الدرس 6 من شرح موطأ مالك – عبدالسلام الشويعر

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم اغفر لنا ولشيخنا ولوالديه ولمستمعينا ولعموم المسلمين.

​وبإسنادكم حفظكم الله تعالى قال: باب قيام رمضان.

حدثنا قعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: «خرجت مع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد كان أَمْثَلَ». ثم عزم، فجمعهم على أبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه. ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «نِعْمَت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون» يريد آخر الليل، وكان الناس يقومون أوله.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين. ثم أما بعد:

​فهذا هو لقاؤنا السادس في قراءة هذا الكتاب الجليل: موطأ الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى، وذلك من طريق راويه عبد الله بن مسلمة بن قعنب المدني ثم البصري رحمه الله تعالى.

​والإمام مالك رحمه الله تعالى كان مُكْثِرًا من الرواية عن الشيوخ، مُتَعَدِّدًا فيهم. فقد كان للإمام مالك رحمه الله تعالى شيوخ كُثُر، ومن أسباب ذلك مع قلة رحلته أنه قد بَكَّر في الطلب. فقد جاء أنه قد بدأ بالطلب على ابن هرمز، وقد أكثر عنه مالك في هذا الكتاب فقهًا ورواية. وقد كان بَدْء طلبه وقراءته وحضوره على الأشياخ وهو ابن ثمان سنين فيما نُقل عنه رحمه الله تعالى.

​وقد أكثر الإمام مالك من السماع والرواية، ولم يَروِ عن كل مَن سَمِع. فقد جاء أن الإمام مالك رحمه الله تعالى قال: «أدركت أكثر من سبعين مُعَمَّمًا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم يُقبل قوله في الشهادة ونحو ذلك، ولكني لم أروِ عنهم». ولذا فإن الإمام مالك كان متحريًا في الرواية، ليس كل ما سمعه رواه رحمه الله تعالى، وإنما كان يروي عن الثقة، بل أزيد من ذلك: كان إنما يروي عمن رضي سَمْتَه. والسمت معنى زائد على الرواية، كما جاء في عدم روايته عن عطاء. فقد جاء أنه قد رأى عطاء وأراد أن يأخذ عنه، ثم أراد أن ينظر إلى سَمْته، فلم يأخذ عنه بسبب عدم إعجابه بسَمْته. وذكر عنه أمرًا ترك عنه الرواية، وهو أنه رآه يمسح دَرَجَة منبر النبي صلى الله عليه وسلم كما يفعله العامة. فترك الرواية عنه لأجل ذلك. ثم إن مالكًا بعد ذلك عرف قدر عطاء وما عنده من فقه أهل مكة خاصة، فروى عن بعض شيوخه عن عطاء رحمه الله تعالى في الموطأ وغيره.

​وقد جَمَع جَمْعٌ من أهل العلم شيوخ مالك في الموطأ وغيره، وأفردوا بتأليف. فابن شعبان صاحب الزاهي، وابن خلفون، والإمام مسلم بن الحجاج النيسابوري القشيري النيسابوري، وكذلك أبو عمر الطَّلَمَنْكي، والبَرْقي، والخَليلي صاحب الإرشاد، كلهم عُنُوا بجمع شيوخ الإمام مالك.

​وأما عَدّ شيوخه الذين روى عنهم الحديث المسند في الموطأ، فحسب ما ذكر ابن عبد البر في كتابه التقصي، فإنهم ينقصون عن المئة بقليل، فهم نحو من ثمان وتسعين أو أقل بقليل. وأما ما ذكره ابن خلفون في تسميته لشيوخ مالك، فإنما ذكر بضعًا وثمانين شيخًا من شيوخ مالك. وسبب الفرق بينهما أن من شيوخ مالك مَن هو مُبهَم، فأفرده ابن عبد البر بالتسمية، ولم يذكره ابن خلفون.

​وغير ذلك، وعامة شيوخ مالك الذين روى عنهم في الموطأ كلهم مدنيون إلا نزرًا يسيرًا. فبعضهم مكي، وبعضهم شامي، وبعضهم بصري. تأمل!

​المكيون الذين روى عنهم مالك في الموطأ فهم: حميد بن قيس، وأبو الزبير محمد بن مسلم المكي، وحذيفة بن يسار، وعبد الله بن أبي الحسين. وهؤلاء مكيون.

​وأما المصريون الذي روى عنهم في الموطأ فثلاثة: أيوب السِّخْتياني و عبد الملك بن أبي المخارق، بل هما اثنان. وروى عنهما في مكة، ولم يَرحل إليهما في البصرة. فإنه رأى أيوب السِّخْتياني ثلاث حِجَج، فلم يروِ عنه في المرة الأولى ولا في المرة الثانية، وإنما روى عنه عندما رآه في الحجة وفي الزيارة الثالثة لمكة، وذلك لما رأى سَمْته: أنه إذا ذكر الله بكى، أعجبه سَمْته، فحينئذ روى عنه رحمهم الله تعالى.

​ومن جلالة الإمام مالك رحمه الله تعالى أن شيوخه رووا عنه. وقد ذكر القاضي عياض في ترتيب المدارك أن عددًا من الذين توفوا قبل الإمام مالك رووا عنه، وقسمهم طبقات. وأجَلّ هذه الطبقات، أي من طبقات شيوخ مالك الذين رووا عنه، هي الطبقة التي رأت وروت عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن بعض التابعين الذين أدركهم مالك رحمه الله تعالى رووا عن مالك. ومن هذه الطبقة: محمد بن شهاب الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ومنهم كذلك أيضًا: موسى بن عقبة، وجماعة حسب ما ذكرهم القاضي عياض في كتابه وهو ترتيب المدارك.

​ومالك رحمه الله تعالى عندما روى الموطأ لم ينتقِ في الأشياخ فقط، بل انتقى في الأشياخ وفي الأحاديث. فقد جاء أنه رحمه الله تعالى كتب بيده أكثر من مئة ألف حديث. وجاء أن هذه الأحاديث كانت عنده في صناديق، ثم إنها ذهبت تلك الصناديق. قال: «لو بقيت لكانت أَحَلَّ لي من أهلي ومالي». ولكن بَقِيَ بعضها، ومن بعضها التي نُقل جاء في هذا الكتاب.

​توقفنا في الدرس الماضي عند قول الإمام مالك في تبويبه: باب قيام رمضان. وقد أورد الإمام مالك هذا الكتاب بعد الكتاب الذي قبله وهو الصلاة في شهر رمضان. فيكون ذلك من باب عطف الخاص على العام، وذلك أن الصلاة في رمضان تشمل قيام الليل كله. والباب الذي أفرده مالك بعد ذلك وهو باب قيام رمضان، أورد فيه الأحاديث المتعلقة بصلاة قيام رمضان جماعة، وهي التي تسمى بـ التراويح لأنهم كانوا يَتَرَوَّحون فيها بعد التسليم.

​وأورد فيه حديث عبد الرحمن بن عبد القاري أنه خرج مع عمر ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط. أي أن الذين كانوا في زمن عمر من الصحابة ومَن أدرك الصحابة كانوا يصلون جماعات لا جماعة واحدة. وفعلهم هذا هو من باب السنة، أي الصلاة جماعة؛ لأنه مر معنا في الدرس الماضي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلى ليلتين أو ثلاثًا جماعة بالناس في رمضان، ثم تركها لا رفعًا ونسخًا لحكمها، وإنما تركها خشية أن تُفرض على أمته. وقد عَلِمَ الصحابة رضوان الله عليهم سبب ترك النبي صلى الله عليه وسلم، ولذا فعلوها بعده. ولكنهم لم يكونوا يجتمعون على إمام واحد.

​قال: «فإذا الناس أوزاع… نعم» فقال عمر رضي الله عنه: «إني لأراني» أي: لا أظن «لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد» أي: إمام يقرأ بهم القرآن «كان أَمْثَلَ». وتعبير عمر رضي الله عنه أنه على قارئ واحد يعني على إمام يُحسن القراءة، ولذلك جمعهم على مَن كان من الصحابة مُجْمِعًا جامعًا للقرآن مُجيدًا لقراءته، كأُبيّ وغيره.

​قال: «ثم عزم» أي عزم على ذلك «فجمعهم على أُبيّ بن كعب رضي الله عنه. ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم». عبر بـ «صلاة قارئهم» لأنه جَعَلَ مع عمر، جَعَلَ عمر مع أُبيّ غيره ممن يصلي بالناس.

​فقال عمر بن الخطاب: «نِعْمَت البدعة هذه». قول عمر رضي الله عنه: «نِعْمَت البدعة هذه» ليس المراد بها صلاة التراويح؛ فإن صلاة التراويح فعلها النبي صلى الله عليه وسلم، وفعلها الناس في زمن أبي بكر وصدرًا من فِعْل من خلافة عمر، وأول هذا الخبر يدل عليه، فقد كانوا يصلون أوزاعًا متفرقين، كل قوم يصلي برهط. فقوله: «نِعْمَت البدعة هذه» ليست الصلاة، وإنما جمعهم على إمام واحد. وإلا فيُفسِد بعضهم ويرفع بعضهم صوته على الآخر. الذي فعله عمر رضي الله عنه هو جمعهم على إمام واحد يصلون خلفه. هذا هو الذي فعله عمر، وهذا الذي فعله حَسَنٌ، لِما فيه من تنبيه أولًا، من باب على إمام يُجيد القراءة. والأمر الثاني: يكون أَتَمَّ لصلاتهم، وتنبيه لمن يكون غير هؤلاء الرَّهْط فيصلي معه، فيكون عامًا للكل. والأمر الأخير: لكي لا يُفسِد بعضهم على بعض.

​ثم قال عمر: «والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون». قول عمر: «والتي تنامون عنها» قصده باعتبار الوقت. فإن الناس كانوا في عهد عمر رضي الله عنه يصلون التراويح أولًا في أول الوقت. فكانوا يصلون صلاة التراويح في أول الوقت بعد صلاة العشاء وبعد سنتها الراتبة. ولذا فإن عمر رضي الله عنه قال: «والتي تنامون عنها» أي في آخر الليل باعتبار الوقت، لا باعتبار الانفراد والجماعة. فإن صلاة التراويح جماعة أفضل من صلاتها على سبيل الفَذّ. بل إن جمعًا من أهل العلم، وهو اختيار الشيخ تقي الدين، يقول: لا تصح التراويح إلا جماعة. والتي تُصلى في البيت هي داخلة في عموم قيام الليل وليس التراويح. التراويح إلا أن تكون جماعة، هذا الذي فهمه الصحابة، سواء كانوا على إمام واحد أو أئمة متعددين.

​إذاً فقوله: «والتي تنامون عنها» أي باعتبار الوقت. فآخر الليل أفضل من أوله: «أفضل من التي تقومون». قال: «يريد آخر الليل» هذا التفسير واضح لكي لا يُظَن أن ترك صلاة التراويح أفضل كما فَهِم بعضهم، وليس ذلك كذلك، وإنما هو باعتبار الوقت. قال: «وكان الناس يقومون أوله». هذا كان فِعْلهم، إلى أن جاء عمر بن عبد العزيز فكان يزيد في آخر الليل، وسيأتي الحديث عنها. نعم.

​أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد أنه قال: «أمر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أبي بن كعب وتميمًا الداري – رضي الله عنهما – أن يَقُومَا للناس بإحدى عشرة ركعة». قال: «قال فكان القارئ يقرأ بالمِئين، حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر». نعم نعم.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن يزيد بن رومان أنه قال: «كان الناس في زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقومون في رمضان بثلاث وعشرين ركعة». نعم.

​هذان أثران نقلهما مالك عما كان يُفعل في زمن عمر رضي الله عنه. ففي الأثر الأول، وهو ما رواه عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر أُبَيَّ بن كعب وتميمًا الداري – وهو الثاني الذي كان يصلي بالناس – أن يَقُومَا للناس بإحدى عشرة ركعة. وأما في الأثر الثاني، فقد رواه عن يزيد بن رومان أنه قال: «كان الناس في زمن عمر في رمضان بثلاث وعشرين ركعة».

​فاختلف الأثران اللذان رواهما مالك رحمه الله تعالى. ولأهل العلم في توجيهه أوجه، أشهرها أمران:

الوجه الأول: أن الصواب أنه إنما كان عمر رضي الله عنه يصلي بالناس أو يأمر مَن يصلي بالناس أن يصلي ثلاثًا وعشرين. وأما رواية أنه أمر أُبيًّا وتميمًا أن يَقُومَا للناس بإحدى عشرة، فإنه قد خُولِفَ مالك فيها. ولذلك يقول أبو عمر ابن عبد البر: «غير مالك يخالفه فيقول: أمر عمر بن الخطاب أُبيَّ بن كعب وتميمًا الداري أن يَقُومَا للناس بإحدى وعشرين ركعة». فيكون ذلك من باب تفرُّد مالك بهذه الرواية. قال ابن عبد البر: «ولا أعلم أحدًا قال: إنه قام بإحدى عشرة ركعة» – من الرواة طبعًا عن محمد بن يونس وغيره – «سوى مالك». فمالك هو الذي تفرَّد بهذا العدد، وأما سائر الرواة فإنهم يروونه بإحدى وعشرين ركعة. وهذا التوجيه باعتبار الرواية فيكون من تفرُّد مالك رحمه الله تعالى في هذه المسألة، ويُقدَّم رواية غيره عليه.

