الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فاللهم اغفر لنا ولشيخنا ولوالديه وللحاضرين ولعموم المسلمين. وبإسنادكم حفظكم الله تعالى قال:
📖 باب الصحابة
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: قالت فاطمة بنت أبي حُبَيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله إني لا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصلاة؟ فقال: (إنما ذلك عِرْق وليس بالحيضة، فإذا أقبلت فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قَدْرُها فاغسلي الدم عنك وصلي).
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. ثم أما بعد:
فهذا هو لقاؤنا الرابع في قراءة كتاب “الموطأ” للإمام الجليل مالك بن أنس الأصبحي، إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى. وكتاب الموطأ للإمام مالك رحمه الله تعالى حُدِّث به بطرق متعددة وسنوات كثيرة، ورواه عنه جمع كبير. وعندنا في هذا اللقاء سأذكر مسألتين. أولى هاتين المسألتين أن مالكًا إنما كان يحدث بـ**”الموطأ”** بأحد ثلاثة طرق:
- إما أن يقرأه مالك بنفسه.
- وإما أن يقرأه قارئه وكاتبه، وغالبًا ما يكون حبيب بن أبي حبيب.
- وإما أن يقرأ أحد الرواة غير الكاتب “الموطأ” على مالك.
ولا يُعلَم أن مالكًا رحمه الله تعالى نُقِل عنه “الموطأ” بالمناولة. ولم يُنقَل عنه كذلك بالإجازة. وإنما نُقِل عنه بواحد من طرق التلقي هذه الثلاث. وقد روى “الموطأ” عن الإمام مالك رحمه الله تعالى جَمٌّ كبير من أهل العلم، أوصلهم القاضي عياض إلى نحو من خمسين راوٍ لـ**”الموطأ”. وهؤلاء ليسوا كل الرواة عن مالك، وإنما هم رواة “الموطأ”؛ إذ تلاميذ مالك أكثر من ذلك بكثير. ثم جمعهم بعد القاضي عياض جمع، ومن أشمل من جمعهم ابن ناصر الدين في “اتحاد السالك”، فأوصلهم إلى نحو من مائة راوٍ رووا “الموطأ” عن الإمام مالك. ولكن أغلب هذه النسخ لم تصلنا روايةً ولا نسخًا؛ ولذلك فإن ابن حجر العسقلاني قد نص على انقطاع الرواية من طريق الإمام الشافعي عن مالك لـ“الموطأ”**، وإن ثبتت الرواية عنه من غير “الموطأ” في كتب الشافعي. وقد ذكر الذين جمعوا “الموطأ” أن النسخ التي وصلت في عصر متقدم إنما هي بين العشرين والثلاثين نسخة فقط. ذكر ذلك القاضي عياض، فقد ذكر أن النسخ التي وصلت روايتها أو نُقِل عنها من عُنِيَ باختلاف “الموطآت” إنما تبلغ نحوًا من عشرين أو ثلاثين. والجوهري في “مسند الموطأ” رجع لاثني عشرة نسخة فقط، ونحو ذلك رجع إليه الدارقطني في “اختلاف الموطأ” كذلك.
وأما النسخ التي وصلتنا في هذا الزمان، فهي لا تكاد تبلغ ثمانيًا تقريبًا، بعضها تام وبعضها ناقص. فأشهرها:
- رواية يحيى بن يحيى الليثي الأندلسي المصمودي. وهذه نسخها أكثر من أن تُعَدَّ.
- ثم يليها في الكثرة في عدد النسخ رواية محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة الإمام.
- ثم كذلك مما وصلنا من نسخ “الموطأ” الكاملة نسخة سويد بن سعيد الحدثاني الهروي.
- ومن النسخ الصحيحة كذلك رواية أبي مصعب الزهري المدني. وهي كاملة.
- وكذلك نسخة القعنبي التي بين أيدينا ونقرأ فيها، أو روايته تسمى نسخة القعنبي أو رواية القعنبي والمعنى واحد.
- ومما وصلنا كذلك وإن كانت ناقصة رواية علي بن زياد. وهي ناقصة.
- وكذلك رواية ابن القاسم عبد الرحمن بن القاسم المصري. وهي ناقصة كذلك.
- ووصلنا بعض رواية عبد الله بن وهب المصري كذلك. وهي كذلك تعد ناقصة كذلك.
- ومما وصلنا كذلك من النسخ رواية يحيى بن بُكَير المصري. ولها نسخة وأظنها كاملة ولم تُخرَج بعد بالطباعة، لكنها أظنها كاملة، وربما كان فيها بعض السقط.
وعلى العموم، فهذه النسخ كلها بعضها يفضُل بعضًا في بعض المسائل، لكني سأذكر فرقًا واحدًا، وسيأتي إشارة لبعض الفروق في دروس قادمة. فقد ذكر العلائي أن أكثر روايات “الموطأ” أحاديثَ هي رواية القعنبي. رواية القعنبي عن مالك هي أكثر الروايات عن مالك حديثًا كما قال ذلك العلائي. نعم. ابن حزم ذكر أنها رواية أبو مصعب الزهري، وربما لم يقف على رواية القعنبي. وأما ما حكاه العلائي فهو الجزم بأن أكثرها أحاديث هي رواية القعنبي، إضافة لما تقدم من الإشارة لدقته وتوثيقه.
توقفنا في الدرس الماضي عند قول الإمام مالك “باب المستحاضة”. والمراد بالمرأة المستحاضة: هي التي يستمر بها الدم عن دم الطبيعة ويزيد عليه؛ إذ دم الحيض هو دم جِبلَّة وطبيعة، وأما دم الاستحاضة فهو دم مرض يخرج من المرأة لعارض. وأول حديث أورده مالك هو العمدة في الباب، وهو حديث هشام بن عروة عن أبيه أن عائشة قالت: قالت فاطمة بنت أبي حُبَيش، وكانت فاطمة رضي الله عنها إحدى النساء الأربع اللاتي كُنَّ يستَحَضْن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونُقِلَ الحديثُ الخبرَ بأنهن من المستحاضات. قالت: يا رسول الله إني لا أطهر. تعبيرها بقولها: لا أطهر، يعني أنه يستمر الدم بها، وليس المراد بقولها: لا أطهر الحكم الشرعي، وإنما المراد المعنى اللغوي بمعنى أنه لا ينقطع دمها. أفأدع الصلاة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: (إنما ذلك عِرْق وليس بالحيضة). فدل على أنه ليس كل دم يُحكَم بأنه حيض، بل إن بعضه حيض وبعضه استحاضة. قال عليه الصلاة والسلام: (فإذا أقبلت فاتركي الصلاة، وإذا ذهب قَدْرُها فاغسلي الدم عنك وصلي). هذا الحديث قلت لكم إنه عند…
وأول هذه المسائل الفقه في هذا الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: (فإذا ذهب قَدْرُها فاغسلي الدم عنك). اختلفت الرواية عن هشام بن عروة عن أبيه في لفظ هذا الحديث، فجاء: إذا ذهب قَدْرُها، وجاء: إذا ذهبت حَيضَتُك. وقد رجح الإمام أحمد، وهو ظاهر ما رجحه مالك، تلك اللفظة: إذا ذهب قَدْرُها. والتفريق بين اللفظتين طبعًا رجحه أحمد؛ لأن أكثر الرواة عن عروة وعن هشام يقولون: إذا ذهب قَدْرُها. وثمرة التفريق بين اللفظين، بين لفظة: إذا ذهبت حَيضَتُك و: إذا ذهب قَدْرُها، المسألة المشهورة فقهًا والكثيرة عند النساء وهي: إذا تعارضت العادة مع التمييز، فأيهما يُقدَّم؟ فإذا كانت المرأة لها عادة بأن اعتادت عددًا في أيام حيضتها، كستة أيام مثلًا، ثم إنها في شهر من الشهور زادت عادتها أو زاد الدم الذي يخرج منها عن عادتها بنفس صفات الحيض، فحينئذ تعارضت العادة في الأشهر الماضية مع التمييز؛ لأن صفات الحيض موجودة، فأيهما يُقدَّم؟ فذهب مالك وأحمد إلى تقديم العادة عملًا بهذا الحديث: (فإذا ذهب قَدْرُها). فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا ذهب قَدْرُها) يعني العادة. ومن ذهب إلى تقديم التمييز كالشافعي رجح الرواية الأخرى وهي: إذا ذهبت حَيضَتُك، فجعل العبرة بالتمييز وهي الحيضة. ولكن أكثر الرواة إنما نقلوها بـالقدر، إضافة لما يؤيد ذلك من المعاني التي تناسب ذلك. وبناء على ذلك، فهذا أصل لمسألة من أهم أصول النساء؛ لأن النساء إما أن تكون:
- مُعتادة ومُميِّزة.
- مُعتادة أو غير مُعتادة.
- أو مُميِّزة أو غير مُميِّزة.
- وإما أن تكون فاقدة للعادة والتمييز، فحينئذ نُسميها مُتَحَيِّرة.
وقوله عليه الصلاة والسلام: (فاغسلي الدم عنك)، هذه الجملة الثانية فيها من الفقه: وجوب غسل الدم دم الحيض، وإن كان دم الاستحاضة مستمرًا. لأننا حيث حكمنا أن الدم المستمر بعضه حيض وبعضه استحاضة، فحيث حُكِمَ بأن الحيض قد انقطع حُكمًا، فيجب غسله لظاهر الحديث. فحينئذ نقول: حيث حكمنا بانقطاع الحيض حكمًا، فيجب أمران: أن تغسل الدم وأن تغتسل. فيجتمع الأمران معًا وجوبًا على المرأة. وقد جاء في بعض ألفاظ الحديث بدلًا من: تغسلي الدم، فاغتسلي. فدل على وجوب الأمرين. وهذا مُجمَع عليه، وهو الاغتسال. فيلزمها الاغتسال وغسل الدم.
وقوله عليه الصلاة والسلام: (وصلي) أي حُكِم بطهارتك حينئذ.
والمسألة الأخيرة في هذا الحديث أنه جاء زيادة في هذا الحديث جاءت عند البخاري وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في آخر هذا الحديث: (وتوضئي لكل صلاة). وهذه الزيادة لم يُرِدْها مالك وكذا مسلم وجماعة من أهل العلم؛ لأن من أهل العلم من أعَلَّ هذه الزيادة. وبناء على ذلك يترتب حكم وهو: أن المستحاضة هل يلزمها أن تتوضأ لكل صلاة أم لا؟ فمن حكم بصحة الزيادة كأحمد وغيره والشافعي، فإنهم يقولون: يلزمها. يلزم المستحاضة أن تتوضأ لكل صلاة ما دام الدم يخرج منها، ويأخذ حكم المستحاضة كل من كان حدثه دائم كمن به سلس بول أو استطلاق ريح ونحو ذلك. ومن لم يُصحِّح هذه الزيادة كمالك فإنه يقول: إن الوضوء لكل صلاة للمستحاضة ولمن كان حدثه دائم مُستحب وليس بواجب؛ لأن الحديث قصَّر عن الأمر بها. وزيادة: (واغتسلي لكل صلاة) يُعِلُّها بعض أهل العلم، وقول مالك هي رواية أخرى عن أحمد ذهب إليها الشيخ تقي الدين.
إذًا، هذا الحديث فيه أصل لمسألتين، مرجع الخلاف في هاتين المسألتين لألفاظ هذا الحديث في قوله: (إذا ذهب قَدْرُها) وفي الزيادة في قوله عليه الصلاة والسلام: (وتوضئي لكل صلاة). نعم.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن سليمان بن يسار أن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها: أن امرأة كانت تُهَراق الدماء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قَدْرَ ذلك من الشهر، فإذا خَلَّفَتْ ذلك فلتغتسل، ثم تستثفر بثوب ثم لتُصَلِّ). نعم.
هذا حديث مالك عن نافع عن سليمان بن يسار عن أم سلمة رضي الله عنها. وهذا الحديث فيه أن سليمان بن يسار لم يُصرِّح بالسماع من أم سلمة. وقد ذكر أبو القاسم الجوهري في “المسند” أنه قيل: إن سليمان بن يسار لم يسمع هذا الحديث من أم سلمة، وإنما رواه عن رجل عنها. وقد جزم بما ذكر في ذلك ابن رجب، وأن هذا الحديث ليس مُتصِلًا وإنما فيه سَقْط في إسناده.
في هذا الحديث: أن امرأة كانت تُهَراق الدماء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيض من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها). قوله: (لتنظر عدد الأيام والليالي)، هذا يدل على اعتبار العادة. فهو عليه الصلاة والسلام نظر لعادتها قبل ذلك. قال: (فلتترك الصلاة قَدْرَ ذلك). أي قَدْر تلك العادة من الشهر. وقوله عليه الصلاة والسلام: (من الشهر)، المراد بالشهر هنا والشهر القمري الذي يكون تسعة وعشرين أو يكون ثلاثين يومًا. ولذلك قال العلماء: إن غالب الحيض ست أو سبعة أيام، وغالب الطهر بقية الشهر، فيكون مترددًا بين ثلاث وعشرين وبين أربع وعشرين يومًا. المقصود من هذا: أن تعبير النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: (من الشهر) يُفيدنا ما يتعلق بحساب غالب الحيض وغالب الطهر معًا، وأنها مقدرة بالشهر الواحد. وهذه مسألة مشهورة فيما في المرأة التي يُحكَم بانقضاء حيضها بانقضاء غالب حيض النساء.
وقوله عليه الصلاة والسلام: (فإذا خَلَّفَتْ ذلك) يعني خَلَّفَت الأيام التي حُكِم فيها بأن حيضها قد انقضى فيه. (فلتغتسل، ثم تستثفر بثوب) أي تُغطِّي موضع خروج الدم بثوب، (ثم لتُصَلِّ). بعد.
