الدرس 5 من شرح موطأ مالك – عبدالسلام الشويعر

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد.

​فاللهم اغفر لشيخنا ولوالديه وللحاضرين ولعموم المسلمين. وبإسنادكم حفظكم الله.

​وقال رحمه الله تعالى في باب: في العمل في القراءة:

​حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع أن ابن عمر كان إذا فاته شيء من الصلاة مع الإمام، فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة؛ أنه إذا سلَّم الإمام قام عبد الله ابن عمر يقرأ لنفسه فيما يقضي.

​بسم الله الرحمن الرحيم.

​الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.

​ثم أما بعد: هذا هو لقاؤنا الخامس في قراءة كتاب الإمام مالك “الموطأ” في رواية عبد الله بن مسلمة بن قعنب رحمه الله تعالى.

​وقد مر معنا في درس الأمس أن الإمام مالكًا رحمه الله تعالى أقرأ “الموطأ” سنين طوالًا، حتى ذكر أنها قد جاوزت أربعين عامًا. وأن بعض الناس قرأه عليه في أيام معدودة، وبعضهم قرأه عليه في شهور طوال. وقد تعددت الروايات عن الإمام مالك لهذا الكتاب الجليل، وأوصل بعضهم أسماء من بلغنا روايته لـ “الموطأ” بأكثر من مائة راوٍ.

​وأما النسخ التي وصلت إلى العلماء في القرن الرابع والخامس – كما نقل ذلك عياض – فهي نحو من عشرين أو ثلاثين نسخة، والنسخ التي وصلتنا كاملة أو بعضها هي أقل من عشر نسخ، وإنما هي تسع نسخ وروايات.

​هذا الأمر جعل أهل العلم رحمهم الله تعالى يعتنون بإنشاء فن من التأليف، وهو المقارنة بين ما رواه أصحاب مالك عن مالك في “الموطأ”. ولذا، فقد انتدب جمع من كبار أهل العلم رحمهم الله تعالى للمقارنة بين “الموطآت”. وممن عني بهذا، وخاصة ما يتعلق بالأحاديث المرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم، سواء كانت متصلة أو مرسلة أو بلاغًا عن مالك، جمع من أهل العلم منهم: الإمام الجليل المبجل أبو الحسن الدارقطني رحمه الله تعالى، فإن له كتابًا مطبوعًا ومتداولًا أسماه: اختلاف الموطأ، قارن فيه بين الأحاديث التي رُويت عن الإمام مالك في “الموطأ” في الروايات التي قارن بينها – وهي سبع وهي ثمان نسخ من “الموطأ” – وقارن بها روايات غير “الموطأ”، فإن مالكًا روى عنه جماعة، روى عنه الأحاديث جماعة في خارج “الموطأ”. فقارن رواية أصحاب مالك في “الموطأ” وفي غيره في هذا الكتاب الجليل على صغر حجمه.

​وممن ألَّف في اختلاف “الموطآت” كذلك: أبو القاسم الجوهري في كتابه: مسند الموطأ، وجعل عمدته رواية الكتاب الذي بين أيدينا، وهي رواية القعنبي، وقارن بها نحو عشرة نسخ، وذكر الفروقات بينها في الأحاديث المسندة، في الأحاديث المرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم دون الموقوفة ودون رأي مالك.

​وممن عني بهذا الباب، بهذا الفن من التأليف وكتابه مطبوع: أبو العباس الداني في كتابه العظيم: كتاب الإيماء بأطراف الموطأ، فإنه جمع أطراف “الموطأ” وذكر الفروقات بين رواة “الموطأ” وأضاف إلى ذلك أغراضًا أُخَر.

​ولا شك أن من أجلِّ من جمع ذلك بعد هؤلاء ولكنه مضمنًا لغيره هو: الإمام الحافظ، حافظ المغرب، أبو عمر ابن عبد البر في كتابه عديم النظير، وهو كتاب: التمهيد لما في الموطأ من الأسانيد أو نحو ذلك في اسم هذا الكتاب العظيم. وهذا كتاب لم يُؤلَّف مثله لا بعده ولا قبله، مما يدل على جلالة الإمام الحافظ أبي عمر ابن عبد البر رحمه الله تعالى، ورحم جميع علماء المسلمين.

​فالمقصود أن هذا الاختلاف أنشأ فنًا من التأليف، وهو اختلاف الموطآت.

​كنا قد توقفنا بالأمس عند الحديث الذي رواه مالك عن نافع: أن ابن عمر كان إذا فاته شيء من الصلاة مع الإمام فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة أنه إذا سلَّم الإمام قام عبد الله ابن عمر يقرأ لنفسه فيما يقضي.

​هذا الأثر عن عبد الله ابن عمر أورده الإمام مالك رحمه الله تعالى في هذا الباب، وهو العمل في القراءة. ووجه الاستدلال من فعل ابن عمر رضي الله عنه من أوجه:

​الوجه الأول: أن ابن عمر رضي الله عنه إذا كان مسبوقًا ببعض الصلاة – ركعة أو أكثر – فإنه كان يقضي ما فاته. وقوله: يقضي ما فاته يدل على أن ابن عمر كان يقرأ الفاتحة ويقرأ بعد الفاتحة سورة أخرى. وهذا يدل على مذهب عبد الله ابن عمر رضي الله عنه أن ما أدركه المأموم مع الإمام هو آخر صلاته، وأن ما يقضيه هو أول صلاته كما قد يُفهم من هذا الأثر.

​والأمر الثاني مما يستدل به، مما يستدل عليه بهذا الأثر: وهو أن المسبوق يشرع له الجهر بالقراءة. وذلك أن ابن عمر – فيما قد يُفهم من هذا الأثر – أنه جهر في قراءته، بشرط ألا يؤذي غيره في القراءة.

​نعم، قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن يزيد ابن رومان أنه قال: كنت أصلي إلى جنب نافع ابن جبير ابن مطعم فيغمزني فأفتح عليه وهو يصلي.

​نعم، هذا الأثر الذي نقله الإمام مالك عن نافع ابن جبير ابن مطعم – وهو من كبار فقهاء أهل المدينة – يستفاد منه أمران:

​الأمر الأول: أنه قد استقر عند علماء المدينة أنه يُفتح على قارئ القرآن، سواء كانت صلاته صلاة منفرد أو كان إمامًا، وليس في ذلك مانع من الفتح عليه.

​الأمر الثاني: أن الحركة التي فعلها نافع هي من الحركة اليسيرة التي لا تُبطل الصلاة. وهذا الأثر الذي نقله مالك عن نافع ليس لأن نافعًا قوله حجة، وإنما لبيان أن هذا الفعل منتشر بين فقهاء المدينة ولم ينكره أحد، فأراد مالك أن يبين أن مما يُعرف ويُتداول بين أهل المدينة وفقهائها هذا الحكم، ولم ينكره منهم مُنكِر.

​نعم، قال: ما جاء في أم القرآن.

​حدثنا القعنبي عن مالك عن العلاء ابن عبد الرحمن أن أبا سعيد مولى عامر بن كُرَيْز أخبره:

​(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نادى أُبيَّ بن كعب وهو يصلي، فلما فرغ من صلاته لحقه، قال: فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على يدي – قال: وهو يريد أن يخرج من باب المسجد – فقال: إني لأرجو أن لا تخرج من المسجد حتى تعلم سورة ما أُنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الفرقان مثلها. قال: فجعلت أبطئ في المشي رجاء ذلك، ثم قلت: يا رسول الله، السورة التي وعدتني؟ فقال: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ فقرأت: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] حتى أتيت على آخرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي هذه السورة، وهي السبع المثاني، والقرآن العظيم الذي أُعطيت).

​نعم، هذا التبويب من مالك رحمه الله تعالى: ما جاء في أم القرآن، أورد فيه عددًا من الأخبار فيما يتعلق بسورة الفاتحة في فضلها، وما يتعلق بحكمها، بحكم قراءتها في الصلاة.

​أول ما في الباب الحديث الذي أورده مالك عن العلاء ابن عبد الرحمن أن أبا سعيد مولى عامر بن كُرَيْز. في “موطأ” الإمام مالك رجلان: أحدهما ابن كُرَيْز والآخر ابن كُرَيز. فالأول بالضم وهو المذكور هنا، والثاني روى عنه مالك أكثر من خبر، وهو طلحة ابن عبيد الله ابن كُرَيز. وبعض الرواة يهم فيجعل الاثنين ضبطهما واحد، وليس كذلك. وأراد بعضهم أن يفرق بينهما فذكر: أن المضمومة كُرَيْز إنما هي في قريش، فإن عامر بن كُرَيْز كان قرشيًا. وأما المفتوحة كُرَيز فإنها في خزاعة، فإن الخزاعيين يسمون أبناءهم بالفتح لا بالضم. وطلحة بن عبيد الله بن كُرَيز الخزاعي، وأما عامر بن كُرَيْز، الذي أبو سعيد الذي يكون أبو سعيد مولاه هو قرشي.

​في هذا الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم نادى أُبيًا وهو يصلي، فلما فرغ من صلاته لحقه). مناداة النبي صلى الله عليه وسلم واجبة الإجابة، فيجب على من كلمه النبي صلى الله عليه وسلم أن يجيب، وهذا من خصائصه صلوات الله وسلامه عليه. وهذا حكم أخذ منه الإمام أحمد في قصته لذي اليدين حكم سيأتينا إن شاء الله: أن جواب الصحابة للنبي لما سألهم: أصدق ذو اليدين؟ أن هذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم. وهذا حكم سيأتي بمحله إن شاء الله.

​لكن المقصود هنا أنه لما نادى أُبيًا، فإن أُبيًا أجاب، لكن على التراخي اليسير، فلما فرغ من صلاته أجاب، ولا يكون في ذلك قطع لصلاة أُبي رضي الله عنه.

​قال: (فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على يدي). في هذا ليس فيه مصافحة، وإنما وضع اليد على اليد، إما على ظاهرها، وهذا الفعل من النبي صلى الله عليه وسلم هو من باب الرحمة، ومن باب اللطف وحسن المعاملة مع أصحابه صلوات الله وسلامه عليه. وهذا من عادة العرب أنهم إذا أرادوا أن يسارُّوا أحدًا أو يناجوه جعلوا أكفهم على أكفهم، فجعل كفه على كف صاحبه أو نحو ذلك.

​قال: (وهو يريد)، يعني النبي صلى الله عليه وسلم، (أن يخرج من باب المسجد). قال عليه الصلاة والسلام: (إني لأرجو أن لا تخرج من المسجد حتى تعلم سورة ما أُنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها). وهي الفاتحة، فإن الله عز وجل اختص بها أمة محمد صلى الله عليه وسلم.

​فقال أُبي: (فجعلت أبطئ في المشي رجاء ذلك). وهذا من أدبه رضوان الله عليه.

​قال: (ثم قلت: يا رسول الله، السورة التي وعدتني؟ فقال: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟). قول النبي صلى الله عليه وسلم: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ فيه دليل على أن قراءة الفاتحة في الصلاة لازمة. وهذا هو محل الشاهد فيه.

​قال: (فقرأت: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]). استدل بعض أصحاب الإمام مالك بقول أُبي: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] أن البسملة ليست آية من الفاتحة. ومر معنا في درس الأمس أن علماء الإقراء وكذا علماء الفقه مختلفون على قولين: هل البسملة آية من الفاتحة أم لا؟ وأن العراقيين يعدونها آية، وأما المدنيون والمكيون فلا يعدونها آية من الفاتحة. والذين لا يعدونها آية من الفاتحة لا ينفون كونها آية. فإن {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} آية حيث كتبت فهي آية أنزلها الله عز وجل للفصل بين السور، إلا بين الأنفال والتوبة، فلم تُورد فيها البسملة كما تعرفون في الخبر عن عثمان رضي الله عنه. فالمقصود أنها آية من القرآن حيث كتبت، لكنها ليست آية في الفاتحة عند كثير من علماء الإقراء وأكثر الفقهاء. وإنما خالف في ذلك أصحاب الشافعي فعدوا البسملة آية من الفاتحة. ورووا فيه حديثًا، لكنه لا يثبت عند الدارقطني، عند دارقطني في “السنن”.

​إذا، فالبسملة ليست آية من الفاتحة، وإنما هي آية قبل الفاتحة. ومر معنا بالأمس أن أهل العلم قالوا: هل يُشرع قراءتها في الصلاة؟ فنقول: إن في المسألة قولين، للسنة أنهم استحبوا قراءتها، خلافًا لما اشتهر عند كثير من أصحاب مالك: عدم قراءتها.

​قال: (حتى أتيت على آخرها)، فقلت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (هي هذه السورة، وهي السبع من المثاني، والقرآن العظيم الذي أُعطيت). لأن الله عز وجل ذكر في كتابه: {وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ} [الحجر: 87]. وهذا نص على أن المراد بالسبع المثاني هي الفاتحة. نعم، جاء عن ابن عباس أن السبع المثاني هي الطوال السبع الطوال.