وهناك توجيه ثانٍ نقله اللخمي في التبصرة. فقد نقل اللخمي – نعم، فقد نقله عبد الملك بن حبيب القرطبي – فقد ذكر عبد الملك بن حبيب القرطبي أن عمر كان في أول الأمر أمر القارئ أن يصلي بإحدى عشرة، ثم رجع بعد ذلك إلى ثلاث وعشرين. فيكون لعمر رأيان: رأي متقدم ورأي متأخر. وهذا جَمْعُ عبد الملك بن حبيب، تلميذ الإمام مالك رحمه الله تعالى في هذه المسألة.

​وأما باعتبار السُّنِّيَّة، فالمعتمد في مذهب الإمام مالك وأحمد وجماهير أهل العلم أن الأفضل أن تُصلى التراويح عشرين ركعة، ويُؤتَى بالوتر بعدها إما بثلاث ركعات أو بركعة أو بنحو ذلك. وهذا الذي عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله تعالى، ومنهم مذهب مالك وأحمد وغيرهم من أهل العلم على ذلك والشافعي وغيره. وقد أفرَد السُّبكي جزءًا طُبِعَ في أحكام التراويح، وأطال فيها على مذهب الشافعي يقرر ذلك. ولكن نقل اللخمي وجهًا عن الشافعي عن مالك أن مالكًا أخذ بقول عمر الأول كما قال ابن حبيب، فنقل اللخمي أن مالكًا أخذ ما جمع عليه عمر الناس وهو ثلاث عشرة ركعة. فهذا وجه وقول لمالك، لكنه ليس هو المعتمد. والذي عليه جماهير أهل العلم هو ما يُصلى في الحرمين: أن تُصلى عشرين ركعة، ويُزاد عليه بالوتر ثلاث ركعات، وهذا الذي عليه عمل كثير من المسلمين.

​أيضًا من فقه هذا الحديث قوله: «فكان القارئ يقرأ بالمِئين» أي: بالمئين من الآي أو من السور، فإنكم تعلمون تقسيم الـطُّوال ثم المِئين وهكذا. وبعضهم يجعلها بالفتح المائين. وعلى العموم الظاهر أنها بالعدد وليست أسماء السور. وحينئذ فقد أخذ أهل العلم من ذلك – ومنهم مالك وأحمد وغيرهم – أنه يُستحب للإمام في صلاة التراويح أن يقرأ القرآن كله في التراويح، فيَختم بالناس ولو مرة. واستحب ذلك أهل العلم، ومنهم مالك وأحمد وجَمْع من أهل العلم.

​قال: «حتى كنا نعتمد على العصي». هذا في أول الأمر، ثم لما جاء بعد ذلك زاد عمر بن عبد العزيز إلى ست وثلاثين ركعة، قالوا: بسبب تقصير الصلاة. فلما قَصَّر الصلاة زاد الركعات. وأما أن تُقَصَّر الصلاة وتُقَلَّل الركعات، فهذا فيه جَمْع لأمرين كان السلف لا يجمعان بينهما في قيام الليل.

​قال: «حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام، وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر». هذا ليس في أول الأمر، وإنما بعد ذلك؛ لأن في أول الأمر كما في الحديث الأول كان الناس يقومون أوله. ثم بعد ذلك أصبحوا يزيدون هنا في إطالتهم في القراءة، لما رغبوا في الخير وأحبوه، ورأى بعضهم بعضًا يصلي، والمسلم إذا رأى أخاه قواه وقوى من عزمه وزاد في نشاطه.

​قال: حدثني إسحاق قال: حدثني القعنبي عن مالك عن داود بن الحصين أنه سمع عبد الرحمن بن هرمز الأعرج يقول: «ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان». قال: «فكان القارئ يقوم بسورة البقرة في ثمان ركعات. فإذا قام بها في ثنتي عشرة ركعة رأى الناس أن قد خفف». نعم.

​هذا الأثر الذي نقله مالك عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج يقول: «ما أدركت الناس» يعني في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم «إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان». قوله: «وهم يلعنون الكفرة» أي باعتبار وَصْفِهم، فيلعنون الكافر بوصفه: اللهم العن الكفرة، مثلًا، ونحو ذلك من الأوصاف. وليس المراد لعن الأعيان كما جاء في الآثار التي ساقت هذا الفعل. وقوله: «في رمضان» هكذا هذه الرواية، ومُراده في رمضان أي في دعاء القنوت في رمضان. وقد جاءت رواية ابن نافع، وقد جاءت رواية ابن نافع عن مالك أنه يقول: «في النصف من رمضان». فكان هذا القنوت والدعاء إنما هو في النصف من رمضان الأخير لا في النصف الأول.

​هذه الجملة نستفيد منها أمور:

الأمر الأول: ما يتعلق بـ لعن الكفار في القنوت. فقد نقل مالك عن ابن هرمز ذلك، ولكن مالكًا قال: «ليس العمل عليه». وسبب قول مالك: «ليس العمل عليه» لسببين:

  1. السبب الأول: ما ذكره أبو مطرف: أن مالكًا إنما ترك اللعنة في قنوت رمضان لأنه لم يكن في أول الإسلام بالمدينة، وإنما حَدَثَ بعد ذلك.
  2. السبب الثاني: أن فعل الذين أدركهم ابن هرمز كان لـ عِلَّة، وذلك أنه قد نَقَل الشراح – ومنهم القَنَّاعي في تفسيره للموطأ – أنه إنما كان أهل المدينة يفعلون ذلك حينما فُعِلَ بأهل المدينة ما فُعِلَ حينما قاتلهم الخوارج. فحين ذلك أصبحوا يلعنون الكفرة المعتدين. فهو من باب النازلة حينئذ، ولا يكون ذلك على سبيل الدَّيْمومة. ولذلك مالك قال: «ليس العمل على هذا».

الأمر الثاني: في قوله: «في رمضان». هذا يدل على استحباب القنوت في رمضان. وقد كان بعض أهل العلم يقول: إنما القنوت يكون في النصف الأخير. وقد أطال في ذلك محمد بن نصر المروزي في كتابه قيام الليل والقنوت في رمضان. وأخذ به بعض الفقهاء من أصحاب الشافعي وغيرهم، ولكن أحمد يقول: الذي جاء عن الصحابة التأكيد بعد نصف رمضان. ولو دعا في رمضان كله لكان حسنًا، أو نحو ما قال أحمد؛ لأنه دعاء وبعد طاعة. والأصل في القنوت أنه يُشرع فيه الدعاء كما جاء في حديث الحسن بن علي، وجاء في زيادة عند الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يقول الدعاء الذي علَّمه إياه في القنوت.

​قال ابن هرمز: «فكان القارئ يقوم بسورة البقرة في ثمان ركعات. فإذا قام بها في ثنتي عشرة ركعة رأى أن الناس قد خفف». هذا يدلنا على ما كان يُقرأ به التابعون ومن كان في زمن صغار الصحابة رضوان الله عليهم؛ لأن ابن هرمز أدرك ذلك الزمان. نعم.

​أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر أنه قال: سمعت أبي يقول: «كنا ننصرف في رمضان من القيام فنستعجل الخدم بالطعام مخافة الفجر». نعم.

​هذا يدل على إطالة القيام في رمضان. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم كما مر معنا يصلون أول الليل، ثم أصبحوا يَمُدُّون الصلاة إلى آخر الليل. ولذلك كانت قراءتهم طويلة حتى كانوا يعتمدون على العصي. ثم بعد ذلك لما جاء عمر بن عبد العزيز أراد أن يخفف، فجعلها ستًا وثلاثين. وقد جاء في بعض الأخبار حينما كان في زمن عمر بن عبد العزيز وزيدت الصلاة أنها زيدت في آخر الليل. فكانوا يصلون بعضها في أول الليل وبعضها في آخره. وكان الإمام الذي يصلي بالناس هو سعيد بن المسيب. ولذا فإن في زيادة عدد الركعات إلى ست وثلاثين أثر عن عمر بن عبد العزيز، وفي قَسْمها في أول الليل وفي آخره نُقلت آثار في إمامة سعيد بن جبير رحمه الله تعالى. وليس ذلك أمرًا مُحْدَثًا، وإنما هو كان من عهد التابعين رضوان الله عليهم. ولكن الناس أحيانًا يَنْشَطُون فيعملون بالكمال والأكثر، وأحيانًا يكونون دون ذلك في النشاط ويأخذون بالأقل. نعم.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه أن ذكوان أبا عمرو كان عبدًا لعائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم، فأعتقته عن دُبُرٍ منها، كان يقوم يقرأ بها في رمضان نعم.

​هذا الأثر فيه أن ذكوان مولى عائشة، وكان عبدًا لها، أعتقته عن دُبُرٍ منها، يعني: عَلَّقَ عِتْقه بوفاتها. وهذا يسمى المُدَبَّر، هو الذي يُعَلَّق عِتقه على الوفاة. ذكوان رضي الله عنه ورحمة كان عبدًا لعائشة، فكان يقرأ بها. وجاء في بعض طرق الحديث أنه كان يقرأ بها من المصحف. فدل ذلك على أنه يقرأ المصحف، ويصح أن يؤم المرأة في بيتها رجل، ونحو ذلك من الأحكام المتعلقة بذلك.

​هذا يدلنا على مسائل:

المسألة الأولى: أن صلاة التراويح مشروعة جماعة. ولذا ذكوان كان يصلي بعائشة. وهل يَلزَم لها المسجد أم لا يَلزَم؟ فيه وجهان، واختار الشيخ تقي الدين أنه يَلزم في التراويح أن تكون في المسجد، ولا يصح أن تكون التراويح في غير المسجد. ولكن أثر عائشة رضي الله عنها يدل على أنه يصح أن تُصلى التراويح في غير المسجد، أن ذكوان كان يصلي بها في بيتها، ولم يكن يصلي بها في المسجد. دل ذلك على قوة القول الآخر أنه لا يَلزَم لصحة التراويح المسجد، لكن الأفضل أن تُصلى في المسجد.

​ومما يُستفاد أيضًا من هذا الأثر أنه لا يصح للمرأة أن تكون إمامًا للرجال. وهذا سيأتي به مزيد في محله إن شاء الله. نعم.

​نعم. الصلاة بالليل.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن محمد بن المنكدر عن سعيد بن جبير عن رجل عنده رضًا أن عائشة رضي الله عنها أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من امرئ يكون له صلاة بالليل تَغْلِبه عليها نوم، إلا كُتِبَ له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة». نعم.

​بعد ذلك بَوَّبَ الإمام مالك رحمه الله تعالى بقوله: الصلاة بالليل، لِيَشْمَل كل صلاة بالليل، سواء في رمضان أو في غيره. وقد أورد عددًا من الأحاديث في كل حديث معنى، أولها حديث سعيد بن جبير عن رجل عنده رضًا. والغالب في تلك الطبقة، طبقة التابعين، أن المجاهيل فيها ثقات، إذ لم يَفْشُ الكذب ولا يُعرف، وكان التحري والديانة كثيرة. ولذا فإن ابن حبان في كتابه الثقات يتوسع في توثيق كثير من هذه الطبقة خاصة. وقد وَثَّقَهُ سعيد حينما قال: «عن رجل عنده رضًا»، أن عائشة أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما من امرئ يكون له صلاة بالليل يَغْلِبه عليها نوم، إلا كُتِبَ له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة». هذا فيه فضل لمن اعتاد على قيام الليل ثم غُلِبَ عنه بسبب نوم. فإنه حينئذ يُؤجَر. ولا يُؤجَر على نومه حينئذ إلا من اعتاد على قيام الليل. ولذا فإن المسلم مُهم أن يكون له حِزْب في الليل، حينئذ إذا شُغِلَ عنه أو نام فإنه يُؤجَر. بل إن كل عارض يَعْرِض قد يُؤجَر عليه. فقد جاء في الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن العبد إذا مرض أو سافر، كُتِبَ له أجر ما كان يعمله صحيحًا مُقِيمًا». فحال وجود المرض أو السفر يُؤجَر على عاداته التي اعتاد عليها، لا على ما كان يتركه في حال زوال العذر وحال وجوده. نعم.

​أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن عنبسة بن النظر مولى عمر بن عبيد الله عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها أنها قالت: «كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، رِجْلايَ في قبلته، فإذا سجد غَمَزني فقبضت رجلي. فإذا قام بَسَطْتُهما». قالت: «والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح». نعم.

​هذا الحديث حديث عائشة رضي الله عنها في قالت: «كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، رِجْلايَ في قبلته». أُخذ من ذلك فيما يتعلق بقيام الليل أن قيام الليل ليس بواجب على غير النبي صلى الله عليه وسلم، بدليل أن عائشة رضي الله عنها لم تكن تصلي حال صلاة النبي صلى الله عليه وسلم، ربما يكون لها وِرْد آخر من أول الليل أو من آخره، لكن لم تكن تقوم معه عليه الصلاة والسلام كل الليل. فدل على أنه ليس بواجب.