هذا الحديث يشمل صورتين: فيما إذا كانت المرأة مُعتادة ولا تمييز عندها. وقد يُقال بعمومه فيما لو كانت المرأة مُعتادة مُميِّزة. وحديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة المتقدم صريح في تعارض العادة مع التمييز، وتقديم العادة على التمييز في المستحاضة. نعم.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة: أنها رأت زينب بنت جحش التي كانت عند عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، وكانت تُستَحاض، فكانت تغتسل وتصلي. نعم.
هذا حديث القعنبي رواه عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة أنها رأت زينب بنت جحش. وزينب بنت جحش رضي الله عنها هي وأختها كُنَّ من المستحاضات رضوان الله عليهن.
قول مالك في هذا الحديث: أنها رأت زينب بنت جحش هكذا رواه جميع رواة “الموطأ” عن الإمام مالك، أن زينب بنت أم سلمة رأت زينب بنت جحش التي كانت عند عبد الرحمن بن عوف. وهذا محل إشكال؛ لأن زينب بنت جحش رضي الله عنها هي زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وليست زوج عبد الرحمن بن عوف، والتي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف إنما هي حَبِيبة، وهي مستحاضة كذلك، وليست هي زينب. وقد ذُكِرَ أن الوهم في هذه اللفظة إنما هو من مالك رحمه الله تعالى. ولذا اتفق الرواة عن مالك بذكر هذا الاسم وهو زينب. وقد عَدَّلَه بعض الرواة عن عبد الله بن مسلمة بن قعنب، النسخة التي بين أيدينا، فنقلها بعض الرواة كما نقله الجوهري: أنها رأت ابنة جحش، فأسقط زينب. وهذا مبني على ما يراه علماء الحديث من أن الراوي يُعَدِّل نُسْخَتَهُ بتعديل لا يكون مؤثِّرًا في الرواية. ومنه ذلك إذا وُجِدَ خطأ فيعدله بما لا يكون خطأ في الرواية، لم يُغيِّر الاسم وإنما أسقط وأبهم اسم المرأة وأبقى نسبتها لأبيها.
هذا الحديث في قوله عليه الصلاة والسلام أو في قول زينب بنت أم سلمة أنها كانت تُستَحاض، فكانت تغتسل وتصلي. فقولها: كانت تغتسل وتصلي، يدلنا على أن بنت جحش رضي الله عنها كانت تغتسل بعد انقطاع حيضتها. وإذا قال الشراح إن معنى قوله: كانت تغتسل، تحتمل معنيين:
- المعنى الأول: أنها تغتسل عند انقطاع الحيض. وهذا واجب باتفاق أهل العلم.
- والمعنى الثاني: أنها تغتسل عند كل صلاة. واغتسال المستحاضة لكل صلاة إنما هو مُستحب. وقد جاء عن الزهري ما يدل على ذلك وليس بواجب عند عامة أهل العلم، وإنما يوجب أهل العلم الوضوء كما تقدم معنا خلافًا لمالك.
وأما الاغتسال فهو مستحب. لذلك يقول مالك في مسألة الاغتسال لكل صلاة: “وذلك واسع عندي، إما أن تغتسل أو لا تغتسل”. فدل على استحبابه. نعم.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر: أنها قالت: سألت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، أرأيت إذا أصاب ثوبَها الدمُ من الحيض كيف تصنع؟ قال: (إذا أصاب ثوبَ إحداكنَّ الدمُ من الحيضة فلتقرُصْه، ثم لتنضحْه بالماء). نعم.
هذا الحديث فيه بيان كيفية تطهير دم الحيض. ودم الحيض هو أشد أنواع الدماء نجاسة لكونه خارجًا من مَخْرَج كل ما خرج منه يكون نجسًا، وانعقاد الإجماع عليه وعلى غيره كذلك من الدماء. هذا الحديث بيَّن لنا النبي صلى الله عليه وسلم كيف يكون تطهير دم الحيض إذا وقع على الثوب ونحوه. فقال عليه الصلاة والسلام: (إذا أصاب ثوبَ إحداكنَّ الدمُ من الحيضة). فقوله: (من الحيضة) هذا وصف لا مفهوم له، سيشمل ذلك دم الحيض وغيره من الدماء، بل هو شامل لكل النجاسات. قال عليه الصلاة والسلام: (فلتقرُصْه). قوله: (فلتقرُصْه) مأخوذ من القرص بالأصابع، وهو الفَرْك والحَتُّ. ومعنى ذلك أن من أراد أن يُزيل نجاسة فليَحُكَّ النجاسة بيده أو يَفْرُك الثوب بعضه ببعض. قال: (ثم لتنضحْه بالماء). مر معنا أن النَّضْح له معنيان:
- معنى يكون فيه مرادفًا للغسل، ومنه هذا الحديث، فإن المراد بالنضح هنا الغسل وهو الإسالة. ولذلك قال الأزهري في “الاقتضاب” إن النضح في لسان العرب يراد به الغسل وهذا منه.
- والمعنى الثاني للنضح: أن يكون النضح في مقابل الغسل، وهو إمرار الماء على المحل دون إسالة، فيكون رشًّا كما عبَّر أحمد.
والنضح تقدم معنا أنه يكون في بول الغلام دون الجارية الذي لم يأكل الطعام، ويكون كذلك عند بعض أهل العلم في المَذْي، ويكون في المستنكِح، وتكلمنا عن هذه الصور الثلاث قبل ذلك. هذا في النضح الذي يكون في مقابل الغسل أي أنه في معنى قسيم للغسل. وأما المعنى الآخر الذي ورد به الحديث، فالغسل هو الإسالة، فلابد من الإسالة.
وبناء على ذلك، فإننا نقول: إن النجاسة كانت دمًا أو غيره، دم الحيض أو من غير دم الحيض، فإنها تزول بزوال عينها. فإذا زالت بزوال عينها بالماء، فإنها حينئذ تكون قد طهُرَتْ بالإجماع. فإذا لم تَبْقَ النجاسة ولم يَبْقَ أثرها وهو اللون أو الرائحة، وكانت الإزالة بالماء، فإن إجماع أهل العلم مُنعقد على طهارتها، أي طهارة المحل وهو الثوب ونحوه حينذاك.
بقي عندنا صورتان:
- إذا ذهب عينها وأثرها وهو الرائحة واللون بغير الماء. فلأهل العلم في هذه المسألة قولان، والأقرب من القولين الذي يقتضيه حاجة الناس في زماننا أن نقول: إنها تطهُر. وهذا هو الرواية الثانية عن أحمد أنها تطهُر. وعمل الناس في كثير من الأحيان على ذلك، حتى في أماكن كثيرة، فإنها قد تُزال بمُطهِّرات وليست ماء، فدل ذلك على أنها تطهُر بما يُزيل لونها ورائحتها ولا يُبقي لها أثرًا.
- المسألة الثانية: ما الذي يُعفَى عنه من أثر النجاسة؟ نقول: الذي يُعفَى عنه من أثر النجاسة ما بَقِيَ بعد اجتماع أمرين: بعد غسله بالماء دون غيره من المُنظِّفات، وبعد حَتِّه أو قَرْصِه. ولذلك جاء في هذا الحديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأمرين، وهو القَرْص وهو الحَتُّ ونحوه، والنضح وهو الغسل بالماء. فإذا اجتمع هذان الأمران بثوب ونحوه، فبَقِيَ من أثر النجاسة لون أو رائحة لا تزول، فإنه معفوٌّ عنه. ولذلك جاء في بعض ألفاظ الحديث: (ولا يَضُرُّك أثَرُه). إذًا، متى يُعفَى عن أثر النجاسة؟ إذا وُجِدَ أمران: أحدهما الغسل بالماء وهو الإسالة، والثاني هو القَرْص أو الحَتُّ أو ما يقوم مقامه. وبناء على ذلك، فلا يَلزَم جَعْل مُنظِّف ولا يَلزَم جَعْل أُشْنان ولا صابون ولا غيره. إذًا فالتطهير يكون بثلاثة أمور ذكرتها لك قبل قليل. الأول مجمع عليه، والثاني فيه خلاف والعمل على التطهير به، والثالث هو الذي ورد بهذا الحديث وهو التطهير حُكمًا حيث بَقِيَ أثر النجاسة وقد ورد به النص. نعم.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه: أنه قال: ليس على المستحاضة أن تغتسل إلا غُسلًا واحدًا، ثم تتوضأ بعد ذلك للصلاة. نعم.
هذا الأثر عن عروة فيه أنه قال: ليس على المستحاضة أن تغتسل إلا غُسلًا واحدًا. يدل على أن قول عروة، وقد سكت مالك عنه وهو يذهب لقوله، أنه لا يجب على المستحاضة أن تغتسل لكل صلاة، وهو كذلك عند أكثر أهل العلم أنه لا يجب.
قال: ثم تتوضأ بعد ذلك للصلاة. هذا القول عروة في الجملة الثانية، حَمَلَه مالك على الاستحباب، فإن مالكًا يرى استحباب الوضوء لكل صلاة، استحباب الوضوء لكل صلاة. وأما غيره من أهل العلم فإنه يرى وجوب الوضوء على المستحاضة لكل صلاة. نعم.
قال مالك: “الأمر عندنا في المستحاضة على حديث هشام بن عروة عن أبيه، وهو أحب ما سمعت إليَّ”. يعني على قول عروة، فإن هشامًا يوافق عروة فيما سبق. وقول مالك: “وهو أحب ما سمعت إليَّ”، هذه يُستفاد منها فائدة، حيث قال مالك: “هو أحب ما سمعت”، يدل على أن مالكًا قد سمع خلافًا في المسألة، فحينئذ يكون بمثابة الإيماء لوجود خلاف عند أهل المدينة في المسألة، وهو كذلك، فإن محمد بن شهاب الزهري إمام أهل المدينة فقهًا وحديثًا، يَرى وجوب الاغتسال على المستحاضة لكل صلاة.
قال مالك: “الأمر عندنا أن المستحاضة إذا طَهُرَتْ وصلت أن زوجها يُصيبها، والنفساء كذلك إذا بلغت أقصى ما يمسك النفساء الدم، فإن رأت الدم بعد ذلك فإنه يُصيبها زوجها، وإنما هي بمنزلة المستحاضة”. نعم.
هذه مسألة وطء المستحاضة. ظاهر كلام مالك هنا أن وطء المستحاضة جائز. وفقهاؤنا رحمهم الله تعالى يقولون: يُكره وطء المستحاضة إلا عند خوف العنت. وسبب كراهية وطء المستحاضة أمران:
- الضرر الذي قد يكون عليها من جهة.
- والأمر الثاني: ما يقع في نفس الزوج أو في نفس الزوجة من كراهية الزوج الآخر عندما يكون الوطء في الاستحاضة.
وبعضهم علل بأمر ثالث، قال لكي، وهو التعليل بالشبه وهو من أضعف أنواع التعليل، قال: لكي لا يكون شبيهًا بالوطء في الحيض، فإن الوطء في الحيض مُحَرَّم.
ومالك حينما قال: “والنفساء كذلك” أي تأخذ حكم الحائض في حرمة وطئها إذا بلغت أقصى ما يمسك النفساء الدم. فإن رأت الدم بعد ذلك، طبعًا عبَّر مالك بقوله: “أقصى ما يمسك النفساء الدم” بناء على الخلاف: هل دم النفاس يمتد إلى الأربعين وهو أقصاه كما جاء عن عائشة وهو قول الجمهور، أم أنه إلى ستين يومًا بلياليها؟ وأما الدم إذا امتد بعد ذلك فإنه يكون له حكم الاستحاضة إلا أن صَلُحَ أن يكون حيضًا. نعم.
🕌 جامع النداء
نعم. بدأ مالك في هذا الباب بالتعبير بـ**”جامع النداء”، والنسخ التي بين أيدينا أو الروايات الأخرى لـ“الموطأ”** ليس فيها التعبير بـ**”جامع النداء”** فيما أحسب، فإن رواية أبي مصعب الزهري: “ما جاء في النداء”، وعند يحيى بن يحيى وغيره: “ما جاء في النداء للصلاة”. ولم يذكر “الجامع”. وعادة الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه يجعل “الجامع” آخر الأبواب، ولا يجعله في مقدمته في أغلب أحواله. قال:
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد: أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن، إذا قد أراد أن يتخذ خشبتين فيضرب بهما ليجمع الناس للصلاة، فَأُرِيَ عبد الله بن زيد من الأنصاري خشبتين في النوم، فقال: إن هذين لنحو مما يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل: أفلا تؤذنون بالصلاة؟ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأذان. نعم.
هذا حديث مالك عن يحيى بن سعيد قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد أن يتخذ خشبتين). والمراد بالخشبتين هما العودان التي تكون من الخشب. والتعبير بـالخشبتين هذه لم ترد إلا في هذا الإسناد فقط من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري. قال ابن عبد البر: “لا أعلم فيها ذكر خشبتين إلا من مرسل يحيى بن سعيد فقط”؛ إذ أغلب الأحاديث وردت فيها أنها ناقوس، ناقوس النصارى، وفي بعضها أنها بوق كبوق اليهود. قال: (فَأُرِيَ عبد الله بن زيد خشبتين في النوم، فقال: إن هذين لنحو مما يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم). فذكر ذلك للنبي. (فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأذان). وهذا يدل على مواطأة رؤيا عبد الله بن زيد ما أوحي به للنبي صلى الله عليه وسلم. نعم.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثلما يقول المؤذن). نعم.
هذا الحديث فيه استحباب أن يقول من سمع النداء وهو الأذان مثل ما يقول المؤذن. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم النداء) يدل على أن كل نداء كذلك، ولو تكرر. فلو كان في البلدة أكثر من مؤذن يُنادي، فإن المتابعة لجميعهم مشروعة لأجل هذا الحديث.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر عن أبي صالح السَّمَّان عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العَتَمة والصبح لأَتَوْهُمَا ولو حَبْوًا). نعم.