​وسميت هذه السورة سبعًا لأن فيها سبع آيات، وهي بإجماع سبع آيات. وسميت مثاني لأنها تُثنى أي تُكرَّر، فتُكرَّر في كل ركعة من ركعات الصلاة. وهذا يدلنا على أنها واجبة أو ركن في كل ركعة من أركان الصلاة.

​قال: (والقرآن العظيم). وهذا من باب تسمية البعض باسم الكل لشرفه. فإن البعض قد يسمى باسم الكل، والكل باسم البعض لمعانٍ سيأتي الإشارة لبعضها منها: الشرف.

​نعم، قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي نعيم وهب بن كَيْسان أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فلم يُصلِّ إلا وراء الإمام.

​نعم، هذا حديث أو خبر جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه قال: من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم الكتاب، أي لم يقرأ في هذه الركعة بسورة الفاتحة، فلم يُصَلِّ. قوله: فلم يُصَلِّ أي أن صلاته غير صحيحة وباطلة. فدل ذلك على أن قراءة الفاتحة في الصلاة ركن فيها أو واجب على النزاع بين أهل العلم: هل هي ركن أو واجب في الحالتين، أو على – يعني على خلاف بينهم في جزئية متعلقة بالركنية والوجوب. ثم استثنى من ذلك استثناء متصلًا فقال: إلا وراء الإمام. فدل ذلك على أن المأموم تسقط عنه قراءة الفاتحة ولا يلزمه قراءتها.

​وهذا الأثر عن جابر رضي الله عنه رُوي مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم من حديث جابر ومن حديث غيره. وإن كان إسناده فيه إرسال، إلا أن رجاله ثقات كما قال الحافظ ابن كثير: فقد رُوينا في الحديث بإسناد رجاله ثقات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة). ومن القواعد التي بعض أهل العلم: أن الحديث إن كان مرسلًا وصح موقوفًا، فإن هذا يقوي الاحتجاج به. وقد جاء موقوفًا من حديث جابر كذلك كما هنا. وله طرق أيضًا عن جابر. فقول جابر صريح في أن المأموم لا تلزمه القراءة، وسيأتي تفصيله في كلام المصنف أكثر بإذن الله.

​قال: حدثنا القعنبي عن مالك أنه بلغه: أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يقول: من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة، ومن فاتته قراءة أم القرآن فقد فاته خير كثير.

​نعم، هذا الأثر عن أبي هريرة رضي الله عنه وهو من بلاغات مالك: أن أبا هريرة كان يقول: من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة. معنى قول أبي هريرة هنا: أي أن من ركع وكان مأمومًا قبل أن يرفع الإمام من الركوع، فإنه يكون حينئذٍ أدرك السجدة، أي أدرك الركعة كاملة. فيكون سجوده مُعتدًّا به، فحينئذٍ يكون قد أدرك الركعة. إذا، معنى كلام المصنف، معنى كلام أبي هريرة رضي الله عنه: أن من أدرك الركوع مع الإمام، فإنه يكون مُدرِكًا للركعة كلها. فقول أبي هريرة: من أدرك الركعة، يعني الركوع، فقد أدرك السجدة، أي فقد أدرك الركعة كاملة التي في أحد أركانها هو السجود.

​وهذه من أبي هريرة رضي الله عنه تدلنا، أو أوردها مالك في هذا الباب لفائدة: وهو أن الفاتحة يسقط وجوبها عن المأموم. ووجه الاستدلال من ذلك في هذه الجملة الأولى ما ذكره أبو الحسن اللخمي – من كبار أصحاب الإمام مالك – في “التبصرة” حيث ذكر أن أهل العلم مُجمعون – هكذا قال، نعم فيه خلاف محكي عن البخاري، وفي نسبة هذا الخلاف للبخاري نظر أو عدم جزم، لأن كلامه ليس بصريح في ذلك – قال أبو الحسن اللخمي: إن العلماء مجمعون على أن من أدرك الإمام راكعًا وركع معه، فإن تلك الركعة تكون مُجزئة له، ويُعتد بها المأموم، وقد ترك القراءة. وبناء على ذلك، فلو كان ترك القراءة لا يُعتد بالركعة لما اعتُد بهذه الركعة المجمع عليها. وهذا الاستدلال هو في حقيقته استدلال بـ استصحاب الإجماع. واستصحاب الإجماع أصح القولين عن أحمد أنه حجة، خلافًا لما ينقله بعض الأصوليين وفاقًا لقول الشافعي وغيره أن استصحاب الإجماع ليس بحجة، بل هو حجة. فهذا استصحاب الإجماع في صورة فنُقل إلى صورة أخرى تُشبه في عدم، في صحة الركعة مع عدم قراءة الفاتحة.

​ثم في الجملة الثانية قال أبو هريرة: ومن فاته قراءة أم القرآن فقد فاته خير كثير. هذا يدل على أن قراءة الفاتحة واجبة إذا كان الشخص منفردًا أو إمامًا. وأما إذا كان مأمومًا وقد فاتته قراءة الفاتحة بأن أدرك الإمام حال الركوع، فقد فاته خير كثير. نعم، أدرك الركعة، لكن فاته خير. ولذلك يقول في العلم: أن أفضل الحالات التي يدخل فيها المأموم مع الإمام هو أن يُدركه قبل قراءة الفاتحة. فيدخل في الصلاة قبل أن يشرع الإمام في قراءة الفاتحة. ثم يليه ذلك أن يدخل معه في قيامه قبل الركوع. ثم يلي ذلك في الأفضلية أن يدخل معه حال ركوعه قبل أن يرفع. ثم بعد ذلك إذا دخل معه فإنه يكون غير مُدرِك للركعة. إذا، فقوله: فقد فاته خير كثير المحل في المأموم الذي دخل مع الإمام ولم يسمع أو يستمع لقراءة الفاتحة أو يدرك وقت قراءة الفاتحة.

​نعم، قال: ما جاء في طُهر من قرأ القرآن ومسَّه.

​حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله ابن أبي بكر ابن محمد ابن عمرو ابن حزم: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو ابن حزم: (أن لا يمس القرآن إلا طاهر).

​نعم، هذا الباب عقد فيه الإمام مالك الأخبار التي جاءت في طُهر من قرأ القرآن ومسَّه، يعني في لزوم طهارته. وعبر الإمام مالك بـ الطُهر ليشمل الأمرين: الطهارة من الحدث، والطهارة من الخَبَث، وهي النجاسة التي تكون على اليد ونحوها.

​أول خبر في الباب وهو عُمدته، حديث أبي بكر ابن محمد ابن حزم: أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو ابن حزم: (أن لا يمس القرآن إلا طاهر). هذا الحديث يرويه عبد الله بن أبي بكر ابن محمد ابن عمرو ابن حزم عن آبائه. وروايته لهم ذكر بعضهم أنه من باب الاستفاضة، وبعضهم يقول: إن روايته لهذا الكتاب هو من باب الوجادة. فقد وجد كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لجد أبيه، ثم روى منه مباشرة. والرواية بالوجادة تصح بشروط مرت معنا في درس أصول الفقه. ولذلك يقول أهل العلم: إن خبر عبد الله ابن أبي بكر ابن حزم اتفق العلماء على العمل به في الديات – وهي الصحيفة هذه – والحديث في على نفس شرط الديات، فيكون حينئذٍ الحديث مقبولًا. ولهذا حسَّنه جمع من أهل العلم كالترمذي وغيره.

​هذا الحديث فيه نص صريح على أن لا يمسه إلا طاهر من الحدثين، الحدث الأصغر والحدث الأكبر. ويكون طاهرًا بألا تكون يده فيها نجاسة ولا خَبَث. وهو العمدة في الباب.

​نعم، قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن أيوب السختياني بفتح السين عن محمد ابن سيرين: أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه كان في قوم وهو يقرأ فقام لحاجته ثم رجع وهو يقرأ، فقال له رجل: لم تتوضأ يا أمير المؤمنين وأنت تقرأ؟ فقال عمر: من أفتاك بهذا؟ مُسَيْلمة؟

​نعم، هذا الأثر فيه أن مالكًا روى عن أيوب السختياني عن محمد ابن سيرين: أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه كان في قوم وهو يقرأ. جاء من طريق عبد الله ابن وهب – تلميذ الإمام مالك – بغير إسناد مالك: أن عمر رضي الله عنه كان مع جماعة من الناس يتعلمون القرآن، يعلم بعضهم بعضًا. وهذا الذي كان يفعله الصحابة رضوان الله عليهم، فقد كان من عادتهم أنهم يجتمعون على القرآن تعلمًا واستماعًا.

​قال: فقام لحاجته. المراد بالحاجة هنا هي الكناية عن البول والغائط.

​قال: ثم رجع وهو يقرأ. المراد بالراوي – وهو محمد ابن سيرين – أنه رجع وهو يقرأ من غير إحداث وضوء يرفع به الحدث.

​قال: فقال له رجل: لم تتوضأ يا أمير المؤمنين وأنت تقرأ؟ هذا الرجل الذي قال له هذه الكلمة جاء أن اسمه أنه كان من بني حنيفة، وأنه كان مع مُسَيْلمة الكذاب ثم تاب وأسلم. وذكر بعضهم – وهو القنازعي – أن اسمه أبا مريم الحنفي. ورد عليه بعض المحققين كابن عبد البر وقال: أن أبا مريم الحنفي ولاَّه عمر ولاية، وأما هذا فإن عمر – فيما يظهر من سياق الكلام – لم يكن راضيًا عنه. فليس هو أبا مريم، وإنما هو غيره، والعلم عند الله عز وجل.

​قال: فقال له عمر: من أفتاك بهذا؟ مُسَيْلمة؟ فقوله: من أفتاك بهذا؟ يدل على أنه مستقر عند الصحابة رضوان الله عليهم أنه يجوز لمن كان عليه حدث أصغر أن يقرأ القرآن من غير مَسٍّ له، وأنه يكاد يكون اتفاق الصحابة على ذلك. ولذلك قال بعض أهل العلم: أن من خالف في ذلك فإنه يكون شذوذًا وغير معتد به. وأما الذي ورد به النهي في حديث ابن حزم المتقدم فالمراد به المَسُّ لا القراءة. وأما الجُنُب فإن قراءته جاء فيها حديث علي رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرئهم القرآن على كل أحواله ما لم يكن جُنُبًا).

​وقوله: مُسَيْلمة، سبب قول عمر لذلك لأن هذا الرجل كان مع مُسَيْلمة. ثم بعد ذلك تاب وأسلم، ولكن ذكر بعض الشراح أن سبب قول عمر: مُسَيْلمة؟ لأن هذا الرجل الذي قال هذه الكلمة هو الذي قتل أخا عمر زيد ابن الخطاب حينما كان في حروب الردة. ولكنه لما تاب فإن عمر عفا عنه، وصَحِب ذلك الرجل عمر بن الخطاب رضي الله عنه. ولكن لم يكن عمر ليظلمه، لكن قد بقي في نفسه ما بقي. فلذلك قالوا: كان يستثقل ذلك الرجل. وهذا يدل على أن الطبعة البشرية في استثقال بعض الناس وعدم استثقاله واضحة. وهذا يظهر عند الشيوخ، فقد يأتي بعض الشيوخ فيستثقل بعض الناس، وقد يعني يهون عليه بعضهم. وقد جاء أن الإمام مالك كان بعض تلامذته يُقبل عليهم أكثر من غيرهم. وهذا مما يضعه الله عز وجل في القلوب، وأمره له سبحانه وتعالى، فإنه: (القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن).

​نعم، هذا الحديث فيه دلالة على أن قراءة القرآن من غير مَسِّ المصحف تجوز للمُحدِث ما لم يكن جُنُبًا كما تقدم.

​نعم، أحسن الله إليك.

​قال مالك: لا يُحمَل المصحف بعلاقته، ولا يتناوله أحد إلا وهو طاهر. ولو جاز ذلك لحُمِل في أخبِيَته. ولم يُكرَه ذلك إلا أن يكون في يدي الذي يحمله شيء يدنِّس به المصحف، ولكن إنما كُرِه ذلك لمن يحمله وهو على غير طُهر؛ إكرامًا للقرآن وتعظيمًا.

​قول مالك هذا فيه مسألتان:

​المسألة الأولى: قول مالك: لا يُحمَل المصحف بعلاقته، ولا يتناوله أحد إلا وهو طاهر. علاقة المصحف هي التي تكون منفصلة عنه وتكون موضوعة فيه، مثل كيس يُجعل فيه فيُحمَل فيه، ومثل الشنطة وغيرها. فقد كان مالك رحمه الله تعالى ووافقه على ذلك الشافعي يمنعون من حمل المصحف بعلاقته إذا كان الحامل على غير طهارة. وخالف في ذلك أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله تعالى، فقالوا: بجواز حمل علاقة المصحف للمُحدِث. وتعليل أبي حنيفة وأحمد أن حامل المصحف بعلاقته ليس مُماسًّا للمصحف. والنهي إنما نهى أن يمس القرآن غير الطاهر، وهو ليس ماسًّا له، وإنما هو حامل له بعلاقة كيس ونحو ذلك.