​قالت: «فإذا سجد غَمَزني فقبضت رجلي». في هذا أن حجرة النبي صلى الله عليه وسلم وبيته كان صغيرًا ليس بالكبير. وأن المرأة إذا صلت معترضة أمام الرجل فإنها لا تقطع صلاته. وعبرت بأنها في قبلته معترضة. إذا صلى الرجل والمرأة بين يديه معترضة لا تقطع صلاته للحديث. وأما الخلاف ففي مرورها لا باعتراضها. هل تقطع المرأة الصلاة بمرورها أم لا؟ ومن قال: إنها لا تقطع، استدل بهذا الحديث، فقال: إن الاعتراض يأخذ حُكم المرور، ونفى الفارق بين الصورتين.

​قال: «فإذا قام بَسَطْتُهما». قالت: «والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح». هذا فيه دليل على أن المرأة إذا صلى في الظلمة حيث لا يُرَى، فإنه يكون أعظم أجرًا. ولذلك فإن ظُلمة الليل أشد أجرًا في قيام الليل حينئذ. نعم.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها قالت: قال: «إذا نَعَسَ أحدكم في الصلاة فليرقد، حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لعله يذهب يستغفر فيسب نفسه».

​آه، من المسائل المتعلقة بطريقة الرواية: المحدثون إذا كتبوا “حدثنا” فإنها على سبيل الاختصار، وإذا قرأها القارئ يقول: “قال حدثنا”. وهذا الذي عليه جماهير المحدثين. ومثلها إذا قالت: “قال” فتزيد “قال” أخرى. فعن ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، تقول: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. هنا عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. نَبَّه على هذا المَلْحَظ الحافظ ابن حجر في أول فتح الباري.

​في هذا الحديث أن المرأة إذا غلبه النعاس فلا يقوم حال نُعاسه؛ لأنه ربما يخطئ في دعائه، فيريد أن يستغفر فيسب نفسه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم. ولذلك كان بعض الصحابة رضوان الله عليهم إذا كان عنده شيء يَشغل ذهنه ويخاف من وسواسه عَجَّلَ في صلاته. فمن كان فيه نُعاس، فإما أن يَرْقُد ثم يقوم بعد ذلك، فيقوم ويؤدي صلاته، أو يُعَجِّل في صلاته ولا يُطيل فيها لكي لا يقع فيما حَذَّر منه النبي صلى الله عليه وسلم.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن إسماعيل بن أبي حكيم أنه بَلَغَه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع امرأة من الليل تصلي، فقال: «مَن هذه؟» فقيل له: هذه الحَوْلاء بنت تُوَيْت، لا تنام الليل. فَكَرِهَ ذلك، عُرِفَت الكراهة في وجهه. ثم قال: «إن الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا، فكَلِّفُوا من العمل ما لكم به طاقة». نعم.

​هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سَمِعَ امرأة من الليل تصلي، فقال: «مَن هذه؟» قالوا: «هذه فلانة وهي الحولاء بنت تُوَيْت رضي الله عنها، لا تنام الليل». قال: «فَكَرِهَ ذلك». قوله: «فَكَرِهَ ذلك» يحتمل احتمالين:

الاحتمال الأول: أنه كره أن تُمْدَح وهي تسمع. وقد نُهي عن المدح في وجه الممدوح.

والاحتمال الثاني: أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كره أن تُمْدَح بغير الممدوح شرعًا. وكلا الأمرين محتمل. أما أنه كره أن تُمْدَح في وجهها، وأما أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كره أن تُمْدَح بغير الممدوح شرعًا. إذاً فالذي كرهه النبي صلى الله عليه وسلم هو أن تُمْدَح بغير الممدوح، وهو الأقرب منهما. نَبَّه للمعنيين ابن رجب.

​قال: «حتى عُرِفَت الكراهة في وجهه». إذاً الكراهة لأجل ذلك، ليس لأجل مطلق العمل؛ فإن الناس يختلفون، فقد يكون بعض الناس يقوم الليل كله ولا ينام، وهذا يناسبه هو.

​قال: «ثم قال عليه الصلاة والسلام: إن الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا». قوله: «لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا»، بعض الشراح يقول: إن حتى هنا بمعنى حين، فيكون حينئذ المعنى: لا يَمَلُّ حين تَمَلُّوا، فيُنْفَى هذا عن الله عز وجل على سبيل الإطلاق: حين تَمَلُّوا وحين لا تَمَلُّوا. وهذا – وهو جعل حتى بمعنى حين – ذكر العلماء أنه غير معروف في اللغة.

​وبعض الشراح يقول: إن معنى حتى هنا عاطفة، فتكون بمعنى واو: لا يَمَلُّ وتَمَلُّوا أنتم. ولكن هذا غير صحيح؛ فإن حتى تأتي عاطفة بين المفردات، ولا تأتي عاطفة بين الجُمَل.

​وقال بعضهم: إن حتى هنا تَعْلِيلِيَّة، فيكون المعنى: إن الله لا يَمَلُّ لكي لا تَمَلُّوا. وأيضًا هذا فيه بُعْد وتَكَلُّف. إذ لو كانت تَعْلِيلِيَّة لكان: لكي لا تَمَلُّوا، وليس: لكي تَمَلُّوا.

​والمعنى هنا أن هذه كقول الله عز وجل: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67]، ونحو ذلك مما يأتي على سبيل المقابلة. والله عز وجل لا يُوصَف بصفة فيها نقص ولا عيب له سبحانه وتعالى. وما كان من باب المقابلة فإنه يكون من باب اللازم حينئذ. ولذا قال أهل العلم: إن المَلَل يقتضي القَطْع للعبادة، فإذا مَلَّ العبد قَطَعَ عبادته، فقَطَعَ الله عز وجل عنه الخير حينئذ. وهذه الصفات التي تأتي من باب المقابلة، من أحسن مَن تكلم عنها الشيخ تقي الدين في بيان التلبيس، وابن رجب في أكثر من موضع، وغيرهم من أهل العلم تكلموا عن هذه المسألة. وهو الذي يظهر من كلام أهل العلم المتقدمين من غير تكلف في حَمْل معنى حتى لوجه.

​ثم قال: «فكَلِّفُوا» بفتح اللام، أي: فاعملوا واحمِلوا من العمل ما لكم به طاقة، ولا تَتَكَلَّفوا ما ليس لكم به طاقة. فالناس يختلفون، فبعضهم يستطيع وبعضهم لا يستطيع.

​أورد المصنف هذا الحديث لِيَدُلَّ على أن المرأة لا نبدأ بالتكلف في قيام الليل، ويأخذ بأشده زمانًا ويأخذ بأشده عددًا، وإنما يأخذ بما يستطيع. وقد جاء أن بعض السلف رحمهم الله تعالى – ومنهم عبد الله بن المبارك – كان يقول: «جاهدت نفسي في قيام الليل عشرين سنة، فارتاحت عشرين سنة». فالإنسان لا يأخذ نفسه بالأشد، وخاصة في قيام الليل وكذا في سائر العبادات المندوبة، حتى يَرْتَاضَ عليها ويَرتاح لها. نعم.

​أحسن الله إليكم.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه أنه قال: «كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي، حتى إذا كان نصف الليل، أيقظ أهله للصلاة، يقول لهم: الصلاة الصلاة، ويتلو هذه الآية: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ طه: 132». نعم.

​هذا الأثر عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر كان من الليل ما شاء الله أن يصلي. «حتى إذا كان نصف الليل» هكذا رواية القعنبي: نصف الليل. وجاء عند يحيى بن يحيى الليثي وأبي مصعب الزهري المدني والسويد بن سعيد وغيرهم: «حتى إذا كان آخر الليل». والمعنى فيهما متقارب؛ لأن الآخر قد يَصْدُق على ما بعد النصف، وقد يَصْدُق على مطلق الآخر.

​قال: «أيقظ أهله للصلاة. يقول لهم: الصلاة الصلاة، ويتلو هذه الآية: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾». هذا فيه أمران:

الأمر الأول: أن عمر رضي الله عنه كان يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي. فـ ليس لصلاة الليل عدد. صلاة الليل ليس لها عدد، وإنما جاء أن التراويح تُصلى عشرين ركعة، ثم زادها بعض السلف كعمر إلى ثلاثين أو أكثر. وأما الوتر، فهي الذي قيل إن – وسيأتينا – عدده، فبعضهم قال: ركعة، وبعضهم قال: ثلاث، وبعضهم قال: إحدى عشرة. ولذا يجب أن نُفَرِّق بين قيام الليل وبين الوتر. وهكذا الفقهاء جميعًا يفرقون بين قيام الليل وبين الوتر. الفقهاء عامة يفرقون بينهما. ولذلك فإن عمر كان يصلي ما شاء الله أن يصلي من غير عدد، بحسب نشاطه وقوته وحسب قدرته على إطالة القيام وقَصْرِه.

​قال: «حتى إذا كان نصف الليل أو آخر الليل». أي: فجعل أهله، فيوقظ أهله للصلاة. فدل على أنه يُندب للمرء أن يوقظ أهله. هذا من جهة. ومن جهة أخرى: أنه أيقظهم في آخر الليل، مما يدل على أنهم لا يستطيعون قيام نصف الليل كله، وإنما في آخر الليل كان يوقظهم. ويُستدل بقول الله عز وجل: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾. فتحتاج إلى اصطبار. ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾. وهذه الآية استدل بها بعض أهل العلم من باب دلالة الاقتران على أن الصلاة عمومًا وصلاة الليل خصوصًا سبب لـ الرزق وقضاء الدَّين. والرزق قد يكون بالمال، وقد يكون الرزق بغيره كالزوجة، وقد يكون الرزق الدراسة، وقد يكون في غيرها من الأمور التي يكون فيها الرزق. نعم.

​أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك أنه بَلَغَه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه كان يقول: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، يُسَلِّم من كل ركعتين». نعم.

​هذا الأثر نقله مالك بلاغًا عن ابن عمر موقوفًا أنه كان يقول: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى، يُسَلِّم من كل ركعتين». وسيأتي إن شاء الله أن مالكًا أسند هذا الحديث مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم من طريق ابن عمر، لكن صلاة الليل دون الزيادة والنهار. وعلى العموم، فإن الزيادة والنهار رُويت موقوفة على ابن عمر رضي الله عنه، ورُويت مرفوعة للنبي صلى الله عليه وسلم. وقد جزم جماعة من أهل العلم بصحة المرفوع. وممن صحح المرفوع زيادة والنهار للنبي صلى الله عليه وسلم: البخاري، والنسائي. وخطأه جماعة، وخطأه جماعة آخرون من أهل الحديث، وقالوا: إنها تفرَّد بها بعضهم. ولكن على العموم، ذكر أبو داود صاحب السنن أن الزيادة والنهار هي سُنَّة تفرَّد بها أهل مكة، ولم يروها أهل المدينة. ولعل هذا هو سبب أن مالكًا نقله بلاغًا؛ لأنها من السنن التي تفرَّد بها أهل مكة، ولم ينقلها أهل المدينة عن ابن عمر رضي الله عنه.

​هذا الحديث فيه أنه صلاة الليل مثنى مثنى، فليس لها عدد قيام الليل. وقيام الليل يبدأ من بعد صلاة المغرب، أي بعد غروب الشمس، كله قيام ليل. وأما الوتر فلا يكون إلا بعد صلاة العشاء، ويُستحب أن يكون بعد سنتها الراتبة. أحسن الله إليك.

​كما أنه يُفيد كذلك أن السنة أن تُصلى ركعتين ويُسَلَّم منها. هذا هو الأفضل.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك أنه بَلَغَه عن سعيد بن المسيب أنه كان يكره النوم قبل صلاة العشاء الآخرة والحديث بعدها. نعم.

​هذا الحديث نقله مالك عن سعيد بن المسيب، ولم يذكره مرفوعًا، ولعله لم يبلغه مرفوعًا. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي بَرْزَة الأسلمي مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا نُكْتة: أن الأئمة رحمهم الله تعالى إنما نقلوا ما رووا، وليس كل أحد يُحيط بكل الأحاديث والأخبار. فإذا كان مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة وغيرهم من الأئمة خَفِيَ عنهم من الأحاديث الشيء الكثير، فيكون ذلك عذرًا لهم فيما قد يعني يُخطئون فيه أو يَغيب عنهم من العلم.

​هذا الحديث فيه أنه يُكره النوم قبل صلاة العشاء الآخرة، صلاة العشاء التي سُميت في أول الأمر بـ العَتَمة. قال: «والحديث بعدها» لكي ينشغل المرء بعدها بحاجته ونومه. نعم.

​أحسن الله. قال: صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الوتر.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، يُوتر منها بواحدة، فإذا فَرَغَ منها اضطجع على شِقِّه الأيمن. نعم.

​هنا يُبين الإمام مالك في هذا الباب أحكام صلاة الوتر. وهذا من دقيق فقهه رحمه الله تعالى. وأول حديث أورد حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، يُوتر منها بواحدة، فإذا فَرَغَ منها اضطجع على شِقِّه الأيمن». هذا فيه مسألتان:

المسألة الأولى: ما يتعلق بـ مقدار الوتر، وسنرجئه تتمة أحاديث الباب.