هذا حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا). المراد بـالنداء هو الأذان. ومعنى ذلك أن يستهموا على أن يقوموا بالأذان حيث شُرِعَ الأذان. والاستهام معناه الاقتراع. وفي هذا دليل على أنه إذا تساوى المستحق للأذان، فإنه يُقَدَّم. ولم تُوجَدْ صفة يُقدَّم فيها أحدهما على الآخر، فإنه يُقرع بينهما لأجل هذا الحديث. وقوله: (والصف الأول)، المراد بـالصف الأول أي في المسجد. وقد ذكر اللخمي أن الإمام مالك رحمه الله تعالى استدل بهذه الجملة، وهي قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا)، أن اللحوق بالصف الأول أولى من إدراك الركعة مع الإمام اليسير. فحينئذ يتأخر. هذا موافق لمذهب أحمد، فإن مذهب أحمد أنه يُكره ترك الصف الأول ما لم يُخشَ فوات الصلاة. ولذلك ذكر اللخمي: أنه إلا أن يكون المأموم في آخر ركعة، فيركع ولو لم يُدرِك الصف الأول. وهذا من باب التنازع بين المندوبات: أيهما أولى بالتقديم؟ أحمد ومالك اتفقا على أن الصف الأول أولى من إدراك الركعة مع الإمام، إلا أن يخشى أن تفوته الجماعة، فيُدرِك الركعة بما تُدرَك به.
ثم قال عليه الصلاة والسلام: (ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه). هو التبكير إلى الصلاة في الهاجرة.
** (ولو يعلمون ما في العَتَمة والصبح لأَتَوْهُمَا ولو حَبْوًا)**. قوله عليه الصلاة والسلام: العَتَمة، المراد بها عتمة الليل وهي ثلثه، كما عبَّر كما فسرها به القاضي عياض في “التنبيهات”. وبعضهم يقول: هي الصلاة في… وهو وبعضهم يقول: هي أول الليل، فتكون صلاة العَتَمة الصلاة في أول الليل، وهو الذي مقدَّر بالثلث.
وهذا الحديث مُشكل على مذهب مالك، فإن مالكًا رحمه الله تعالى يكره تسمية العشاء بـالعَتَمة. ووُجِّهَ هذا الحديث كما ذكر ذلك ابن رشد: أن هذا الحديث كان قبل ورود النهي بتسمية العشاء بـالعَتَمة، وقبل كذلك نزول تسمية صلاة العشاء بذلك في قول الله عز وجل: ﴿مِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: 58].
وقوله عليه الصلاة والسلام: (لأَتَوْهُمَا ولو حَبْوًا). أي لأَتَوْا هاتين الصلاتين جماعة. هذا المقصود؛ لأنه لا يتحقق ذلك إلا بالجماعة. وهذا يدل على فضل الجماعة بهاتين الصلاتين خاصة. وقد جاء عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال: “لَأَنْ أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إليَّ من أن أقوم ليلة”. ومثله جاء عن أبيه وعن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه وإسحاق بن عبد الله: أنهما أخبراه أنهما سمعا أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا ثُوِّبَ بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وعليكم السكينة، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأَتِمُّوا، فإن أحدكم في صلاة ما كان يَعمِدُ إلى الصلاة).
هذا حديث أبي هريرة فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ثُوِّبَ بالصلاة). المراد بالتثويب بالصلاة هو الإقامة، وذلك أنه يُقال: ثَوَّبَ إذا كرَّر. وسبب تسمية الإقامة كونها تثويبًا قيل: لأنه يكرر فيها: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة. وقيل: لأنها كُرِّرَتْ بعد الأذان. وأغرب الخطابي في “المعالم” فذكر أن الإقامة سُمِّيَتْ تثويبًا لأنه يُرفع فيها الصوت. ولو كان كذلك لكان الأذان أولى بهذا الاسم من الإقامة. ولذلك نُظِرَ قوله جماعة من محققي أهل العلم.
قوله عليه الصلاة والسلام: (إذا ثُوِّبَ بالصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون). هذا الحديث صريح في عدم الإتيان بصلاة حال السعي. وقال أهل العلم ومنهم مالك: إن السعي له معنيان:
- المعنى الأول: السعي الذي فيه جَهْد وفيه تَرْك للسكينة، فهذا منهي عنه مطلقًا. وكل من أتى الصلاة مَنْهِيٌّ أن يأتي بسعي فيه جَهْد.
- والنوع الثاني من السعي: هو السعي الذي لا جَهْد فيه، وإنما فيه إسراع فقط. قالوا: فهذا يجوز فعله لإدراك الصلاة. وسيأتينا في آخر هذا الباب عن ابن عمر ما يتعلق بجواز ذلك.
ولذا نقل عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك أنه قال لما سُئِلَ عن الإسراع في المشي للصلاة إذا أُقيمت: أن مالكًا قال: “لا أرى بذلك بأسًا”. قد يُظَنُّ أن مالكًا لم يعمل بهذا الحديث، نقول: لا، وإنما أراد مالك بالسعي الذي لا بأس به هو الإسراع من غير جَهْد ومن غير تَرْك للسكينة ونحو ذلك. فإن هذا مشروع لأجل إدراك الصلاة أو شيء منها. نبه على ذلك جَمْعٌ من أصحابه. نعم.
فبقي عندنا هنا في قوله عليه الصلاة والسلام: (فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأَتِمُّوا). هذه الرواية هي رواية مالك، وهي أصح اللفظين كما قال أحمد وغيره؛ إذ جاء في لفظ آخر: (وما فاتكم فاقْضُوا). وبُنِيَ على ذلك أصل بُنِيَتْ عليه عدد من المسائل في كتاب الصلاة وهو: أن ما يُدرِكه المسبوق مع الإمام هل يكون أول صلاته أم لا يكون كذلك؟ فمالك وأبو حنيفة وأحمد يرون أن ما أدركه المأموم المسبوق مع الإمام، فإنه يكون آخر صلاته، وما يقضيه يكون أول صلاته، لقوله عليه الصلاة والسلام: (وما فاتكم فأَتِمُّوا)، فإن هذا يدل عليه. نعم.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه: أنه أخبره أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال: إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك، فأَذَّنْتَ بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شَهِدَ له يوم القيامة. قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم. نعم.
هذا الحديث فيه أن عبد الله بن عبد الرحمن وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صَعْصَعَة المازني الأنصاري المدني، ذكر أنه أُخبر عن أبي سعيد أن أبا سعيد الخدري قال له: (إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا كنت في غنمك أو باديتك، فأَذَّنْتَ بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء). هذه الجملة وهي قوله: (فإذا أَذَّنْتَ بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء)، يدل على أن المنفرد يُستحب له أن يؤذن. ولذلك نص مالك على أن أذان المنفرد حَسَنٌ، وهو كما قال، أن هذا الحديث يدل عليه: فارفع صوتك مع أنه منفرد.
قال: (فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن). مدى الصوت: الغاية التي يصل إليها صوته. (جن ولا إنس ولا شيء). قوله: ولا شيء أي من الجمادات، وفيه استدلال بأن الجمادات تسمع حيث أذِنَ الله عز وجل لها بالسماع. قال: (إلا شَهِدَ له يوم القيامة).
قال أبو سعيد: “سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم”. الذي سمعه أبو سعيد هو قوله: (فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس) الحديث. وأما قول أبي سعيد: فارفع صوتك بالنداء، فليس هذا مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هو من قول أبي سعيد فَهِمَهُ من الحديث. نبه على ذلك ابن رجب وغيره.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نُودِيَ بالصلاة أدبَرَ الشيطان له ضُرَاط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قُضِيَ النداء أقبل، حتى إذا ثُوِّبَ بالصلاة أدبر، حتى إذا قُضِيَ التثويب أقبل، حتى يَخْطِرَ بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لِمَا لم يكن يذكر، حتى يَظَلَّ الرجل ما يدري كم صلى). نعم.
هذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا نُودِيَ بالصلاة). قوله: (إذا نُودِيَ بالصلاة) أي نُودِيَ بالأذان؛ لأنه قابله بعد ذلك الإقامة والتثويب. قال: (أدبَرَ الشيطان له ضُرَاط حتى لا يسمع التأذين). قوله: (له ضُرَاط)، ذكر جَمْعٌ من المحققين أن كثيرًا من العلماء يقولون: إن هذا الضُّراط محمول على حقيقته وليس مجازًا. وسبب ذلك قالوا: لأن المرء إذا كان خائفًا، فإن أمعاءه تضطرب. فدل ذلك على خوف الشيطان عند سماعه الأذان. وقد استدل الوزير الشيخ أبو المظفر ابن هُبَيْرَة رحمه الله تعالى بهذه الجملة على أنه يُستحب أن يكون المؤذن صَيِّتًا رفيع الصوت، قال: لأنه كلما زاد ارتفاع صوته كلما زاد تباعد الشيطان عن الناس.
وفي هذا الحديث أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حتى إذا ثُوِّبَ بالصلاة أدبر)، أي أُقِيمَتْ الصلاة أدبر. (حتى إذا قُضِيَ التثويب أقبل، حتى يَخْطِرَ). هكذا هو في اللغة، وهو الأَصْوَب بكسر الطاء، يَخْطِرَ، وهو أصوب لغة. وقد ذكر القاضي عياض في “المشارق” أن كثيرًا من الرواة ينقلها في “الموطأ” بضم الطاء: يَخْطُر، ولكن الأفصح كما ذكر: يَخْطِرَ وهو الأَدَقُّ في الرواية. قال: (حتى يَخْطِرَ بين المرء ونفسه ويقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لِمَا لم يكن يذكر، حتى يَظَلَّ الرجل ما يدري كم صلى).
هذا الحديث في آخره فيه دليل على أن السهو لا يُبطِل الصلاة. ووجه ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر الذي أتاه الشيطان فذكَّره وجعله يَسهُو في صلاته لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة. وهذا قول جماهير أهل العلم، إلا ما نُقِل وقيل وقال به بعض من الفقهاء كأبي عبد الله ابن حامد من أصحاب أحمد وأبي حامد الغزالي من أصحاب الشافعي: أن السهو والغفلة في أثناء الصلاة إذا كَثُرَتْ فإنها تُبطِل الصلاة إذ كانت هي الغالبة. والجمهور على خلافه، وإنما الذي يُبطِل هو تَرْك الأركان أو تَعَمُّد تَرْك الواجبات. نعم.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه: أنه قال: ساعتان تُفتَحُ فيهما أبواب السماء، وقَلَّ داعٍ تُرَدُّ عليه دعوته: حَضْرَةُ النداء بالصلاة، والصف في سبيل الله. نعم.
هذا حديث مالك عن أبي حازم عن سهل بن سعد أنه قال. هذا رواية القعنبي وعامة الرواة عن مالك. وقد جاء عن بعض رواة مالك أنه رفعه للنبي صلى الله عليه وسلم. فممن رفعه من الرواة عن مالك أيوب بن سويد، وقد رواه من هذا الطريق عن سهل بن سعد مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم كما في “المخلصيات”. وكذلك محمد بن مخلد ورواه من طريقه أبو نعيم. وكذلك إسماعيل بن عمر رواه من طريقه ابن حبان في “صحيحه”، لكن ابن حبان رواه من طريق البخاري، والبخاري أورده في “الأدب المفرد” من طريق إسماعيل بن عمر موقوفًا لا مرفوعًا. فلعل إسماعيل بن عمر مرة رواه مرفوعًا ومرة رواه موقوفًا.
قال فيه: ساعتان تُفتَحُ فيهما أبواب السماء. ساعتان أي وقتان وبُرْهَتان تُفتَحُ فيهما أبواب السماء. ذكر الشيخ تقي الدين: أن ما جاء أنه تُفتَحُ فيه أبواب السماء أو في معنى هذا الأمر، أن تفتيح أبواب السماء يكون تارة باعتبار الأزمان، وتارة باعتبار الأفعال. وحيث كان باعتبار الأفعال فإنه يُفتَح لبعض الناس دون بعضهم. وهذا كذلك. وهذا من تفتيح أبواب السماء للأفعال. وبناء على ذلك، فالساعتان تُفتَح فيها أبواب السماء لبعض الناس دون بعضهم. فمن حَضَرَه النداء بالصلاة فإنه يُفتَح له أبواب السماء. وكذلك من حَضَرَ الصف في سبيل الله وهو الجهاد.
وقوله: وقَلَّ داعٍ تُرَدُّ دعوته: حَضْرَةُ النداء بالصلاة. قوله: حَضْرَةُ النداء بالصلاة يحتمل أمرين:
- يحتمل أن يكون الأذان، وهذا واضِح؛ فإن بعد الأذان دعاء.
- ويحتمل كذلك أن يكون المراد بـالنداء الإقامة. وهذا استدل به مالك على أن الدعاء حال الإقامة فإنه يُستحب الدعاء عنده لأجل هذا الأثر وغيره من المعاني الدالة عليه. ومثله وافقه أحمد في ذلك. نعم.
قال: حدثنا القعنبي قال: سُئِلَ مالك عن تثنية النداء والإقامة، ومتى يجب القيام على الناس حين تُقام الصلاة؟ فقال: لم يبلغني في النداء والإقامة إلا ما وجدت الناس عليه. أما الإقامة فإنها لا تُثَنَّى، وذلك الذي لم يزل عليه أمر الناس عندنا. وأما القيام فإني لم أسمع فيه بحَدٍّ يُقام له، ولكن أرى ذلك على قَدْرِ طاقة الناس، فإن فيهم الثقيل والخفيف. نعم.