​وأما دليل مالك فهو ما ذكره هنا فقال: ولو جاز ذلك لحُمِل في أخبِيَته. والمراد بـ الأخْبية والغشاء الذي يُحاط به المصحف. فشبه مالك العلاقة بالغشاء الذي يُحاط به المصحف.

​وأما أبو حنيفة وأحمد فيفرِّقون، فيقولون: أن الغشاء إذا كان متصلًا به – أو يعني متصلًا به بأن يكون ملازمًا له – فإنه في هذه الحالة يُمنع من مسِّه للمُحدِث، لأنه في هذه الحالة يكون له حكم المصحف، فيكون كالجلادة المتصلة به. وأما إذا كانت منفصلة – كأن يكون خِرقة توضع على المصحف أو نحو ذلك – فإنه يجوز مسَّه للمُحدِث. بخلاف الجلدة التي تكون متصلة أو الأغشية التي تكون متصلة وملازمة وإن فُصلت في بعض الأحايين.

​ولازم قول مالك هو أن المصحف إذا جُعل على وسادة فلا يجوز حمل الوسادة إذا كان فوقها مصحف. وهذا ما صرح به مالك. وإنما أجاز حمله في العلاقة وغيرها إذا كان مع المصحف غيره من أشياء أُخَر، فيجوز تبعًا ما لا يجوز استقلالًا. ولعل قول أبي حنيفة وأحمد أيسر وأظهر في معانٍ تدل عليه كما ذكره أهل العلم في المبسوطات.

​المسألة الثانية: قول مالك رحمه الله تعالى: ولم يُكرَه ذلك إلا أن يكون في يدي الذي يحمله شيء يدنِّس به المصحف. هذا يشمل النجاسات وهي الأخبَاث، وأيضًا الأوساخ. فإن القرآن يجب أن يكون مُطهَّرًا عنهما معًا.

​نعم، قال مالك: أحسن ما سمعت في هذه الآية: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] أنها بمنزلة الآية التي في سورة عبس وتولى، قول الله تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ * مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس: 11-16].

​نعم، قول مالك رحمه الله تعالى: أحسن ما سمعت ذكر كثير من أهل العلم أن معناها: أن في المسألة أقوالًا سمعها مالك وهي كلها معتد بها، وإنما اختار مالك هذا القول. والآية وهي قول الله عز وجل: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة: 79] لأهل العلم فيها توجيهان. منهم من يقول: المراد بها الملائكة، وهو الذي مال إليه مالك. وقيل: إنه يشمل الملائكة ويشمل كذلك المتطهرين من الأحداث. وهذا له وجه في اللغة. ويؤيد المعنى الثاني الحديث الذي افتتح به مالك الأثر. ونحن نعلم أن القرآن حَمَّال أوجه كما قال الصحابة كأبي الدرداء وغيره. فحينئذٍ يصح على قول بعض أهل العلم والتفسير الاستدلال بالآية على النهي عن مس المصحف للمُحدِث حدثًا أصغر أو أكبر.

​نعم، قال: حدثنا القعنبي عن مالك أنه بلغه: أن ابن عمر رضي الله عنهما مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها.

​نعم، هذا الأثر عن مالك، فيه أنه بلغه: أن ابن عمر مكث على سورة البقرة ثمان سنين يتعلم البقرة. هكذا جاء في البلاغ عند مالك. وجاء عند ابن سعد في “الطبقات” من طريق ميمون ابن مهران: أن ابن عمر رضي الله عنهما مكث أربع سنين يتعلم سورة البقرة. وروى الخطيب البغدادي: أن ابن عمر لما أنهى تعلمه البقرة أولم لذلك.

​وذكر أهل العلم أن طول هذه المدة من ابن عمر رضي الله عنه في تعلم البقرة ليس للضعف في حفظه، ولا لعدم حسن إعرابه، فإنه كان فصيحًا ذا بيان. وإنما كان يتعلم القرآن ويتعلم معناه ويتدبر في دلالته. ولذلك قال أبو عبد الرحمن السُلَمي ابن الصحابة، فإن أباه وأمه كانا من الصحابة – قال أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى: (حدثنا الذين كانوا يقرئوننا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموا ما فيها من الحلال والحرام). فكانوا يتعلمون الفقه قبل أن يتعلموا الأكثر من الحفظ ويتعلمون أكثر من الحروف.

​نعم، قال: ما جاء في قراءة القرآن.

​حدثنا القعنبي عن مالك عن داوود ابن الحصين عن الأعرج عن عبد الرحمن بن عبد القاري: أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: من فاته حِزْبُه بالليل فقرأ به حين تزول الشمس إلى صلاة الظهر فكأنه لم يفته، أو كأنه أدركه.

​نعم، شرع الإمام مالك رحمه الله تعالى ذكر هذا الباب، وهو: ما جاء في قراءة القرآن. أورد فيه عددًا من الأخبار المتعلقة بقراءة القرآن.

​أول ما في الباب ما رواه عن داوود ابن الحصين عن الأعرج عن عبد الرحمن بن عبد القاري: أن عمر بن الخطاب قال: من فاته حِزْبُه من الليل. قوله: من فاته حِزْبُه من الليل، المراد بـ الحِزْب هو الجزء من القرآن. ومراد عمر رضي الله عنه: من فاته جزءه من القرآن الذي يقرؤه في الصلاة. فمراده بالحزب ما جمع أمرين: الأمر الأول: قراءة القرآن. والثاني: قراءته في الصلاة. وهذه الجملة أوردها مالك للدلالة على أنه يجوز تحزيب القرآن. وقد جاء عن بعض السلف ما نقله ابن أبي داود في “كتاب المصاحف” مُسنَدًا أنهم كرهوا تحزيب القرآن، والصحابة ثبت عنهم التحزيب، ولهم طرق جُمعت في مقدار تحزيبهم رضوان الله عليهم للقرآن. إذا، هذا معنى حِزْبُه في القرآن.

​قال: فقرأ به حين تزول الشمس إلى صلاة الظهر. هذه الجملة فيها إشكال، لأن الصحابة كان لبعضهم حِزب طويل. فقد جاء أن بعضهم كان يختم القرآن في بضع ليال، فيكون حزبه ربما طويلًا جدًا، لأنه يختم القرآن في قراءة الليل. ومع ذلك جاء في هذا الخبر: يقرؤه حين تزول الشمس، وهو وقت دخول الظهر. قال: إلى صلاة الظهر. ولو تأملت هذا الوقت لوجدته قصيرًا جدًا، ولا يمكن حينئذٍ أن يفي بوقت قراءة الحِزب بالصلاة. بل ربما لا يفي إلا بالشيء اليسير. ولذلك فإن هذه اللفظة مُشكلة. وأغلب “الموطآت” وردت هكذا، إلا رواية سويد بن سعيد الحدثاني، وقد جاء فيها: من حين تزول الشمس إلى أن تكون صفراء، أو إلى اصفرارها أو نحو هذه العبارة. يعني جعل الوقت ممتدًا إلى انتهاء وقت صلاة العصر، وقبل – يعني وقت صلاة العصر بمعنى وقت خروج وقت الاختيار على أحد الأقوال في المسألة. وعلى العموم، فالمحفوظ عن مالك هو الأول، لأن سويد ابن سعيد ليس من أوثق الرواة، فقد تُكُلم في روايته وما تفرَّد به. وقد ذكر جمع من المحققين ومنهم ابن عبد البر أن هذه اللفظة وَهَمٌ، وأن وَهَمَ فيه من شيخ الإمام مالك داود ابن الحصين. وأن داود قد وَهَم في هذه اللفظة. والمحفوظ عن الأعرج وغيره أنها: فقرأ به ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر. هذا وقت طويل يمكن أن يُقرأ فيه الحِزب، وهذا هو لفظ الصحيحين: فقرأه ما بين صلاة الفجر إلى صلاة الظهر.

​هذا الحديث إضافة لما سبق فيه من الفقه كذلك: أن فيه أنه يُشرع قضاؤه نهارًا. فمن فاته وِتره في الليل وكذا ما بين الفجر إلى صلاتها – وسيأتينا تفصيل ذلك – فإنه يُشرع له قضاؤه في النهار. لكن يُفهم من ذلك أن له قيدين:

​القيد الأول: أن يكون فاته بأن غُلِب، وليس باختياره، كان تركه من الليل إلى النهار. فليس منه تسويفًا، وليس قصدًا، وإنما غُلِب عليه.

​والقيد الثاني الذي يُفهم من أثر عمر رضي الله عنه: أن يكون مُعتادًا على الوِتر في الليل. أن يكون مُعتادًا على الوِتر في الليل لأنه قال: من فاته حِزْبُه. فالنسبة تدل على مزيد الاختصاص، وهي الملازمة للحزب.

​الأمر الثالث: أن بعض أهل العلم قالوا: أن الذي يُقضى إنما هو الوِتر من الصلوات دون ما عداها من قيام الليل، لأن المشروع في الأصل في السُّنَن أنها لا تُقضى إلا ما ورد به النص. وقد ورد النص في الوِتر وفي السُّنَن الرواتب وفي أشياء قليلة، وما عدا ذلك فإنه لا يُقضى.

​نعم، قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن يحيى ابن سعيد أنه قال: كنت أنا ومحمد ابن يحيى ابن حَبَّانة جالسين. أحسنت. فدعا محمد رجلًا فقال: أخبرني بالذي سمعت من أبيك. فقال رجل: أخبرني أبي أنه أتى زيد ابن ثابت رضي الله عنه فقال له: كيف ترى في قراءة القرآن في سبع؟ فقال زيد: حسن. ولأن أقرأه في نصف شهر أو عشرين أحب إليَّ. وسَلْنِي لِمَ ذلك؟ قال: فإني أسألك. قال زيد: لكي أتدبره وأقف عليه.

​نعم، هذا فيه خبر عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: إن قراءة القرآن في سبع حسن. هكذا. ثم قال: ولأن أقرأه في نصف شهر أو عشرين، يعني يومًا، أحب إليَّ. هذه أصح الروايات لـ “الموطأ” أنها عشرين. وَهِمَ من أورد في كتابه أو عشر. وهي رواية يحيى، فإن العشر قريب من السبع. والتدبر إنما يحصل في العشرين وما زاد، وهي رواية عامة أصحاب مالك لـ “الموطأ”.

​ثم قال زيد: وسَلْنِي لِمَ ذلك؟ فلما سأله قال: لكي أتدبره وأقف عليه. لأن التدبر معنى من معاني القرآن عند قراءته كما قال الله عز وجل: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ} [ص: 29]. فتدبر الآيات والنظر في معانيها مهم، لكن بشرط أن يكون موافقًا للسان العرب، وألا يَضرِب القرآن بعضه ببعض.

​هذا الأثر فيه أن زيدًا وافق حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه قد جاء عند أبي داود وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن عمرو بن العاص: (اقرأ القرآن في سبع ولا تزد على ذلك). هذا لفظ جاء عن حديث عبد الله بن عمرو، وجاء أنه قال: (إلى ثلاث). وبعض وبعض علماء الحديث يقول: أكثر الطرق أنها إلى سبع. ولذلك فقد استحب جمع من أهل العلم أن يكون ختم القرآن في سبع على أقل تقدير، ويجوز إلى ثلاث. وهل يُكره ما دون الثلاث؟ هذا الخلاف مشهور فيه. وقد كان الإمام أحمد يعمل بذلك، فيقول: يختمه في كل سبع فإنه حسن. عبَّر أحمد بقوله: حسن لموافقته أثر زيد ابن ثابت.

​قال عبد الله: فكان أبي يُحَزِّب القرآن سبعة أحزاب، فيقرأ في كل يوم سُبع القرآن. موافقة لهذا الأثر، وهو أقل ما يُقرأ فيه القرآن على سبيل الكمال، فيُختَم في كل أسبوع مرة.

​مما يُؤخذ من هذا الأثر ما ذكر أبو الوليد ابن رُشد أنه إذا قَدَر المرء على الحَدْر في قراءة القرآن وعلى الترتيل، فأي الطريقتين في القراءة أولى؟ قال: الأولى منهما الترتيل لأجل هذا الأثر. وأما إذا كان قادرًا على الترتيل دون الحدر أو الحدر دون الترتيل، فالذي يقدر عليه هو الأولى في حقه حينئذٍ.

​نعم، قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عروة ابن الزبير عن عبد الرحمن ابن عبد القاري:

​(أنه سمع عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه يقول: سمعت هشام ابن حكيم ابن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأنيها، فكدت أن أعجَل عليه. ثم أمهلته حتى انصرف. ثم لَبَّبْتُه بردائه فجئت به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأنيها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأ. فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هكذا أُنزلت. ثم قال لي: اقرأ. فقرأت، فقال: هكذا أُنزلت. ثم قال: إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف، فاقرأوا ما تيسر منه).