والمسألة الثانية: فيما يتعلق بـ الاضطجاع على الشق الأيمن. فإن الاضطجاع على الشق الأيمن لأهل العلم فيه مَسْلَكان:

  1. ​فبعض أهل العلم يقول: إن الاضطجاع هذا إنما هو عادة، من باب الراحة، وليس قُربة. وهذا الذي نقله الباجي في شرحه للموطأ.
  2. ​وذهب بعض أهل العلم إلى أنه مُستحب. فيُستحب الاضطجاع بعد الوتر على شقه الأيمن مُتَوَجِّهًا للقِبلة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فَعَلَهُ وداوم عليه؛ لأن عائشة قالت: «كان يصلي فإذا فَرَغَ منه اضطجع». وهذه الصيغة: «كان يصلي فيفعل ذلك» تدل على – كما قاله جماعة من علماء الفقه والأصول واللغة – وتَقَدَّم معنا تقرير هذه القاعدة قبل في درس أصول الفقه. ولذا فإن أحمد وإسحاق وجماعة استحبوا الاضطجاع ساعة بعد الوتر على الشق الأيمن مُتَّجِهًا للقِبلة لـ الاتباع، أي: لاتّباع النبي صلى الله عليه وسلم لا لِذات الفعل. وقد نَقَل ابن مفلح في الفروع أن هذا القول وافَقَ فيه مالك. ولكن نَقَلت لكم عن الباجي خلاف ذلك. ولكن ربما في بعض كتب المالكية أنه مستحبة هذه الاضطجاع، نقلًا عن ابن مفلح صاحب الفروع. نعم.

​قال: حدثنا القعنبي عن مالك عن هشام بن عروة نعم.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن سعيد بن أبي سعيد المَقْبُري عن أبي سلمة أنه أخبره أنه سأل عائشة رضي الله عنها: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: «ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة. يصلي أربعًا، فلا تَسَلْ عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ. ثم يصلي أربعًا، فلا تَسَلْ عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ. ثم يصلي ثلاثًا». فقالت عائشة رضي الله عنها: فقلت: يا رسول الله، أَتَنَام قبل أن تُوتر؟ فقال: «يا عائشة، إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي». نعم.

​هذا الحديث عن عائشة أنها سُئلت: كيف كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: «ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة». قول عائشة: إنه لا يزيد على إحدى عشرة ركعة، ظاهره العموم في كل صلاته في رمضان، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي السنن الرواتب. وكان عليه الصلاة والسلام جاء عن حديث ابن عباس أنه صلى ثلاث عشرة ركعة. بل جاء في بعض الأحاديث أنه لما صلى بالناس في رمضان كان صلاته بهم عشرين ركعة. فإن صح هذا الحديث، فإن عمر عندما جمع الناس على عشرين ركعة إنما جمعهم بناءً على ما أدركوا مع النبي صلى الله عليه وسلم.

​المقصود من هذا أن مُراد عائشة حينئذ إنما هو الوتر الذي كان يُلازمه صلى الله عليه وسلم. وبناءً على ذلك فإن للوتر أحكامًا خاصة به:

  1. ​فالوتر مَن فاته من الليل قضاه في النهار.
  2. ​والوتر كذلك يُستحب المواظبة عليه في الحَضَر وفي السفر معًا. وأما السنن الأخرى فلا يُستحب المواظبة عليها في السفر وإنما تُترك أحيانًا.
  3. ​والأمر الثالث: أن الوتر يُستحب المداومة عليه وعدم تركه. والناس يختلفون في وترهم، وكم مقدار الوتر سيأتينا إن شاء الله في نهاية الباب الذي بعد هذا، وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بالوتر.

​إذاً فقول عائشة: «ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة» هو وتره صلى الله عليه وآله وسلم. وإلا فقد جاء قبل أنه كان يصلي مثنى مثنى، مما يدل على الإطلاق في صلاته صلوات الله وسلامه عليه.

​قال: «يصلي أربعًا، فلا تَسَلْ عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ». قولها: «يصلي أربعًا» تحتمل احتمالين:

  1. ​إما أربعًا بسلامَيْن، ثم يَفصِل بينهن براحة أو نحو ذلك.
  2. ​أو أنه يصلي أربعًا بسلام واحد.

​فكلاهما محتمل. فالاحتمال الأول يؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة الليل مثنى مثنى». ولذلك قالوا: الأفضل أن تكون الإحدى عشرة كل ركعتين مستقلة. ويحتمل، وظاهر الحديث يحتمله في الظاهر، أن تُصلى أربعًا بسلام واحد. فيجوز حينئذ أن يصلي أربعًا بسلام واحد لما يحتمله قول عائشة رضي الله عنها.

​قال: «ثم يصلي أربعًا، فلا تَسَلْ عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، ثم يصلي ثلاثًا». هنا قوله: «يصلي ثلاثًا» قد يُفهم منه أنه يصلي ثلاثًا بسلام واحد. وهذا جائز ونُقل عن بعض الصحابة. ويحتمل – وهو الأظهر – أنه يصليه بـ سلامَيْن، وهو الأكثر من فِعْله صلى الله عليه وسلم؛ لأن عائشة قالت في الحديث المتقدم: «يُوتر بواحدة». أي: بواحدة لا يَجمع معها الركعتين السابقتين لها. ولذلك فإننا نقول: إنه يصح أن يصلي آخر ثلاث ركعات متوالية، كما يصح أن يصلي خمسًا متوالية. ولكن الأفضل أن يصلي وتره مثنى مثنى إلا آخر ركعة، فيصليها منفردة؛ لأن أكثر حديث على ذلك.

​قال: «فقالت عائشة: فقلت: أَتَنَام قبل أن تُوتر؟ فقال: إن عينيَّ تنامان ولا ينام قلبي». فيه ما تَقَدَّم معنا أن الأفضل في الوتر باعتبار الحال أن يسبقه نوم وأن يَلحقه نوم. ولذلك قلنا: يُستحب أن يكون بعد يَقَظَة وأن يَتْبَعَه نوم. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يَضطجع حتى يَنفخ عليه الصلاة والسلام. وداود عليه السلام كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سُدُسَه عليهم السلام. نعم.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة، ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين». نعم.

​حديث عائشة في أوله قالت: «كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة» مع أن مالكًا نَقَل عنها قبل قليل أن النبي كان يصلي إحدى عشرة ركعة. وهذا الحديث إسناده من أقوى الأسانيد وهو على شرط الصحيحين: مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن خالته عائشة رضي الله عنها. دل ذلك على أنه لا بد من حَمْل الكلام الأول. ولا نقول: إنه اختلف، ولا نحتاج لتأويل بأن نقول: يُحسب معه ركعتان الخفيفتان بعد الوتر؛ لأن لو قلنا: يُحسب معها ركعتان خفيفتان بعد الوتر، لَقُلنا: لم يُفت إحدى عشر ركعة وبعدها ركعتين، فمجموعها ثلاث عشرة ركعة. وإنما نقول: ما ذكرته عائشة رضي الله عنها في إحدى عشرة هو مُحْكَم. ولا نقول: إنه يجوز إحدى عشر وثلاثة عشر، وإنما هو أقل، أعلى الكمال، وإنما أعلى الكمال في الوتر إحدى عشرة ركعة. فحينئذ عملنا بالأحاديث كلها. وقد جاء خمس عشرة ركعة، جاء أنه يصلي في الليل خمس عشرة ركعة. وجاء عشرين كمن نُقل عن ابن عباس إن صح. نعم.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن مَخْرَمَة بن سليمان عن كُرَيْب مولى ابن عباس بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أخبره أنه بات عند ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها وهي خالته. قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طولها. فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتصف الليل أو قبله أو بعده بقليل. ثم استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده. ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران. ثم قام إلى شَنٍّ معلقة، فتوضأ منها، فأحسن وضوءه. ثم قام فصلى. قال عبد الله: فقمت فصنعت مثل ما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسي وأخذ بأذني يفتلهما. فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين. ثم أوتر، ثم اضطجع، حتى جاءه المؤذن. فقام فصلى ركعتين خفيفتين، ثم خرج فصلى الصبح نعم.

​هذا حديث عبد الله بن عباس أنه بات عند خالته ميمونة وكان صغيرًا إذ ذاك. «فاضطجع ابن عباس في عَرْض الوسادة، واضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهله في طولها. فنام حتى انتصف الليل أو قبله أو بعده بقليل». عندنا في قوله: «حتى انتصف الليل أو قبله أو بعده بقليل» مسألتان:

المسألة الأولى: أن أفضل القيام قيام داود، كان يقوم نصف الليل. وقد قام النبي صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي قام فيه داود عليه السلام.

والأمر الثاني: متى يُعرف انتصاف الليل؟ يُعرف انتصاف الليل باعتبار غروب الشمس وطلوع الفجر. فيُنظَر متى تغرب الشمس – وهو أذان المغرب – ويُنظَر متى تطلع يطلع الفجر – وهو أذان الفجر – ويُحسب ما بينهما فهو النصف. والثلث الأخير يكون بحساب الثلث من هذه المدة، فيُحسب من آخره. وذكر بعض أهل العلم أن نصف الليل في مواقيت الصلاة يُحسب بهذه الطريقة. وأما في غير مواقيت الصلاة، كـ الخروج من مزدلفة بعد نصف الليل، فيكون حسابه من غروب الشمس إلى طلوع الشمس. وهذا الوجه الثاني هو الذي اختاره الشيخ تقي الدين؛ لكي يُوافق ما فَعَلَه زوجات النبي صلى الله عليه وسلم حينما كان خروجهن من مزدلفة عند غياب القمر، ولا يكون ذلك إلا بعد مُضي جزء كبير بعد نصف الليل بالحساب الأول. وعلى العموم، المقصود أن نصف الليل بالاعتبار الأول متعلق بالصلوات وهو انتهاء وقت صلاة العشاء أو باعتبار الأفضلية في قيام الليل فهو باعتبار غياب الشمس وطلوع الفجر.

​قال: «ثم استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلس يمسح النوم عن وجهه بيده». وهذا من باب العادات. ولا يُقال: إنه مستحب؛ لأن الناس يختلفون في طريقة مسح النوم عن وجوههم.

​قال: «ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من آل عمران. ثم قام إلى شَنٍّ مُعلَّقة، فتوضأ منها، فأحسن وضوءه» عليه الصلاة والسلام. «ثم قام فصلى. قال عبد الله: فقمت فصنعت مثل ما صنع. ثم ذهبت فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على رأسي وأخذ بأذني يفتلهما». وذلك أن ابن عباس وَقَفَ على يسار النبي صلى الله عليه وسلم، ثم نقله النبي صلى الله عليه وسلم إلى يمينه. وهذا هو سبب وضع النبي صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على رأسه ونقله له حين ذاك.

​قال: «فصلى ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين. ثم أوتر». فصلى هنا النبي صلى الله عليه وسلم قبل الركعة التي أوتر بها ثلاث عشرة ركعة. وهذا يدل على أنه صلى ثلاث عشرة ركعة. فلو كان نَهْي عائشة أو نفي عائشة لكل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ما كان ذلك منه. إذاً فنقول: إن وتره عليه الصلاة والسلام كان إحدى عشرة ركعة، وأول ركعتين افتتح بهما قيام الليل، وهي افتتح بهما صلاته، وهي من قيام الليل.

​قالت: قال: «ثم اضطجع». تكلمنا عن هذه الضجعة: هل هي مستحبة أم لا؟ وكثير من فقهاء الحديث يرون استحبابها. ومن قال بوجوبها كابن حزم فقد أبعد النُّجْعَة. وإنما هي دائرة بين الاستحباب والإباحة.

​قال: «فقام فصلى ركعتين خفيفتين». وهي ركعتا الفجر، وسيأتي حُكمها. «ثم خرج فصلى الصبح بالناس». نعم.

​أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن أبيه أن عبد الله بن قيس بن مُحَرِّمَة أخبره عن زيد بن خالد الجُهَني رضي الله عنه أنه قال: «لأَرْمُقَنَّ صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم الليلة». قال سَدُّوا عَتَبَتَهُ أو فُسْطَاطَهُ. فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين خفيفتين. ثم صلى ركعتين طويلتين. ثم صلى ركعتين وهما دون التي قبلهما. ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما. ثم صلى ركعتين دون اللتين قبلهما. ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما. ثم أوتر. فذلك ثلاث عشرة ركعة». نعم.

​هذا الحديث فيه مثل السابق. غير أن فيهما بيان طول صلاة النبي صلى الله عليه وسلم وقصرها. وهذا يدل على اختلاف التنوع وليس على سبيل الاستمرار. فإنه مرة قَصَّر كل ركعتين أقصر من التي قبلها، بينما عائشة رضي الله عنها ذكرت أن أول الأربع الركعات الأولى لا تَسَلْ عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، وأن الثانيتين لا تَسَلْ عن حُسْنِهِنَّ وطُولِهِنَّ، أي: أن أول أربع متشابهة في الطول، والأربع التي بعدها متشابهة في الطول. وأما هنا فبَيَّنَ أن بعض بعضهن أطول من بعض. نعم.

​قال: الأمر بالوتر.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن نافع وعبد الله بن دينار عن عبد الله رضي الله عنه أن رجلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى». نعم.