هذا فيه قول مالك رحمه الله تعالى لما سُئِلَ عن تثنية النداء والإقامة، ومتى يجب القيام. فقال عن المسألة الأولى: “لم يبلغني في النداء والإقامة إلا ما وجدت الناس عليه”. هذا يدل على أن مالكًا رحمه الله تعالى يستدل بعمل أهل المدينة في الأذان والإقامة. وتعبيره: “ما وجدت الناس عليه” يعني به أهل المدينة. وهذا من أقوى ما يُستدل به على عمل أهل المدينة ما توارثه بعضهم عن بعض مما يكون له حكم الاستفاضة بينهم.
ومالك رحمه الله تعالى يعمل بحديث أنس الذي في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالًا أن يشفع الأذان وأن يوتر الإقامة. وعلى ذلك، فإن التكبيرات عند مالك في المشهور، لأنه رُويَتْ عن مالك رواية أخرى، وسيأتي فائدة الرواية الأخرى بعد قليل، أن المشهور عن مالك رحمه الله تعالى في التكبيرات في الأذان أنها تكبيرتان فقط. فيكون الشفع بتكبيرتين فقط. وجاءت رواية أخرى عن مالك أن الشفع في التكبير أن يكون أربعًا، أن يكون أربعًا باعتبار أن التكبيرتين واردتان، أن التكبيرتين واردتان في الإقامة، فإفرادها باعتبار الإقامة وتثنيتها كذلك. وجاء عن مالك الترجيع، أن مالكًا يرى الترجيع في الأذان، لكنه عند الترجيع في الثانية يرفع الصوت أكثر من الأولى. وسبب إيراد الرواية الثانية عن مالك يدل على أن مالكًا إنما قال بالأولى والثانية؛ لأنهما عمل أهل المدينة كذلك. فدل ذلك على أن كلا الصفتين تجوز، الترجيع وعدمه. ويجوز أن يكون الأذان بتكبيرتين، ويجوز أن يكون بأربع. ولكن جمعٌ من مُحَقِّقِي أهل العلم يفضلون أن يكون التكبير بأربع؛ لأنه الأكثر المنقول عن طُرُق أخرى.
وأما الإقامة، فمالك يرى إطلاقًا أنها وتر، وحينئذ يرى أنها وتر حتى في قوله: قد قامت الصلاة. لكن نَقَلَ المصريون عن مالك أنه يقول: قد قامت الصلاة مرتين. وفائدة نقل المصريين عن مالك يدل على أن مالكًا إنما نقل ما فعله أهل المدينة، فيرى وترًا قوله: قد قامت الصلاة، ويرى أن تكون: قد قامت الصلاة مرتين. فدل ذلك على أن عمل أهل المدينة على الأمرين معًا، فكلاهما يُستدل له بعمل أهل المدينة، وإنما يُرجَّح بينهما بدليل خارج.
قال مالك: “وذلك الذي لم يزل عليه أمر الناس عندنا”. التعبير هنا بـ**”أمر الناس”** قد يُظَنُّ أنه عموم الناس، ولكن جاء في بعض روايات “الموطأ”: “لم يزل عليه أمر أهل العلم”. فدل على أنه ترجيح لإحدى الروايات التي تقدم ذكرهما.
قال مالك في المسألة الثانية: “وأما القيام” يعني القيام عندما تُقام الصلاة لمن يستمع الإقامة. “فإني لم أسمع فيه بحدٍّ يُقام له، ولكن أرى” يعني يَمِيلُ “ذلك على قَدْرِ طاقة الناس، فإن فيهم الثقيل والخفيف”. فحينئذ يُبتَدَأ الإقامة في أول الإقامة أو وسطها، فيَنتهي عند آخرها. والخفيف الذي من حين يُبتَدَأ الإقامة يَستتم قائمًا.
هذه المسألة ذكر أبو بكر بن العربي أنها محمولة على إذا كان الإمام حاضرًا. فالخلاف هنا فيما إذا كان الإمام حاضرًا. وأما إذا كان الإمام غائبًا فقد جاء الحديث: (أنه إذا كان غائبًا فلا تقوموا حتى تَرَوْنِي). فهذا خارج عن محل كلام مالك والنزاع في المسألة.
الأمر الثاني: أن مالكًا وكثير من أهل العلم يرون… طبعًا اختلف عن مالك في الرواية: متى يقوم؟ وهنا النقل في “الموطأ” أنه واسع ليس فيه حد معين. لكن نقل عياض فيما نقله ابن مُفْلِح عنه: أن مالكًا يرى أن الأفضل أن يقوم عند شروع الإقامة؛ لأنها أول الكلام، فحينئذ يقوم عندها. هكذا نقله عياض. ونقل غيره خلاف ذلك. لكن قد جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه والحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعن أبيه، وعن عطاء وعن الحسن البصري وجماعة من الكوفيين والمكيين: أنهم كانوا يقومون عند قول المؤذن: “قد قامت الصلاة”. ونقل ابن عبد البر هذا الفعل عن ابن عمر رضي الله عنهما، وأنه كان لا يقوم حتى يسمع: قد قامت الصلاة. وهذا يدل على قول من قال على ترجيح قول من قال من أهل العلم: أن الأفضل للمأموم إذا كان الإمام حاضرًا أن يقوم عند قوله: “قد قامت الصلاة”؛ لأنه قول جَمْعٍ من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما ذكرت لك، وأغلبهم كوفيون بعيدون عن مالك، فإن الحسن بن علي وأنس رضي الله عنه كوفيان. فهذا من علم أهل الكوفة التي الذي ربما غاب عن بعض أهل المدينة، مع أنه نُقِلَ عن ابن عمر أنه كان يفعله. وهذا يدلنا على أنه قد يغيب عن كثير من الناس من العلم ما ظهر لغيره. وهذه المسألة المشهورة التي عقد لها الشيخ تقي الدين كتابه الجليل “رفع الملام”. نعم.
قال: سُئِلَ مالك: “لم تزل الصبح ينادى بها قبل الفجر، فأما غيرها من الصلوات فإنا لم نَرَها ينادى بها إلا بعد أن يحل وقتها”. فقيل له: “هل يكون النداء يوم الجمعة قبل الوقت؟” فقال: “لا، لا يكون إلا بعد أن تزول الشمس”. نعم.
هذه مسألتان:
- المسألة الأولى: فيه أن الفجر له النداء الأول، وهذا مستحب عند أهل العلم أن يكون قبل دخول وقت صلاة الصبح خلافًا لأبي حنيفة النعمان. والدليل فيه صريح سيأتي.
- والمسألة الثانية: وقت النداء الأول لصلاة الجمعة. الذي عليه جمهور أهل العلم مالك والشافعي وأحمد وغيرهم: أن النداء الأول لصلاة الجمعة يكون بعد الزوال أي عند وقت أذان الظهر. وقد نقل القاضي عبد الوهاب رحمه الله تعالى في بعض كتبه أن هذا عليه عمل المسلمين، الناس يعني عمل الناس، أنه دائمًا يكون الأذان الأول عند الزوال. لكن ذكر بعض أهل العلم أنه يجوز للمصلحة تقديمه قبل الزوال ويُعمل به في كثير من المساجد تقديمه قبل الزوال.
قال: “وسُئِلَ مالك عن قوم حَضَروا وأرادوا أن يصلوا الصلاة المكتوبة، فأقاموا ولم يؤذنوا. قال: ذلك مُجْزِئ عنهم، وإنما يجب النداء في مساجد الجماعة التي يُجتمع فيها للصلاة”. نعم.
هذه فيه أن مالكًا سُئِلَ عن قوم حَضَروا وأرادوا أن يصلوا الصلاة المكتوبة أي يصلوها جماعة كما جاء في روايات أخرى عن مالك، بمعنى أن يَجْمَعوا ويصلوها جماعة. قال: (فأقاموا ولم يؤذنوا). فقال مالك: “ذلك مُجْزِئ عنهم” أي أنه جائز. وتعبير مالك بأن ذلك مُجْزِئ عنهم استشكله بعض أهل اللغة، فقد ذكر الأزهري أن هذا على خلاف المشهور في لسان العرب؛ لأن قوله: “ذلك” خلاف القياس، فالقياس أن يقول: ذلك جائز عنهم؛ لأن مُجْزِئ لا تتعدى بحرف الجر، وإنما تُعَدَّى بنفسها. ولكنه له وجه لكنه خلاف المشهور في اللغة.
قال: “وإنما يجب النداء في المساجد في مساجد الجماعة التي يُجتمع فيها”. هذه الجملة الأخيرة فيها أمران من مذهب مالك:
- الأول: وهو أنه قال: “يجب النداء في المساجد”. فقوله: “يجب النداء” ظاهره أنه يجب الأذان عمومًا، وأنه يكون في جميع المساجد. وهذا الظاهر ذهب إليه جمع من أصحاب مالك، منهم الإمام أبو محمد بن أبي زيد القيرواني في “الرسالة”. وكذلك وافقه الباجي.
- وبعضهم قال مثل القاضي عبد الوهاب: إن قول مالك: “يجب” ليس المراد به الواجب الوجوب الحَتْم، وإنما المراد به يعني وجوب وجوب الفرائض، وإنما المراد به وجوب السُّنَن. ولذلك يوجد عند أصحاب مالك وأصحاب أحمد يُسَمُّونه وجوب الندب، فقد يُعَبَّر في التأكيد على الندب بالوجوب على سبيل التأكيد لا على سبيل الاصطلاح المستقر. هكذا حَمَلَه القاضي عبد الوهاب.
وعلى العموم، فالمشهور في مذهب مالك مخالفة ذلك، وأنه ليس بواجب عمومًا، بل وليس واجبًا في المساجد خصوصًا. فإن المشهور في مذهب مالك أن الأذان سُنَّة مُطلقًا. ولعل قول الفقهاء رحمهم الله تعالى: أن الأذان من فروض الكفايات أولى؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر خالدًا ألا يُصبِح قومًا حتى يسمع أذانهم. فدل على أن تَرْك الأذان مخالفة. فدل على لزومه. نعم.
قال: سُئِلَ مالك عن تسليم المؤذن على الإمام ودعائه إياه للصلاة، ومن أول من سَلَّمَ عليه؟ فقال: “أبلغني أن التسليم كان في الزمان الأول”. نعم.
سُئِلَ مالك عن تسليم المؤذن على الإمام. تسليم المؤذن على الإمام من أول كل من نقل صفته وهو قريب العهد ابن الماجشون فقد نقل أن كيفية تسليم المؤذن على الإمام أن يقول المؤذن: “السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته. حي على الصلاة. حي على الفلاح. حي على الصلاة. حي على الصلاة. حي على الفلاح. حي على الفلاح. رحمك الله”. فيكون هذه الصفة يقولها في غير الأذان. هذه هي الصفة.
وأما قوله: “أول من سَلَّمَ عليه” فقد نقل أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق صاحب كتاب “المبسوط”، أن أول من من أصحاب مالك، أن أول من نقلها أول من سَلَّمَ عليه هو معاوية رضي الله عنه، وقيل: المغيرة.
وعلى العموم، فإن مالكًا يقول: “لم يبلغني أن التسليم كان في الزمان الأول” أي في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، وإنما كان بعدهم. ومن ذلك أخذ الفقهاء أنه يجوز إذا كان الإمام أو الأمير مُتأخرًا عن الصلاة أن يُنَبَّه لذلك، ولكن إنما كرهوا من ذلك أن يكون بصيغة تعظيم أو أن يكون فيه عادة، فهذا هو الممنوع منه. نعم.
قال: سُئِلَ مالك عن مؤذن أَذَّنَ لقومه ثم تَنَفَّلَ، فأرادوا أن يصلوا بإقامة غيره. قال: “لا بأس بذلك، إنما إقامته وإقامة غيره سواء”. نعم.
هذا قول مالك يرى فيه أن المؤذن لا يَلزَم أن يُقيم. ولذلك قال: “لا بأس بذلك، إنما إقامته وإقامة من أَذَّنَ وإقامة غيره سواء”. فيرى أنه لا يُستحب أن يكون المقيم هو الذي قام بالأذان. وأما أحمد فيرى استحبابًا أن يتولى الأذان والإقامة واحد؛ لِما روى أبو داود وابن ماجه وغيرهم من حديث زياد الصدائي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ومَن أَذَّنَ فهو يُقيم). ولكن هذا الحديث فيه عبد الرحمن بن زياد الإفريقي وعامة العلماء على ضعفه، وإن كان البخاري مال إلى تقوية حديثه أحيانًا.
قال: حدثنا القعنبي قال: سُئِلَ مالك عن مؤذن أَذَّنَ لقوم ثم انتظر أن يأتيه أحد فلم يأته أحد، فأقام الصلاة وصلى وحده، ثم جاء الناس بعد أن فَرَغَ، أيُعيد الصلاة معهم؟ قال مالك: لا يُعيد الصلاة معهم، ومَن جاء بعد انصرافه فليُصَلِّ لنفسه”. نعم.
هذا قول مالك لما سُئِلَ عن مؤذن أَذَّنَ لقوم ثم انتظر أن يأتيه أحد فلم يأته أحد، فأقام الصلاة وصلى وحده. هنا قوله: مؤذن أَذَّنَ لقوم، المراد بهذه الصورة إذا كان المؤذن هو الإمام الراتب. إذ لابد أن يكون المؤذن هو الإمام الراتب، وإلا فلا يَستقيم ذلك على مذهب مالك ولا غيره. وهذا التفسير هو الذي قاله ابن نافع ونقله عنه ابن عبد البر وقال: “هو حَسَنٌ” أي هذا التفسير. وهو الأَوْفَق على أصل مالك: أن المسجد الذي له إمام راتب فإنه لا يُصَلَّى فيه جماعة أخرى ولا يُصَلَّى فيه جماعة مرتين. فهذا مبني على أصل مالك أن المسجد لا يُصَلَّى فيه جماعتان إذا كان له إمام راتب. هذا هو القيد. ولذلك قال مالك: “لا يُصَلِّي الصلاة معهم، فلا يُعيد الصلاة معهم، ومَن جاء بعد انصرافه فليُصَلِّ لنفسه ولا يُصَلِّ جماعة”. هذا بناء على مذهب مالك، وسيأتي الإشارة لهذه المسألة بعد إن شاء الله.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك: أنه بلغه أن المؤذن جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يُؤذِّنه بصلاة الصبح، فوجده نائمًا، فقال: الصلاة خير من النوم. فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح. نعم.