​نعم، هذا الحديث فيه أن عمر ابن الخطاب سمع هشام ابن حكيم بن حزام – وهو صحابي وابن صحابي كذلك – قال: يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأها. قوله: يقرأ سورة الفرقان ليس المراد أنه يقرأ كامل السورة على غير القراءة التي يعرفها عمر، وإنما يقرأ بعض حروفها وبعض آيها على خلاف ذلك. وذلك أن ظاهر اللفظة التي اختارها مالك في “موطئه” اقتضاء العموم لكامل السورة أنها على غير ما قرأه، وليس كذلك مقال ابن عبد البر، وإنما هو لبعضها، فإنه لا توجد آية تُقرأ بسبع أحرف إلا ما نَدَر، وما عدا ذلك فإن الحروف قد تتفق الأحرف في كثير من المواضع.

​وفي هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن هذا القرآن أُنزل على سبعة أحرف). السبعة الأحرف اختلف أهل العلم اختلافًا طويلًا: ما المراد بها؟ ويُهمنا هنا أن تعلم أمرًا وهو أن الأحرف السبعة غير القراءات السبع. إذ القراءات السبع التي نعرفها إنما هي بعض من السبع. وذلك أن الذين قرأوا القرآن كثير جدًا، وليسوا ذوي عدد قليل. ولكن ابن مجاهد – إمام القراء في عصره في الكوفة – في كتابه “السبعة” ليوافق عدد السبعة الذي جاء في هذا الحديث سبعة قراء، هم قراء من الكوفة والبصرة ومكة والمدينة والشام. ثم إنه روى من طريقهم من رواة مُعتمدين، فانتشرت قراءة هؤلاء بعد ابن مجاهد وقبل ذلك.

​المقصود أن القراءات السبع غير الأحرف السبع، يجب أن تعلم ذلك. وأن الأحرف السبع بعضها موجود في القراءات السبع، وبعضها ليس موجودًا فيها، وإنما هو موجود في غيرها من القراءات كالعشر المتواترة، إذ العشر المتواترة كما قال البغوي أو في غير المتواترة، فإن غير المتواترة إذا صح إسنادها فإنها تكون كذلك قد تكون من الأحرف. إضافة إلى أن بعضها ربما يكون لم يَصِل. ربما يكون ذلك. كما أن الأحرف السبعة قد يكون بعضها في صِيَغ الأداء. وبعضها يكون متعلقًا بـ الوقوف في الصِّلَة والوقف. وبعضها متعلق أمور أخرى متعلقة أشياء أُخَر متعلقة بـ الأداء الذي اختلف فيه أصحاب الرواية، وكانت عن طريق النقل لا عن طريق الاجتهاد، لأن بعض الأداء اجتهادي وبعضه نقلي. فكل ما كان نقليًا فهو داخل في الأحرف حينذاك.

​نعم، قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما:

​(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما مَثَلُ صاحب القرآن كمَثَلِ صاحب المَعْقُلَة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت).

​نعم، في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما مَثَلُ صاحب القرآن. المراد بـ صاحب القرآن: حافظه وتاليه وكذلك المتفكر في معانيه. فالثلاثة كلهم يصدق عليهم أنه صاحب القرآن.

​قال: كمَثَلِ صاحب الإبل المَعْقُلَة. تعرفون أن الإبل إذا أُريد عدم حركتها وبقاؤها في مكانها الذي ترعى فيه وألا تنتقل عنه، فإنها تُربط بـ عِقَال. والعِقَال هو الحبل تربط فيها يدها إلى آخره باليد، فتكون حينئذٍ إذا أرادت القيام قامت على ثلاث قوائم والرابعة تكون مَعْقُلة أي مربوطة. فحينئذٍ لا تبعد عن الموضع الذي فيها يوجد الراعي أو أراد أن لا تخرج عنه. ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن عاهد عليها أمسكها)، أي عاهد على القرآن، ومثله المُشبَّه به: إن عاهد على الإبل في تعقيلها أمسكها، و(إن أطلقها ذهبت)، أي إن غفل عنها ذهبت كما تذهب الإبل عن صاحبها وتبتعد عنه حينذاك.

​وفي هذا الحديث دليل على أن صاحب القرآن يجب عليه أن يُراجع حفظه وأن يُكثر من قراءته كذلك. ويلزمه كذلك أن ينظر في تفسيره وبيان معانيه، سواء كان عالِمًا بالعربية من ذوي اللسان العربي أو كان غير عالِم بالعربية، أن يُديم النظر في معاني القرآن. وكل هذا يُسمى صاحب قرآن.

​ولذلك فإن القرآن سريع التفلت، سواء في اللفظ أو في المحفوظ أو في الاستظهار للمعاني، أو لبيان أسراره العظيمة الموجودة في معانيه. وهذا الذي جعل جمعًا من أهل العلم ومنهم الحسن، وجزم به أحمد حتى قال ابن أبي يعلى: أنها رواية واحدة، أنه يُكره لصاحب القرآن الذي يحفظه أو الذي يُحسن قراءته نَظَرًا من المصحف أن يمر عليه أربعون يومًا بلياليها من غير أن يختم قراءته. هذا هو الحد الذي أورده أهل العلم لأقل ما يكون به تعاهد القرآن قراءة أو مراجعة حفظ، وهم نصُّوا على القراءة لأنها أقل ما يلزم. وأما المراجعة فإن الناس يختلفون في انشغال الذهن والضعف فيه ونحو ذلك.

​نعم، أحسن الله إليك.

​قال: ترك القراءة خلف الإمام فيما فيه الجهر.

​حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن ابن أُكَيمة الليثي عن أبي هريرة رضي الله عنه:

​(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة فقال: هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟ فقال رجل: نعم يا رسول الله. فقال: إني أقول ما لي أُنازَع القرآن! قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالقراءة في الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم).

​نعم، بوَّب الإمام مالك بابين لقراءة المأموم خلف الإمام. أحدهما: في قراءة المأموم خلف الإمام في الصلاة الجهرية، فيما يُجهر به. ثم بعده: فيما يُسِرُّ فيه الإمام القراءة.

​فأول موضع – وهو القراءة فيما يُجهر فيه الإمام – أورد فيه حديث أبي هريرة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم انصرف من صلاة جهر فيها في القراءة). ثم قال: هل قرأ معي أحد منكم آنفًا؟ أي حال قراءته صلوات الله وسلامه عليه وجهره بالقراءة. فقال رجل: نعم إلى آخر هذا الحديث.

​هذا الحديث استدل به الإمام مالك وغيره على أن القراءة للمأموم في الصلاة الجهرية غير مشروع و أنه منهي عنه. وهذا هو ظاهر القرآن. فإن الله عز وجل يقول: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204]. قال الإمام أحمد: أجمعوا على أن هذه الآية نزلت في الصلاة. ومن القواعد الأصولية المتقررة أن سبب النزول دخوله في العموم دخول قطعي، وما عداه يكون دخوله دخولًا ظنيًا. والفرق بينهما: أن إخراج الصورة التي هي سبب النزول وسبب ورود الحديث إخراجها من العموم يحتاج إلى دليل خاص فيكون ناسخًا. وأما ما عدا ذلك فإن إخراجها يكون بالمخصصات. وتعلمون أنه يُشترط في الناسخ أشد مما يُشترط في المخصص، فإن المخصص منه العقلي ومنه النقلي، ومنه المتصل ومنه المنفصل، ومنه ما يكون قياسًا ونحو ذلك، والقياس لا يُنسخ به. المقصود أن هذه الآية نزلت في الصلاة واستدلال أحمد في غاية القوة، ويدل عليه الأحاديث، منها هذا الحديث: أنه عند الجهر بالقراءة فيجب الاستماع والإنصات. ولذا، فإن مذهب الإمام مالك ومذهب الإمام أحمد وغيرهم من أهل العلم أنه لا يجوز القراءة للمأموم إذا جهر الإمام بالقراءة. لا يجوز له ذلك. وهذا الحديث فيه أن رجلًا قال: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما لي أُنازَع القرآن! فدل على النهي عن القراءة. قال: فانتهى الناس عن القراءة. هذا يعم القراءة للفاتحة، يعم قراءة لغيرها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه النبي صلى الله عليه وسلم بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك منه صلى الله عليه وسلم.

​عندنا هنا مسألة: وهي قول الراوي: قال لمن يعود هذا القول؟ فما المُضْمَر فيه؟ ذكر علماء الحديث أن هذا الحديث جاء من طريق ابن شهاب كما تعلمون، وقرأه قارئ قبل قليل من طريق مالك، وأن أكثر الرواة عن ابن شهاب يعدون هذا القول وهو قوله: {فانتهى الناس عن القراءة} من قول ابن شهاب. ومنهم من يجعل هذا القول قول أبي هريرة. ولكن أكثر الرواة عن ابن شهاب يعدونه قول ابن شهاب، وقول ابن شهاب في معنى قول أبي هريرة، فإن ابن شهاب لا يمكن أن يحكي شيئًا إلا وقد سمعه وعلمه.

​بقي عندي هنا مسألة قبل أن ننتقل للحديث الذي بعده. وهو فيما إذا كان المأموم في الصلاة الجهرية لا يسمع صوت الإمام لبعده ونحو ذلك. فهل يكون حكمه حكمًا من يصلي في صلاة سرية؟ الحكم الذي سيأتي، أم أن يبقى على حكم الصلاة الجهرية؟ مالك له قولان في المسألة. المشهور أنه يبقى على حكم الجهرية فلا يقرأ، ومُنع عن القراءة حينذاك. وله قول آخر وهو الذي جزم به الإمام أحمد: أن المأموم إذا كان لا يسمع الإمام لبعد عنه فيأخذ حكم السرية. وسيأتي حكم القراءة فيها بعد قليل في الباب الذي بعده.

​نعم، قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما: كان إذا سُئِل: هل يقرأ أحد خلف الإمام؟ يقول: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام. وإذا صلى وحده فليقرأ. قال: وكان عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما لا يقرأ خلف الإمام.

​نعم، هذا الأثر عن ابن عمر رضي الله عنهما. جَزَم فيه أن من صلى خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام أي تكفيه. وإذا صلى وحده فليقرأ وجوبًا للفاتحة وندبًا لما زاد عليها. قال: وكان ابن عمر لا يقرأ خلف الإمام. هذا واضح.

​لكن في هذا الأثر إشكال. وهو أن مالكًا رحمه الله تعالى أورد هذا الأثر في القراءة في الصلاة الجهرية. وظاهر أثر ابن عمر رضي الله عنهما أن القراءة أو النهي عن القراءة في الصلاة الجهرية والسرية معًا. فظاهره العموم.

​ووجه ذلك بوجهين في سبب تقييد مالك بأثر ابن عمر بالتبويب في الجهرية. قالوا: أحد السببين أن مالكًا عَلِمَ أن ابن عمر إنما يمتنع من القراءة في الجهرية دون السرية. ولكن مالكًا ذكر ما روى لا ما عَلِمَ. فذكره على حسب الرواية لأمانته في الباب. هذا احتمال ذكره ابن عبد البر.

​وهناك احتمال آخر أن يقال: أن أثر ابن عمر رضي الله عنه يدل على عدم القراءة في السرية والجهرية. فهو صريح في الجهرية. وليس ممتنعًا أن يكون في الجهرية والسرية. وقد يكون قد قرأ في السرية. ولذلك هو قد يقال أن دلالته على الجهرية واضحة، وليس لازمًا الحديث عن السرية، لأن السرية سيأتي في الباب الذي بعدها.

​أحسن الله إليكم. ترك القراءة خلف الإمام فيما لا يجهر فيه.

​حدثنا القعنبي عن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام ابن زُهْرة يقول:

​(سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من صلى صلاة فلم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج، فهي خداج، فهي خداج غير تمام. قال: فقلت: يا أبا هريرة، إني أكون أحيانًا وراء الإمام. قال: فغمز ذراعي وقال: اقرأ بها يا فارسي في نفسك. فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لي ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرأوا. يقول العبد: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2]. يقول الله: حَمِدَنِي عبدي. يقول: {الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} [الفاتحة: 3]. يقول الله: أثنى عليَّ عبدي. يقول: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]. يقول الله عز وجل: مَجَّدَني عبدي. يقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]. فهذه الآية بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل. يقول العبد: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 6-7]. فهؤلاء لعبدي ولعبدي ما سأل).

​نعم، هذا الباب هو الباب الثاني المتعلق بـ قراءة المأموم خلف الإمام في الصلاة السرية. قال مالك رحمه الله: ترك القراءة خلف الإمام فيما لا يجهر فيه، يعني في الصلاة السرية، فتشمل صلاة الظهر والعصر – وهما سريتان بكاملهما – والثالثة من المغرب، والثالثة والرابعة من العشاء، فكلها سرية، لأنه لا يجهر الإمام فيها بالقراءة. وتقدم معنا فيما إذا كان المأموم لا يسمع قراءة الإمام، هل يأخذ حكم من صلى خلف إمام في صلاة سرية أم في صلاة جهرية؟ وذكرنا خلاف مالك وما ذهب إليه أحمد وفاقًا لمالك في الثانية.