​هذا حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بَوَّبَ عليه الإمام مالك بقوله: الأمر بالوتر. وتعبير مالك بـ الأمر بالوتر يدل على تأكيد هذه الصلاة. إذ الأمر بالوتر إنما هو أمر سُنِّيَّة، وبعضهم يقول: فضيلة. والمعنى فيهما قد يكون متقاربًا من أوجه كثيرة. الأمر هنا أمر نَدْب وسُنَّة، خلافًا لمن قال: إن الأمر أمر وجوب، وهو قول أبي حنيفة النعمان وكثير من أصحابه.

​فيه أن رجلًا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاة الليل. فقال عليه الصلاة والسلام: «صلاة الليل مثنى»، وهو الحديث الذي تَقَدَّم معنا، وهذا هو الثابت في الصحيحين. «فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى». قد يُؤخذ من هذا الحديث أن الوتر ركعة واحدة، وما زاد عن الواحدة داخلة في مطلق قيام الليل. ولكن سيأتي مزيد تفصيل من ذلك بعد قليل.

​ويُوَجَّه هذا الحديث بأن الوتر تكون الوتر له معنيان: صلاة الوتر و الركعة الوتر. فهنا الحديث عندما قال عليه الصلاة والسلام: «فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة» أي: الـفَـرْد، أي: الفَرْد، فلا تجعلوا الوتر في أول صلاتك ولا في وسطه، وإنما تكون في آخره. والمعنى الثاني للوتر: الوتر التي هي صلاة الوتر التي هي سُنَّة مؤكدة يُستحب المواظبة عليها. فهذه سيأتي عددها. والأقرب من الأقوال أن أقلها ركعة، وأقل الكمال ثلاث، وأعلى الكمال إحدى عشرة ركعة. إذاً فكلمة الوتر لها معنيان لا معنى واحد، وهما متداخلان هذان المعنيان. نعم.

​أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حِبَّان، أحسنت. عن ابن مُحَيْرِيز أن رجلًا من كِنانة يُدعى المُخْدَجي سمع رجلًا بالشام يُدعى أبا محمد يقول: الوتر واجب. قال المخدجي: فخرجت إلى عبادة بن الصامت رضي الله عنه، فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد، فأخبرته بالذي قال أبو محمد. فقال عبادة: «كذب أبو محمد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خمس صلوات كتبهن الله عز وجل على العباد، فمن جاء بهن لم يُضَيِّع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن، كان له عند الله عز وجل عهدٌ يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة». نعم.

​هذا الأثر أو لهذا الحديث رواه مالك عن يحيى بن سعيد وهو الأنصاري عن محمد بن يحيى بن حِبَّان. ومحمد بن يحيى بن حِبَّان أدركه مالك وروى عنه وهو من شيوخ الإمام مالك الكبار الأجِلَّة. وقد توفي سنة إحدى وعشرين ومئة من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم. وكان مالك يُجِلّه ويذكره بالفقه والعبادة والعلم وغير ذلك. ومن عدالة مالك وثقته أنه عندما لم يروِ هذا الحديث عن ابن حبان، رواه عن شيخه يحيى بن سعيد عن ابن حبان. وهذا من كمال عدالته رحمه الله تعالى ورضي عنه.

​فيه أنه رواه محمد بن يحيى بن حبان عن ابن مُحَيْرِيز وهو عبد الله بن مُحَيْرِيز من أجِلَّة التابعين: «أن رجلًا من كِنانة يُدعى المُخْدَجي». قوله: «رجل من كِنانة»، هذه كِنانة بني مُدْلِج، وليست كِنانة التي من من عدنان التي يُنتسب إليها النبي صلى الله عليه وسلم. فقد جاء هذا الحديث من غير طريق مالك أنه كان رجلًا من بني مُدْلِج. فدل على – والكِنَانات في العرب ثلاثة وأربع – وقوله: «يُدعى المُخْدَجي». هذا ليس اسمًا له وليس نسبًا، فليس اسمه المُخْدَجي وليس اسمه وليس لقبًا نسبة لقبيلة. فقد ذكر الإمام مالك أن المُخْدَجي هو لقب له، وليس شيء من النسبة في العرب كذلك، فليس نسبة لقبيلة وليس اسمًا له، وإنما هو لقب كما قال الإمام مالك. وأما اسمه فقد ذكر يحيى بن مَعِين رحمه الله تعالى أنه قيل: إن اسمه رفيع، اسمه رفيع هكذا ذكر. وذكر ابن عبد البر أن هذا المُخْدَجي لا يُعرف إلا في هذا الحديث فقط. ولا يُعرف له حديث آخر رواه. ولكن المُخْدَجي هذا كان من أصحاب عبادة بن الصامت. واختصاصه بعبادة بن الصامت يدل على ثقته. فقد روى محمد بن نصر المروزي من طريق محمد بن إبراهيم عن ابن حبان بهذا الإسناد، وذكر أن المُخْدَجي هذا كان قد لَزِمَ عبادة رضي الله عنه حتى أَنزله عبادة منزلة العبد. فكان يُسافر معه إذا سافر وكان يَخرج معه إذا خرج. فاختصاصه بعبادة رضي الله عنه يدل على يعني مزيد فضل. ولذلك فإن مالكًا خرَّج هذا الحديث في موطئه وهو يعني صحيح على شرطه. طبعًا هو المُخْدَجي بفتح الدال، وهذا الذي عليه عامة الرواة. وبعضهم يَكسرها: المُخْدِجي. نَقَل ذلك عِيَاض وقاضي وغيرهم. نعم.

«أنه سمع رجلًا بالشام يُدعى أبا محمد». أخفاه؛ لأنه سينقل عنه عيبًا بعد قليل. وهذا الذي يُدعى أبو محمد هو أحد الصحابة. وقد كان من الأنصار كما جاء في بعض طرق الحديث، فهو رجل من الصحابة الأنصار. قيل: إن اسمه مسعود بن أوس. وقيل: إن اسمه سعد بن أوس الأنصاري. بل بعضهم قال: إنه بدري. ولذلك فإن إخفاء اسمه لِمَا كان فيه بعض المَثْلَبة حَسَن.

​قال: يعني أبو محمد رضي الله عنه: «الوتر واجب».

​قال المخدجي: «فخرجت إلى عبادة بن الصامت». قوله: «فخرجت إلى عبادة بن الصامت»، نَقَل الطبراني في مسند الشاميين أن المخدجي رَكِبَ لعبادة وهو في طبرية، فيكون حينئذ من الرحلة لأجل الحديث. فرَحَلَ إليه لأجل معرفة هذا الحكم. قال: «فخرجت إلى عبادة»، إذا خرجت ظاهره أنه انتقل من بلد إلى بلد، وضَحَّتْها رواية الطبراني. قال: «له وهو رائح إلى المسجد، فأخبرته بالذي قال أبو محمد. فقال عبادة: «كذب أبو محمد»». قوله: «كذب» أي: أخطأ. وكثير في لغة العرب أنهم يُعَبِّرون عن الخطأ بالكذب. حتى قال بعض أهل اللغة: إن هذه لغة قريش. فقريش تجعل كل مَن أخبر بخلاف الحقيقة كاذبًا، سواء كان غير – وهو المُخطِئ – أو كان متعمدًا الإخبار بخلاف ذلك، وهو الذي بُهِتَ في نقله، فأصبح كاذبًا.

​فقال عبادة: «كذب أبو محمد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خمس صلوات». قوله: «خمس صلوات» هذا هو محل الشاهد؛ لكي يُؤكِّد المالك على بذلك على أن الوتر ليس بواجب. قال: «خمس صلوات كتبهن الله على العباد، فمن جاء بهن لم يُضَيِّع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن، كان له عند الله عهد يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة». نعم نعم.

​أحسن الله إليكم.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن أبي بكر بن عمر عن سعيد بن يَسَار أنه قال: «كنت أسير مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بطريق مكة». قال سعيد: «فلما خشيت الصبح نزلت فأوترت، ثم أدركته». فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «أين كنت؟». فقلت له: خشيت الفجر فنزلت فأوترت. فقال: «أوليس لك في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة؟» فقلت: ألَا والله. قال: «فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير». نعم.

​هذا الحديث رواه مالك عن شيخه أبي بكر بن عمر، وهو أبو بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنه. فهو بيت عمر مدني من أشرف البيوت. فيه أن سعيد بن يَسَار سار مع عبد الله بن عمر في طريق مكة. فقال سعيد: «فلما خشيت الصبح نزلت» أي: عن الدابة «فأوترت، ثم أدركته». فتأخر عنه ثم أدركه. فقال عبد الله: «أين كنت؟». فقال: خشيت الفجر فنزلت فأوترت. فقال: «أوليس لك في رسول الله أسوة؟». فقلت: بلى والله. فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير». هكذا جاءت رواية الموطأ مالك: «يوتر على البعير». في بعض الألفاظ: كان يوتر على راحلته. في بعض الألفاظ: كان يوتر راكبًا. وفي بعضها زيادة: كان يوتر على راحلته أينما توجهت. فدل على سقوط أمرين:

  1. ​سقوط القيام، وسقوط الركوع ما يتعلق به أي: أفعال الصلاة الفعلية، وإنما يكون.
  2. ​والأمر الثاني فيه سقوط أيضًا: التوجه للقِبلة.

​هذا الحديث فيه من الفقه أمور:

الأمر الأول: أورده مالك للدلالة على أن الوتر ليس بواجب؛ لأن القيام في صلاة الفريضة واجب: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238]. فالقيام في الصلاة واجب. ولما كانت الوتر تُصلى على الدابة، دل على أنها ليست بواجبة.

الأمر الثاني: أن صلاة الوتر على الدابة يجوز في السفر. فدل ذلك، فهذا يدل دل عليه هذا الحديث وغيره من الأحاديث، يجوز أن تُصلى على الدابة. وصفة الصلاة على الدابة من غير قيام في تكبيرة الإحرام، ومن غير قيام في القيام، ومن غير ركوع ولا سجود، وإنما يصلي جالسًا على الدابة، ويُومئ بالركوع والسجود، ولكن يجعل إيماءه بالسجود أكثر من إيمائه بالركوع. وإيماؤه بالركوع، هذا هي الصفة.

​وما السفر الذي تُصلى فيه يُصلى فيه على الدابة؟ لأهل العلم فيه قولان:

  1. ​أما مذهب مالك فإنه يرى أنه لا يُصلى الوتر ونحوه من السنن على الدابة إلا إذا كان السفر سفرًا تُقْصَر فيه الصلاة. قال: لأن الأصل ذلك. الأصل أن السفر إذا أُطلق فيكون عليه، فيكون للسفر الطويل، ويُسَمُّونه السفر الطويل الذي تُقْصَر فيه الصلاة.
  2. ​وذهب الشافعي وأحمد إلى أن الصلاة على الدابة في الوتر وفي مثلها السنن الأخرى يجوز في السفر الطويل وفي السفر القصير. والسفر القصير لا تُقْصَر فيه الصلاة، وإنما يختلف عن السفر الطويل في أحكام، منها جواز الصلاة على الدابة. والدليل أن ابن عمر رضي الله عنه كان يصلي على دابته إذا ذهب لـ مزرعته في العالية. والعالية بعدها عن المدينة القديمة هي الآن جزء من المدينة، لكن بعدها عن المدينة قديمًا دون مسافة قَصْر الصلاة. وهي ستة عشر، السفر الطويل ستة عشر فَرْسَخًا، وإنما هي دون ذلك. ولذلك العلماء يقولون: السفر له مسافتان وسيأتينا في الدرس القادم، سفر طويل وسفر قصير. السفر القصير فَرْسَخ على المشهور عند فقهائنا: فَرْسَخ. والطويل ستة عشر فَرْسَخًا. إذاً الصلاة على الراحلة مالك يقول: في الطويل فقط. والشافعي وأحمد يقولون: في الطويل وفي القصير. وعَرَفنا أن القصير هو ما كان فَرْسَخًا، والطويل ما كان ستة عشر فَرْسَخًا. وسيأتي الدليل عليهما في يعني الأثر الذي سيُورده مالك بعد ذلك. نعم.

​السلام عليكم.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أنه قال: «كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا أراد أن يأتي فراشه أوتر. وكان عمر يوتر آخر الليل». قال سعيد: «فأما أنا فإذا جئت فراشي أوترت». نعم.

​هذا قول سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال: «كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا أراد أن يأتي فراشه أوتر». يعني: أبا بكر كان يوتر قبل أن ينام، ثم يَرْقُد بعد ذلك. قال: «وكان عمر يوتر آخر الليل». فيَرْقُد ثم يقوم آخر الليل. قال سعيد: «فأما أنا فإذا جئت فراشي أوترت». هذا فيه مسائل:

المسألة الأولى: أنه يجوز أن يوتر في أول الليل ويجوز أن يوتر في آخر الليل. وأما الأفضل فإن يكون الوتر في آخر الليل؛ لأنه أفضل. وعندنا هنا مسائل:

المسألة الأولى: لِمَ أبو بكر كان يوتر في أول الليل؟ قبل أن أقول: لِمَ كان أبو بكر يوتر في أول الليل؟ فإن الظن بأبي بكر أنه كان يوتر أول الليل ثم يقوم آخره فيصلي بالصفة التي سيأتي كيف كانوا يصلون إذا أوتروا. فأبو بكر لم لم يأتِ في هذا الحديث أنه كان يترك الصلاة في آخر الليل، وإنما كان يوتر في أول الليل. وقد كان جَمْعٌ من الصحابة رضوان الله عليهم يوترون في أول الليل: منهم أبو بكر، ومنهم عثمان، ومنهم أنس، ومنهم رافع بن خَدِيج، ومنهم عائذ بن عمرو، وغيرهم من الصحابة رضي الله عنهم كانوا يوترون. ومن هؤلاء الصحابة: أبو الدرداء وأبو ذر وأبو هريرة. وهؤلاء الثلاثة خاصة إنما كانوا يوترون في أول الليل لأن النبي صلى الله عليه وسلم أَمَرَ أن يوتروا قبل أن يناموا، فَلَزِمُوا وصية النبي صلى الله عليه وسلم لهم.

​وأما أبو بكر وغيره من الصحابة الأجلة كعثمان وغيره وأنس، فَلِمَا كانوا يوترون أول الليل؟ ذكر بعض الشراح – وهذا كثير عند الشراح – يقولون: إن مكان أبو بكر رضي الله عنه يوتر في أول الليل للاحتياط. فكان يَحتاط يخشى ألّا يستيقظ آخر الليل، فكان يوتر أوله. وأما عمر رضي الله عنه فقد عَلِمَ من نفسه أنه سيقوم في آخره، ولذا كان يوتر آخر الليل. هذا قول كثير من الشراح. وقد رَدَّ ذلك ابن رجب وقال: إن هذا غير صحيح. وإنما كان كبار الصحابة كعمر وعثمان وغيرهم يوترون أول الليل، هذا من شدة خوفهم من الله عز وجل وقِصَر أملهم. فإن أحدهم كان إذا وَضَعَ جَنْبَه على الفراش لم يأمَن أن تُقبَض روحه: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ [الزمر: 42]. موتة الصغرى هي النوم. ولذلك فمِن قِصَر أملهم وعظيم شأنهم رضوان الله عليهم أنهم كانوا يوترون أول الليل خشية أن تُقبَض أرواحهم. وهكذا طبع المؤمن دائمًا قصير الأمل. وقد ألَّف ابن أبي الدنيا جزءًا نَقَل فيه أخبار الصحابة رضوان الله عليهم في مسألة قِصَر الأمل. وقِصَر الأمل ليست مجرد شيء في النفس، وإنما يدل عليه فِعْلهم. ولذا جاء عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم كانوا يوترون أول الليل، ويصلون آخره. فليسوا عاجزين ولا تاركين لقيام آخر الليل، وإنما كان أمرٌ وَقَرَ في قلوبهم رضوان الله عليهم.

​ولذا فإن مَن أوتر في أول الليل فلهم أحوال:

  • ​قد يكون أفضل في حقه هو إذا كان قلبه قد مُلِئَ يقينًا بقِصَر الأمل.
  • ​وقد يكون أفضل في حقه كحال الثلاثة من الصحابة الذين لَزِمُوا وصية النبي صلى الله عليه وسلم لهم.
  • ​وقد يكون أحوط وليس أفضل إذا كان الشخص لا يأمن ألّا يقوم آخر الليل، فحينئذ تُصبح يختلف حال الشخص. فقد يكون في أول الليل أفضل لبعض الناس، وليس أفضل، بل آخر الليل أفضل لآخرين. وهذه مسألة يُنتبه لها فإنها مهمة.

​سلام عليكم.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك أنه بَلَغَه أن رجلًا سأل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن الوتر. فقال عبد الله: «أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوتر المسلمون». فجعل الرجل يُرَدِّد عليه، وعبد الله يقول: «أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوتر المسلمون». نعم.

​هذا فيه أن رجلًا سأل عبد الله بن عمر عن الوتر. سؤاله عن الوتر ليس عن صفته، وإنما سأله عن وجوب الوتر: هل هو واجب أم لا؟ ولذلك جاء في بعض روايات الموطأ عند يحيى الليثي أنه سأل عمر عن الوتر: أَوَاجِب هو؟ فهذا قد يكون يعني من الرواية، وقد يكون من باب التأكيد على المعنى؛ لأنه قد يُفهم غير ذلك.

​فقال عبد الله: «أوتر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوتر المسلمون». فأجابه بذلك. «فجعل الرجل يُرَدِّد ذلك وعبد الله بن عمر يُرَدِّد عليه ذلك».

​ما سبب ترديد عبد الله بن عمر لذلك؟ بعض الشراح مثل الباجي كان يقول: إن سبب ترداده وحَيْدَته عن الجواب أن ابن عمر طَوَى عنه الجواب، ولم يقل: إنه مندوب؛ لأنه سؤال عما لا يحتاج له ذلك الرجل، لا هو ليس محتاجًا له وليس هو من أهله، فحينئذ قال أهل العلم: المُفْتي لا يُجيب عن كل سؤال؛ لأن إعطاء بعض الناس بعض الأحكام يكون ذلك يعني سببًا في عدم انتفاعه بالعلم ولا يكون أهلًا له.

​وقال بعضهم – وهو ابن عبد الملك من أصحاب مالك -: إن عمر رضي الله عنه خَشِيَ أن قال له: إن الوتر واجب، أن يَظُن ذلك الرجل أنه واجب كوجوب الصلوات الخمس. وإذا قال له: إنه غير واجب، ظَنَّ أنه مُباح، فحينئذ يتركها. فأراد أن يُبين له أن المسلمين قد فعلوا ذلك ولازموه واستمروا عليه. ولذا قال: «أوتر الرسول وأوتر المسلمون» أي: استمروا عليه. فيكون ذلك من باب التأكيد لهذا الفعل. نعم.

​أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك أنه بَلَغَه أن عائشة رضي الله تعالى عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تقول: «من خشي أن ينام حتى يُصبح فَلْيُوتر قبل أن ينام. ومن رجا أن يستيقظ من آخر الليل فَلْيُؤخر الوتر». نعم.

​هذا الحد الأثر الذي نقله مالك عن عائشة جَزَمَ به مالك. فقد نَقَل جَمْعٌ من أصحاب مالك أنه قد جاء عن مالك رحمه الله تعالى مثل ذلك الأثر أي: جزم به. وأن «من خشي» – يعني بهذا الحديث حديث عائشة – «من خشي أن ينام حتى يُصبح فَلْيُوتر قبل أن ينام، ومن رجا أن يستيقظ من آخر الليل فَلْيُؤخر الوتر». وهذا الذي أخذ به جَمْعٌ من أهل العلم وكثير من أصحاب مالك، لكن لهم تفصيل. فكانوا يقولون: إن الأفضل أن يكون فِعْل الوتر في آخر الليل كما تَقَدَّم معنا لمن كان الغالب عليه أنه لا ينام. فمن غَلَبَ على ظنه أنه لا ينام آخر الليل، فالأفضل أن يوتر آخر الليل.

الحالة الثانية: إذا كان الغالب على ظنه عدم الانتباه والنوم. فالأفضل له حينئذ التقديم، فيصلي قبل أن الوتر قبل أن ينام. فإن استيقظ في آخره، صلى ما شاء الله له أن يصلي.

​ثم زادوا تفصيلًا ثالثًا فقالوا: فإن استوى عنده الأمران، فلم يَغْلِب على ظنه الانتباه ولم يَغْلِب على ظنه عدم الانتباه وهو النوم، فأيهما أفضل؟ فذهب ابن أبي زيد القيرواني في الرسالة إلى أن الأفضل له التأخير حين ذاك. وذهب صاحب المختصر وهو ابن شعبان إلى أن الأفضل له التقديم. فحينئذ فيه وجهان عند أصحاب مالك عند استواء الأمرين. والحقيقة أنه يَنْدُر أن يكون الشخص في نفسه استواء. ولذلك الأمور التي يستوي فيها الأمران من حيث الشك وعدمه ذكر كثير من الفقهاء – ولا أقول سوريين يرون ذلك ويريدونه – أنه يَنْدُر أن يستوي الأمران تمامًا. بل لا بد أن يَغْلِب أحدهما على الثاني. ولذلك لم يذكر مالك استواء الأمرين. نعم.

​أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن نافع قال: «كنت مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بمكة والسماء مُتَغَيِّمَة. فخشي عبد الله بن عمر الصبح فأوتر بواحدة. ثم انْكَشَفَ الغيم فرأى عليه ليلًا، فَشَفَعَ بواحدة، ثم صلى بعد ذلك ركعتين ركعتين. فلما خشي الصبح أوتر بواحدة». نعم.

​هذا الأثر النافع قال: «كنت مع عبد الله بن عمر بمكة والسماء مُتَغَيِّمَة» يعني: مُتَقَيِّمَة، لا يُعرف هل طَلَعَ الصبح أم لا، هذا مراده. «فخشي عبد الله الصبح فأوتر بواحدة»؛ لأنه لو ربما زاد في وتره لربما طَلَعَ عليه الصبح وهو لم يصلِّ وِتْرَه. قال: «ثم انْكَشَفَ الغيم فرأى عليه ليلًا»، وأن الصبح ليس قريبًا. قال: «فَشَفَعَ بواحدة». فصلى واحدة أخرى تشفع الأولى. وهذه المسألة هي التي يُسميها أهل العلم بـ نَقْض الوتر. نَقْض الوتر بأن يصلي الوتر، فإذا أراد أن يصلي نَقَضَ وِتْرَه، فيصلي حينئذ ركعة، ثم يصلي ما شاء الله له أن يصلي مثنى مثنى، ثم يصلي ركعة. سيكون مجموع ما صلى وترًا، وتكون آخر صلاته من الليل وترًا. وهذا فِعْل ابن عمر. قال: «فَشَفَعَ بواحدة، ثم صلى بعد ذلك ركعتين ركعتين. فلما خشي الصبح أوتر بواحدة».

​هذه المسألة – وهي مسألة الصلاة بعد الوتر – جاء عن الصحابة قولان في الصلاة لمن أراد أن يصلي بعد وتره:

القول الأول: وهو نقض الوتر. فمن أوتر ثم أراد أن يصلي، فيَنقُض وِتْرَه، فيصلي حينئذ ركعة، ثم يصلي ما شاء الله له أن يصلي شفعًا لا وترًا. وتكون آخر صلاته من الليل وترًا. وهذا فِعْل ابن عمر رضي الله عنه. وجاء مثله عن جماعة من الصحابة كـ عثمان رضي الله عنه وعلي وابن مسعود رضي الله عن الجميع. وقد جاء عن ابن عمر رضي الله عنه أنه لما سُئل عن فعله هذا – وهو نقض الوتر – أهو شيء فَعَلَه؟ أم هو شيء رواه عن أحد؟ فقال: «إنما هو فعلته ولم أَرَهُ». يعني: اجتهاد مني ولم أروه عن أحد، فهو اجتهاد من ابن عمر رضي الله عنه.

والأكثر من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن العلماء يرون عدم مشروعية نقض الوتر. وأن الأفضل لمن أراد أن يصلي بعد وتره في أول الليل أو في آخره أن يصلي ما شاء الله له أن يصلي شفعًا لا وترًا. وحينئذ نقول: إن ذلك مُستنده صلاة النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين بعد الوتر وقد تَقَدَّم معنا، فقد كان يصلي بعد الوتر ركعتين. ولذلك فلنقل: كلاهما جائز: النقض وعدمه؛ لورود النقض عن الصحابة. لكن الأفضل عدم النقض وهو الأَوْلَى. ويجوز النقض، لكنه خلاف الأولى؛ لأن الحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا وِتْرَان في ليلة». مفهوم العدد فيه: هل يجوز ثلاثة ثلاثة أم لا؟ فبعضهم يقول: يجوز ثلاثة أوتار؛ لأن مفهوم العدد لا وِتْرَان، فيجوز الثلاثة. لكن نقول: هذا المفهوم غير مُراد؛ لأن مفهوم الأولوية فيه: لا وِتْرَان ولا أكثر من ذلك، مفهوم أَوْلَوي. فحينئذ يكون فحوى الخطاب، فحوى الخطاب، ولا نَقُمْ مفهوم أَوْلَوي الذي هو فحوى الخطاب. نقول: إنه لا وِتْرَان ولا أكثر من باب أولى. وهو الأولى في الاستدلال ممن وَقَفَ على ظاهر النص فقال: لا وِتْرَان، لكن يجوز ثلاثة، فيوتر فيَنقُض وتر الأول بـ ثانٍ ثم يزيد ثالثًا. نعم.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن نافع أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يُسَلِّم بين الركعة والركعتين في الوتر حتى يأمر ببعض حاجته. نعم.

​هذا الحديث عن نافع عن ابن عمر أن – يعني ابن عمر – كان يصلي ما بين الركعة والركعتين. هنا قوله: «كان يُسَلِّم بين الركعة والركعتين» فيه بيان صفة ما كان يفعله ابن عمر رضي الله عنه. لأنه جاء في كتب أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أن ابن عمر كان يصلي للثلاث كهيئة المغرب، فيجلس بالتشهد الأول. وقد ذكر الشيخ بدر الدين العيني في شرحه على الهداية أنه بَحَثَ – وهو حنفي من أصحاب أبي حنيفة النعمان – أنه بَحَثَ عن إسناد هذا الأثر عن ابن عمر فلم يَجِدْه، فلم يجد له إسنادًا يُستدل به. بل من قول عن ابن عمر خلاف ذلك، وهو ما ذكره مالك هنا ورواه غيره من أهل العلم أنه كان يَفصِل بينهما بسلام. نعم. جاء أنه يُسَلِّمَهما، يصليهما بسلام واحد، لكنه في أحايين قليلة. وأما أن ابن عمر كان يصلي الوتر كهيئة المغرب، فهذه نُقلت في كتب بعض الكوفيين وليس لها إسنادًا كما قال العيني أو لم يَقِف العيني وغيره من أهل العلم على إسناد له.

​وقوله: «في الوتر» يدل على أن الوتر ثلاث ركعات هنا. «حتى يأمر ببعض حاجته». قوله: «حتى يأمر بعض حاجته» أن يَفصِل بين الركعة وثلاث والركعتين ببعض حاجته. وقد جاء في مسند الإمام أحمد أنه: «حتى يَقضي حاجته». فظاهره: يَقضي حاجته، أنه يُحتمل أنه يذهب فيتوضأ فيَقضي حاجته ببول ونحوه ثم يتوضأ. ويحتمله لفظ الإمام أحمد.

​استدل بهذا الحديث على أبي حنيفة في مسألتين. استدل مالك بهذا الحديث على أبي حنيفة النعمان رحمه الله الجميع بأمرين:

  1. الأمر الأول: أن أبا حنيفة يقول: لا يصح أن يَنقُص الوتر عن ثلاث ركعات. وهنا فَصَلَ بين الركعتين والركعة بقضاء الحاجة والأمر بها. دل ذلك على أنه يصح أن يكون الوتر ركعة فردًا أي: فَذَّة.
  2. والأمر الثاني: ما ذكرته لكم قبل قليل في صفة صلاة الثلاث ركعات وأنها تكون بتسليمَيْن.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن ابن شهاب أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان يوتر بعد العَتَمة بواحدة. قال مالك: «وليس على هذا العمل». نعم.

​هذا فيه أن مالكًا روى عن أبي شهاب أن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه – أحد العشرة – كان يوتر بعد العَتَمة بواحدة. قوله: «بواحدة» يعني: أنه لا يزيد عليها شيئًا.

​هذا فيه مسائل مهمة:

أول هذه المسائل: أخذ أهل العلم من هذه المسألة – وهو أن سعدًا كان يوتر بواحدة – أنه يصح أن يكون الوتر ركعة واحدة. وهذا مذهب الشافعي وأحمد. وأما مالك فقد قال هنا: «وليس على هذا العمل». ومعنى قوله: «ليس على هذا العمل» أي: أن أدنى الوتر ثلاث ركعات، كما جاء في نسخ أخرى من موطأ مالك. فمالك يرى أن أقل الوتر ثلاث ركعات لا ركعة. إذاً هذه المسألة الأولى.

المسألة الثانية: أن الفقهاء يقولون: لما كان أقله واحدة، فإن أقل الكمال يكون ثلاثًا، وأكمل الكمال إحدى عشرة. فنكون حينئذ جمعنا بين الأحاديث الواردة في الباب. هذا متعلق بالوتر. نعم.

​المسائل الأخرى لعل الحديث الذي بعده. نعم. تفضل.

​أحسنت. أحسن الله إليكم.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن عبد الله بن دينار أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان يقول: «صلاة المغرب وتر صلاة النهار». نعم.

​هذا الأثر على عبد الله بن عمر فيه أنه كان يقول: «صلاة المغرب وتر صلاة النهار». وقد رُوِيَ مرفوعًا من حديث ابن عمر كذلك عند النسائي وغيره، لكن من غير طريق عبد الله بن دينار، وإنما من طريق محمد بن سيرين. وقد قال ابن سيرين بعد رواية هذا الحديث: «ولا أعلم مُخْتَلَفًا أن المغرب وتر صلاة النهار». فليس خلاف بين السلف من الصحابة والتابعين على ذلك.

​طيب هذا الأثر والذي قبله نستفيد منه أيضًا عددًا من الأحكام:

المسألة الأولى: في قول ابن عمر ورُوِيَ مرفوعًا وجاء مرفوعًا: «صلاة المغرب وتر صلاة النهار» فيه دلالة على أنه لا ينبغي أن يُتطوع في النهار بركعة واحدة، وإنما يُتطوع به بـ مثنى مثنى. وقد جاء في الحديث المتقدم: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى». وهل يصح أن يُتطوع في النهار بركعة؟ لأهل العلم فيه كلام طويل. فبعضهم مَنَعَ، وبعضهم كَرِهَ، وبعضهم وبعضهم قال: هو خلاف الأولى. هو خلاف الأولى. وهذا الذي عليه المتأخرون من فقهائنا رحمة الله عليهم.

المسألة الثانية: استدل بعض أصحاب مالك من قول ابن عمر: «صلاة المغرب وتر صلاة النهار» على أن أقل الوتر ثلاث ركعات؛ لأن هذا الحديث فيه تسمية المغرب بـ الوتر. فَيَلزَم أن يكون أن يكون وتر الليل مثله في عدد الركعات. لذلك يقول ابن عبد البر: «استدل بعض أصحابنا على أن الوتر لا ينبغي أن يكون إلا بعد صلاة أقلها ركعتان في هذا الخبر؛ لأن المغرب جاء بعد ركعتين، فكذلك المغرب يكون بعد ركعتين». ولا يُستدل بها على أن صفتها كصفة المغرب كما استدل به أبو حنيفة؛ لأن الأحاديث جاءت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يَفصِل بين الركعة والركعتين. فالنقل المُفَصَّل يدل على أن التشبيه ليس من كل وجه، فلا يكون المُشَبَّه كالمُشَبَّه به من كل وجه. إذاً هذه المسألة الثانية.

المسألة الثالثة: وهي مسألة ستأتينا إن شاء الله، أن هذا الحديث استدل به بعض الفقهاء على أنه يجوز فعل الوتر بعد طلوع الفجر على هيئته، أي: صلاة وترًا من غير زيادة ركعة. ووجه الاستدلال أن النبي صلى الله عليه وسلم سَمَّى المغرب وتر النهار، والمغرب أُدِّيَت بعد غروب الشمس. فدل ذلك على أن وتر الليل لو أُدِّيَ بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، فإنه حينئذ يُصلى. وسيأتي تفصيله في الباب الذي بعده.

​قال: حدثنا قعنبي قال: قال مالك: «من أوتر أول الليل ثم نام، ثم قام، فَبَدَا له أن يصلي، فَلْيُصَلِّ مثنى مثنى، وهو أحب ما سمعت إليه». نعم.

​قول مالك: «من أوتر أول الليل ثم نام، ثم قام، فَبَدَا له أن يصلي، فَلْيُصَلِّ مثنى مثنى، وهو أحب ما سمعت إليه» أي: ما سمعت من الصحابة وغيرهم، مع أنه حَكَى عن ابن عمر خلاف ذلك. وقد ذكرت لكم قبل قليل أن الأفضل أن لا يَنقُض وِتْرَه، وإنما يصلي شفعًا كما نَصَّ عليه مالك هنا، وهو مذهب الجمهور كأحمد وغيره.

الوتر بعد الفجر.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن عبد الكريم بن أبي المخارق عن سعيد بن جبير أن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما رَقَدَ ثم استيقظ، فقال لخادمه: «انظر ما صنع الناس». وقد كان يومئذ ذهب بصره. فذهب الخادم ثم رجع له، ثم رجع فقال: قد انصرف الناس من الصبح. فقام عبد الله بن عباس رضي الله عنهما فأوتر، ثم صلى الصبح. نعم.

​هذا الحديث – وهو قول مالك رحمه الله تعالى: الوتر بعد الفجر – المُراد بقوله: بعد الفجر ليس بعد الصلاة، وإنما مراده بـ بعد الفجر أي: بعد طلوع الفجر. وأما بعد الصلاة فهذا له حُكم آخر سيأتينا في موضعه إن شاء الله. وذلك أن مالكًا وأصحابه – وهو المشهور عند المتأخرين – يقولون: إن للوتر وقتان: وقت اختيار ووقت اضطرار.

  1. ​فأما وقت الاختيار فهو بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر.
  2. ​وأما وقت الاضطرار فإنه يكون بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.

​وجاء عن مالك قول آخر جَزَمَ به أصحابه المدنيون كأبي مصعب الزهري، وهو قول أحمد، وقال به بعض المحققين من مذهب مالك كأبي الحسن اللخمي: أن الوتر إنما له وقت واحد، وهو وقت الاختيار، وليس له وقت اضطرار. وبناءً على ذلك فإننا نقول: إن صلاة الوتر بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الفجر هل يكون من باب الأداء أم أنه يكون من باب القضاء؟ فمن قال: إن له وقتين فيكون أداء. ومن قال: إنه له وقت واحد فيكون قضاء. وسيأتي التفصيل في القضاء بعد قليل.

​إذاً إذا عَرَفنا ذلك فإن مالكًا يرى أن صلاة الوتر بعد طلوع الفجر – الذي هو الأذان – يكون حينئذ من باب الأداء وليس من باب القضاء. ولم يَقُلْ بأنه من باب القضاء إلا وجه عن أحمد ووافقه فيه أو قال: ووجه عن مالك قال به أبو مصعب الزهري المدني، وقال به اللخمي صاحب التبصرة.

​طيب إذاً هذه المسألة الأولى وانتهينا منها.

المسألة الثانية: قوله مالك عن عبد الكريم بن أبي المخارق. سيأتينا إن شاء الله الدرس القادم حديث عن عبد الكريم هذا، وقد غُرَّ مالك بعبادته وورعه فروى عنه، وسيأتينا تفصيلًا عنه. عن سعيد بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه رَقَدَ ثم استيقظ، فقال لخادمه: انظر ما صنع الناس. وكان يومئذ قد ذهب بصره أي: كُفَّ. فذهب الخادم ثم رجع. وهذا يدل على أن معرفة الوقت ممكن أن يكون بـ الإخبار. فقال: قد انصرف الناس من الصبح أي: من الصلاة. فقام عبد الله بن عباس فأوتر، ثم صلى الصبح. قوله: «فأوتر ثم صلى الصبح» يدل على أن وتره وصلاة الصبح كان قبل خروج الوقت. إذا كان الوقت ضيقًا، فإنه يكون قد أخَّر الصبح حتى بعد خروجها، وهذا لا يجوز. وقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يصلون الصبح في أول الوقت. وإنما أصبح الناس يُؤخِّرون الصبح حتى تُسفر إنما كان طريقة أهل الكوفة وليست طريقة أهل المدينة. وإنما المنقول عند أهل المدينة وعلماء الحديث أنهم كانوا يصلون الفجر في غَلَس، ومَرَّ معنا بعض الآثار في ذلك.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك أنه بَلَغَه أن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما وعبادة بن الصامت رضي الله عنه وعبد الله بن عامر بن ربيعة رضي الله عنه والقاسم بن محمد رحمه الله قد أوتروا بعد الفجر. نعم.

​هذه آثار. أولها: قول مالك أنه بَلَغَه عن ابن عباس هو المتقدم هو النص المتقدم. عبد الله بن عبادة بن الصامت سيأتي بعد قليل. وكذا عبد الله بن عامر بن ربيعة والقاسم بن محمد. قوله: «أوتروا بعد الفجر». ستأتي أخبار بعد قليل. لكن فائدة هذا البلاغ أن هذا يدل على أن مالكًا في بعض البلاغات يَحكيها بالمعنى. فهنا قوله: «بَلَغَه أن فلانًا وفلانًا» إنما هي حكاية للآثار التي أسندها. إذاً فهذه البلاغات أو حكاية هذه البلاغات إنما هي بالمعنى عند الإمام مالك. نعم.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن هشام عن أبيه أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «ما أبالي لو أُقِيمَت صلاة الصبح وأنا أوتر». نعم.

​هذا فيه أن عبد الله بن مسعود قال: «ما أبالي لو أُقِيمَت صلاة الصبح» أي: الفجر «وأنا أوتر». هذا يحتمل احتمالين، أورد أحد الاحتمالين الباجي، وهناك احتمال ثانٍ اجتهادًا.

  1. ​أما الذي ذكره الباجي فيحتمل أن مُراد عبد الله بن مسعود حينما قال: «ما أبالي لو أُقِيمَت صلاة الصبح وأنا أوتر» أنه كان في بيته، فكانت تُقام الصلاة في المسجد وهو يوتر في بيته ثم يَخرج إلى المسجد فيُدرك الصلاة؛ لأنهم كانوا يُطيلون في الصلاة. هذا ما أورده الباجي.
  2. والاحتمال الثاني: هو أننا نقول: يُحتمل أنه قال: ألّا أقطع الوتر. وإنما استمر فيه. فيكون ابتداؤه للوتر قبل الإقامة واستمراره فيها أثناء الإقامة، فيكون من عدم إبطال الأعمال: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33]. فلم يُبطلوا أعماله. فهذا مُحتمل؛ لأنه قد جاء الحديث الصريح في النهي عن الصلاة عند إقامة الصلاة: «إذا أُقِيمَت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». وليس الظن بابن مسعود أنه يُكَبِّر فيصلي الوتر حينذاك. نعم.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد أنه قال: «كان عبادة بن الصامت رضي الله عنه يَؤُمُّ قومه، فخرج يومًا إلى الصبح، فأقام المؤذن الصبح، فأسْكَتَهُ عبادة حتى أوتر، ثم صلى بهم الصبح». نعم.

​هذا الأثر أن عبادة بن الصامت رضي الله عنه كان يَؤُمُّ قومه. «فخرج يومًا إلى الصبح، فأقام المؤذن، فأسْكَتَهُ عبادة». أسْكَتَهُ عبادة لأنه كان الإمام، الذي له أن يُوقِف الإقامة هو الإمام فقط؛ لأن هذه الإقامة للإمام، وهو الذي يَأمر المؤذن بالإقامة. وإقامته قبل إذنه له من باب الافْتِيات عليه. ولكن المؤذن عَلِمَ أن دخول عبادة إذن بالإقامة، فَبَيَّنَ له عبادة أن هذا الحق له، له أن يَرجع فيه. فأوقفه حتى أوتر. إذاً هذه الحُكم الذي صَدَرَ من عبادة إنما هو في حق الإمام دون غيره.

الأمر الثاني: أننا نقول: إنما للإمام أن يُوقِف المأموم وأن أن يُسكِت المؤذن عن الإقامة للوتر فقط، ولا يُسكته لـ صلاة ركعتي الفجر. هذا القول المعتمد عند أصحاب مالك. لذلك يقول عيسى بن دينار الغافقي: إذا خرج الإمام لصلاة الصبح قبل أن يوتر، فأقام المؤذن لصلاته أو للصلاة، فإنه يُسكته الإمام كما فعل عبادة، ولا يُسكته لركعتي الفجر. لأن الأصل: «إذا أُقِيمَت الصلاة فلا صلاة». هذا العموم، لكن استُثني الإمام لأن له حقًا، لأن له حقًا وإذنًا في الإقامة. وللوتر فقط لوروده عن عبادة. وما بعد ذلك فلا يُقْطَع. وهذا هو الأقرب.

​هذا المسألة الأولى. المسألة الثانية أو نأخذ الثاني في الحديث الذي بعده. نعم. تفضل.

​أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: «إني لأُوتر وأنا أسمع الإقامة أو بعد الفجر» يشك عبد الرحمن أي ذلك. نعم.

​هذا فيه عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: «إني لأُوتر وأنا أسمع الإقامة أو بعد الفجر». أما كونه يوتر بعد الفجر فمر معنا، وسأذكر مزيدًا بعد قليل. وأما قوله: «أسمع الإقامة» فَيُحْمَل على ما حُمِلَ عليه أثر ابن مسعود: إما أنه كان في بيته يبتدئها وهو في بيته والإقامة في المسجد، أو أنه ابتدأها في المسجد وبدأ المؤذن بالإقامة فلا يَقطع الوتر لأجله. هذان احتمالان.

​عندنا هنا عدد من المسائل:

المسألة الأولى: أنه حيث قيل: إنه يوتر بين الأذان والإقامة، فكيف تُصلى الوتر حينئذ؟ لأهل العلم فيه قولان: فمن أهل العلم من يقول: إنها تُصلى وترًا لا شفعًا. وهذا جاء عن عدد كبير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ربما يبلغ يبلغون عشرة، نَقَل هذه الآثار محمد بن نصر في كتابه الوتر. وهذا الذي عليه أكثر المتقدمين من أصحاب أحمد وهو مذهب مالك: أن من فاته الوتر فأدركه قبل الإقامة أنه يصلي حينئذ وترًا. وأما من ذهب إلى أن وقت صلاة الوتر وقت واحد وهو إلى طلوع الفجر فقط، فإنه يقول: إذا صلاها بين الأذان والإقامة فـ يَشفع بركعة كما يُقضَى بعد طلوع الشمس.

المسألة الثانية: في مسألة هل يُقضَى – نعم – هل تُقطع صلاة الصبح لأجل صلاة الوتر؟ فلو أن امرأً صلى الصبح ثم ذكر أنه لم يوتر، فهل يقطعها أم لا كما تُقطع التكبير أم لا؟ عامة أهل العلم يقولون: لا تُقطع صلاة الصبح لأجل الوتر. إلا ابن القاسم عبد الرحمن بن القاسم المصري من أصحاب مالك، فإنه قال: إنها تُقطع. قال ابن عبد البر: «وقد تفرَّد بذلك ابن القاسم، والصحيح عن مالك عدم القطع». فلا تُقطع الصلاة حينذاك. ووجه استدلالهم – أي ابن القاسم ومن وافقه – أنهم يقولون: إن عبادة أسكت المؤذن، والأذان مُلْحَق بالصلاة، فلما قَطَعَ الأذان – وهو الإقامة – فَيَصِحُّ قطع الصلاة لأجل الوتر. ثم بَيَّنَ مَن ذكر هذا الاستدلال وهو ابن العربي أن هذا الاستدلال في غاية الضعف. فإن الأذان وإن كان يُقام – وهو قال: يعني له تَعَلُّق بالصلاة – لكنه ليس الصلاة. فتصح الصلاة بدونه، فلا يكون حينئذ لازمًا، فهو ليس جزءًا من أجزائها، وإنما هو مُتَقَدِّم عليها. نعم.

المسألة الأخيرة: قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن عبد الرحمن بن القاسم أنه سمع أباه القاسم بن محمد يقول: «إني لأُوتر بعد الفجر». قال مالك: «وإنما يوتر بعد الفجر من نام عن الوتر، ولا ينبغي لأحد أن يَتَعَمَّدَ ذلك حتى يُضَيِّع وتره بعد الفجر». نعم.

​إذاً هذا – ماذا سبق معنا – أن مالكًا يرى أن الوتر له وقتان تَقَدَّم معنا. إذاً عندنا الوتر له أربعة أوقات. إذا أردنا أن نُفصِّل:

  1. الوقت الأول: وقت الأفضلية، وقيل: هو وقت الاختيار وقت عمومًا ووقت الأداء وهو إلى طلوع الفجر.
  2. الوقت الثاني: إلى قبل إقامة صلاة الفجر، وكلاهما يُفعل فيه. الأول أداء لا شك فيه. والثاني قيل: أداء على مذهب مالك، وقيل: إنه قضاء. إذاً هذان وقتاه. وهل يُفعل في الوقت الثاني شفعًا أو وترًا؟ المتأخرون من أصحاب أحمد على أنه يُفعل شفعًا. والمتقدمون وِفَاقًا لمالك يرون أنه وتر، وهو عليه الكثير من الصحابة وغيرهم رضي الله عنهم.
  3. الوقت الثالث: بعد صلاة الفجر وقبل طلوع الشمس. فمالك يرى جواز فعله فيه؛ لأنه قال: «وإنما يوتر بعد الفجر من نام عن الوتر، ولا ينبغي لأحد أن يَتَعَمَّدَ ذلك حتى يُضَيِّع وتره بعد الفجر». وذلك يقول: إن وقت الفجر مُمتد إلى طلوع الشمس. وأما أصحاب أحمد فيرون أن هذا الوقت وقت نَهي، ولا يجوز فيه فِعْل الوتر، وإنما يُفعل قبل الصلاة. ويقولون: إن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا خاف أحدكم الصبح فَلْيُوتر بركعة». الصبح قيل: إن المُراد به طلوع الصبح وهو طلوع الفجر. وقيل: الصبح صلاة الصبح. فحينئذ الوتر بركعة حَدُّهُ الصلاة، إذا صُلِّيَت صلاة الفجر، وأما ما عدا ذلك فلا.

المسألة الأخيرة ثم نقف وهي مسألة هل يُقضَى بعد طلوع الشمس؟ وهو الوقت الرابع. مذهب مالك وحكاه أحمد عن أكثر أهل العلم أن الوتر لا يُقضَى بعد طلوع الشمس. والذي ذهب إليه المُحَقِّق كثير من أهل العلم كالشافعي وأحمد أنها تُقضَى بعد طلوع الشمس لكن شفعًا. وجَمَعَ بينهما الشيخ تقي الدين، فرأى أن الوتر لا يُقضَى بعد طلوع الشمس، لكن يُصلى بدلًا عنه صلاة الضحى. وجاء في ذلك حديث. نعم.

​تفضل شيخ، دقيقتان.

باب ركعتي الفجر.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سَكَتَ المؤذن من الأذان لصلاة الصبح وبَدَا الصبح صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تُقام الصلاة. نعم.

​هذا الحديث فيه رواية صحابي عن صحابية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سَكَتَ المؤذن من الأذان لصلاة الصبح وبَدَا الصبح. قوله: «وبَدَا الصبح» أي: ظهر وطلع الصبح، بَدَأَ ودخل وقته. وقوله: «وبَدَا الصبح» لم يذكرها كثير من الرواة منهم يحيى وغيره. وفي فائدتها أن ركعتي الفجر لا تُصلى قبل طلوع الفجر، وإنما مَحَلُّها بعده. قال: «صلى ركعتين خفيفتين قبل أن تُقام الصلاة». الأصل في الصلاة أنها تكون طويلة إلا ما وَرَدَ النص به. ومنها هاتين الركعتين الخفيفتين، فالسنة أن لا تُطال. نعم.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن يحيى بن سعيد أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لَيُخَفِّفُ ركعتي الفجر حتى إن كنت لأقول: أَقَرَأَ فيهما بأم القرآن أم لا؟». نعم.

​هذا الحديث رواه مالك مُرسَلًا عن يحيى بن سعيد عن عائشة. وقد رواه غير مالك كسفيان بن عيينة عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن عبد الرحمن عن عَمْرَة عن عائشة. مالك رضي الله عنه ورحمه أسقط اثنين من هذا الإسناد.

​أن عائشة قالت: «كان النبي صلى الله عليه وسلم لَيُخَفِّفُ ركعتي الفجر» وتَقَدَّم معنا «حتى إن كنت لأقول: أَقَرَأَ فيهما بأم القرآن أم لا؟». استدل مالك كما في المدونة – وهو المعتمد عند مذهب مالك – أنه يُستحب التخفيف في ركعتي الفجر وألّا يُزاد في قراءة ركعتي الفجر على الفاتحة؛ لأن عائشة شَكَّت أزاد عليهما أم لا. ثم إن مالكًا جاء عنه الرجوع عن هذا القول. فقد نَقَل عبد الله بن وهب المصري أنه روى لمالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعتي الفجر بـ الكافرون والإخلاص، فأعجب مالك ذلك. فيكون قول مالك هذا رواية عنه وقد وفَّق فيه الجمهور، وهو الظاهر. وقول عامة علماء الحديث أنه يُستحب أن يقرأ فيها بهاتين السورتين. نعم. ويكون قول عائشة من باب المبالغة. نعم.

​أحسن الله إليك.

​قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن شريك بن عبد الله بن أبي نَمِر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: «سمع قوم الإقامة فقاموا يصلون، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أصلاتان معًا مرتين؟» وذلك في صلاة الصبح». نعم.

​هذا الحديث رواه مالك مُسْنَدًا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف. وأسنده غيره والداروَرْدي عبد العزيز بن محمد من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة، ونقله الطحاوي في مشكل الآثار. لكن ذكر ابن خزيمة أن مالكًا وغيره إنما رواه مُرسَلًا. وتفرد الداروردي. وبذلك في رواية مالك أصح.

​فيه أنه «سمع قوم الإقامة فقاموا يصلون» أي: نافلة، وليس من باب قضاء الفوائت وإنما من باب النوافل. «فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «أصلاتان معًا مرتين؟» وذلك في صلاة الصبح». عندنا هنا مسألة: قوله: «فقاموا يصلون» أي: نافلة. وفي هذا دليل لقول الجمهور أن من لم يصلِّ ركعتي الفجر فإنه يدخل مع الإمام ولا يركع ركعتي الفجر، وإنما يدخل. وقال أبو حنيفة ووافقه صاحباه: إنه إذا لم يصلِّ ركعتي الفجر فإنه يصلي الركعتين ثم يدخل مع الإمام. ولذلك فإن مالكًا قال بعد ذلك: «وذلك في صلاة الصبح». وهذه الجملة لا شك أنه قصور في البحث لم أجد مَن ذكرها غير مالك، فلعلها مُدْرَجَة من كلام مالك. لعلها والعلم عند الله عز وجل. لكن جَزَمَ ابن عبد البر في التقصي أنها من الحديث. ولكن ليست مروية عند غيره. وقد نَقَل محمد بن الحسن الشيباني الموطأ ولم يذكر هذه الزيادة: «وذلك في صلاة الصبح». وحَمَلَ أصحاب أبي حنيفة ومنهم محمد بن حسن هذا الحديث على غير ركعتي الفجر. نعم.

​آخر حديث قال: حدثنا قعنبي عن مالك أنه بَلَغَه أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما فاتته ركعتا الفجر فصلاهما بعد أن طلعت الشمس.

​هذا ما يتعلق بـ قضاء السنن الرواتب وفيها تفصيل لعلنا نجعله في الدرس القادم.

​أسأل الله العظيم أن يرزقنا جميعًا العلم النافع والعمل الصالح، وأن يَتَوَلَّانا بهداه. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *