإنه يُنهَى الرجل عن الاغتسال أو الوضوء به. والحديث والدليل إنما مَرَدُّه لقول الصحابة وليس للحديث المرفوع؛ لأن الحديث فيه اختلاف ونكارة متعددة. هذا ابن عمر كان يقول: لا بأس أن يغتسل الرجل بفضل المرأة ما لم تكن جنبًا أو حائضًا. فما (فابن) عمر رضي الله عنه قال إن الجنب (المرأة) أن المرأة إذا كانت جنبًا ليس للرجل أن يغتسل بفضل طهورها. بفضل طهورها هذا هو قول الصحابة. فالصحابة يقولون إن المرأة إذا خَلَت بماء لطهارة كاملة إما لغسل جنابة أو لغسل أو حدث أصغر فليس للرجل أن يتوضأ. فقوله هنا: أن يغتسل بفضل المرأة ما لم تكن جنبًا أو حائضًا، أي إذا اغتسلت. وغيره من الصحابة ذكروا الحدث الأصغر. هذا الأثر هو الذي أخذ به أحمد. بينما الإمام مالك لم يأخذ بهذا الأثر، أثر ابن عمر رضي الله عنه. فقال: لا بأس بفضل المرأة وإن كانت حائضًا أو جنبًا كلام الإمام مالك في آخر الباب. إذًا أحمد عمل بهذا الأثر وآثار الصحابة الباقية. والإمام مالك رحمه الله تعالى لم يعمل به وسيأتي. نعم. حدث الأخ عن (فقدم) فأخذ برأس الجملة دون القيد الذي فيها. نعم. (ما لم) نعم. السلام عليكم.
حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع أن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما كان يَعْرَق في الثوب وهو جنب ثم يصلي فيه.
فيه دلالة على أن العَرَق من الجنب طاهر وكذا الحائض. وهذا اتفاق حكاه جماعة.
حدثنا القعنبي قال: سُئل مالك عن رجل له نِسوة وجوار، أله أن يطأهن جميعًا قبل أن يغتسل؟ قال: لا بأس أن يطأ الرجل جاريَتَيْهِ قبل أن يغتسل، وأما النساء فإني أكره أن يُصيب الرجل المرأة الحرَّة في في يوم الأخرى. فأما أن يُصيب الرجل الجارية ثم يُصيب ثم يُصيب الأخرى وهو جنب فلا بأس بذلك.
نعم، هذا كلام الإمام مالك بناه وعلى مسألة القَسْم. فإن العلماء رحمهم الله تعالى يقولون إن الرجل إذا كان له زوجات يُمنَع والمشهور عند فقهائنا يُحرَم عليه إلا في حالات معينة أن يُصيب زوجته الأخرى في يوم ولَيْلَة مَن هي قَسْمُها تلك الليلة. وعبَّرت بيوم وليلة لأن عِماد القَسْم الليل والنهار تبع له. ولكن النهار يجوز الدخول لحاجة، الليل فيُمنَع من الدخول إلا لمَن هي لها القَسْم. نعم.
وسُئل مالك عن رجل جنب وُضِع له ماء ليغتسل به فسها فأدخل إصبعيه فيه ليعرف حرَّ الماء من برده. قال مالك: إن لم يكن أصاب إصبعيه أذى فلا أرى ذلك يُنجِّس الماء وكذلك الحائض.
نعم، هذا فيه أن جَسَد الآدمي لا ينجس. وقد جاء في الحديث حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن المؤمن لا ينجس) لما انحبس أبو هريرة رضي الله عنه. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن لا ينجس) هذا وصف طردي كما قال الموفق ابن قدامة، فالمؤمن والكافر كلاهما جسده في الحياة (نجس) كلاهما جسده في الحياة طاهر وليس بنجس. وحينئذ فإننا نقول: إن المرأة سواء كان جنبًا أو كان قد ارتفع حدثه الأكبر أو عليه حدث أصغر أو ارتفع حدث أصغر، فإنه إذا وضع يده في الماء فإنه لا يَسلُبه الطهورية إن لم يكن أصاب إصبعيه أذى أي نجاسة، أو ما يغيِّر الماء فهذا مُستثنى ولا شك. نعم. أحسن الله إليك.
وسُئل مالك عن فضل الجنب والحائض هل يُتَوَضَّأ به؟ قال: نعم، فليُتَوَضَّأ به.
نعم، هذا الذي قلت لكم إن مالكًا لم يعمل بحديث ابن عمر لأجل هذا الأثر وكذا أصحابه بعده أخذوا بقول مالك في عدم العمل بأثر ابن عمر في القيد السابق. وسبق معنا في الدرس الماضي أن معنى قوله: سُئل أحد أمرين: إما أن يقول مالك: “سُئلت” عندما قرأ على الناس فنقلها القعنبي: سُئل، أو أن يكون قارئ مالك قال: “سُئلت” أو قارئ مالك لما كتب مالك في نسخته: “سُئلت”، فقرأها قارئ مالك: سُئل. فالذي عَبَّر بقوله: سُئل مالك إما القعنبي أو القارئ الذي على مالك في غير رواية القعنبي؛ لأن القعنبي لم يرضَ أن يقرأ الموطأ عليه غيره، والقعنبي جزء منه قرأه بنفسه وجزء سمعه من مالك. نعم. أحسن الله إليك.
باب التيمم
حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها أنها قالت: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره، حتى إذا كان بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عِقد لي، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، فأقام الناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء. فأتى الناس إلى أبي بكر رضي الله عنه فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أَقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء. فجاء أبو بكر رضي الله عنه ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبستِ رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء. فعاتبني وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعن بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي. فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء. فأنزل الله آية التيمم فتيمموا. قال أُسَيد بن حُضَير رضي الله عنه: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر؟ قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته.
هذا باب التيمم وذكر فيه حديث عائشة رضي الله عنها وهو أصل الباب. نذكر بعض المسائل المتعلقة فيه على سبيل السرعة.