هذه الجملة فيها أن المؤذن جاء لعمر فقال: (الصلاة خير من النوم). هذه بمثابة تنبيه الإمام، سواء كان إمام الجماعة الصغرى أو إمام الجماعة الكبرى، للصلاة إذا تأخر عنها؛ لأنه وجد عمر نائمًا. قال: (فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح). هنا قوله: “أمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح” مُشْكِل؛ لأنه قد ثبت أنها كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في أذان بلال وأبي محذورة وغيرهم. وأُجِيبَ عن هذا الأثر بثلاثة أجوبة، جوابان ضعيفان وجواب مُتَّجِه:
- أما الجواب الضعيف فقيل: إنها من باب الموافقة من عمر لفعل النبي صلى الله عليه وسلم.
- والجواب الثاني: أن عمر كان قد عَلِمَهَا ثم نَسِيَهَا. وهذان الجوابان ضعيفان؛ فإن السُّنَّة كانت ظاهرة والعهد قريب ولا يمكن أن يكون ذلك قد نَسِيَهُ عمر وغيره من الناس.
- والأقرب: أن معنى قول عمر، فـأمره أن معنى قول الراوي: “فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح، في نداء الصبح” أي: اجعلها في الأذان ولا تَقُلْها ها هنا. فكأن عمر رضي الله عنه يقول: لا تقل هذه الكلمة في هذا الموضع، وإنما اكتفِ بذكرها في النداء. فكأن عمر رضي الله عنه يرى عدم استحباب وندب تنبيه الإمام للصلاة بهذه الطريقة وهذه اللفظة التي تكون شبيهة صفة الأذان.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن عمه أبي سُهيل بن مالك عن أبيه قال: ما أعرف شيئًا أدركت الناس عليه إلا النداء بالصلاة. نعم.
هذا أثر نقله مالك عن جده. وجده هو مالك بن أبي ربيعة الأصبحي من كبار التابعين كما قال بعض أهل العلم، وقد توفي سنة أربع وسبعين من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. قوله: ما أعرف شيئًا أدركت الناس. المراد بـالناس الصحابة؛ لأنه أدرك الصحابة وهو من كبار التابعين كما قال ابن عبد البر، وصَرَّحَ بأن مراده بـالناس هنا الصحابة لا من أدركهم من أهل زمانه. أن النداء بالصلاة. هنا معنا: أدركت، وفي الرواية الأخرى عن مالك: ما أعرف شيئًا مما أدركت. والمعنى فيهما متقارب.
ولكن هذا الأثر فيه مسألتان:
- المسألة الأولى: فيه أن النداء مُتوارث في المدينة على صفة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ينادي به إلى زماننا هذا، وهو من نِعَمِ الله عز وجل علينا وعلى المسلمين.
- الأمر الثاني: ذكر ابن عبد البر أن هذا الأثر عن جَدِّ مالك فيه دليل أو فيه ما يدل على أن كبار أهل المدينة لم يكونوا يحتجون بعمل أهل المدينة؛ وذلك أن عمل أهل المدينة كله غير معروف كما نقله جَدُّ مالك إلا النداء فقط. وقد مر معنا في درس الأصول أن عمل أهل المدينة على أربع درجات، أقواها ما كان مستفيضًا كالصاع والأذان، والأمر الثاني والثالث والرابع أضعف منه في الحجية. وعلى ذلك يُحمَل هذا الأثر. نعم.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما سمع الإقامة وهو بالبَقِيع فأسرع المشي إلى المسجد. نعم.
هذا الأثر الذي أشرت إليه في أول حديثي عند قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فلا تأتوها وأنتم تسعون). فابن عمر رضي الله عنه أسرع المشي عند المسجد للمسجد لما سمع الإقامة. إسراعه هنا محمول على الإسراع من غير جَرْي ومن غير إجهاد ومن غير تَرْك للسكينة والوقار. وأما الحديث المتقدم: (أن لا تأتوها وأنتم تسعون) فهو بمعنى الجَرْي الذي يكون فيه تَرْك السكينة والوقار ونحو ذلك. وهذا الكلام وهو التفريق جزم به جماعة منهم من المتقدمين محمد بن الحسن الشيباني راوي “الموطأ”، فقد ذكر هذا في تفسيره لـ**”موطأ مالك”** وزياداته في التفسير عليه، وكذلك من أصحاب مالك ابن رشد في “البيان والتحصيل” والجماعة. نعم.
🛣️ النداء في السفر
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع: أن ابن عمر رضي الله عنهما أذَّن بالصلاة في ليلة ذات بَرْد وريح، فقال: (ألا صلوا في الرحال). ثم قال: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مَطَر أن يقول: ألا صلوا في الرحال). نعم.
هذا الأثر الذي أورده مالك في “الموطأ” عن نافع عن ابن عمر أنه أَذَّنَ بالصلاة في ليلة ذات بَرْد وريح. هنا لما أَذَّنَ ابن عمر رضي الله عنهما جاء أن أذانه لأنه كان أميرًا، وسيأتي ما يدل على ذلك إن شاء الله في الحديث الذي بعده. لأن ابن عمر لم يكن يؤذن إلا حيث يكون أميرًا. فابن عمر عندما أَذَّنَ هنا كان أميرًا. وبناء على ذلك، فـأَمْرُهُ بأن يُقال: (صلوا في رحالكم) بناء على كونه كان أميرًا للرَّكْب. هذا الأمر الأول.
الأمر الثاني: أن قوله في هذا الأثر: في ليلة ذات بَرْد وريح، مع أن الحديث ليس فيه الريح. ذكر الشراح أن ابن عمر رضي الله عنهما قاس حال الريح بحال المطر لاجتماعهما في عِلَّة المشقة، فحينئذ يُخفَّف للريح كما يُخفَّف للبَرْد والمطر ونحوه.
قال: (فقال: ألا صلوا في الرحال). هنا قوله: فقال: ألا صلوا في الرحال. المراد بـالرحال جمع رَحْل، والرَّحْل يُطلَق على أمرين: يُطلَق على ما يَصحَبُه المسافر في سفره، ويُطلَق كذلك على المساكن، فإن الناس في إقامتهم تُسمَّى بيوتهم رَحْلًا. وحينئذ فإن هذه الجملة تُقال في السفر وتُقال في الحَضَر. هذه مسألة.
المسألة الثانية: أن هذه الجملة متى تُقال؟ لأهل العلم رحمهم الله تعالى في ذلك خلاف. وقد ذكر ابن رجب أن البخاري رحمه الله تعالى فَهِمَ من سياق الحديث أن هذه الجملة تُقال بعد الحَيْعَلَة، تُقال بعد الحَيْعَلَة أو قبلها. بينما استظهر جَمْعٌ من أهل العلم وهو المنقول عن مالك، كما نقله أو كثير نقله كثير من أصحاب مالك، أنه ليس منقولًا عن مالك أنها تُقال بعد الأذان في مُنتهاه. ويدل على ذلك ما جاء عند ابن وهب في كتابه “الجامع” أنه لما نقل هذا الأثر من طريق نافع وفيه: يُنادَى في أَثَرِهَا أي في آخرها.
والمسألة الثالثة: أن هذه الكلمة هل قولها من السُّنَّة أم لا؟ الذي رجَّحه جمع من المحققين كابن رجب وهو مذهب أحمد: أن قولها ليست سُنَّة وإنما مُباح. فقول: (صلوا في رحالكم) ونحوها من العبارات هي مُباحة وليست سُنَّة، فهي من باب الإباحة والرخصة لا المشروعية والندب كالتثويب، فإن التثويب واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر). هنا جمع في الرواية اللفظتين: ليلة باردة وذات مطر، لكن جاء في مسلم من طريق نافع من طريق عبيد الله بن عمر عن نافع: (إذا كانت ليلة باردة أو ذات مطر). فدل على أن السبب مُفْتَرِق بينهما، أن السبب مُفْتَرِق وليس سببًا واحدًا، فلا يَلزَم اجتماع القيدين، بل هما كل قيد واحد مستقل قاس عليهما ابن عمر رضي الله عنه الريح.
قال: (أن يقول المؤذن: ألا صلوا في الرحال). هذا الحديث فيه مسائل:
- المسألة الأولى: أنه يجوز عند وجود الأعذار وهو المطر والريح وكونها ليلة باردة أن تُترك الجماعة ويجوز الجمع لها كذلك. وفقهاؤنا رحمهم الله تعالى يقولون: إنه يجوز الجمع للمطر لوروده عن الصحابة، وهو مفهوم حديث ابن عمر، جَمَعَ في غير ابن عباس جَمَعَ لغير مطر. وأما البَرْد والريح فلابد أن تكون الليلة مُظْلِمة وأن تكون الريح شديدة باردة. فلابد أن تكون الريح شديدة باردة وأن تكون الليلة مُظْلِمة. فإذا وُجِدَ هذان الأمران جاز لها الجمع والتخلف وإلا فلا؛ إذ لا تخلو ليلة في الغالب من كونها باردة في الشتاء أو من كونها ذات ريح. فلابد أن تكون ريحًا باردة شديدة باردة وأن تكون الليلة مُظْلِمة. وبعضهم يقول: يُكتفَى بوصفين: ليلة مُظْلِمة مع كونها ريحًا شديدة، أو ليلة مُظْلِمة مع كونها باردة.
- والجمع إنما يجوز في الليل دون النهار. ودليل ذلك أن أبا سلمة بن عبد الرحمن إنما نقل عن الصحابة الجمع بين العشاءين ولم ينقل الجمع في صلاة النهار وهو الظهر والعصر. فإن قلت: إن حديث ابن عباس جَمَعَ من غير مطر، نقول: نعم صحيح. فإن مفهومه جواز الجمع للمطر. والمُتَقَرِّر عند مُحَقِّقِي أهل العلم وهو المُعتمد كما ذكره الموفق الشيخ تقي الدين: أن المفهوم لا عموم له. فيتحقق العمل بالمفهوم بأحد صوره، وصورته التي ورد بها النص وهي خلاف الأصل وهو الجمع بين العشاءين لا الجمع بين الظهرين. فحينئذ نقول: نقف عند مورد النص؛ لأنه على خلاف الأصل. نعم.
بقي عندي مسألة أخيرة: أن هذا الباب مسلم بَوَّبَ له مالك بأنه “النداء في السفر” والحديث ليس صريحًا في ذلك. فنقول: إن الإجابة عن ذلك من وجهين:
- الوجه الأول: أنه لم يرد في “موطأ مالك” ولا في غيره كما ذكر ذلك الداني أبو العباس الداني صاحب “الإيمان” أنه لم يرد ذكر السفر في “الموطأ”. لكنه ورد خارج “الموطأ”، ومنه ما ورد في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلة إذا كانت ليلة باردة أو ذات مطر في السفر أن يقول ذلك.
- وربما مالك لم يُرِدْها ليُبَيِّنَ أن الحكم يثبت في السفر والحضر كذلك. نقول: إنه يُؤخَذُ ذلك من قوله: في الرحال. وتقدم أن الرحال لها معنيان. نعم.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع: أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كان لا يزيد على الإقامة في السفر إلا في الصبح، فإنه كان ينادي فيها ويقيم، وكان يقول: (إنما الأذان للإمام الذي يُجتمع الناس إليه). نعم.
أثر عن ابن عمر كان لا يزيد في الإقامة في السفر. محل ذلك كما قال أهل العلم: ما لم يكن أميرًا. والحديث المتقدم كان فيه أميرًا فكان يؤذن. هكذا قال شُرَّاح الحديث. قال: (إلا في الصبح) وهي صلاة الصبح، فلأن لها فضلًا ولأن فيها تنبيهًا لراقد ونحو ذلك، فإنه كان يؤذن رضي الله عنه. ولذلك قال: (فإنه كان ينادي فيها ويقيم). وأما ما عداه فيكتفي بالإقامة.
وكان يعني ابن عمر يقول: (إنما الأذان للإمام). الإمام هو الإمام الأعظم أو مَن يكون له نوع ولاية كأمير في رَكْب نحو ذلك. قال: (إنما الأذان للإمام الذي يُجتمع الناس إليه). هذه المسألة تتعلق بـحكم الأذان للمسافر. لأهل العلم في مسألتها قولان:
- فابن عمر رضي الله عنه ووافقه مالك يرى أن الأذان للمسافر مُباح إلا أن يكون إمامًا فإنه يكون في حقه مشروعًا.
- والقول الثاني: أن الأذان في السفر مُستحب مطلقًا. وهذا هو الذي تدل عليه الأحاديث التي سيأتي ذكرها بعد قليل. نعم. وهو المذهب وهو قول كثير من أهل العلم.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام بن عروة: أن أباه قال له: إذا كنت في سفر فإن شئت أن تؤذن وتقيم فَعَلْتَ، وإن شئت فأَقِمْ ولا تؤذن. نعم.
هذا يدل على إباحة الأذان في السفر وعدم ندبه إلا للأمير.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب: أنه كان يقول: مَن صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك وعن شماله ملك، فإن أذَّنَ وأقام صلى وراءه أمثال الجبال من الملائكة. نعم.
هذا الأثر عن مالك رضي الله عنه هو من قول سعيد بن المسيب. وقول سعيد بن المسيب هذا ذكروا أنه مما لا يُقال بالرأي؛ لأنه من المُغَيَّبات فيكون حينئذ له حكم المرفوع. وإذا كان له حكم المرفوع فإنه حينئذ نقول: هو بمثابة المرسل. ومالك يرى حُجِّية المرسل وسيأتي تفصيل إن شاء الله أوسع فيما يتعلق باستدلال مالك بالمرسل. وهذا الأثر لم يصلنا مُسنَدًا من غير هذا الطريق. لكن فيه أن سعيد بن المسيب كان يقول: (مَن صلى بأرض فلاة) أي أرض خارجة عن العامر، يدل على أن الأذان للمسافر والأذان للمنفرد مُستحب. قال: (مَن صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك وعن شماله ملك، فإن أذَّنَ وأقام صلى وراءه أمثال الجبال من الملائكة). فدل على أن المنفرد ومَن كان في سفر وهو يصليان في فلاة أنه إذا أذَّنَ فإنه يكون أفضل. وهذا أحد الأدلة التي تدل على استحباب الأذان للمسافر وهو قول أكثر أهل العلم خلافًا لمالك كما تقدم.
قال مالك: “لا بأس أن ينادي الرجل وهو راكب”. نعم.
هذا فيه أن الأذان لا يَلزَم فيه أن يكون قائمًا أو غير ماشٍ وراكب. فإنه يجوز أن ينادي الرجل وهو راكب على دابته. ونأخذ من ذلك أنه لا يَلزَم الموالاة بين الأذان والإقامة أو أن يكون في مكان واحد.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن بلالًا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم).
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن بلالًا ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم). قال ابن شهاب: “وكان ابن أم مكتوم رجلًا أعمى لا ينادي حتى يُقال له: أصبحت، أصبحت”. نعم.
هذا الحديث رواه مالك رحمه الله تعالى من طريقين:
- الطريق الأول: من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر.
- والطريق الثاني: من طريق ابن شهاب عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه.
وسبب إيراد مالك رحمه الله تعالى لهذا الحديث من الطريقين فوائد، منها قَصْد العلو، فإن الإسناد الأول يُعتبر مالك فيه من طبقة تابعي التابعين، فإنه من ثنائيات مالك. وهذا شرف لمالك عظيم جدًا لكي يدخل في الطبقة الثالثة من القرن الثالث وهم القرن الثالث الذين قال النبي عليه الصلاة والسلام: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم). ولا شك أنه من صغار هذه الطبقة.
الفائدة الثانية: أن الأثر الثاني فيه زيادة إخبار ابن شهاب رحمه الله تعالى عن صفة أذان ابن أم مكتوم. وقبل أن ننتقل لـفقه هذا الحديث، الإسناد الثاني قال فيه مالك رواه أو رواه مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن أبيه. زيادة (عن أبيه) هذه رواها القعنبي. وأما غيره من الرواة كما قال ذلك الجوهري، وذكرت لكم في أول حديث اليوم أن الجوهري نظر الاختلاف في اثني عشر مُوَطَّأ من النسخ، فقد ذكر الجوهري أن سائر الرواة غير القعنبي كلهم لا يذكر: (عن أبيه)، وإنما يذكره عن سالم بن عبد الله: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فيكون مُرسَلًا. ولم يُسْنِدْهُ إلا القعنبي. قال الجوهري: “وقد رواه جماعة في غير “الموطأ” مُسنَدًا بزيادة (عن أبيه)”. هذا يدل على صحة هذا الحديث. فمالك مرة نَشِطَ فزادها وأثبتها رواية وهو صادق في نقله. ومرة ربما لم يذكرها. وهذا يؤكد لنا على أنه يرى حُجِّية المرسل وأنه في قوة المسند.
هذا الحديث فيه أن بلالًا ينادي بليل وهو الأذان الأول للفجر. وهذا يدل على كونه قبل أذان قبل دخول الوقت كما تقدم من كلام مالك. وقوله: (فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم). حتى لانتهاء الغاية. فدل على أن الإمساك إنما يكون عند طلوع الفجر الصادق.
قال ابن شهاب: “وكان ابن أم مكتوم رجلًا أعمى لا ينادي حتى يُقال له: أصبحت، أصبحت”. هذا فيه أن ابن أم مكتوم كان لا يؤذن حتى يدخل الوقت. فدل على أن الوقت لو أن الشخص لم يَعْلَم به بسبب النداء، فإنه لو تأخر عن الوقت بُرهات يسيرة فإنه معفو عنه. وذلك أن أهل العلم رحمهم الله تعالى قالوا: إنه يُعرَف دخول الوقت بأربع درجات، بهذه التقديم:
- أول الدرجات: أن يكون المرء بعينيه قد رأى علامة دخول الوقت كطلوع الفجر وغروب الشمس وكون الفَيْء وكون الشمس قد زالت عن كبد الزمان وكون الفَيْء بظل القيام بنفس طول القيام أو أكثر أو عند اصفرار الشمس. هذه علامات دخول الوقت وخروجه.
- ثم يلي ذلك الدرجة: وهو الإخبار عن الرؤية. ودليلها قول ابن شهاب: “وكان ابن أم مكتوم لا يؤذن حتى يُقال له: أصبحت، أصبحت”. فحينئذ فمن أُخْبِرَ أنه قد دخل الوقت فيكون في حقه ثبت هذا الحكم فيكون بمثابة العلم. ومن ومن ذلك أن يكون المؤذن هو الذي رَأَى فيؤذن فيُخْبِر الناس.
- الدرجة الثالثة: ذكر أهل العلم الاتفاق عليها في الجملة وهو أن يكون بالحساب. أن يَحسُب المرء حسابًا، فإن الحساب مقبول في جَرَيان الشمس، وإن وإن لم يَقْبَلوه في ظهور القمر؛ لأن ظهور القمر متعلق متعلق بالرؤية، وليس بالولادة للقمر في الأهلة. فحينئذ العلماء يقولون باتفاق: أنه مُعْتَبَر في مواقيت الشمس وهي دخول أوقات الصلوات الخمس ونحوها.
- ثم الأمر الرابع والأخير: الإخبار عن الحساب. ولماذا ذكرت الرابع؟ لأن أغلب الناس في وقتنا إنما هم يعرفون دخول الوقت بالإخبار عن الحساب، وهي الدرجة الرابعة، وهي أضعف الدرجات؛ فإن الناس إنما ينظرون في ساعاتهم ويسمعون المؤذنين الذين ينظرون الساعات التي تُقَدِّر المواقيت. لما قلت هذا؟ لأنه إذا جاء للشخص أحد العلامات الثلاث السابقة فتكون مُقَدَّمة على العلامة الرابعة في القوة. نعم. إذا تعارضت نحو ذلك. نعم.
قال مالك: “لم تزل الصبح ينادى لها قبل الفجر، فأما غيرها من الصلوات فإنا لم نَرَها ينادى لها إلا بعد أن يحل وقتها”. نعم.
كلام مالك هذا بنَصِّه تقدم معنا قبل ذلك. وقد تكرر بنَصِّه هكذا عند القعنبي، وأما غيره فمالك اقتصر على موضع واحد أو اقتصر الرواة بعد ذلك على موضع واحد. نعم.
🤲 افتتاح الصلاة
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، وقال: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد). وكان لا يفعل ذلك في السجود. نعم.
هذا حديث ابن عمر رضي الله عنه فيه أنه كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه. هذا هو محل الشاهد في التبويب؛ لأن مالكًا أورد هذا الحديث حينما قال: “افتتاح الصلاة”. فإن أول ما تُفتتح به الصلاة تكبيرة الإحرام، ويُستحب عندها رفع اليدين حذو المنكبين. وهذا عند عامة أهل العلم أنه مستحب الرفع. وقد جاء في حديث مالك بن الحُوَيرِث: أن رفع اليدين يكون بمحاذاة الأذنين حتى يبلغا أُذُنَيْه. ولأهل العلم في الجمع بين الحديثين مسلكان:
- فمن أهل العلم من يرى أن الجمع بينهما يكون من باب حكاية الحال، فترفَع الكفين حتى تكون حذو المنكبين. وهذا الذي ذكره جَمْعٌ من أصحاب مالك رحمه الله تعالى أن هذه الصفة هي التي تكون عند رفع اليدين في رفع كفيه عند التكبير، فتكون حذو منكبيه وفي نفس الوقت تكون حذو أذنيه، ربما رفعهما يسيرًا.
- ومن أهل العلم من يقول: إنها صورتان كلاهما جائزة، فتكون من اختلاف التنوع؛ لأنها حكاية حال. لكن الأفضل من الحالتين حديث ابن عمر، فيكون من باب اختلاف التنوع لكن الأفضل؛ لأن ابن عمر كان أكثر ملازمة للنبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر الأحاديث جاءت أنها كانت محاذاة المنكبين.
وبما تكون محاذاة المنكبين على القول الثاني ذكر جماعة من أهل العلم ومنهم الشيخ تقي الدين في “شرح العمدة”: أن محاذاة المنكبين تكون باعتبار وَسَط الكَفِّ لا باعتبار آخرها. فحينئذ عندما تريد أن تقول: هذا منكبيه، فتنظر لوسطها وهي مبدأ أصابعي، سيكون المحاذاة بهذه الصفة، فيكون التكبير عندها كذلك.
قال: (وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك). هنا ذكر الموضع الثاني وهو عند الرفع من الركوع، ولم يذكر عند الهوي للركوع. وهكذا لكنها جاءت في بعض نسخ القعنبي وغيره كما نقل ذلك الجوهري وغيره أنها قد جاءت في بعض نُسَخِ “الموطأ” الموضع الثالث فيكون عند الهوي وعند الرفع منه.
قال: (وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. وكان لا يفعل ذلك في السجود). أي وكان لا يرفع يديه عند السجود. وهنا عندنا مسألة في أن رفع اليدين التكبير لها موضع مستحب وهو عند تكبيرة الإحرام، وهناك موضع آخر وهو عند الهوي للركوع وعند الرفع منها، الذي وقد اختلفت الرواية فيه عن مالك. والذي ذهب إليه المتأخرون من أصحابه عدم استحباب رفع اليدين عند الهوي للركوع وعند الرفع منه. وقد أطال ابن عبد البر رحمه الله تعالى في هذه المسألة وألف فيها كلامًا طويلًا في تقرير أنه قد جاء عن مالك خلاف ذلك وأنه يُستحب رفع اليدين في هذين الموضعين. وأما عدم رفعهما فإنه مذهب مالك في “المدونة”. وسيأتينا إن شاء الله يوم الحديث فيما إذا تعارض مذهب مالك في “المدونة” و**”الموطأ”** أيهما المقدم. المقصود أن مالكًا المشهور عنده عدم استحباب هذين الموضعين عند المتأخرين، ولكن نُقِلَ عنه خلاف ذلك، وأطال ابن عبد البر في هذه المسألة حتى ألَّفَ به فيها جزءًا مفردًا. وأما كثير من علماء الحديث وقد ألَّفَ فيها ابن القيم جزءًا كبيرًا: أنها مُستحبة. وقُلْتُ: أهل الحديث؛ لأن البخاري ألَّفَ فيها كتابًا، والبيهقي ألَّفَ فيها كتابًا، وجمْعٌ جَمٌّ من علماء الحديث فيها كتبًا مفردة. بقي الموضع الرابع البحث فيه في كتب الفقه ليس هنا. نعم.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم: أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُكَبِّرُ كلما خَفَضَ ورَفَعَ، فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله تعالى. نعم.
هذا حديث علي بن الحسين في صفة تكبير النبي صلى الله عليه وسلم أنه في كل خفض ورفع. والمراد بالتكبير قول: “الله أكبر”، وليس المراد بالتكبير كما قد يتوهم بعض الطلبة أنه رفع اليدين بالتكبير، لا ليس مرادًا، أن هذا ليس مفهومًا من الحديث. وإنما المراد بالحديث قول: “الله أكبر”. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُكَبِّرُ في كل خفض ورفع. وبناء على ذلك فنقول: يُستحب التكبير في كل خفض ورفع وإن كان طارئًا كالهوي لسجود التلاوة والرفع منه كذلك. فيُستحب عند الهوي بسجود التلاوة وعند الرفع منه التكبير بأن يقول: “الله أكبر”.
الأمر الثاني: أن قوله: (كلما خَفَضَ ورَفَعَ) قد يُستدل بهذه الجملة على أن المشروع في تكبيرات الانتقال أن يكون حال الخفض وحال الرفع، حال الخفض وحال الرفع أي بين الركنين. وهذا هو محله. وقد جاءت أحاديث أصح من ذلك لغير هذا الموضع. نعم.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الصلاة. نعم.
هذا الحديث الذي قبله حكى الراوي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل كذا. وقد ذكر جَمْعٌ من الأصوليين ومنهم القاضي أبو يَعْلَى في “التعليق” أو في “العُدَّة”: أن الراوي إذا قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك فهذا محمول على الملازمة غالبًا. وحينئذ فإن كل مندوب حُكِيَ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله فإنه يدل على التأكيد فيه. وقول سليمان بن يسار: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الصلاة. المراد بها تكبيرة الإحرام وهي آكَدُ المواضع استحبابًا، ثم رفعها في الموضعين الآخرين الذي جاء عن ابن عمر.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه كان يصلي لهم فيُكَبِّرُ كلما خَفَضَ ورَفَعَ، فإذا انصرف قال: والله إني لأشبهكم صلاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. نعم.
هذا الأثر أو هذا الحديث عن أبي هريرة من فعله رضي الله عنه. ثم قال في آخره: (إني لأشبهكم صلاة برسول الله صلى الله عليه وسلم). هذا التشبيه يحتمل أمرين:
- إما أن يكون عامًا في كل الصلاة، فيكون أبو هريرة رضي الله عنه أشبه أصحابه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا الظن بصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
- والأمر الثاني وهو الظاهر من السياق، فإن دلالة السياق والسياق تدل عليه: أن المراد بالشبه أنه أشبههم في التكبير عند الخفض والرفع؛ لأنه جاء عن بعض أهل ذلك الزمان من طبقة التابعين من مَنَعَ من التكبير في كل خفض ورفع، وهُجِرَ قوله بعد ذلك ما قال العلماء.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن نُعيم بن عبد الله المُجْمِر وأبي جعفر القارئ: أنهما أخبراه أن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه كان يصلي بهم فيُكَبِّرُ كلما خَفَضَ ورَفَعَ، وكان يرفع يديه حين يُكَبِّرُ يفتتح الصلاة. نعم.
هذا الأثر رواه مالك عن نُعيم بن عبد الله المُجْمِر. ضُبِطَ اسمه بـالمُجْمِر وضُبِطَ بـالمُجَمَّر، وكلاهما ضَبْطٌ صحيح. وسُمِّيَ بذلك لأنه كان يُجَمِّرُ مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم الجمعة في مثل هذا اليوم. وهذا يدل على أن عمل أهل المدينة على استحباب التجمير للمسجد وخاصة في يوم الجمعة، وهو جَعْل الطيب على الجَمْر، جَعْل العود ونحوه العود القِمَارِيّ على الجَمْر ونحوه. وتطييب المساجد فيه.
أورد مالك هذا اللفظ لآخره فيه: (وكان يرفع يديه حين يفتتح الصلاة). هذه قد يُقال أنها استدلال لرواية مالك التي في “المدونة”: أن ما كان يفعله من رفع اليدين في ونقله سليمان بن يسار: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه في الصلاة محمول على أولها فقط وهو تكبيرة الإحرام. سيكون ذلك بمثابة التقييد أنه قال: (وكان يرفع يديه حين يُكَبِّرُ يفتتح الصلاة) وسكت عن الباقيات. نعم.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سالم بن عبد الله: أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يُكَبِّرُ كلما خَفَضَ ورَفَعَ. نعم.
أورد ابن أورد المصنف رحمه الله تعالى وهو الإمام مالك أثر ابن عمر. وهو شبيه بأثر أبي هريرة. ولكن من النظر في عادات الإمام مالك رحمه الله تعالى: أنه يَحرِصُ على آثار ابن عمر فيما فيه حكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم. وكل ما كان من باب حكاية فعل النبي صلى الله عليه وسلم فمعلوم أن من أكثر الصحابة تأسِّيًا به صلوات الله وسلامه عليه هو ابن عمر رضي الله عنهما، فقد كان يتأسى بالنبي صلى الله عليه وسلم كثيرًا. فمن عادات مالك في “الموطأ” عنايته بما يُنقَل عن ابن عمر في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، سيكون من باب التفسير لها. نعم.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع: أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كان إذا ابتدأ الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع من الركوع رفعهما دون ذلك. نعم.
هذا الأثر عن ابن عمر. فيه أمران:
- الأمر الأول: أنه كان يرفع يديه في تكبيرة الصلاة وفي الموضع الثاني عندما يرفع من الركوع. وقد يُقال أيضًا في عند رفعهما وعند هُوِيِّهِ للركوع. وهذا الأثر خالفه مالك في الرواية المشهورة عنه عن ابن القاسم، لكن وافقه في الروايات الأخرى المنقولة عنه: أنه يُستحب رفع اليدين في الموضع فالمواضع الأخرى غير الموضع الأول وهو تكبيرة الإحرام.
- المسألة الثانية: أن هذا الحديث فيه تفريق في صفة رفع اليدين بين تكبيرة الإحرام وتكبيرات الانتقال بعده. فتكبيرة الإحرام يرفعها حذو منكبيه، وتكبيرات الانتقال بعدها يرفعهما دون ذلك. دون ذلك يعني أقل ارتفاعًا. وهذا مُشْكِل. ووُجِهَ إشكاله: أنه قد جاء عن عبد الملك بن جُرَيج أنه قال: “قلت لنافع: أَكَانَ ابن عمر يجعل الأولى أرفع من الثانية؟ فقال نافع: لا”. وهذا تصريح من نافع بعدم التفريق بينهما. وقد نقل أبو داود السِّجِسْتَانِي الإمام الجليل صاحب “السُّنَن” أن أنه لم يذكر أن ابن عمر كان يرفعهما دون ذلك إلا مالك وحده. قال فيما أعلم: أن مالكًا تفرَّدَ بذلك من طريق نافع. بل قد جاء عن سالم أن سالم بن عبد الله بن عمر: أن أباه كان يرفع يديه حذو منكبيه عند افتتاح الصلاة ويرفعهما كذلك بعد ذلك حذو منكبيه عند رفعه من الركوع. وعلى العموم، فقد ذكرت لكم أن هذا مما نُقِلَ عن مالك، ولكن مالك أوثق من ابن جُرَيج، ولكن أهل العلم كأبي داود قَوَّى كلام ابن جُرَيج في نقله هذا.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي نُعيم وهب بن كيسان مولى الزبير عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: أنه كان أنه كان يعلِّمُهُم التكبير في الصلاة، قال: وكان يأمرنا أن نُكَبِّرَ كلما خَفَضْنَا ورَفَعْنَا. نعم.
هذا حديث جابر فيه: (كان يأمرنا) يدل على وجوب التكبير. وأما الجهر به فإنما هو مشروع للإمام، وسيأتي أحكام الإمامة في محلها.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب: أنه قال: إذا أدرك الرجل الركعة فكبر تكبيرة واحدة أجزأت عنه تلك تلك التكبيرة.
قال مالك: “وذلك إذا نوى بتلك التكبيرة افتتاح الصلاة”. نعم.
هذا الأثر عن ابن شهاب رحمه الله تعالى صورته فيما إذا دخل المسبوق مع الإمام وهو راكع. فهل يلزمه أن يكبر تكبيرتين؟ أم تكفيه تكبيرة واحدة؟ قال ابن شهاب الزهري: (إذا أدرك الرجل الركعة) يعني كان مسبوقًا وأدرك الإمام وهو في ركوعه. (فكبر تكبيرة واحدة أجزأت عنه تلك التكبيرة). لا يلزمه أن يكبر تكبيرة إحرام وتكبيرة أخرى تكون للركوع فيُدرِك الركعة بها. ومثلها أيضًا يُقال في الأركان الأخرى. وكلام ابن شهاب هنا مُطلَق. لكن مالكًا قَيَّده. قال مالك: “وذلك إذا نوى بتلك التكبيرة افتتاح الصلاة”. وهذا التقييد ذكره ابن عبد البر أنه ليس من باب التفسير وإنما من باب الزيادة؛ وذلك أن ابن شهاب الزهري كان لا يرى اشتراط هذه النية. وإنما الذي يرى اشتراطها مالك. إذًا فمالك هنا لم يُفَسِّر وإنما قَيَّد وزاد على قول ابن شهاب. وقول مالك صواب. ولذلك يقول فقهاؤنا: تُجزئ تكبيرة وتُستحب الثانية مُراعاة لخلاف مَن أوجب الثانية. فهو من باب مُراعاة الخلاف أن المأموم إذا دخل مع الإمام حال ركوعه أن يكبر تكبيرتين مُراعاة للخلاف فقط، وإلا فإن الواجب إنما هي تكبيرة واحدة. نعم.
قال مالك في الإمام يترك تكبيرة الافتتاح حتى يَفْرُغَ من صلاته: “قال: أرى أن يُعيد ويُعيد مَن خلفه الصلاة إذا إذا كان لم يُكَبِّر تكبيرة الافتتاح، وإن كان مَن خلفه قد كبروا”. نعم.
هذا فيه دليل على أن تكبير الافتتاح ركن لا تنعقد الصلاة إلا بها. وحينئذ إذا لم تصح بطلت الصلاة كلها. وإذا كان الإمام لم يكبر تكبيرة الإحرام، وإنما دخل من غير تكبير بأن ترك التلفظ بـ**”الله أكبر”** ونحو ذلك أو أتى بلفظة لا تُجزئ عنها، فإن صلاته لا تصح. ومَن صَحَّ لم ومَن بَطَلَتْ صلاة إمامه بطلت صلاته إذا كان مأمومًا. وهذا الذي نص عليه مالك. قال: (ويُعيد مَن خلفه إذا كان لم يُكَبِّر تكبيرة الافتتاح) التي هي الإحرام، يقصد به الإمام. (وإن كان مَن خلفه قد كَبَّرُوا). فالعبرة بالإمام. وقد جاء في حديث أبي هريرة وعائشة وغيرهما: (إنما جُعِلَ الإمام ليُؤتَمَّ به). مفهوم هذا الحديث: أنه إذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة المأموم في الجملة؛ لأن لها استثناءات قليلة قد يأتي الإشارة إليها في محلها. نعم.
قال: سُئِلَ مالك عن رجل دخل مع الإمام في الصلاة فنسي تكبيرة الافتتاح وتكبيرة الركوع حتى صلى ركعة، ثم ذكر أنه لم يكن كبر عند الافتتاح ولا عند الركوع وكبر في الركعة الثانية. قال: “يَبتَدِئُ صلاته أحبُّ إليَّ، ولو سَهَا مع الإمام عن تكبيرة الافتتاح وكبَّرَ للركوع رأيت ذلك مُجْزِئًا عنه”. نعم.
هذه المسألة من المسائل التي كثر الكلام فيها حتى قال بعض المتأخرين: اضطرب أصحاب مالك في هذه المسألة اضطرابًا كبيرًا. يهمنا من هذه المسألة الإيجاز في المسألة. أن صورة هذه المسألة: أنه إذا دخل الرجل مع الإمام في الصلاة فنسي تكبيرة الافتتاح ونسي تكبيرة الركوع حتى صلى ركعة، ثم ذكر أنه لم يكبر تكبيرة الافتتاح التي هي تكبيرة الإحرام ولا عند الركوع واكتفى بتكبيرته في الثانية. فقال مالك: “يَبتَدِئُ صلاته أي يُعيدها ويَستأنفها أحبُّ إليَّ”. محل الإشكال في قوله: أحب إليَّ. ووُجِهَ ذلك أن قول مالك: أحب إليَّ يدل على أنه يجوز ألا يبتدئ الصلاة؛ فإن الأفضل عنده أن يبتدئ. ومن هذا أُخِذَ قول للإمام مالك، أخذه صاحب “المسالك”، أخذ منه قولًا لمالك أن تكبيرة الإحرام سُنَّة وليست بواجب؛ قال: لأنه قال: “يَبتَدِئُ أحب إليَّ”. ولذلك قال بعض شراح “موطأ مالك”: إن قول مالك هنا: أحب أي على سبيل الوجوب، لا على سبيل الندب. ولذلك قلت لكم: أن بعضًا من متأخر الشراح قال: هذه المسألة مما اضطرب فيها اضطرابًا كبيرًا في توجيهها. وعلى العموم، فكلامه الأول قد يكون أصلح في توجيه من توجيه كلامه الثاني. نعم.
قال مالك في الذي يصلي لنفسه في تَرْك تكبيرة الافتتاح ويُكَبِّرُ للركوع: “إنه يستأنف صلاته”. نعم.
هذا واضح وهي متفق مع كلام الأول والثاني حيث قلنا أن قوله: أحب بمعنى أنه يجب، أحب وجوب ونحو ذلك.
📖 باب القراءة في المغرب
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن محمد بن جُبَير بن مُطعِم عن أبيه رضي الله عنه: أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ بالطور في المغرب. نعم.
هذا الحديث فيه بيان ما يُقرَأ فيه في صلاة المغرب. وقوله: (قرأ بالطور) أي قرأ بسورة الطور كاملة. وهذا يدل على أنه يجوز الزيادة عن الخروج عن قصار المُفَصَّل ويقرأ فيها في المغرب وفي غيرها. نعم.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أنه قال: إن أم الفضل بنت الحارث رضي الله عنها سمعته وهو يقرأ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾ [المرسلات: 1]، فقالت: يا بُنَيَّ، لقد ذكرتني بقراءتك بقراءتك هذه السورة، إنها لَآخِرُ ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب. نعم.
هذا فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بالمرسلات في آخر حياته. فدل على مشروعية القراءة في هذه السورة في صلاة المغرب من جهة. وقولها: (إنها لَآخِرُ ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم) يدل على أن هذا الحكم ليس بمنسوخ؛ لأنه من آخر ما فَعَلَه. والنسخ أحيانًا قد يكون للمشروعية وقد يكون للندب؛ لأن من أهل العلم من يرى ندب الملازمة لقصار المفصل في المغرب. وفعل النبي صلى الله عليه وسلم في آخر حياته يدل على عدم ندب الملازمة لقصار المفصل، وإنما الخروج عنه لبعض المفصل أو لخارجها كما سيأتي. نعم.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي عُبَيد مولى سليمان بن عبد الملك أن عُبَادة بن نُسَيٍّ أخبره: أنه سمع قيس بن الحارث يقول: أخبرني أبو عبد الله الصنابحي أنه قدم المدينة في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وصلى وراء أبي بكر الصديق المغرب، فقرأ أبو بكر رضي الله عنه في الركعتين الأوليين بـأم القرآن** وسورة من قصار المُفَصَّل، ثم قرأ في الركعة الثالثة، فدنوت حتى إن ثيابي لتكاد أن تَمَسَّ ثيابه، فسمعته قرأ بـأم القرآن** وبهذه الآية ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8].
هذا الحديث رواه مالك من طريق عُبَادة بن نُسَيٍّ. وعُبَادة بن نُسَيٍّ هو عامل عبد الملك بن مروان. وهكذا رواه القعنبي على الاسم الصحيح عُبَادة؛ لأن يحيى بن يحيى الليثي صَحَّفَ في اسمه وقال: عَبَّاد بن نُسَيٍّ، وهذا ليس بصحيح، وإنما هو عُبَادة.