​أول حديث في الباب وهو أصل في باب قراءة الفاتحة. حديث العلاء ابن عبد الرحمن أنه سمع أبا السائب مولى هشام ابن زُهْرة يقول: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من صلى صلاة فلم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خِدَاج، فهي خِدَاج، فهي خِدَاج غير تمام). قوله: خِدَاج غير تمام هذا تفسير لمعنى الخِدَاج. فإن الخِدَاج هي الناقصة. ولذلك أما الولد الذي إذا خرج من بطن أمه سواء كان إنسيًا أو غيره خَدِيجًا أي ناقص الخِلقة غير كامل. فالصلاة إذا كانت ناقصة لعدم قراءة الفاتحة يدل على عدم تمامها. ومن لم يُتِمَّ الصلاة بأركانها فإن صلاته باطلة. وهذا الوجه الأول في الحديث الذي يدل على ركنية الفاتحة ووجوبها في الصلاة.

​قال: فقلت: يا أبا هريرة، إني أكون أحيانًا وراء الإمام، فهل تجب عليَّ القراءة يعني؟ قال: فغمز ذراعي وقال: اقرأ بها يا فارسي في نفسك. لأن أبا السائب أصله فارسي. وعندما قال: يا فارسي هذا من باب الوصف لا من باب التعيير، وليس أن يُنسَب المرء لأصل قومه فليس عيبًا، وإنما هي تعريف.

​قال: اقرأها في نفسك. هذه المسألة التي أوردتها بالأمس، وهو أقل ما تُسمى به القراءة. فإن مجرد أن الإنسان تفكر في المعاني انعقد إجماع أهل العلم – وحكيت لكم بالأمس أن من حكاها كأبي الخطاب والنووي وغيرهما – أنها لا تكون قراءة. إذا، انعقد إجماعهم أنه لا تكون القراءة للفاتحة ولا التكبير في الصلاة إلا بحرف وصوت. إذ الكلام لا يُسمى كلامًا إلا بذلك، والقراءة لا تُسمى قراءة إلا بذلك.

​وأما أقل ما تُسمى به القراءة في النفس – بمعنى أن من نقص عن هذا القدر فلا يُسمى قارئًا – ففقهاؤنا لهم وجهان. المشهور عندهم أن أقل ما يُسمى قراءة هو تحريك اللسان والشفتين. لأن الآدمي لا يمكن أن يتكلم بحرف وصوت إلا بعد تحريكه بلسانه وشفتيه. فإن لم يتحرك لسان القارئ وشفتيه بقراءة الفاتحة والتكبير فليس بقارئ وليس بمُكَبِّر. هذا اختيار الشيخ تقي الدين وليس هو المشهور.

​القول الثاني وهو المشهور: أنه لا يكفي ذلك، بل لا بد أن يُسمع نفسه. ومعنى يسمع نفسه ليس أن يسمع من بجانبه، وإنما يعلم المرء أنه إذا حرك لسانه وشفتيه أسمع نفسه. وهذا معهود يعرفه لمن يسمع نفسه من غير رفع صوت. ولا يلزم أن يسمع من جانبه، فإن هذا من الجهر الذي قد نُهي عنه في بعض الصور.

​قال: فإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عز وجل: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين. هنا قول النبي صلى الله عليه وسلم حكاية عن رب العالمين: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، تسمية للفاتحة بـ الصلاة. ومن القواعد المتقررة في أصول الفقه: أن تسمية البعض باسم الكل أو تسمية الكل باسم البعض يدل على أن ذلك البعض ركن في الكل. الله عز وجل سمى الصلاة كلها – وهي الكل – ركوعًا: {وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} [البقرة: 43]. فدل على أن الركوع ركن في الصلاة. وسمى الله عز وجل البعض باسم الكل، فسمى الفاتحة صلاة. فحينئذٍ دل هذا الحديث وهذه اللفظة في قول الله عز وجل في الحديث القدسي على أن الفاتحة ركن في الصلاة. لأنها سُميت به، فدل على أن انتفاء البعض يدل على انتفاء الكل. فإذا انتفت قراءة الفاتحة أو استماعها فإنه في هذه الحالة يدل على انتفاء كلها.

​قال: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، فنصفها لعبدي. طبعًا وهذا هو استدلال أبي هريرة. فإنه استدل على وجوبها بأول الكلام، وهي قوله: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي. هذا هو محل استشهاد أبي هريرة.

​قال: فنصفها لي ونصفها لعبدي. اقرأوا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] إلى آخر هذا الحديث. فقط في هناك فائدة. وهي في قوله: يقول: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5]، قال: فهذه الآية بيني وبين عبدي. هذا الحديث رواه من طريق القعنبي أبو داود السجستاني – صاحب “السنن” – عن القعنبي مؤلف هذه الراوي هذه النسخة عن مالك بالإسناد. ورواها بلفظ: فهذا بيني وبين عبدي بدون الآية. بينما جاءت في بعض نسخ القعنبي كما نقله الجوهري في “مسند الموطأ” بإثبات الآية، وعليها أكثر رواة “موطأ” الإمام مالك.

​نعم، قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام ابن عروة عن أبيه: أن عروة ابن الزبير كان يقرأ خلف الإمام فيما لم يجهر فيه الإمام.

​نعم، هذه المسألة وهي قضية القراءة خلف الإمام في السرية. مذهب مالك رحمه الله تعالى أنه يجوز قراءته في السرية ولا يجب. يُشرع القراءة في السرية ولا يجب. وجاء عن مالك أنه يجب القراءة في السرية. وهي رواية عن مالك جزم بها أبو بكر بن العربي. فذهب للوجوب. والمجزوم به في مذهب الإمام أحمد وعليه تدل ظواهر أحاديث السنة أن القراءة في السرية مندوب. ولم يقل بالوجوب لحديث جابر: (من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة). وأما الندب فلفعل من نُقِل عنهم مالك وغيرهم من الصحابة وغيرهم، من أنهم كانوا يقرأون في السرية خلف الإمام. وهذا تجتمع به الأدلة.

​قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن يزيد ابن رومان: أن نافع بن جبير بن مطعم كان يقرأ خلف الإمام فيما لم يجهر فيه الإمام في القراءة.

​مثله قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب: أنه كان يقرأ خلف الإمام فيما لم يجهر فيه الإمام بالقراءة.

​قال مالك: وذلك أحب ما سمعت إليَّ منه، يعني أن مالكًا يرى نَدْب القراءة في الصلاة السرية.

​قال: التأمين خلف الإمام.

​حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد ابن المسيب وعن أبي سلمة ابن عبد الرحمن:

​(أنهما أخبراه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه).

​نعم، شرع الإمام مالك رحمه الله تعالى في باب بوَّب له بـ التأمين خلف الإمام. والتأمين هو قول: آمين. وهذا المعنى هو الذي قصده مالك بدليل ما سيأتي في تفسير ابن شهاب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقول: آمين. لأن من من العلماء من فسَّر ذلك، فَهِمَ بعض أهل العراق من أصحاب أبي حنيفة من فسَّروا التأمين بغير ذلك.

​جاء عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد ابن المسيب وأبي سلمة ابن عبد الرحمن أنهما أخبراه عن أبي هريرة: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا). قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا هذا هو الأصل في مشروعية التأمين خلف الإمام. وقبل أن أشرح هذه الجملة وفقهها، هناك لطيفة أوردها بعض أهل العلم وهو الشيخ تقي الدين في الاستدلال بهذا الحديث على الباب الذي قبله. فإن الباب الذي قبله يتعلق بالاستماع للإمام وعدم القراءة للفاتحة ولا غيرها حال جهر الإمام. ووجه تعلق هذا الحديث بالباب الذي قبله: أنه إذا فرضنا أن جميع المأمومين يقرأون الفاتحة خلف الإمام، فإنه لا يكون أحد منهم مستمعًا للإمام. فحينئذٍ لا تظهر فائدة من تأمينهم على دعاء لم يستمعوا إليه. فإنهم يكونون قد أمَّنوا على شيء لم يستمعوا له، ولا استمعه أحد منهم. وإذا فقد استدل جمع من أهل العلم بهذا الحديث على أن القراءة خلف الإمام في الصلاة الجهرية غير مشروع. وهو الموافق لظاهر القرآن ولظاهر السنة كما تقدم.

​قوله صلى الله عليه وسلم: إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا. قوله: إذا أمَّن معناه: إذا وقال: آمين. وسيأتي مزيد تفصيل في معنى: إذا أمَّن.

​وقوله: فأمِّنوا يدلنا على مسألتين هذه الجملة. الجملة الأولى: أنه يُستحب للمأموم أن يؤمِّن ويُستحب كذلك للإمام أن يؤمِّن. إذا دلنا على حكمين: تأمين الإمام وتأمين المأموم. وذلك أن بعضًا من أهل العلم سيأتي من نقله عن مالك كان يرى أن الإمام لا يؤمِّن، وإنما يؤمِّن المأموم وحده. وهذا اللفظ صريح: أن الإمام يؤمِّن والمأموم كذلك يؤمِّن. وسيأتي توجيه هذا في كلامهم.

​المسألة الثانية معنا: أن هذه الجملة تدل على موضع التأمين. فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أمَّن فأمِّنوا، فـ الفاء تفيد التعقيب، أي بعد تأمين الإمام. هكذا هكذا قد يُفهم من هذا اللفظ. لكن سيورد الإمام مالك بعد ذلك حديثًا أصلح. وهو إذا وهو قول أبي هريرة رضي الله عنه: (إذا قال الإمام: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7]، فقولوا: آمين). فحينئذٍ نقول: أن المستحب – حيث قلنا باستحباب تأمين الإمام – المستحب أن يؤمِّنَا معًا. فإن قلت: إن ظاهر هذا الحديث قد يعارض ظاهر الحديث الآخر؟ نقول: ليس كذلك. فإن قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا أمَّن يُراد به: إذا شَرَع في التأمين أو إذا أراد التأمين. فإنه معروف في لسان العرب أنه يُقال شيء: إذا فعله، أي: إذا أراد. ومن أشهر أمثلته في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا دخل أحدكم الخلاء). المراد: إذا أراد دخول الخلاء فليقل الذكر، فليقل الذكر المشروع في الباب، لأن وقت الدخول منهي عنه. فحينئذٍ لكي تجتمع الأحاديث ولا نحملها على اختلاف تنوع، نقول: أولى اتحاد تأمين الإمام والمأموم معًا. وهذا الاستدلال الذي ذكرت لكم والتوجيه هو الذي ذكره الشمس الزركشي في شرحه “الخرقي”.

​قوله: فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه. موافقة التأمين الشراح لهم وجهان. بعضهم يقول: الموافقة في اللفظ. فيكون الملائكة في السماء ومن حضر في المسجد يؤمنون، فإذا توافقوا في اللفظ غُفِرَ. وبعضهم يقول: الموافقة في الحال. فمن وافق حاله عند التأمين حال الملائكة من حيث الإخلاص والإنابة، وصدق التضرع لله عز وجل، فإنه يكون ذلك سببًا لمغفرة ذنبه. وكلا الأمرين مُحتمل وعلمها عند الله عز وجل. فإن هذا من الأمور الغيبية، فنقف عند ظواهر النصوص وهذه أحاديث فضائل. والأصل في حديث الفضائل أننا نُورده كما هو ونُورد احتمالات العلماء، وإنما يكون الترجيح في أحاديث الأحكام لا في الفضائل، فإنها من الأمور المغيبة.

​بقي عندنا هنا فائدة حديثية في قوله: غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه. ذكر الجوهري في “المسند” – وقلت لكم: إنه يعتمد أساسًا على رواية القعنبي – أن قوله: ما تقدم من ذنبه ليست عند القعنبي، وإنما هي عند ابن وهب وحده. ولكن قد نسبها للقعنبي غيره، الجوهري اعتمد على طريقين لرواية القعنبي وليس من طريق واحد، وسيأتي لها تفصيله في موضع آخر.

​قال ابن شهاب: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: آمين. نعم، قوله: قال ابن شهاب: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: آمين هذا مرسل من ابن شهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم. وأسنده حفص ابن عمر دون من عاداه. فإنه أسنده عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه. وقد ذكر الداني أنه لم يُتابَع حفص على إسناده. بل قد صرح الدارقطني أن حفصًا قد وُهِنَ في رفع إسناده واتصاله، وإنما هذا الخبر إنما هو محفوظ مرسلًا. ولكن ذكر العلماء أن قول ابن شهاب هذا يدل عليه لفظ الحديث. فإن لفظ الحديث فيه: إذا أمَّن الإمام. ونقل الإمام مالك لقول ابن شهاب يدل على والرواية الثانية غير المعتمدة عند المتأخرين، وهي استحباب أن يؤمِّن الإمام كذلك. وذلك أنه قد اختلفت الرواية عن الإمام مالك، فنقل ابن القاسم عبد الرحمن ابن القاسم المصري – وجمع من المصريين الرواة عن الإمام مالك – أن مالكًا يقول: لا يقول الإمام آمين. وإنما يقول ذلك المأمومون فقط. وأما رواية المدنيين عن الإمام مالك فإنهم قد وافقوا قول الجمهور في أن المأموم والإمام كلاهما يقول: آمين. وظاهر رأي مالك في “الموطأ” هو ما نقله المدنيون عنه. وهو استحباب أن يكون التأمين من الإمام والمأمومين معًا.