قولها رضي الله عنها: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره. المراد به عند كثير من العلماء السِّير هي غزوة بني المصطلق. وقوله: حتى إذا كان بالبيداء أو بذات الجيش. أو هنا تحتمل التخيير وتحتمل الشك. وذلك أن من الناس من يقول: إن البيداء هي ذات الجيش. ومنهم من يقول: إنها مُتَجاوِرة. والبيداء وذات وذات الجيش على على المشهور أنها متجاورة وتكون قريبة من ذي الحُلَيفة أي المسجد المبني الآن وهو الميقات. فيأتي ذو الحليفة ثم بعده تأتي بعده البيداء ثم بعده يأتي ذات الجيش. وذات الجيش هي صحراء وسهل مُتَّسِع يجري فيها واد اسمه الجيش، ويُسمى إلى الآن بهذا الاسم، وهذا الوادي حماه النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكر السِّير ولا أدري عن صحته. وحينئذ فالبيداء على قول هي مجاورة لذات الجيش وقيل هي نفسها هي نفسها. وهي بجانب مسجد الميقات تبعد عنه من جهة الغرب تقريبًا سبع كيلوات وربما أقل من ذلك.
يهمنا في هذا الحديث فيه أن عائشة رضي الله عنها قالت: فأنزل الله آية التيمم فتيمموا. آية التيمم في كتاب الله آيتان في سورة النساء وفي سورة المائدة. فأي الآيتين هي التي نزلت؟ ذكر أبو بكر ابن العربي أن هذا مشكل ولا يُدرَى أي الآيتين التي نزلت. والأقرب والأشهر عند كثير من العلماء أنها آية المائدة. وهي قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ…﴾ إلى قول الله عز وجل: ﴿… وَإِن كُنتُم مَّرْضَىٰ أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ (المائدة: 6). ووجه استشكال ذلك أن الوضوء قد فُرِض قبل التيمم بإجماع أهل العلم. فكيف تكون الآية التي نزلت وهي آية التيمم فيها وجوب الوضوء ووجوب التيمم؟ قال أهل العلم: هذه الآية فيها مشروعية التيمم ابتداءً وفيها ذِكر الوجوب تقريرًا لما وُجِد قبل ذلك. فإن الوضوء قد وَجَب قبلها ولم تنزل الآية بوجوبه، وإنما ببيانه وتوضيحه مقررة. وأما آية التيمم فهي التي ابتدأت تشريع الحكم. نعم.
حدثنا القعنبي قال: سُئل مالك عن رجل تيمم لصلاة حَضَرت، ثم حَضَرت صلاة أخرى، أَيَتَيَمَّم لها أم يكفيه تيممه ذلك؟ قال: يَتَيَمَّم لكل صلاة؛ لأن عليه أن يَبتَغِيَ الماء لكل (صلاة)، فمَن ابتغى الماء فلم يجده فإنه يتيمم.
نعم، هذا من فقه الإمام مالك رحمه الله تعالى الذي وافقه عليه الأئمة. فقد استنبط الإمام مالك وتابعه على هذا الاستنباط إسحاق ابن راهويه والإمام أحمد والشافعي بنفس الاستنباط. فإنهم استنبطوا من قول الله عز وجل: ﴿… فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (النساء: 43؛ المائدة: 6). أنه يجب البحث عن الماء. فحيث لم يوجد الماء فإنه يلزم تكرار التيمم لكل صلاة من الصلوات الخمس. إذًا عندما قال أهل العلم: إنه يجب التيمم لكل وقت من الأوقات الخمسة، استدلاله إنما هو بالقرآن. وأما القاعدة: هل التيمم مبيح أو أنه رافع للحدث؟ هذه طارئة بعد الفقهاء رحمهم الله تعالى للكبار الأئمة. ثم قَعَّد العلماء هذه القاعدة. فلا يَلزَم من قولك دائمًا أن التيمم رافع للحدث أننا نقول: لا ينتقض ولا يبطل التيمم بانقضاء الوقت. فإن ظاهر القرآن يدل على وجوب الوضوء لكل صلاة من الصلوات الخمس ولو لم يأت شيء من مُبْطِلات الوضوء. نعم.
قال: وسُئل مالك عن رجل يَتَيَمَّم أيؤم أصحابه؟ قال: يؤمهم غيره أحب إلي. ولو أمَّهم هو لم أرَ بذلك بأسًا.
نعم، هنا قال مالك: سُئل عن رجل يَتَيَمَّم أيؤم أصحابه يعني الذين هم على وضوء؟ فقال مالك: يؤمهم غيره أحب إلي. ولو أمَّهم هو لم أرَ بذلك بأسًا. هذا النقل عن الإمام مالك فَهِم منه أصحاب الإمام مالك أنه يُكرَه للمتيمم أن يؤم المتوضئين. فهموا من كلام مالك ذلك. وأما أحمد فقد جاء عنه قولان لأصحابه: هل إمامة متيمم مكروهة أم أنها خلاف الأولى؟ والمتأخرون يميلون لأن أنها خلاف الأولى. فالمتيمم الأولى ألا يُصلي بغيره. ولكن إن صلَّى فصلاته صحيحة. ولما قالوا ذلك؟ وذلك لأنه قد جاء في إمامة المتيمم للمتوضئين حديثان مرفوعان، أحدهما من رواية عمر والثاني من من حديث جابر ابن عبد (الله) رضي الله عنه، ولا يصح إسنادهما تمامًا. وإنما يصح خلافه وهو ما جاء في صلاة عمرو بن العاص رضي الله عنه بأصحابه وقد رواه البخاري تعليقًا. وإنما قال الأئمة كمالك وأحمد وغيرهم إن هذا مكروه أو خلاف الأولى أما يعني لأن الحديث الضعيف قد يُعمَل به في الترك كما قال ابن مفلح (ما نقول) يوجب ويُبطِل وإنما يكون في في في ترك الأولى أو لأجل الكمال. لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الإمام إنما جُعِل الإمام ليؤتم به). فيجب أن يكون الإمام أكمل. ولكن الاستدلال به ضعيف. لذلك قالوا: إنه الأولى ولم يقولوا: إنه واجب. نعم. أحسن الله إليك.
قال مالك: مَن قام إلى الصلاة فلم يجد ماء فعمل بما أمره الله به من التيمم فقد أطاع الله. وليس الذي وجد الماء بأطهر منه ولا أتَمَّ صلاة؛ لأنهما أُمِرَا، فكلٌّ عمل بما أمره الله به. وإنما العمل بما أمر الله به من الوضوء لِمَن وجد الماء والتيمم لِمَن لم يجد الماء قبل أن يدخل في الصلاة.
نعم، هذا الكلام الذي قاله الإمام مالك بيَّن الباجي أن مراد مالك وقصده من هذا الكلام أنه لا يُقال إن أحدهما أي أحد المصلِّيَين أحدهما توضأ بماء والثاني لم يجد الماء فتيمم أنه لا يقال إن أحدهما أدَّى فرضه والآخر لم يؤدِّ فرضه، ولا يقال إن طهارة أحدهما أتَمُّ من الآخر من باب الإجزاء. قال الباجي: “وأما الكلام على الفضيلة فلم يتعرض له مالك”. إذًا حَمَل الباجي كلام مالك على الإجزاء وعلى الصحة، ولم يقل أي ولم يذكر ما يتعلق من حيث الأجر. فقال: إن هذا له مَبْحَث مُستقِل. نعم. أحسن الله إليك.
قال مالك في رجل جنب أنه يَتَيَمَّم ويقرأ حِزْبَه من القرآن ويَتَنَفَّل ما لم يجد الماء.
نعم، هذا فيه أن المتيمم يعمل جميع ما يفعله بطهارة الماء، جميع العبادات ومنها قراءة القرآن ومنها صلاة النافلة. نعم.
العمل في التيمم
حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع أنه أقبل هو وعبد الله ابن عمر رضي الله عنهما من من الجُرُف حتى إذا كانوا بالمِرْبَد نزل عبد الله فتيمم صعيدًا طيِّبًا فمسح فمسح بوجهه ويديه إلى المرفقين ثم صلَّى.
نعم، بدأ يتكلم مالك في هذا الباب عن صفة التيمم والعمل فيه. أول أثر فيه أن نافعًا أقبل هو وعبد الله ابن عمر من الجُرُف وعَرَفنا موضع الجُرُف أو الجَرْف كما ضَبَطه صاحب المصباح حتى إذا كانوا بالمِرْبَد. يدلنا على أن الجُرُف هنا من الجهة الجنوبية والمِرْبَد في الطريق، لأن المِرْبَد الآن مشهور عندنا في المدينة منطقة عَكْسِها من الجهة الجنوبية وليس من الجهة الشمالية. والمراد بالمِرْبَد هنا ما يُسمى بـمِرْبَد النَّعَم، وبعضهم يسميه الغنم، لأنهم كانوا يربطون فيه النعم. وقد كان قريبًا جدًا من بيوت المدينة حتى إن الذي يقف فيه يرى بيوتات المدينة. وهذا مُشكِل. فكيف أن ابن عمر رضي الله عنه تيمم مع أنه يرى بيوت المدينة ويمكنه أن يصل إليها؟ وُجِّهَ ذلك بتوجيه وعندي توجيه آخر لم أرَ من ذكره.
التوجيه الأول: ما ذكره محمد بن مسلمة النَّثري: تَيَمَّم عبد الله ابن عمر بالمِرْبَد هنا وهو في طرف المدينة، ولم ينتظر الماء، قال: “لأنه خاف وقت الاختيار”. هو قال: لأنه خاف الوقت، وبيَّن الشراح أنه خاف وقت الاختيار. فدل ذلك على أنه يجوز التيمم التيمم لإدراك وقت الاختيار. وهذه فيها فقه ربما يضيق الوقت عن بيانه.
هناك وجه آخر: وهو أن ابن عمر رضي الله عنه تيمم لا من باب رفع الحدث وذكرت هذا لما؟ لأنه قد جاء عند الدار قُطْنِيِّ رحمه الله تعالى أن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتيمم بموضع يقال له مِرْبَد نَعَم وهو يرى بيوت المدينة). فدل ذلك على أن النبي تيمم في هذا الموضع، فأراد ابن عمر رضي الله عنه أن يُحاكي فعله، أي أن يُحاكي فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يكن هناك حدث. وعلى العموم فهذا الأثر الذي جاء عند الدار قطني وإسناده حسَّنه بعض أهل العلم يدلنا على بيان هذا الموضع وقربه من المدينة. والأمر الثاني قد يكون من ابن عمر من باب (السنة) من باب رفع الحدث. نعم. أحسن الله إليك.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع أن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما كان يتيمم إلى المرفقين.
نعم، هذا الأثر فيه أن ابن عمر وكذا السابق كان يرى أن التيمم يكون إلى المرفق. والمرفق هو المفصل الذي يكون بين العَضُد وبين الذِّراع. وسنذكر مذهب مالك ثم أُعَلِّق عليه بعد قليل. نعم. نعم.
حدثنا القعنبي قال: سُئل مالك: التيمم وأين يبلغ منه؟ قال: يضرب ضَرْبة لوجهه وضَرْبة ليديه، ثم يمسحهما إلى المرفقين.
نعم، قول الإمام مالك في صفة التيمم فيه أمران:
الأمر الأول: أن مسح اليد يكون إلى المرفق. وهذا بناء على قول ابن عمر رضي الله عنه قياسًا على الوضوء وقياسًا على الوضوء. والحقيقة أن أصحاب الإمام مالك حَمَلوا كلام مالك هنا على الندب، فخالفوا وقول مالك. فالمعتمد في مذهب الإمام مالك أن الواجب إنما هو لمفصل الرُّسْغ وهو الكوع. وأما رفع المسح إلى المرفق فإنه مندوب وليس بواجب، كما هو في مختصر خليل وفي غيره. وأن الواجب إنما يكون إلى الكوع. والمحققون من أهل العلم كالشافعي وأحمد وغيرهم يقولون: بل إن الواجب إنما يكون إلى الرُّسْغ فقط. وقد جاء فيه خبر وهو الحجة في هذا الباب أنه يمسح في حديث عمار رضي الله عنه. والاستدلال بالآية إنما نقول: إن الآية مطلقة، وليست مُقيَّدة بالمرفق، بل إما أن تُمْسَح اليد كلها إلى مُنتهَى الكتف، الكتف فتكون اليد كاملة، وإما أن تجعلها تَصدُق على أقل ما تُسمى يد وهو الكف. وأما إلى المرفق فلا يصح. ولذلك فإن الصحابة أول ما نزل في الآية مسحوا إلى الإبط، ففَهِمُوا العموم والإطلاق في الآية. ومنهم من وصل إلى الرُّسْغ وهو الذي جاء به الحديث.
فالمسألة الثانية: هل التيمم له ضَرْبة أم ضَرْبتان؟ وَرَد حديثان وَرَد بالضَّرْبة ووَرَد بالضَّرْبتين. والمعتمد في مذهب الإمام مالك أن الواجب ضَرْبة واحدة. وأما الضربة الثانية فإنها مستحبة. وأما أحمد فقد نظر للحديث فقال: إنه يجوز الضَّرْبة والضَّرْبتان، وأكثر الأحاديث أنها ضَرْبة، فالمستحب أن تكون ضَرْبة واحدة ويجوز ضَرْبتان. إذًا الفرق بين مذهب أحمد ومالك أن الواجب واحدة اتفقا عليه، ولكن مالكًا يرى أن الضربة الثانية مستحبة وأحمد يرى أنها جائزة. أحسن الله إليك.
تيمم الجنب
حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الرحمن بن حَرْمَلة أن رجلًا سأل سعيد بن المسيب عن الجُنُب يتيمم ثم يُدرِك الماء. قال سعيد: إذا أدرك الماء فعليه الغسل.
نعم، هذا يدلنا على أن الجنب يغتسل (يتيمم) أن الجنب إذا لم يجد الماء فإنه يتيمم كَمَن عليه حدث أصغر. وهذا في القرآن. فإن الله عز وجل يقول: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ (النساء: 43). فقول الله عز وجل: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ﴾ إشارة للحدث الأصغر، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ إشارة للحدث الأكبر. ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. فدل على أن الحدث الأصغر والأكبر لمن لم يجد له أن يرفعهما بالتراب وهو التيمم. نعم. أحسن الله إليك.
قال مالك في مَن احتلم وهو في سفر فلم يَقْدِر إلا على قَدْر الوضوء وهو لا يعطش حتى يأتي الماء. قال: يغسل بذلك الماء فَرْجَه وما أصابه من ذلك الأذى، ثم يتيمم صعيدًا طيِّبًا كما أمره الله تعالى.
نعم، قول مالك في مَن احتلم وهو في سفر تعبيره في سفر هذا على سبيل الغالب. فتخصيص السفر في المسألة على الغالب؛ لأن الغالب إنما يُعدَم الماء في السفر، وليس على سبيل القيد. قال: فلم يَقْدِر إلا على قَدْر الوضوء. أي أن الماء لا يكفي تعميم بَدَنه. لأنه لو كفى تعميم بَدَنه لا يلزمه الوضوء؛ لأن الأصل يدخل في الأكبر. قال: وهو لا يعطش حتى يأتي الماء. مفهوم هذه الجملة أنه إن خاف العطش فإنه يتيمم عن عن الحدث وعن النجاسة معًا. قال مالك: يغسل بذلك الماء أي القليل فَرْجَه. هنا قدَّم الإمام مالك رحمه الله تعالى طهارة النجاسة على طهارة الحدث؛ لأن طهارة النجاسة عينية، وطهارة الحدث حكمية. وطهارة النجاسة إنما تزول بالماء. وأما طهارة الحدث فلها بَدَل وهو التيمم. وحينئذ إذا تعارض عند المرء طهارتان فأيهما يزيلها بالماء؟ طهارة النجاسة على بَدَنه؟ أم طهارة وضوئه وهو الحدث؟ نقول: يُقدِّم طهارة إزالة النجاسة وهو كما قال مالك. وهذا الذي يسميه أهل العلم معرفة درجات الأحكام. معرفة درجات الأحكام وقد عُنِي أصحاب مالك وأحمد كذلك ببيان هذه المسألة كثيرًا. قال: وما أصابه من الأذى. تعبيره: وما أصابه من من ذلك من الأذى يدل على أن المقصود النجاسة التي تكون على المحل، ومالك يرى أن المني نجس. قال: ثم يتيمم صعيدًا طيِّبًا كما أمر الله يعني قول الله عز وجل: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. نعم.
قال مالك في رجل جنب أراد أن يتيمم فلا يجد ترابًا إلا تراب سَبَخَة. هل يتيمم بالسباخ؟ وهل يُكرَه الصلاة في السباخ؟ قال: لا بأس بالصلاة في السباخ ولا ولا بالتيمم بها؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. فما كان صعيدًا فهو يُتَيَمَّم به سَبَاخًا كان أو غيره.
نعم، المراد بالسباخ معروف السِّبَاخ نسميها نَقلِبها صادًا أو صَبْخَة. وهي الأرض التي تكون ذات مِلح. والأرض التي ذات مِلح لا تكون مُنبِتَة. وكل أرض لا تكون مُنبِتَة وتكون فيها ملوحة تجدها غالبًا أرضًا بيضاء. فإنها في هذه الحالة تكون مُتماسِكة التربة. سُئل مالك: هل يصح التيمم في الأرض ذات السِّبَاخ أم لا؟ وهل يُكرَه الصلاة فيها؟ قال: لا بأس بالصلاة في السباخ. وهذا واضح. ولا بالتيمم بها أي يصح ولا يُكرَه ذلك. قال: إن الله قال: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. فما كان صعيدًا فهو يُتَيَمَّم به سَبَاخًا أو غيره. هذه الآية وهي قول الله عز وجل: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ معنى الصعيد فيه قولان لأهل اللغة والفقه معًا. أول هذين المعنيين هو ما ذهب إليه مالك ومَن وافقه من أهل العلم أن معنى الصعيد في هذه الآية هو كل ما علا على وجه الأرض. ولذلك قال الزجاج والخليل ابن أحمد الفراهيدي: “الصعيد هو ما علا على وجه الأرض”. ومنه قول الله عز وجل: ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ (الكهف: 40) أي عاليًا على وجهه. وذهب بعض علماء اللغة أن المراد بالصعيد هو التراب وجاء في ذلك أثر وهو قول تفسير ابن عباس رضي الله عنهما حينما قرأ هذه الآية قال: “الصعيد هو التراب”، وفي لفظ: “هو تراب الحَرْث”. وقد نقل الإمام الشافعي رحمه الله تعالى عن أهل اللغة أنهم يقولون إن الصعيد هو التراب، ليس كل ما صَعَد وإنما يقصدون به ذلك. وقد جاء فيه حديث عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه قال: (أطيب الصعيد هو تراب الحَرْث). ومعنى تراب الحَرْث أي الذي يُزرَع فيه الزرع والنبات، لأن السباخ لا يُزرَع فيها النبات، ومثلها الأرض ذات حجارة.
سبب الخلاف أو أثر الاختلاف في معنى الصعيد يتبين هل يصح التيمم على السباخ أم لا؟ فالشافعي وأحمد يرون أن السباخ لا يصح التيمم عليها. ويستدلون بالقرآن في موضعين: في معنى الصعيد وفي الآية الأخرى في قول الله عز وجل في المائدة: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ (المائدة: 6). ومِنْ تبعيضية، فلا بد من انتقال شيء منه أي من من الصعيد إلى مواضع التيمم التي يتمم عليها. الشيخ تقي الدين بيَّن القولين فقال: لا يجوز التيمم إلا على تراب، فإن لم يُوجَد جاز التيمم على السباخ. وهذا القول فيه جمع بين قولي أهل العلم: قول مالك وأصحابه وقول الشافعي وأحمد وأصحابه، ويكون بذلك اجتمعت الأدلة والقول بحمل القرآن على المعنيين أوجه، لكن نقول عند الحاجة أي عند فَقده.
بقي عنده هنا مسألة أخيرة قبل أن ننتقل، مسألة أخيرة: أن المصنف وهو الإمام مالك رحمه الله تعالى بوَّب للتيمم وتكلم عنه. والتيمم لنعلم أنه في القرآن أُتِيَ به للدلالة على المعنى اللغوي وهو القصد. فقول الله عز وجل: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ أي فاقصدوا صعيدًا. وإنما فقهاء رحمهم الله تعالى من الصحابة ومن بعدهم نقلوا هذا اللفظ لمعنى لمعنى شرعي، فأصبحت له حقيقة شرعية وهو رفع الحدث بالتراب ونحوه مما له غبار مع الخلاف ما له غبار وما ليس له غبار على صفة مخصوصة. فقط أردتك أن تعرف أن التيمم في القرآن ليس أُريد به المعنى الاصطلاحي وإنما المعنى اللغوي، بدليل تعليته للصعيد: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ ثم قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾. لو كان المعنى الشرعي لقال: تَيَمَّمُوا وانتهينا، ولم يكن بمعنى اقصد الصعيد. نعم.
ما يحل للرجل من امرأته حائضًا
حدثنا القعنبي عن مالك عن زيد ابن أسلم أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحل لي من من امرأتي وهي حائض؟ قال: (لِتَشُدَّ عليها إزارها ثم شأنُك بأعلاها).
نعم، هذا الحديث أو التبويب أولًا الحديث الذي بعده أورده الإمام مالك لـما يحل للرجل من امرأته وهي حائض. يقصد: ما يحل أي من الاستمتاع. وأما غيره من الخدمة والسلام وغيره لا شك في جوازه بإجماع أهل العلم.
العمدة في ذلك ما جاء من حديث جمع كـعائشة وغيرها، وأول حديث أورده حديث زيد ابن أسلم أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما يحل لامرأتي وهي حائض؟ قال: (لِتَشُدَّ عليها إزارها ثم شأنُك بأعلاها). أخذ الإمام مالك ومَن تَبِعه كالشافعي وكذا قال الإمام أبو حنيفة وغيرهم أن هذا الحديث يدل على أن المرأة يُحرَم مباشرتها فيما يستره الإزار، ويَحِل مباشرتها فيما دون الإزار وما يكون أعلاه. وما هو محل الإزار؟ قالوا: ما بين السُّرَّة إلى الرُّكبة. فلا يجوز الاستمتاع فيما دون ذلك. وما عداه فإنه يجوز لظاهر الحديث، لأنه قال عليه الصلاة والسلام: (لِتَشُدَّ عليها إزارها). قالوا: وهذا النهي إنما هو لسَدِّ الذريعة من النبي صلى الله عليه وسلم. وخالف في ذلك الإمام أحمد ووافقه محمد بن الحسن من أبي حنيفة وأَصْبَغ من أصحاب مالك فقالوا: إنه يَحْرُم الوطء في الفرج، وما عداه فإنه جائز. لكن الأولى مراعاة للخلاف أن يكون ما بين السرة إلى الركبة وهو محل الإزار، وحَمَلوا هذا الحديث على أنه من الكنايات. وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث ما يُصَرِّح به. نعم. (ما يُصَرِّح) يعني بقولهم إنه من الكنايات. نعم.
حدثنا القعنبي عن مالك عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن عائشة رضي الله عنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مُضاجِعَتُه بثوب واحد، وأنها وثبت وَثبة شديدة. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما لَكِ؟ لعلَّكِ نَفِسْتِ؟) يعني الحيضة. قالت: نعم. قال: (فَشُدِّي عليك إزارك ثم عودي إلى مَضْجَعِكِ).
نعم، هذا الحديث مثل السابق، لكن الإمام مالك قدَّم الحديث السابق على الثاني لأنه أصرَح في الدلالة. الأول: (لِتَشُدَّ عليها إزارها ثم شأنُك بأعلاها). وأما الثاني: فإن استنباط هذا الحكم منه إنما هو ظاهر. نعم.
حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع أن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما أرسل إلى عائشة رضي الله عنها يسألها: هل يباشر الرجل امرأته وهي حائض؟ فقالت: لِتَشُدَّ إزارها على أسفلها، ثم يباشرها إن شاء.
نعم، من فقه مالك أنه أورد أثر عائشة بعد حديثها. وهذا فيه المعنى الظاهر الذي أشرت إليه قبل قليل. نعم.
حدثنا القعنبي عن مالك أنه بلغه عن سالم ابن عبد الله وسليمان ابن يسار أنهما سُئلا عن حائض هل يُصيبها زوجها إذا رأت الطُّهر قبل أن تغتسل؟ قالا: حتى تغتسل.
نعم، هذا الأثر الذي نقله مالك عن سالم ابن عبد الله وسليمان ابن يسار وهما من كبار فقهاء المدينة من طبقة التابعين، أنهما سُئلا عن الحائض هل يُصيبها زوجها إذا رأت الطُّهر قبل أن تغتسل؟ قالا: حتى تغتسل. إنما أورد هذا لبيان أن ما أدركه عليه أهل أن ما أدرك عليه أهل المدينة أن المرأة الحائض لا يجوز وطؤها حتى تغتسل. وقد حكى الإمام إسحاق ابن إبراهيم ابن راهويه إجماع التابعين على أنه لا يجوز وطء المرأة الحائض حتى تغتسل بعد طهرها، وأنه لا يجوز وطؤها قبل الغسل. وفقهاؤنا رحمهم الله تعالى يقولون: كل الأحكام متعلقة بالاغتسال من الحيض إلا حكمين يجوز فعلهما قبل الاغتسال:
أولهما: الصوم. فيجوز للمرأة أن تصوم ولو لم تغتسل لحديث أبي هريرة أن لحديث عائشة رضي الله عنها وأبي هريرة كذلك أظن أن النبي صلى الله عليه وسلم كان صائمًا جنبًا. فدل على أن المرأة الحائض يصح أن تصوم وهي لم تغتسل بعد من طهارتها.
الأمر الثاني: الطلاق. فإن الطلاق يكون طلاق سُنَّة ولو لم تغتسل المرأة من حيضها.
والأمر الثالث: اختار القاضي أبو يعلى وحده وخالفه المعتمد وهو ما يتعلق بـقراءة القرآن، فإنه عَلَّق جواز قراءة القرآن على القول بمنع المرأة الحائض منه وهو قول أكثر أهل العلم عَلَّقَه باغتسالها من حيضها.
عندنا هنا المسألة الأخيرة في قول في قوله في السؤال: هل يُصيبها زوجها إذا رأت الطُّهر؟ هذه المسألة المشهورة عند أهل العلم بـعلامات الطُّهر؛ لأن الطُّهر لا يُرَى، لأن الطُّهر هو انقطاع الدم، ولكن له علامات. وسيأتي ذكر هذه العلامات في الباب الذي بعده.
طُهر الحائض
حدثنا القعنبي عن مالك عن علقمة ابن أبي علقمة عن أمه مولاة عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كان النساء يبعثن إلى عائشة رضي الله عنها بالدُّرْجَة من الكُرْسُف فيها الصُّفرة، فتقول: (لا تعجلن حتى تَرَين القَصَّة البيضاء) تريد بذلك الطُّهرَة من الحيضة.
نعم، هذا فيه أن النساء كُنَّ يبعثن إلى عائشة رضي الله عنها بالدُّرْجَة. طبعًا الدُّرْجَة هي الوعاء أو الخِرْقة التي توضع فيها الأشياء، قد تكون خِرْقة وقد تكون وعاء. وهذه الدُّرْجَة هكذا ضُبِطَت في موطأ الإمام مالك بالضم، وقيل كما ذكر ذلك ابن بطَّال: إن الحديث ينطقونها كسر الدال وفتح الراء الدِّرْجَة. ووَهِم أبو الوليد الباجي ففتح الدال والراء فقال الدَّرَجَة. وقالوا إن أبا الوليد لم يوافقه أحد من نَقَلَة الموطأ لم يوافق هو (لم يوافق) أبو الوليد لأنه من الشُّرَّاح وليس من الرواة أه إنه لم يوافق أبا الوليد لم يوافق أبو الوليد أحدًا من الرواة في ضَبْطِها هكذا الدَّرَجَة، وإنما هي الدُّرْجَة وهو المشهور في موطأ مالك. وبعض أصحاب الحديث ونُسِب لكثير منهم بالدِّرْجَة. قيل إنها جمع دُرْج أو مؤنثه دُرْجَة أو جمع دَرَج، وعلى العموم هو الوعاء الذي توضع فيه.
قوله: من الكُرْسُف. الكُرْسُف هو القطن. فكانوا يجمعن القطن الذي يَجعلنَه في موضع الأذى فَيُرِينَهُ عائشة رضي الله عنها. قال: فيها الصُّفرة. ألوان الدم عند أهل العلم أربعة أو خمسة؛ لأني سأتكلم عن خمس بعد قليل ما عدا الحنفية فإنهم يَجدون لونًا آخر. وهي السواد وتسمى السواد وهي الحُمرة القانية، والحُمرة وهي الحُمرة الفاتحة، والكُدْرة، والصُّفرة. هذه الألوان أربع عند عامة أهل العلم، أنها أربعة ألوان. هنا الصُّفرة التي هي من ألوان من ألوان الدم. فالمرأة ترى دمًا خفيفًا مختلطًا بسائر الرطوبات التي تخرج منها فيكون أصفر، فدل على أن الدم قليل الذي يخرج منها. فقولها: فيها الصُّفرة يدل على أن عائشة رضي الله عنها ترى أن الصُّفرة من الحيض وهو كذلك؛ لأنها من ألوان الحيض باتفاق. وأما الذي جاء من حديث أم عطية رضي الله عنها عند أبي داود وغيره: (لم نكن نَعُدُّ الكُدْرَة والصُّفرة شيئًا). فليس على إطلاقه. وإنما إن يكون بعد الحيض أو قبله، إما منفصلًا أو متصلًا. هي أربعة أحوال ذكرها ابن رجب. فإن كان في غير العادة فهو الذي فيه البحث. وأما إذا كانت الصُّفرة في مدة العادة فيكاد يكون لا نزاع بين أهل العلم أنه لون من ألوان الحيض، فلا يدخل في حديث أم عطية لأنها قالت: (بعد الطُّهر) وفي لفظ: (بعد الحيض) أي بعد انقضاء العادة. فتقول عائشة رضي الله عنها: (لا تعجلن) أي لا تعجلن بالحكم بالطهارة بالطهر (حتى تَرَين القَصَّة البيضاء).
ما هي القصة البيضاء؟ أهل العلم في تفسير القصة البيضاء وجهان: الأَشْهَر عند أهل العلم أن القصة هي خيط أبيض يخرج من المرأة. وذَكَر بعض الشُّرَّاح والفقهاء أن القصة البيضاء هي الجفاف. فحينئذ يَجعلون الجفاف والقصة البيضاء سواء. والمالكية يرون أن دماء الحيض خمسة: سواد وحمرة وكُدْرَة وصُفْرَة والقصة البيضاء. والجمهور يرون أن القصة البيضاء هي علامة طهر. فتكون من الطهر. إذًا الفرق: هل القصة هذه إذا خرجت هي طهر أم أنها نهاية الحيض؟ فالفرق لحظة أو يزيد أو شيء بسيط. إذًا هذا هو الفرق بين أصحاب مالك وبين الجمهور في معرفة القصة البيضاء.
بما تعرف المرأة انقضاء طهرها وعلامته إذا رأت الطُّهر؟ نقول: تعرف المرأة طهرها بأمور منها:
أولها: أن ترى القَصَّة البيضاء لحديث عائشة رضي الله عنها: (لا تعجلن حتى تَرَين القَصَّة البيضاء). وهل القصة البيضاء طهر أم أنها آخر الحيض؟ ذكرت لك الخلاف.
الأمر الثاني: أن ترى المرأة الجفاف وسيأتي الدليل عليه بعد قليل. الجفاف بمعنى انقطاع الدم.
الأمر الثالث: أن تكون المرأة مُعتادَة. فتعمل بعادتها فتعمل بعادتها. وسيأتي أيضًا حديثها.
الأمر الرابع: أن يُجاوِز الدم أكثر مدته تعمل بأكثر الحيض وهو عند الجمهور خمسة عشر يومًا.
الأمر الخامس: أن تكون مُتَحَيِّرة فتعمل بحديث حَمْنَة وتأخذ غالب الحيض ست أو سبعة أيام.
لا تخرج المرأة عن هذه الأمور الخمس: الأولى والثانية للمميزة، والثالثة للمعتادة التي خالفت التمييز، والرابعة والخامسة للمتحيرة التي لا تمييز لها. لا يُعرَف علامة الطهر غالبًا إلا بهذه الخمس. تفضل شيخ. أحسن الله إليك.
حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله ابن أبي بكر عن عمته عن ابنة زيد ابن ثابت أنه أنه بَلَغَها أن النساء كُنَّ يَدْعُونَ بالمصابيح من جوف الليل لِيَنْظُرْنَ إلى الطُّهر، فكانت تَعِيب ذلك عليهن وتقول: (وما كان النساء يَصْنَعْن هذا).
نعم، هذا الأثر عن ابنة زيد أنها بَلَغَها أن النساء كُنَّ يَدْعُونَ بالمصابيح من جوف الليل أي في نصف الليل لِيَنْظُرْنَ إلى الطُّهر تنظر في الكُرْسُف الذي تَجعلُه في موضع الأذى وهو القطن. هل هل رَأَيْن علامة الطُّهر الجفاف أو رَأَيْن القصة البيضاء أم لا؟ قال: فكانت ابنة زيد تَعِيب ذلك عليهن وتقول: (ما كان النساء يَصْنَعْن ذلك) أي هذا من التَّشَدُّد. ما الذي قَصَدَته ابنة زيد؟ ذَكَر كثير من شُرَّاح الموطأ كابن عبد البر والباجي وغيرهم أن الذي عابته عليهن هو التَّكَلُّف، وذلك أنهن كُنَّ يقُمن في الليل أكثر من مرة قبل وقت صلاة الفجر فَيَنظُرْن، ثم فَيُوقِدْنَ السُّرُج والمصابيح فَيَنظُرْن ثم يَرجِعن. ولم يكن ذلك الوقت وقت صلاة صلاة الفجر. ولم يكن فِعْلُهن هذا لأجل صلاة الليل. ألم يكن يقصدن صلاة الليل؟ فحينئذ يكون فيه تكلُّف، هذا الذي نَقَلوه. وقد نَقَل بعض المتأخرين المُحَقِّقِين وهو ابن رجب أن الذي قاله شُرَّاح الموطأ فيه نظر. وذلك أن أن نظر النساء في الليل فيه فائدة متعلقة بالواجب وهو صلاة العشاء. هل تَجِب عليهن صلاة العشاء أم لم تَجِب؟ ولذلك ذَكَر ابن رجب أن هذا الوقت وهو جوف الليل هو وقت صلاة العشاء ففيه مصلحة واجبة وإن كُنَّ لا يَقُمْن الليل. قال: “وإنما أنكرت بنت زيد النظر في لون الدم“. وأن مدة العادة يُحكَم فيها بأن جميع ألوان الدم الأربعة التي ذكرت لكم بأن جميع ألوان الدم وجميع ما تراه المرأة يكون دم حيض. وإن اختلفت ألوانه. فلا تنظروا في الألوان فكلها حيض ما دمت في العادة. قال ابن رجب: “وهذا أقرب ولتبويب البخاري وتبويب الإمام مالك”. وهذا هو الظاهر. وقد شرحت لكم قبل قليل أن الألوان أربعة وكل ما تراه المرأة في أثناء عادتها التي اعتادتها من الألوان الأربعة سواء كان قويًا وهو السواد ثم الحُمرة ثم الكُدْرَة وأضعفها الصُّفرة فإنه يكون حيضًا ما دام في العادة. وهذا أقرب لفقه مالك أولى مما ذكره الباجي وابن عبد البر. نعم. أحسن الله إليك.
حدثنا القعنبي قال: سُئل مالك عن الحائض تَطهُر ولا تجد ماء؟ قال: لِتَتَيَمَّم. وإنما مَثَلُها مَثَلُ الجُنُب إذا لم يجد ماء تَيَمَّم.
نعم، واضح.
جامع الحيضة
حدثنا القعنبي عن مالك أنه بَلَغَهُ عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت في امرأة الحامل ترى الدم: (إنها تَدَعُ الصلاة).
نعم، هذا الحديث هذا من بَلاغات الإمام مالك وسيأتينا إن شاء الله كلام مُستقِل عن بلاغات الإمام مالك. ولم أقف -ولا شك أنه قصور بحث مني- على إسناد هذا الحديث من طريق مالك في الموطآت. ولكن أسند هذا الحديث البيهقي في السنن وغيره. وفائدة إسناد هذا الحديث فقهًا سيأتي بعد قليل. فيه أن عائشة رضي الله عنها قالت: المرأة الحامل ترى الدم قالت: (تَدَعُ الصلاة). عائشة رضي الله عنها في هذا الحديث ترى أن المرأة الحامل تَحِيض.
أكمل الحديث فقط بعد الأذان ثم أقف.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك أنه سأل ابن شهاب عن المرأة الحامل ترى الدم. قال: (تَكُفُّ عن الصلاة). قال مالك: (وذلك الأمر عندنا).
حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أُرجِّل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حائض).
حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع أن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما كان يَغسِلُ جَواريه رِجْلَيْه وهُنَّ حِيضٌ ويُعْطِينَهُ الخُمْرَة.
نعم، هذا الجامع ذكر فيه مالك رحمه الله تعالى عددًا من الأحكام:
أول هذه الأحكام: ما يتعلق بـحيض المرأة الحامل. هل تَحِيض أم لا؟ ومذهب مالك والشافعي ووافقهما الشيخ تقي الدين أن المرأة الحامل تَحِيض. والحجة فيه ما جاء عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: المرأة الحامل ترى الدم فَتَدَعُ الصلاة. فنَصَّت عائشة رضي الله عنها على ذلك. ولكن الحقيقة أن قول عائشة هذا فيه إشكالان:
الإشكال الأول: أنه قد اختلف عن عائشة رضي الله عنها في الحامل هل تَحِيض أم لا؟ وقد نَقَل ابن عبد البر الاختلاف عن عائشة في هذه المسألة.
الأمر الثاني: أن الإمام أحمد أَعَلَّ هذا الحديث. وقد نَقَلَه مالك وقلت لكم: إن الذي أسنده إنما هو البيهقي، فقد أسنده البيهقي من طريق يحيى بن سعيد عن اه عمرة عن عائشة رضي الله عنها. قال الإمام أحمد: “لم يسمع يحيى هذا الحديث من عمرة”. فَضَعَّف الإمام أحمد هذا الخبر والأثر عن عائشة. ومحمد (أحمد) من الناس كما قال ابن ماكولا والسمعاني وغيرهم من أعلم الناس بآثار صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقهًا وإسنادًا. فأعَلَّ هذا الحديث، قال: “وأذهب لظاهر الحديث الآخر أن الحامل لا تَحِيض“. وهو حديث ابن عمر في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نهاه عن طلاق الحائض قال: (ثم ليُطلِّقْها حاملًا أو حائلًا). فدل على أنها لا تَحِيض، لأنه نهاه عن طلاقها حائضًا وأذِن له بطلاقها حاملًا. دل على أنها لا تَحِيض.
المسألة الثانية: حديث القعنبي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: (كنت أُرجِّل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم). هذا الحديث رواه القعنبي عن مالك عن هشام بن عروة ورواه قتيبة بن سعيد عن مالك عن الزهري عن عروة. فرواه بعض الرواة عن الزهري وبعضهم رواه عن هشام ابن عروة. وجَمَع بين الراويين ابن القاسم وعبد الله بن وهب وغيرهم. فَدَلَّ فَدَلَلَ (فَدَلَّ) ذلك على أن مالكًا في بعض رواياته للموطأ يرويه تارة بأحد السندين وتارة بالسند الآخر وتارة يَجمَع بين السندين. فقد يكون مالكًا قد نَشِط أحيانًا وقد يكون قد لم يَنشَط له في رواية أخرى. وليس ذلك دالًا على أنه ترك أحد اللفظين الآخر. قولها رضي الله عنها: (كنت أُرجِّل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم) ذكر الجوهري في المسند وغيره أن معنى أُرجِّل: يعني أن تَبُلَّ شَعَر النبي صلى الله عليه وسلم بشيء كماء أو دُهْن وغيره ثم تُمَشِّطَه. وقوله: (وأنا حائض) يدلنا على أن الحائض يجوز لها فِعْلُ ذلك. وفي هذا الحديث زيادة في غير الموطأ: تُرَجِّل شَعَر النبي صلى الله عليه وسلم وهو مُعتَكِف. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُخرِج رأسه لها رضي الله عنها أو أنها تُدخِل بعض جسدها كيديها لرأس النبي صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد. حينئذ نقول فيه دليل إما إخراج بعض المعتكف بعض جسده لا يُبطِل اعتكافه، أو أن الحائض يجوز أن يُدخَل بعض جسدها للمسجد. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن حَيْضَتَكِ ليست بِيَدِكِ). بعضهم يقول: إن بِيَدِكِ هذه ليست يا (في) حَيْضَة فيكون العضو يجوز لها أن تَمُرَّ به. ان أن تَمُرَّ. وبعضهم يقول: إنه ليس بِيَدِكِ أي ليس باختيارك فيجوز لك المرور. وأخذ بعض أهل العلم كابن قاضي الجبل ومرَّ على هذه المسألة في درس الفقه أنه يجوز للحائض الدخول إذا توضأت. هذه مسألة أخرى لا أريد ذِكرَها.
وآخر خبر في الباب قول القعنبي عن مالك عن ابن عمر أن عمر كان يَغسِلُ جَواريه رِجْلَيْه وهُنَّ حِيضٌ ويُعْطِينَهُ الخُمْرَة. نعم. هنا إذا كان طبعًا فاعل ومفعول ولم يُعرَف أيهما (بعلامة)، لأنه كله مخفوض فيجب تقديم الفاعل على المفضول. فالفاعل هو الجَوارِي والرِّجْلَيْن هي المفعول. يَغسِلُ جَواريه رِجْلَيْه وهُنَّ حِيضٌ ويُعْطِينَهُ الخُمْرَة. فدل على أنه يجوز السلام على الحائض وعدم الامتناع أي شيء منها بسبب حيضها. كان وِدُّنا أن نُكمل هذا الباب، لكن لعلنا نقف عند هذا القدر، ونُكمل إن شاء الله عز وجل في يوم آخر. وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.