فيه أنه سمع قيس بن الحارث يقول: أخبرني أبو عبد الله الصنابحي. قوله: الصنابحي هذه نسبة لقبيلة من العرب كما قال الإمام مالك، فإن الصنابحي نسبة لقبيلة من العرب. وقد حكى بعض أهل العلم كيحيى بن مَعين أن أبا عبد الله الصنابحي له صُحبة، ولكن كثير ممن عُنِيَ بالصحابة نفى ذلك. نعم هو أدرك زمن أبي بكر لكن هل له صُحبة؟ هذا الذي فيه نزاع في المسألة.
قال: (قَدِمَ المدينة في خلافة أبي بكر الصديق، وصلى وراء أبي بكر الصديق المغرب) أي في خلافة أبي بكر. (فقرأ أبو بكر رضي الله عنه في الركعتين الأوليين بـأم القرآن** وسورة من قصار المُفَصَّل). هذا يدل على أن المغرب يُشرَع فيها قراءة قصار المُفَصَّل. بل قد جاء أن عمر رضي الله عنه كتب للأنصار وعماله عليها أن يقرأوا في المغرب بـقصار المُفَصَّل. وقصار المُفَصَّل عند مالك وغيره من الضحى إلى آخر القرآن سورة الناس. فدل ذلك على أن قراءة قصار المُفَصَّل إنما هو باعتبار أغلب الأحوال.
قال: (ثم قرأ في الثالثة، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد أن تَمَسَّ ثيابه، فسمعته قرأ بـأم القرآن** وبهذه الآية ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾). هذه فيها ثلاثة أمور:
- الأمر الأول: ذكرته قبل قليل وهو قراءة شيء بعد الفاتحة في الثالثة والرابعة. وسيأتي الكلام عن حُكْم هذه المسألة.
- الأمر الثاني: أن أبا عبد الله السنابحي دنا من الإمام وهي حركة يسيرة لأجل التعلُّم لا لصلاته، فقد كان قريبًا منه ثم دنا ليسمع قراءته.
- الأمر الثالث: أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه حينما كان يقرأ كان يُسمِعُ نفسه. وذلك أن العلماء إن يقولون: إن الجهر الذي إن القراءة لا تتحقق إلا بوجود أحد أمور. فمن أهل العلم من يقول: تتحقق بـأقل ما تكون به القراءة وهو تحريك اللسان والشفتين لانعقاد أهل انعقاد الإجماع عند أهل العلم: أنه لا يوجد كلام إلا بحرف وصوت. حكى الإجماع أبو الخطاب والنووي وغيرهم من أهل العلم قالوا: وفي البشر لا يكون حرف وصوت إلا بتحريك لسان وشفتين. هذا قول. والقول الثاني قيل: إن أقل ما تتحقق به القراءة أن يُسمِعَ نفسه. الأول اختيار الشيخ تقي الدين. والثاني هو المشروع عند فقهائنا أن يسمع نفسه، فيكون أعلى من أن يُحَرِّك لسانه وشفتيه. ثم أعلى من ذلك وهو ليس واجبًا أن يُسمِعَ مَن بجانبه وهي التي قرأ بها أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهو يسمع من كان بجانبه فقط إذا لم يؤذهم.
قال: (فسمعته قرأ بـأم القرآن** وبهذه الآية). قراءته بهذه الآية تدلنا على أمرين:
- أمر أول ذكرته قبل قليل وهو قراءة شيء بعد الفاتحة في الثالثة والرابعة.
- والأمر الثاني: أن أبا بكر الصديق قرأ بـبعض سورة، فإنه يجوز قراءة بعض السورة ولكن لابد أن تتحقق لتحقق السُنَّة أن يقرأ بآية كاملة. ولذلك قال: (قرأ بهذه الآية) أي كاملة. فلا تتحقق السنية إلا بآية كاملة، ولكن الأكمل أن تقرأ سورة كاملة.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع: أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كان إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعًا في كل ركعة بـأم القرآن** وسورة من القرآن، وكان يقرأ أحيانًا بالسورتين والثلاث في الركعة الواحدة في صلاة الفريضة، ويقرأ في الركعتين من المغرب كذلك بـأم القرآن** وسورة سورة مرتين. نعم.
هذا الأثر عن ابن عمر رضي الله عنه فيه أنه كان إذا صلى وحده أي صلى مُنفردًا. (يقرأ في الأربع) يعني في الصلوات الأربع وهي الظهر والعصر وهي الفرائض. قال: (يقرأ في الأربع جميعًا في كل ركعة بـأم القرآن** وسورة من القرآن). قوله: (يقرأ في كل ركعة بـأم القرآن**)** هذا على سبيل الوجوب، فإن قراءة الفاتحة واجبة. وقوله: (وسورة من القرآن) هذا على سبيل الندب. وقد كان ابن عمر رضي الله عنه يُستحب قراءة سورة بعد الفاتحة في الثالثة والرابعة. وخالفه مالك في ذلك، فإن مالكًا كره قراءة سورة بعد الفاتحة في الثالثة والرابعة. ودليله على ذلك ما جاء من حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الأخيرتين بـأم القرآن وسكت عما عداه. ولكن ذهب أحمد إلى أن القراءة بعد الفاتحة جائز الثالثة والرابعة لوروده عن الصحابة وليس بمكروه. فما الظن بأبي بكر ولا ابن عمر رضي الله عنهما أن يفعلوا مكروهًا مع علمهم وشدة تأسيهم بالنبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: قال أي نافع: (وكان يقرأ أحيانًا بالسورتين والثلاث في الركعة الواحدة). هذا فيه أنه يجوز أن تُقرَأ سورتان أو ثلاث سور في الركعة الواحدة. ولكن أكثر ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقرأ في الركعة الواحدة بسورة واحدة. وقد جاء أنه قرأ أكثر من سورة كما في حديث ابن مسعود افتتح بالبقرة ثم آل عمران. ولكن أكثر أحواله صلوات الله وسلامه عليه أنه كان يقرأ بالسورة الواحدة. ولذلك قال نافع: (وكان يقرأ أحيانًا) يعني ابن عمر (بالسورتين والثلاث). وهذا ليس دائمًا وإنما قليلًا ولو كانت الصلاة فريضة أو نافلة. قال: (ويقرأ في الركعتين من المغرب كذلك بـأم القرآن** وسورة سورة مرتين). نعم. كما سَبَقَ في الصلوات السابقة.
🌅 القراءة في الصبح
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه: أن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه صلى الصبح فقرأ فيها بسورة البقرة في الركعتين كِلْتَيْهِمَا. نعم.
هذا شَرَعَ الإمام مالك رحمه الله تعالى بالحديث عن ما في صلاة الصبح وأورد بعضًا من الآثار في الباب. أولها ما جاء عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه صلى الصبح فقرأ فيها بسورة البقرة في الركعتين كِلْتَيْهِمَا. هذا يدلنا على مسألتين:
- إطالة قراءة الصحابة رضوان الله عليهم، وسيأتي ما يؤيده بعد قليل.
- والأمر الثاني جواز تجزئة السورة بين الركعتين.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه: أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: صلينا وراء عمر بن الخطاب رضي الله عنه الصبح، فقرأ فيها بسورة يوسف وسورة الحج قراءة بطيئة، فقلت: والله إذًا لقد كان يقوم حين يطلع الفجر. قال: أَجَلْ. نعم.
هذا الأثر عن عمر رضي الله عنه. فيه أنه قرأ في الصبح بسورتين: في الركعة الأولى بسورة يوسف وفي الثانية بسورة الحج. وكانت قراءته بطيئة أي على تمهُّل. وقد ألَّفَ ابن البَنَّاء رحمه الله تعالى جزءًا لطيفًا في صفة قراءة القرآن وتجويده. والذي نُقِلَ عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه رضوان الله عليهم: فأسرعها هو الحَدْر وأقلها التمهل وهي قراءة عمر في هذا الموضع. فإن من القراءة ما يكون فيها التمهل وفيه الترجيع وهناك قراءة الترجيع وهناك الحَدْر. فمن قراءة التمهل هي القراءة البطيئة.
قال: (فقلت: إذًا لقد كان يقوم حين يطلع الفجر. قال: أَجَلْ). دلَّ ذلك على أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يصلون الفجر يبتدئون صلاة الفجر في غَلَس ويختتمونها في إسفار. ومعنى قوله: حين يطلع الفجر أي حينما يَقْرُب طلوعه، لا أنه يطلع الفجر ويخرج وقت صلاة الفجر وهم في صلاتهم، وإنما يكون هناك إسفار، يكون هناك إسفار. فهنا معنى قوله: يطلع الفجر يعني يخرج النور ويُسْفِر. وتقدم معنا أن الإسفار مُستحب في آخر الصلاة لا في أولها لأجل إطالة الصلاة.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد وربيعة بن أبي عبد الرحمن عن القاسم بن محمد: أن الفُرَافِصَة بن عُمَير الحنفي قال: ما أخذت سورة يوسف إلا من قراءة عثمان بن عفان رضي الله عنه إياها في الصبح من كثرة ما كان يُرَدِّدُها. نعم.
هذا فيه أن عثمان رضي الله عنه كان يقرأ سورة يوسف كثيرًا في صلاة الصبح. هذا يدل على إطالة القراءة أولًا. والأمر الثاني ملازمة السورة أنه ليس فيها كراهة إذا كانت تُقرَأ كثيرًا لا دائمًا.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع: أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يقرأ في الصبح في السفر بالعشر الأول من المُفَصَّل في كل ركعة بسورة. نعم.
المُفَصَّل عند أهل العلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: طوال وقصار وأواسط بينهما. والمشهور عند متأخري المالكية: أن الطوال تُبتَدَأ من سورة الحجرات تنتهي إلى سورة عَبَس، وأن الأواسط من عَبَس إلى الضحى وقصارها من الضحى إلى آخر القرآن. وعندما نقول إلى فإن الحد لا يدخل في المحدود، فما بعدها ليس داخلًا فيما قبلها. وهذا التقسيم هو المشهور عند أصحاب مالك لـتقسيم المفصل، كلام بل قد أُلِّفَتْ فيه مؤلفات مفردة. وقد جاء عن عمر رضي الله عنه مثل ما جاء عن ابنه: أنه يُستحب قراءة طوال المُفَصَّل في صلاة الصبح. وفي قوله نقلًا عن ابن عمر: في كل ركعة سورة يدل على استحباب أن يقرأ في الركعة سورة كاملة.
🕋 العمل في القراءة
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن إبراهيم بن عبد الله بن حُنَين عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لُبْس القَسّ (القَسِّيِّ) والمُعَصْفَر، وعن التختم بالذهب، وعن القراءة في الركوع. نعم.
محل الشاهد من هذا الحديث قوله: (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن القراءة في الركوع). وقد ذكر ابن عبد البر أن جميع العلماء مُجمعون على أنه لا تجوز القراءة في الركوع، لكن لو فَعَلَ فإن صلاته لا تفسد.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن أبي حازم التَّمَّار عن البَيَاضِيّ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على الناس وهم يصلون وقد عَلَتْ أصواتهم بالقرآن، فقال: (إن المُصَلِّي يُنَاجِي ربه عز وجل، فلينظر ما يُنَاجِيه، ولا يَجهَر بعضكم على بعض بالقرآن). نعم.
البَيَاضِيّ هذا هو فَرْوَة بن عمرو من الصحابة شهد بدرًا. وخروج النبي صلى الله عليه وسلم على الناس وهم يصلون أي فُرَادَى يقرؤون بأصوات عالية، فنَهَى أن يَجهَرَ بعضهم على بعض.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب رضي الله عنه: أنه قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العَتَمة فقرأ فيها بالتين والزيتون.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن حُميد الطويل عن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنه قال: قُمْتُ وراء أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم، فكلهم لا يقرأ بـبسم الله الرحمن الرحيم** إذا افتتح الصلاة. نعم.
هذا أثر في أنس رضي الله عنه أنه صلى وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم لا يقرأ بـبسم الله الرحمن الرحيم** إذا افتتح الصلاة. أخذ من ذلك مالك في مشهور مذهبه فيما نقله ابن القاسم في “المدونة”: أنه تُكرَهُ قراءة البسملة في الفريضة وتجوز في النافلة. فحَمَلَ قوله: لا يقرأ أي عدم القراءة بالكلية. ولكن الظاهر وهو الذي دل عليه سياق أثر أنس رضي الله عنه: أن قوله: لا يقرأ أي لا يَجهَر. ولذلك فإن مذهب أحمد وهو الذي دلت عليه الآثار الأُخَر: أن الجهر بالبسملة مكروه في الصلاة عمومًا؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم لم يفعلوها، وإنما فَعَلَها أبو هريرة وحده. ولا يُعرَف أن أحدًا من الصحابة وافق أبا هريرة في الجهر بالبسملة. الجهر بالبسملة مكروه. وأما ما يُفهَم من الحديث وهو القراءة مطلقًا، أليس كذلك؟ لأن البسملة آية قبل الفاتحة. وقد عَدَّ بعض علماء الإقراء البسملة آية من الفاتحة كما تعلمون ذلك وهو عَدُّ بعض علماء الإقراء كالكوفيين، فإن الكوفيين يرون أن البسملة آية من الفاتحة كما تعلمون بخلاف عَدِّ المدنيين والمكيين، فإن أول آية عندهم هي: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]. وعلى كل، فإن البسملة آية إما من الفاتحة أو قبل الفاتحة. ولذلك يُستحب قراءتها خلافًا لما نقله ابن القاسم عن مالك. نعم.
قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن عمه أبي سُهيل بن مالك عن أبيه: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يَجهَر بالقراءة، وأن قراءته كانت تُسمَع عند دار أبي جَهْم بالبِلاط. نعم.
هذا في استحباب الجهر بالقراءة؛ لأن بعض خلفاء بني أمية امتنع من الجهر بالقراءة ومن الجهر بالتكبير، ويجعل خَلْفَهُ مُناديًا يَجهَر به عنه. هنا عمر كان يَجهَر بالقراءة والتكبير.
وصلى الله وسلم على محمد.