​نعم، قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن سُمَيٍّ مولى أبي بكر عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه:

​(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا قال الإمام: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] فقولوا: آمين. فإنه من وافق قوله قول الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه).

​نعم، هذا الأثر أو هذا الحديث الذي نقله مالك عن أبي هريرة فيه فوائد:

​الأمر الأول: موضع التأمين فيه أنه: إذا قال الإمام: {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7] فقولوا: آمين. فدل على أن قول آمين بعد إنهاء قراءة الفاتحة، إذ التأمين ليس منها. وحينئذٍ يُوَجَّه الحديث السابق بما ذكرته لكم بمعنى: أراد أن يؤمِّن أو شَرَع فيه.

​الأمر الثاني: أن هذه اللفظة تدل كذلك على أن التأمين هو المراد بها الجهر بها. فإن قوله: قولوا يدل على الجهر بها والتلفظ. وقد جاء ذلك مُفسَّرًا. فقد جاء عن عطاء رضي الله عنه – وقد أدرك الصحابة – أنه كان في المسجد الحرام: إذا قال الإمام: {وَلَا الضَّالِّينَ} [الفاتحة: 7]، أمَّن جَهَرَ الناس بالتأمين حتى ارتج المسجد. فدل على أن التأمين المراد به الجهر به.

​قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه:

​(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا قال أحدكم: آمين، وقالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه).

​هذا الحديث يُؤيد ما سبق، وإنما فيه أن الملائكة التي تؤمِّن في السماء. بينما الألفاظ السابقة مُطلقة، فتشمل الملائكة الذين في الأرض ربما حضروا الصلاة في المسجد وربما ملائكة السماء.

​قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن سُمَيٍّ عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه:

​(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه).

​نعم، هذا الأثر أو هذا الحديث هو بإسناد الحديث المتقدم قبله. من طريق سُمَيٍّ عن أبي صالح – وهو أبو صالح السمَّان – عن أبي هريرة رضي الله عنه. وفيه أن الإمام إذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد. سيأتينا ألفاظ التحميد إن شاء الله في بابه.

​قال: فإنه من وافق قوله قول الملائكة غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه. هذا يدل على أن الملائكة تؤمِّن وتحمد الله عز وجل. وكان مالك أشار بذكر هذا الأمر إلى أن الملائكة تتلفظ بالتحميد كذلك وليس بمجرد المعاني، أن المراد بالموافقة هي موافقة ما في القلب من الإخلاص لله عز وجل.

​نعم، قال رحمه الله تعالى: قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}.

​حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي سعيد رضي الله عنه:

​(أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] يرددها. فلما أصبح جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له. فكان الرجل يتقالُّها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، إنها لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن).

​نعم، عقد الإمام مالك هذا الباب في فضل قراءة {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ومراده في الصلاة وخارجها كذلك. فإن عموم اللفظ يدل على فضل قراءتها في الصلاة وفي غيرها. وإذا ذكر فضلها في الصلاة ففي الخارج أولى.

​أول حديث في الباب حديث أبي سعيد: أن رجلًا سمع رجلًا يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] يرددها. قوله: يرددها يحتمل أنه يرددها في الركعة الواحدة، ويحتمل أنه يرددها في الركعات. فإن قيل: إنه يرددها في الركعة الواحدة، فهذا يدل على أنه يجوز الترديد للآية لمصلحة وفائدة. ويجوز كذلك قراءة أكثر من سورة كاملة في الركعة الواحدة. وإن قلنا في الركعات، فإنه يدل على أنه يجوز من غير كراهة أن يقرأ في الركعة الأولى نفس السورة التي قرأها في الركعة الثانية وهكذا.

​قال: فلما أصبح جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك. فكأن الرجل يتقالُّها. هكذا من طريق الراوي تفسيرًا لحال الرجل. فكأنه من باب التقليل لها: ولو انشغل بغيرها كان خير.

​فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، إنها لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القرآن. معنى كونها تعدل ثلث القرآن أوجه عند أهل العلم. بعضهم قال – وهو أقوى الأوجه -: أنها تعدل ثلث القرآن من حيث المعاني. لأن القرآن كله في توحيد الله عز وجل. وهذه السورة على قصرها قد حوت توحيد الله عز وجل: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] فهو توحيد الله عز وجل بأفعاله وتوحيد الله عز وجل بصفاته وتوحيد الله عز وجل باستحقاق العبادة له، فلا يُعبَد غيره. وهذه الأمور وغيرها متلازمة. فكل من قال: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] فإن الله واحد لا نِدَّ له ولا مثيل له ولا مستحقًا للعبادة سواه جل وعلا. ولذا فإنها تحوي ثلث القرآن من حيث ما يتعلق بالتوحيد. والجزء الثاني من القرآن وهو الثلث الثاني ما يتعلق بـ الأخبار، إما عن الأمور الماضية أو اللاحقة. والثلث الثالث ما يتعلق بـ الأحكام. وهذه الآية شملت مُلخَّصًا وإجمالًا أعظم المعاني المتعلقة بتوحيده سبحانه وتعالى وصفات نُعُوت كماله جل وعلا.

​وقيل: إنها تعدل ثلث القرآن في الأجر. ثم هل يُقال: إن من قرأها ثلاث مرات عدل قراءة القرآن؟ نقول: لا لا شك، فإن قراءة القرآن كاملًا أفضل. وهناك أثر سيأتي في “الموطأ” في محله إن شاء الله.

​نعم، أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن عبيد بن حُنَين مولى آل زيد بن الخطاب أنه قال:

​(سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: أقبلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع رجلًا يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص: 1-4]. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وجبت. فسألته: ماذا يا رسول الله؟ قال: الجنة. فأردت أن أذهب إلى الرجل فأُبَشِّرَه. ثم فَرِقْتُ أن يفوتني الغداء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فآثرت الغداء. ثم ذهبت إلى الرجل فوجدته قد ذهب).

​هذا حديث أبي هريرة أنه أقبل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعه يقرأ بسورة الإخلاص. الإسناد الذي رواه مالك إسناد المدنيين. كله مدني. ومالك كان يقرأ بقراءة نافع المدني، ونافع يقرأ هذه السورة لكن بالهمز، سواء كان من طريق ورش أو قالون. فلو قُرئت هذه القراءة أو قُرئت هذه السورة بقراءة نافع لكان أنسب وهي: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُؤًا أَحَدٌ} بالهمز لكان أنسب. وإلا فالقرآن سبعة أحرف كما تقدم.

​فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: وجبت له الجنة. هل هو لأجل قراءته هذه السورة؟ أم لأجل ما وَقَرَ في قلبه من تعظيم هذه السورة؟ وهذا الثاني هو الذي وجَّهه جمع من أهل العلم، ومثله حديث الرجل الذي قال: إني أحبها. فمحبته يعني لتفكره في معانيها وإفراده الله عز وجل بالعبادة. ولذلك فإن أحرم يتفكر فيه العبد ويتأمل فيه استحقاق الله عز وجل للعبادة، وإفراده سبحانه وتعالى بنعوت الكمال وصفات وصفات الكمال كذلك أسماء الكمال ونُعُوتُه جل وعلا.

​قال: فسألته: ماذا يا رسول الله؟ قال: وجبت الجنة. قال: فأردت أن أذهب إليه فأُبَشِّرَه. ثم فَرِقْتُ أن يفوتني الغداء. وذلك أن أبا هريرة رضي الله عنه كان من فقراء الصحابة. وكان من أهل الصُّفَّة التي موضعها هنا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد جاء في خبره في الصُّفَّة خبر عظيم فيما يتعلق بشدة جوعه وصبره على الجوع في طلب العلم كذلك. وتعرفون قصة عمر مع صاحبه، ففاقه صاحبه في بعض العلم الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم، لانشغال عمر بالتجارة وكسب الرزق. فأحيانًا قد يكون الفقر نعمة على بعض الناس في بعض أوقاته.

​قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن حُمَيد ابن عبد الرحمن ابن عوف: أن {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ثلث القرآن، ثلث القرآن. وأن {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الملك: 1] تُجادِل عن صاحبها.

​نعم، الأول أن عبد الرحمن بن عوف قال: إن {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} [الإخلاص: 1] ثلث القرآن. الحديث الذي أورده مالك في أول باب: تعدل ثلث القرآن. وهنا جزم عبد الرحمن بن عوف أنها ثلث القرآن. والمعنى بينهما فيه تقارب، لكن هذا فيه مزيد وتخصيص.

​والجملة الثانية فيها: وأن {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [الملك: 1] تُجادِل عن صاحبها. معنى: تُجادِل عن صاحبها يعني أنها تكون مُجادِلة. قيل أعمال، وقيل غير ذلك. وهذه يُنظر إليها كما قيل في أن سورة البقرة وآل عمران تأتيان كالغمامتين يوم القيامة. فإن الله عز وجل قد يخلق أشياء يوم القيامة تكون مَثُوبَة لمن قرأ بعض سُوَر القرآن. ولذلك فإن محمد بن شهاب الزهري – إمام الإمام شيخ الإمام مالك – كان يُسمي سورة {تَبَارَكَ} [الملك: 1] بـ المُجادِلة فيقول: هي سورة المُجادِلة لأنها تُجادِل عن صاحبها يوم القيامة.

​نعم، قال رحمه الله تعالى: السجود في القرآن.

​حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله ابن يزيد مولى الأسود ابن سفيان عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه: أنه قرأ بهم {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] فسجد بها. فلما انصرف أخبرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد فيها.

​نعم، هذا الحديث الثابت من حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في سورة الانشقاق – وهي التي في أولها: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق: 1] – وذلك عند قول الله عز وجل: {وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ} [الانشقاق: 21].

​أورد الإمام مالك هذا الحديث للدلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في بعض سُوَر المفصَّل. وسيأتي فائدة ذلك في كلام مالك بعد قليل. فهذه الانشقاق من المفصل وقد سجد فيه النبي صلى الله عليه وسلم.

​السلام عليكم.

​قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن نافع: أن رجلًا من أهل مصر أخبره أن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قرأ سورة الحج فسجد فيها سجدتين. ثم قال: إن هذه السورة فُضِّلَت بسجدة.

​نعم، هذا الأثر عن عمر رضي الله عنه فيه أنه قال: فُضِّلَت بسجدتين. هذا له حكم الرفع. والسجدتان اللتان في سورة الحج: الأولى في قول الله عز وجل: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ} [الحج: 18]، والثانية في آخرها عند قول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ} [الحج: 77].

​وقد أورد الإمام مالك هذا بفائدة ستأتينا بعد قليل: أن السجدة الثانية التي في سورة الحج جاء فيها الخبر عن عمر رضي الله عنه وله حكم مرفوع لأنه قال: إن هذه السورة فُضِّلَت بسجدتين.

​قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن عبد الله ابن دينار أنه قال: رأيت عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما يسجد في سورة الحج سجدتين.

​نعم، هذا مثل السابق.

​قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الرحمن الأعرج: أن عمر قرأ النجم فسجد فيها. ثم قام فقرأ بسورة أخرى.

​نعم، هذا فيه فائدتان:

​الفائدة الأولى: سجود عمر رضي الله عنه في سورة النجم. وهي كذلك من المفصل في قول الله عز وجل: {فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا} [النجم: 62].

​قال: ثم قرأ بسورة أخرى. يعني أنه يجوز قراءة سورتين في ركعة واحدة.

​قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام ابن عروة عن أبيه:

​(أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قرأ السجدة وهو على المنبر يوم الجمعة. فنزل فسجد وسجدوا معه. ثم قرأها يوم الجمعة الأخرى فذهبوا يسجدوا فقال: على رِسْلِكُم، إن الله تعالى لم يكتبها علينا إلا أن نشاء. فقرأها فلم يسجد ومنعهم أن يسجدوا).

​قال مالك: ليس العمل على أن ينزل الإمام إذا قرأ السجدة عن المنبر فيسجد.

​نعم، هذا الأثر عن عمر فيه أمور:

​الأمر الأول: أن المستمع يُشرع له ويُندَب أن يسجد إذا كان مستمعًا للإمام. وهذا واضح وصريح في الباب أنه استُحِبَّ، وهذا نص عليه مالك وأحمد وغيره من أهل العلم.

​الأمر الثاني: فيما لو كان الإمام أو الخطيب – الخطيب أدق – إذا كان الخطيب قد قرأ سورة فيها سجدة وهو على المنبر، هل يُشرع له السجود أم لا؟ فعله عمر أولًا ثم امتنع منه في جمعة أخرى، بل قرأها ولم يسجد ومنعهم أن يسجدوا.

​لذلك قال مالك: ليس العمل على أن ينزل الإمام إذا قرأ السجدة عن المنبر فيسجد. فقول مالك: ليس العمل؟ معناه: أننا نذهب إلى القول الأخير عن عمر رضي الله عنه: أن الإمام إذا كان على المنبر فإنه لا ينزل ويسجد في أصل المنبر ويسجد الناس معه.

​وتعبير مالك هو تعبير مالك هنا بأنه ليس العمل جاء في رواية أبي مصعب الزهري – وهو مدني كذلك كالقعنبي، وهما المدنيان اللذان نعرف روايتهما لـ “الموطأ” – أنه قال: ليس الأمر عندنا. وفائدة ذلك تدل على أن أن تعبير مالك: ليس الأمر عندنا قد يكون مرادفًا لقوله: ليس العمل. فـ العمل هنا بمثابة: ليس الأمر عندنا. وهذا يدل على مسألة وهو أن رواة “الموطأ” يقولون: أن قوله: ليس الأمر عندنا يدل على أن المسألة فيها خلاف عند أصحاب مالك. بينما يقولون: ليس العمل على ذلك عفواً، أن المسألة فيها خلاف عن أهل المدينة. فيها خلاف عند أهل المدينة، ولكن مالكًا يرى هذا الرأي. وأما التعبير بـ ليس العمل فيدل على أن مذهب أهل المدينة على خلاف ذلك. واختلاف الرواية عن مالك وكلاهما مدني يدل على الحاجة للتأمل في مصطلح الإمام مالك أكثر.

​نعم، السلام عليكم.

​قال: حدثنا القعنبي، قال مالك: اجتمع الناس عليه. فإن سجود عزائم القرآن إحدى عشرة سجدة. ليس في المفصَّل منها شيء.

​نعم، هذا قول مالك الثاني سنأخذه جملة جملة لأن فيه بعض التفصيل.

​أول جملة قال مالك: اجتمع الناس. هكذا نقله القعنبي وثقة: اجتمع الناس. ونقل أبو مصعب الزهري: أجمع الناس. فهذه حكاية للإجماع، وأغلب الرواة عن مالك يرونه هكذا بـ الاجتماع أو بـ الإجماع. وانفرد يحيى ابن يحيى بلفظة فقال: الأمر عندنا. وقد قال حافظ المغرب أبو عمر ابن عبد البر: أن رواية يحيى أصح، لأن المسألة لا إجماع فيها. فكيف يحكي الإمام مالك رحمه الله تعالى إجماعًا وهو في أول الباب أورد خلافًا؟ فحينئذٍ يكون الأمر عندنا. ويمكن أن نُؤوِّل قوله: أجمع أو اجتمعوا أي: أجمعوا على أن هذه متفق عليها والباقي فيه نزاع هل فيها سجدات أم ليس فيها سجدات؟ فهو ليس نفيًا لما عدا عزائم. هذا توجيه لقول: أجمع.

​وقول مالك رحمه الله تعالى: اجتمع الناس على أن سجود عزائم القرآن. المراد بـ السجود يعني الآيات التي فيها سجود تلاوة. ومعنى عزائم القرآن أي: التي عَزَم على الناس وتأكَّد عليهم السجود عندها. قال: إحدى عشرة سجدة. ويُخرِج مالك من السجدات أربع، فيُخرِج السجدة الثانية في الحج، ويُخرِج الثلاثة الموجودة في المفصل. ويستدل وقد رُوي فيه أثر عن ابن عباس: أن المفصَّل ليس فيه سجدات. وحينئذٍ فتكون السجدات الإحدى عشرة: الأولى في الأعراف، والثانية في الرعد، والثالثة في النحل، والرابعة في الإسراء، والخامسة في سورة مريم، والسادسة هي أولى السجدتين في سورة الحج، والسابعة في سورة الفرقان، والثامنة في سورة {الم * تَنْزِيلُ} [السجدة: 1-2] التي هي السجدة. والتاسعة تكون في سورة ص، فإن مالكًا يرى أن ص سجدة تلاوة وهي من العزائم. والعاشرة في النمل، والحادية عشرة في فصلت {حم * تَنْزِيلٌ} [فصلت: 1-2]. هذه إحدى عشرة سجدة هي من عزائم القرآن.

​قوله: ليس في المفصَّل منها شيء. المفصل فيه ثلاث سجدات، مر بعضها وهي التي في سورة النجم وفي سورة الانشقاق وآخرها في سورة {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ} [العلق: 1].

​التفريق بين العزائم وغيرها لـ أهل العلم فيها من أصحاب مالك وجهان: لما فرَّق مالك بينهما. فمنهم من يقول: أن العزائم هي التي يُسجَد لها وأن ما عداها لا يُسجَد له. هذا وجه. ومنهم من يقول – وهذا حَمَلَهُ القاضي عبد الوهاب أبو محمد عبد الوهاب ابن نصر البغدادي من كبار أصحاب الإمام مالك – حَمَلَ حَمَلَ على أن جميع السجدات مأمور بها، وأما الإحدى عشرة فهي المؤكَّدة وهي المعزوم عليها. فحينئذٍ غير العزائم يُسجَد لها كذلك. وذلك أن مالكًا جاء أن عزائم القرآن عند سجدات القرآن عنده إحدى عشرة. وجاء عنه أنها أربع عشرة. وجاء عنه أنها خمس عشرة سجدة بإدخال المفصَّل الثلاث والآية الثانية في الحج. وذهب بعض أهل العلم كأحمد وكثير من علماء الحديث إلى أن ص ليست سجدة، لأن ابن عباس رضي الله عنه نفاها. وقد جاء عن جمع من الصحابة والتابعين كما حكاه الموفق نفي كونها ص. بل رُوي فيها حديث مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم أنها سجدة شكر تُفعَل في غير الصلاة. والمسألة فيها خلاف معروف بين أهل العلم.

​نعم، السلام عليكم.

​قال مالك: لا ينبغي أن يُقرأ بشيء من سجود القرآن بعد صلاة الصبح ولا بعد العصر. وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس. والسجدة من الصلاة، فلا ينبغي أن يُقرأ أن يُقرأ السجدة في تلك الساعات.

​نعم، قول مالك: لا ينبغي أن يُقرأ بشيء من سجود القرآن بعد صلاة الصبح ولا بعد العصر هذا بناء على أنها أوقات نهي لا يجوز فيها الصلاة. وتقدم معنا ما هي أوقات النهي؟ هل هي مُعلَّقة بالصلاة أم مُعلَّقة بدخول الوقت؟ وقول مالك: لا ينبغي أن يُقرأ بشيء لها صورتان: أن يتعمَّد القراءة لأجل السجود حينئذٍ يُمنَع من القراءة لأجل السجود. وأما إن كان قصده القراءة فلا يُمنَع من القراءة، وإنما يُمنَع من السجود. وهذا مبني على ما يراه مالك وجمهور أهل العلم – وهي التي تدل عليه الأدلة – أن سجدة التلاوة صلاة. لأنها بعض الصلاة، فقد سمَّى الله عز وجل الصلاة سجودًا، فحينئذٍ دل على أن السجود صلاة. فتأخذ أحكام الصلاة فلا يجوز فعلها في أوقات النهي.

​قال: وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس. قال: والسجدة من الصلاة يعني سجدة التلاوة صلاة. فيُشترط لها الطهارة ويُشترط لها كذلك أن تكون في غير أوقات النهي، لأن أوقات النهي لا يُتنَفَّل فيها.

​قال: فلا ينبغي أن يُقرأ السجدة في تلك الساعات.

​نعم، قال: حدثنا القعنبي قال: سُئل مالك عن من قرأ السجدة وامرأة حائض تسمع، هل لها أن تسجد معه؟ فقال: لا يسجد الرجل ولا المرأة إلا وهما طاهران.

​نعم، هذا بناء على أصل مالك وغيره من الفقهاء أن السجود للتلاوة هو صلاة أو يأخذ حكم الصلاة. فحينئذٍ يُشترط له الطهارة. والمسألة السابقة: لا يجوز فعله في أوقات النهي. وهو كما قال رحمه الله. وهذا من دقيق فقهه عليه رحمة الله.

​رحمه الله. قال: حدثنا القعنبي قال: وسُئل مالك عن امرأة قرأت السجود ورجل يسمع، هل عليه أن يسجد معها؟ قال: ليس ذلك عليه. إنما تجب السجدة على الرجل يقرأ على القوم ويكونون مع رجل يأتمون به، فإذا سجد سجدوا معه. وليس على من سمع سجدة من إنسان قرأ بها ليس له بإمام أن يسجد بقراءة تلك السجدة.

​نعم، المستمع يُشرع له أن يسجد في موضعين:

​الموضع الأول: إذا كان تابعًا لإمامه. فحينئذٍ يكون سجود المستمع وهو المأموم واجبًا عليه من باب المتابعة. وهذا الذي قصده مالك حينما قال: ليس له وليس على من سمع سجدة من إنسان قرأ بها ليس له إمام أن يسجد بقراءة تلك السجدة أي: وجوبًا إلا أن يكون مأمومًا.

​الحالة الثانية: أن يكون مستمعًا للقراءة وهو ليس في صلاة. فحينئذٍ يُستحب له أن يسجد وليس بواجب عليه.

​وأما الذي لا يسجد هو الذي ليس بـ مستمع وإنما هو سامع بأن طرقت التلاوة أذنه من غير إنصات لها واجتماع.

​نعم، قال: جامع القرآن.

​قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم:

​(أن الحارث ابن هشام – رضي الله تعالى عنهما – سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحيانًا يأتيني في مثل صَلْصَلَةِ الجَرَس، وهو أشده عليَّ، فيفصم عني وقد وعيت ما قال. وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا).

​نعم، هذا الباب عقد فيه الإمام مالك رحمه الله تعالى جمعًا من الأحاديث المتعلقة في القرآن وصفته. أول حديث في الباب ما يتعلق بـ بَدْء الوحي. ولعل البخاري الإمام رحمه الله تعالى عندما عقد بابًا في بَدْء الوحي لعله نظر لتبويب مالك حيث بدأ مالك في جامع القرآن بحديث يتعلق بـ بدء الوحي.

​الحديث فيه أن عائشة قالت: إن الحارث ابن هشام – والحارث ابن هشام من مُسَلَّمَة الفتح، ممن تأخر إسلامه – سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال عليه الصلاة والسلام: أحيانًا يأتيني في مثل صَلْصَلَةِ الجَرَس. معنى قوله: يأتيني في مثل صَلْصَلَةِ الجَرَس يعني: أنه يأتيه في الباطن، يأتيه في الباطن من غير أن يستمع له بصوت يكون مثل صَلْصَلَةِ الجَرَس. وأما الحالة الثانية: فيأتيه متمثلًا له بصورة رجل. فإذا كان بمثل هذا الصوت فإنه يحتاج إذا انفصل عنه أن يعي ما ألقاه إليه. وهذا يكون من الله عز وجل كما في تتمة الحديث.

​قال: أحيانًا يأتيني في مثل صَلْصَلَةِ الجَرَس أي يأتيه في الباطن. وهو أشده عليَّ أي: وهو أشد عليَّ في الشدة. وقد سيأتي يعني بعض الأخبار أنه كان يُثقَل عليه الصلاة والسلام وكان لا يرد على أحد عندما يأتيه الوحي عليه الصلاة والسلام.

​قال: فيفصم عني. الفَصْم هو الفَكُّ والانفصال، فيكون في باطنه ثم ينفك عنه. والتعبير بـ يَنْفَصِم بالفاء الموحدة يكون في الأمور اللينة السهلة. فيدل على أن الانفكاك سهل، لأن الفَصْم يكون في اللينة. وأما بـ القاف وهي المثنَّاة، فإنه يكون في الأمور الصعبة. لو قال: يَنْقَسِم فإنه حينئذٍ يكون في الأمور الصعبة. فهذه الجملة بيَّن أن الوحي يأتيه مُتَّصِلًا به صلوات الله وسلامه عليه ثم ينفصل عنه.

​قال عليه الصلاة والسلام: وقد وعيت ما قال. قوله: وقد وعيت ما قال يدل على أن هذا من الله عز وجل الوعي، إذ أنه إنما يستمع صوت الصَلْصَلَة فقط. وإنما يقع في رَوْعِهِ صلوات الله وسلامه عليه.

​والحالة الثانية قال عليه الصلاة والسلام: وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا فيكلمني فأعي ما يقول. قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا. الظاهر من قول عائشة أن هذه الحالة الأولى، وهو الشديد عليه صلوات الله وسلامه عليه.

​نعم، قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام ابن عروة عن أبيه قال: نزلت {عَبَسَ وَتَوَلَّى} [عبس: 1] في ابن أم مكتوم. جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فجعل يقول: يا محمد، استدنني. وعند النبي صلى الله عليه وسلم رجل من عظماء المشركين. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يعرض عنه ويُقبل على الآخر، ويقول: يا فلان، هل ترى بما يقول بأسًا؟ فيقول: لا والله ما أرى بما يقول بأسًا. فأنزلت {عَبَسَ وَتَوَلَّى} [عبس: 1].

​نعم، هذا الأثر أسنده مالك من طريق هشام ابن عروة عن أبيه مرسلًا. وهذا لا شك في إرساله. وقد ذكر ابن عبد البر في “التقصي” أن هذا أن هذا الخبر أسنده من لا يوثق في روايته ولا بحفظه. قال: لكنها قصة مشهورة في كتب السير والأخبار.

​فيه قصة {عَبَسَ وَتَوَلَّى} [عبس: 1] وأنها نزلت في ابن أم مكتوم. المراد أو الفائدة من هذا الأثر: أن هذا الأثر والخبر يدل على أن القرآن نزل مُنَجَّمًا. والأمر الثاني: أنه ينزل على أسباب. فقد نزلت هنا على سبب ومعرفة السبب له فائدة عظيمة جدًا مر معنا بعضها في أول درس، ولها فوائد أخرى متعلقة بالتفسير للآيات والمعاني. وعموم اللفظ العبرة به لا بخصوص السبب لكن السبب يكون معتبرًا في المعنى.

​نعم، قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن زيد ابن أسلم عن أبيه:

​(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسير في بعض أسفاره وعمر ابن الخطاب رضي الله عنه يسير معه ليلًا، فسأله عمر عن شيء فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه، ثم سأله فلم يجبه. فقال عمر: ثَكِلَتْكَ أمُّك يا عمر، نَزَرْتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرات كل ذلك لا يجيبك! قال عمر: فحركت بعيري حتى تقدمت أمام الناس، وخشيت أن ينزل فيَّ قرآن. فما نَشِبْتُ أن سمعت صارخًا يصرخ بي. قال: فقلت: لقد خشيت أن يكون قد نزل فيَّ قرآن. قال: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلمت عليه. فقال: لقد أُنزلت عليَّ الليلة سورة لَهُيَ أحبُّ إليَّ مما طلعت عليه الشمس. ثم قرأ: {إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا} [الفتح: 1]).

​نعم، هذا الحديث حديث مالك عن زيد ابن أسلم عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا مرسل، أن أسلم لم يُدرِك عمر رضي الله عنه. وعامة الرواة على إرساله، إلا ما جاء في رواية أبي مصعب الزهري، فإنه قد أسنده من حديث زيد ابن أسلم عن أبيه عن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما عن عمر. ونقل تفرُّد أبي مصعب الجوهري في “المسند”.

​في هذا الأثر: أن عمر رضي الله عنه كان يساير النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فلم يجبه، ثم سأله الثانية والثالثة. ثم قال: ثَكِلَتْكَ أمُّك يا عمر. وهنا يا عمر منادى، أي: يا عمر. والمفرد إذا نودي فإنه يكون مرفوعًا بخلاف المضاف أنه يكون منصوبًا. قال: نَزَرْتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم. نَزَرْتَ أي: ألححت وأكثرت عليه. وهذا موجود في لهجتنا إلى الآن إذا قال: نَزَرْتَ أي: أكثرت عليه.

​قال: كل ذلك لا يجيبك. فقال عمر رضي الله عنه: فحركت بعيري إلى آخر القصة التي قرأها القارئ.

​في هذا الحديث والخبر: صفة نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وشدته. وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحي لم ينشغل عنه بغيره، من حديث ولا أمر من أمور الدنيا. والأمر الثالث فيه كذلك: ما دل على أن القرآن نزل مُنَجَّمًا. وأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يخافون أن ينزل فيهم شيء من القرآن. ولذا فقد خاف عمر رضي الله عنه أن ينزل قرآن فيما فعله. ولذلك كان الصحابة يتوقون عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يتوقاه ما لا يتوقى غيرهم. لهم فضيلة وفي نفس الوقت عليهم خطر أن يتنزل فيهم قرآن أو أن يعذَّبوا كما ذكر حذيفة لما قيل له: هنيئًا لكم صحبتم النبي صلى الله عليه وسلم.

​قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن يحيى ابن سعيد عن محمد ابن إبراهيم عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه:

​(أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وأعمالكم مع أعمالهم. يقرأون القرآن لا يُجاوِزُ حناجرهم. يمرقون من الدين مروق السهم من الرَّمِيَّة. ينظر في النَّصْل فلا يرى شيئًا. ثم ينظر في القِدْح فلا يرى شيئًا. ثم ينظر في الرِّيش فلا يرى شيئًا، ويُتَمَارَى في الفَوْق).

​نعم، هذا الحديث أورده مالك في الدلالة على أن القرآن ليس المقصود قراءته فحسب. فإن قراءته أحيانًا قد لا تنفع صاحبه ما لم يكن معه إيمان ومعه تأمُّل في المعاني وعمل به كذلك.

​قوله: يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم وأعمالكم مع أعمالهم. يقرأون القرآن لا يُجاوِزُ حناجرهم. لا يُجاوِزُ حناجرهم إما بكونهم لا يُؤجَرون عليه. فإذا خرج منهم لم يثبت لهم أجر فلم ينتفعوا به. أو لا يُجاوِزُ حناجرهم بمعنى أنهم لا يعملون به العمل الصحيح أو لا يكون إيمانهم به.

​قال: يمرقون من الدين مروق السهم من الرَّمِيَّة. وسيشرح: كيف يكون مروق السهم من الرَّمِيَّة. والـ رَّمِيَّة هي الحيوان والصيد الذي يُصاد بالسهم ونحوه مثل بعض الحيوانات المتوسطة في الحجم.

​قال: ينظر بعد ما يرمي الصيد بسهم ونحوه ينظر الصائد في النَّصْل فلا يرى شيئًا. النَّصْل هو الحديدة التي تكون في رأس السهم، فلا يرى فيه شيئًا، أي: لا يرى فيه أثر الدم. عندما يُصيب الصيد فيخرج السهم، فينظر في السهم الذي أصاب الصيد من شدة سرعة ذلك السهم، ينظر في نَصْلِه وهو الحديدة التي تكون في رأسه فلا يرى فيه أثر دم.

​قال: ثم ينظر في القِدْح. المراد بـ القِدْح هو العود الذي يكون تحت رأس السهم. فلا يرى شيئًا أي: لا يرى شيئًا من الدم قد خرج من الصيد الذي اصطاد به.

​قال: ثم ينظر في الرِّيش ريش السهم الذي يكون في آخره فلا يرى شيئًا. فالسهم يُصيب الصيد ويخرج منه لا في نصله ولا في قِدْحِه ولا في ريشه أثر الدم. لكن الصيد قد جُرِحَ، لأنه لا يجوز أكل الصيد إلا وقد جُرِحَ كما في حديث أبي ثعلبة.

​قال: ويُتَمَارَى في الفَوْق. يُتَمَارَى يعني: يشك. والـ فَوْق هو الجزء الذي يكون في طرف السهم. يعني يشك: هل آخر السهم أصابه دم أم لم يُصبه دم؟ لأن آخر السهم ليس لا تأتيه ريح كثيرة، فيشك: هل أصاب؟ هل فيه فيه دم أم لا؟

​وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ويُتَمَارَى في الفَوْق استدل به جماعة من أهل العلم كابن عبد البر وجماعة كالزركشي وغيرهم وهو الشمس على عدم كفر الخوارج لأنه قال: ويُتَمَارَى في الفَوْق يدل على الشك. في إصابته الدم وهو الإيمان. وهذا دليل على أن الخوارج ليسوا كفارًا. نعم، هذا استدلال أهل العلم بالحديث.

​وأما تعلقه بالباب: ما سبق.

​نعم، قال رحمه الله تعالى: الصلاة في شهر رمضان.

​قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عروة ابن الزبير عن عائشة رضي الله تعالى عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم:

​(أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد، فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس. ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تُفْرَضَ عليكم. وذلك في رمضان).

​نعم، شَرَعَ مالك رحمه الله تعالى بالحديث عن الصلاة في شهر رمضان. والصلاة في شهر رمضان المراد بها النافلة. فإنه يُستحب في صلاة رمضان زيادة قيام الليل. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه).

​في هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كما حكت عائشة رضي الله عنها صلى في المسجد أي: في مسجده صلوات الله وسلامه عليه. فصلى بصلاته ناس. قوله قولها: صلى بصلاته ناس أي: ائتمُّوا به. والقاعدة عند أهل العلم أنه لا يصح الائتمام بالإمام إلا أن ينوي الإمامة. فصلى النبي صلى الله عليه وسلم إمامًا بالناس. وهذا الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم هي صلاة التراويح. فإن صلاة التراويح سُنَّة، فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أي: ثلاث ليال أو أربع. ثم تركها لمعنى سأذكره بعد قليل.

​إذاً، فقولها: فصلى فصلى الناس بصلاته هي صلاة التراويح. وبناء على ذلك فإن فعل هذه الصلاة مُقتدًى فيها بالنبي صلى الله عليه وسلم. والصحابة عندما صلوها صلوها كهيئة صلاة مع النبي. وقد جاء في بعض الأخبار – وفي إسناده يعني يحتاج إلى بحث – عن ابن عباس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بهم في هذه الليالي عشرين ركعة. فصلى الناس بصلاته عشرين ركعة. إذاً، المقصود أن صلاة التراويح فعلها النبي صلى الله عليه وسلم.

​قال: ثم صلى من القابلة فكثر الناس. ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. جاء في بعض ألفاظ الحديث عن مالك: في الثالثة أو الرابعة. فجاء بعضها مرات في بعض الروايات، والشك من شيوخ مالك. أن النبي صلى مرتين وجاء أنه صلى ثلاثًا وجاء أنه صلى أربعًا وهذا شك من الرواة ولا أثر له في الحكم.

​قال: فلم يخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم. ترك النبي صلى الله عليه وسلم هنا مُعَلَّل، وليس تركًا للمشروعية. لأن الترك بعد الفعل قد يكون نسخًا وقد يكون لمعنى مُعَلَّل. والمعنى المُعَلَّل ذكره في الحديث. فإنه عليه الصلاة والسلام قال: لم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تُفْرَضَ عليكم. فهذا من رحمته صلوات الله وسلامه عليه بأمته ألا تُفْرَضَ عليهم صلاة التراويح. إذاً، فهذه الصلاة تشمل أمرين: فضل الصلاة المطلقة وفضل صلاة التراويح. دل عليهما هذا الحديث.

​نعم، قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أبي سَلَمة ابن عبد الرحمن:

​(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر بعزيمة. فيقول: من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه. قال ابن شهاب: فتُوفِّيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك. ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدْرًا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه).

​قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن حُمَيد ابن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه:

​(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه).

​أورد مالك في هذا الباب حديث ابن شهاب عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرغب في قيام الليل من غير أن يأمر بعزيمة). قوله: كان يرغب يعني: أنه كان يَنْدُب إليه. وتعبيره: من غير أن يأمر بعزيمة يدل على أنه مستقر عند الصحابة وتابعيهم أنه قد يكون صيغة الأمر وهي صيغة “افعل” وغيرها من الصيغ ليست للوجوب. وأنه ليست كل صيغة صيغة أمر تكون للوجوب، بل إن لها صوارف متعددة ولا يلزم أن يكون الصارف نصيًا، بل قد يُعرَف بدلائل مختلفة. وهذا معنى قول: من غير أن يأمر بعزيمة. إذ لو كان كل أمر لوجوب لقال: من غير أن يأمر وسكت.

​قال: فيقول: من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه. هنا هذا الحديث مرسل وأسنده مالك بعد ذلك. من طريق ابن شهاب عن حُمَيد ابن عبد الرحمن – وهو حُمَيد الطويل – عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك. وفائدة إيراده الأول زيادة جملة: من غير أن يأمر بعزيمة ولذا تكلمت عنها.

​وهذا اللفظ وهذا الحديث بإسنادين يدل على فضل قيام الليل في رمضان. وأهل العلم رحمهم الله تعالى يقولون: إن قيام رمضان يشمل كل صلاة بعد صلاة المغرب إلى طلوع الفجر. فيشمل ذلك التنفل المطلق ويشمل ذلك التراويح ويشمل ذلك الوِتر. وسيأتي تفصيله في الدرس القادم.

​آخر جملة في الحديث في هذا الباب قول ابن شهاب الزهري رحمه الله تعالى: فتُوفِّيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك. ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصَدْرًا من خلافة عمر. قوله: والأمر على ذلك يعود للحديث الأول وهو ترك النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة في قيام رمضان جماعة في المسجد. فإن النبي فعله بضعة أيام أو أيامًا قليلة – يومين أو ثلاث – ثم تركه. فقوله: فكان الأمر على ذلك يعني: على ترك الصلاة جماعة لا على ترك قيام الليل حتى جاء عمر رضي الله عنه – وسيأتينا الحديث إن شاء الله في الدرس القادم – فوجد الناس أوزاعًا متفرقين. فجمعهم على إمام واحد. الذي فعله عمر إنما هو جَمْع الأئمة على إمام. فكان كل أناس يصلون جماعة بإمام، فجمعهم على إمام واحد. وسيأتي توجيه كلام عمر وفهم معناه في محله إن شاء الله في الدرس القادم.

​أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يتولانا بهداه، وأن يغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات. وصلى الله وسلم على نبينا وسيدنا محمد.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *