لقد أرسلت لي جزءًا كبيرًا من نص محاضرة أو درس ديني، وطلبت مني في البداية “ما هي ميزة هذه الوسائط؟” ثم أشرت إلى الشروط التي ذكرتها سابقًا (والتي تتضمن: عدم إضافة أو حذف كلمة أو جملة، تصحيح الأخطاء الإملائية فقط، وإبراز المتن المشروح بالخط الغامق).
سأقوم الآن بتطبيق شروط التحرير على النص الذي أرسلته، مع مراعاة القواعد التي وضعتها لي:
- عدم إضافة أو حذف كلمة أو جملة.
- تصحيح الأخطاء الإملائية فقط.
- إبراز المتن المشروح (الذي شرحه الشيخ) بالخط الغامق.
لتحديد “المتن المشروح” بالخط الغامق، سأفترض أن كل ما هو شرح أو تعليق أو فقه أو استدلال من الشيخ هو “شرح” ويجب وضعه بالخط العادي، وأن الأحاديث والآثار التي أوردها الإمام مالك في الموطأ، والتي يقرؤها القارئ في بداية كل مقطع، هي “المتن” المطلوب إبرازه.
النص بعد التحرير وتطبيق الشروط:
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد. فاللهم اغفر لشيخنا ولوالديه ولمستمعينا ولعموم المسلمين.
وبإسنادكم حفظكم الله تعالى قال رحمه الله تعالى: ركعتي الفجر.
قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله ابن عمر رضي الله تعالى عنهما عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها أخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح وبدا الصبح صلى ركعتين خفيفتين قبل أن يقام الصلاة.
قال: باب فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ.
قال: حدثني قعنبي عن مالك عن نافع عن عبد الله ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الجماعة تفضل على صلاة الفذ سبعاً وعشرين درجة.
نعم، بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين، ثم أما بعد.
فهذا هو لقاؤنا السابع في قراءة ومدارسة الكتاب الجليل العظيم كتاب الموطأ بامام دار الهجرة مالك ابن أنس الأصبحي رحمه الله تعالى، وقد رواه عنه عبد الله بن مسلمة بن قعنب المدني رحمة الله على جميع علماء المسلمين. وقد مر معنا في الدرس الماضي بالأمس أن مالكاً رحمه الله تعالى كان مكثراً من الشيوخ وخاصة من الشيوخ المدنيين. ومع إكثار مالك رحمه الله تعالى من الشيوخ والسماع، إلا أنه رحمه الله تعالى لم يكن يروي عن أي منهم، وإنما كان ينتقي في الرواية. وسبب انتقاء مالك لجهات، فهو ينتقي في أشياخه؛ فينتقي من الأشياخ الثقات دون من عداهم، وهو كذلك ينظر في سمتهم، فينتقي كامل العدالة ويحرص على أهل الفقه.
وتقدم معنا بالأمس، ومن ذلك أن مالكاً رحمه الله تعالى كان ينظر في أحاديثهم. فلربما سمع من بعض أهل العلم أحاديث كثيرة، ثم بعد ذلك لم يروِ منها إلا نَزراً يسيراً. ومما جاء عن الإمام مالك أنه قال: “لقد سمعت من ابن شهاب يعني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري أحاديث كثيرة لم أَروِها عنه ولن أَروِها عنه”. فدل ذلك على أنه كان ينتقي في روايته عن ابن شهاب، ولذا جزم جمع من أهل الحديث أن مالكاً من أوثق، بل هو أوثق الرواة عن ابن شهاب. وذكرت أن بعضاً من أهل الحديث لان بعضهم فضّل غيره، والمسألة فيها خلاف في هذا الأمر.
وقد كان مالك رحمه الله تعالى يراجع بعض الرواة في بعض الأحاديث لعله أن يجد فيه شيئاً. فقد جاء أن مالكاً ذكر حديث عمر رحمه الله تعالى حينما حُمِلَ على فرس، فسمع هذا الحديث من زيد ابن أسلم، فراجع زيد ابن أسلم أياماً كثيرة يسأله أن يحدّث بذلك الحديث. قال مالك: “لعله أن يدخله شك أو أن يظهر معنى فأدَعُ الحديث”. وهذا من كمال فقهه رحمه الله تعالى في انتقاء الأحاديث وفي انتقاء الأشياخ.
وبناءً على ذلك فقد ذكر العلماء قاعدة جليلة في شيوخ مالك، نبه عليها أعيان أهل العلم، وسأسمي بعضهم بعد قليل، وهو أن مالكاً رحمه الله تعالى لا يروي إلا عن ثقة. هذه القاعدة الكلية جزم بها أعيان أهل العلم. فممن ذكرها سفيان ابن عيينة عالم مكة في الحديث، وهو عصريّ مالك. وممن جزم بهذه أحمد بن حنبل، ويحيى ابن معين، وعلي ابن المديني، وعبد الرحمن بن مهدي، والنسائي، وابن عدي، وجمع كثير من أهل العلم، كلهم يقول: “إن مالكاً لا يروي إلا عن ثقة”.
وهذه القاعدة يترتب عليها أمران أو يتعلق بها أمران: الأمر الأول: أن هذه القاعدة قاعدة يترتب عليها عدد من الآثار، فمن ذلك أننا نقول: كل من روى عنه مالك وسمّاه فإنه يُحكَم بكونه ثقة. ولذا تجده كثيراً في كتب الجرح والتعديل أنهم يذكرون بعض الأعيان ويقولون: “روى عنه مالك”، فرواية مالك عنه تدل على توثيقه عند مالك حين ذاك. فنحكم أن مالكاً قد وثّقه لأنه قد روى عنه. الفائدة الثانية التي تنبني على هذه القاعدة الكلية: أن كل من روى عنه مالك ولم يُعرف حاله بأن كان مجهول الحال فلم يوثّقه أحد قبله، فإننا نحكم بتوثيقه. وهذه القاعدة ذكرها أحمد، فقد نقل أبو بكر المروذي فيما أظن عن أحمد أنه قال: “إذا روى مالك عن رجل لا يعرف فهو ثقة”.
ومما يترتب عليه وعلى ذلك أن مالكاً إذا روى عن رجل مبهم ولم يسمّه فقال: “عن رجل”، فإننا نحكم كذلك بأنه ثقة، بأنه ثقة عند مالك. ومن باب أولى إذا أبهمه ووصفه بالثقة فقال: “حدثني الثقة”، فإننا نحكم بتوثيقه. نبه على هذه ابن عبد البر، بل إنه قال: “إن مالكاً إذا حكى بلاغاً فإن هذا الذي حكى عنه البلاغ فلم يسمّه، وإنما حكاه بالبناء على ما جُهِلَ فاعله، فإنه لا يروي إلا عن ثقة ولو كان بلاغاً”. وهذا توسع فيه ابن عبد البر في أكثر من موضع في كتبه.
ومما يترتب على ذلك أيضاً أننا نقول: إن من سمع منه مالك ولم يروِ عنه فلا نحكم بضعفه؛ لأن مالكاً والكبار كيحيى بن سعيد وغيرهم كانوا يتورعون عن الرواية عن بعض الثقات لشبهة ما. وقد نبّه لهذا شيخ تقي الدين، فقد ذكر الشيخ في أكثر من موضع ومنها في المنهاج أن الأئمة كما لك ويحيى بن سعيد ممن ذكرت لك ممن لا يروي إلا عن ثقة، قد يترك الرواية عن بعض الثقات لشبهة ما عنده أو لأمر معين، فإن مالكاً ترك الرواية عن بعض الناس لما يتعلق بالسَّمت أو لأمور أخرى تركها لأجل ذلك. فلا يلزم من سماعه وعدم روايته أنه يكون ضعيفاً.
والأمر الأخير أننا نقول مما يترتب على أن شيوخ مالك ثقات ما ذكرته بالأمس أن أهل العلم ألفوا كتباً مفردة بشيوخ مالك لكي يعلم طالب العلم أن مجرد تسمية أحد الرواة بأن مالكاً قد روى عنه، فإنه يدل على توثيقه في الجملة. ومنهم مسلم كما مر معنا وجماعة من المتقدمين، ومر معنا ذلك.
المسألة الأخيرة: أن قولهم إن مالك لا يروي إلا عن ثقة هذا وصف أغلبي وله استثناءات. ولذلك فإن الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال: “لا تسأل عمن روى عنه مالك خاصة المدنيين”. فكأنما فكان الإمام أحمد خص التوثيق بالمدنيين من شيوخ مالك، وذلك أنه تكلّم في بعض شيوخه الذين رووا عنه، الذين روى عنه. فمن أولئك من مر معنا بالأمس وهو عبد الكريم ابن أبي المخارق، فإنه قد قيل إنه متروك. وقد نص يحيى ابن معين أن شيوخ مالك كلهم ثقات إلا عبد الكريم هذا فإنه ليس بثقة. وقد ذكر النسائي أن سبب رواية مالك عن عبد الكريم قال: “أحسبه غرّه بفقهه وعربيته”. فإن عبد الكريم لما لاقاه مالك في مكة أعجب بلسانه وبيانه، وأعجب بفقهه وكان ذا سمت وعبادة. فذكر النسائي أن ذلك غرّ مالكاً منه فظن ثقته. وممن تكلّم فيه وليس بمتروك ولكن فيه ضعف من ذكرهم النسائي إضافة لمن سبق، فقد عدّ النسائي ثلاثة أسماء أُخَر وهم عمرو بن أبي عمرو وشريك ابن أبي نمر واستثنى كذلك عاصم ابن عبيد الله. فعدّ أن هؤلاء الثلاثة كلهم فيهم ضعف مع أن مالكاً مع أن ابن عدي أبا أحمد ابن عدي في الكامل وثّق عمرو ابن أبي عمرو لكون مالك قد روى عنه واكتفى بهذا التوثيق. ولكن ضعفه غيره كالنسائي وغيره.
كنا قد توقفنا في الدرس الماضي عند بلاغ، أمر عليه بسرعة، أن مالكاً قال: إن عبد الله ابن عمر فاتته ركعتا الفجر فصلاهما بعد أن طلعت الشمس. هذا البلاغ الذي من فعل ابن عبد الله ابن عمر هو ما يتعلق بقضاء سنة الفجر الراتبة القبلية. وقد ذكر عامة أهل العلم من فقهاء المذاهب الأربعة جميعاً على أن السنة الراتبة القبلية للفجر تُقضَى لمن فاتته، ويجب أن نقول لمن فاتته وقد اعتاد على أدائها؛ لأن من اعتاد على تركها فسيكون دأبه قضاؤها، وليس هذا هو الأصل، إذ الأصل هو الأداء لفعلها. وهذا مستثنى من قاعدة كلية عند أهل العلم، وهو أن القضاء إنما يكون للواجبات، وذلك أن المسنونات القاعدة الكلية فيه أن كل سُنة ومندوب إذا كان مؤقتاً بزمن إذا فات وقته فإن العبادة لا تُقضَى إلا ما ورد به النص. واستثني من ذلك الوتر بالأمس على خلاف هل هو قضاء مدى في الوقت بين الفجر وطلوع الشمس، واستثني كذلك ركعتا الفجر. ولذا قال بعض المتأخرين من شراح مختصر خليل: “إن تسمية ذلك قضاء أي ركعتي الفجر أن ذلك من باب المجاز وليس القضاء الذي يتعلق بالواجبات”. وعلى العموم هذا لا أثر فيه. وقد خصّ مالك القضاء بركعتي الفجر، ووافقه على ذلك أبو حنيفة النعمان، ووافقه الشافعي في أحد قوليه. وأما أحمد في أشهر القولين ومالك والشافعي في القول الذي صححه الرافعي أن القضاء يكون لجميع السنن الرواتب، والسنن الرواتب عند كثير من أهل العلم هي عشر وبعضهم يعدّها اثنتي عشرة ركعة، فهي التي تُقضَى دون ما عداها. ودليلهم في ذلك قالوا: ما جاء في حديث أم سلمة وغيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم فاتته سنة الظهر فقضاها بعد العصر، وداوم على ذلك، كان ذلك من خصائصه. قيل: إن الذي من خصائصه المداومة على الصلاة بعد العصر وهذا باتفاق. وقيل: الذي من خصائصه قضاؤها في وقت النهي والمداومة فيكون من خصائصه أمران. وقيل على مذهب مالك وأبي حنيفة: إن الذي من خصائصه في حديث أم سلمة وغيرها ثلاثة أشياء: قضاء السنن الرواتب غير سنة الفجر، وأن تكون وأن يكون القضاء في وقت نهي، وأن هنا المرء مداوماً على هاتين الركعتين. هذا مختصر الكلام فيما يتعلق بهذه المسألة.
أما درس اليوم فإن أول باب فيه ما بوب عليه الإمام مالك في قوله: باب فضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ، عبّر مالك بالفضل ولم يعبّر بالوجوب. ولذا فإن في مذهب مالك قولان أشهرُهما أن الجماعة ليست بواجبة. ولكن خرّج بعض محققي مذهب مالك القول بوجوبها، وهو الذي تدل عليه كثير من الأحاديث أن صلاة الجماعة واجبة، وسيمر معنا بعض الأحاديث المتعلقة بذلك.
أول حديث في الباب حديث نافع عن ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ سبعاً وعشرين درجة”. قوله: “تفضل على صلاة الفذ بسبع وعشرين”، هنا جاء سبعاً وعشرين، وسيأتي حديث آخر بخمس وعشرين، وسيأتي طريقة الجمع بينهما. ولكن هنا مسألة قبل الجمع بين الحديثين: هل عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم إن صلاة الجماعة تفضل، بمعنى أنها أفضل من صلاة الفذ، هل يدل ذلك على وجوب الجماعة أم لا؟ هو يدل على فضلها، ولكن هل يدل على وجوبها أم لا؟ من الفقهاء من يقول: إنه لا يدل لا على الوجوب ولا عدمه، وإنما يدل على الفضل فقط، فلا نتعدى؛ لأنه قال: “هي أفضل”. وإنما دل الحديث على عدم اشتراط الجماعة. انظر الفرق. إذاً هذا الحديث لم يدل على الوجوب وإنما دل على عدم الاشتراط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صحّح صلاة الفذ. خلافاً لما نُقل عن داوود الطائي ووافقه بعض المتأخرين، حينما قالوا: “إن صلاة الجماعة شرط لصحة الصلاة لمن تجب عليه الجماعة”. والحديث ظاهر الدلالة على أن الجماعة ليست شرطاً. وهل هي واجبة؟ القول الأول: أنها لا تدل لا على الوجوب ولا عدمه. ومن أهل العلم من قال: إنها تدل على عدم الوجوب، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤثم من ترك الجماعة وصلى فذاً أي منفرداً. فنقول هنا لم يتكلم عن الإثم وإنما ذكر الأجر. إن الواجبات أمران: واجب الصلاة فتصح بلا جماعة، والأمر الثاني وجوب الجماعة، والحديث قد سكت عنه، وجاءت أحاديث أُخَر تدل عليه. إذاً هذا الحديث على أمرين: هل الجماعة شرط؟ ليست بشرط، وهذا واضح الدلالة. وهل الجماعة واجبة؟ اتجاهان، والأقرب أنه لم يدل لا على وجوب ولا على عدمه.
نعم. قال: حدثني قعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمس وعشرين جزءاً”.
نعم، هذا حديث أبي هريرة يختلف عن الحديث السابق، أن الحديث الأول قال: “تفضُل”، وهذا قال: “أفضل”، فدل على التصريح بأن التضعيف لكامل الأجر. والأمر الثاني: أن بينهما اختلافاً، فالأول فيه سبع وعشرون درجة، والثاني فيه خمس وعشرون درجة. وقد اختلف في سبب الاختلاف والجمع بين الحديثين على أوجه كبيرة، وأقرب الأوجه في ذلك ما جمع بينهما أبو بكر الخلال واستظهره جمع من محققي أهل العلم كابن رجب، أن هذا يختلف باختلاف الجماعات. فإن من صلى في جماعة جماعة أكثر أكثر مُصلين أعظم أجراً ممن صلى في الجماعة التي تكون أقل. ومن صلى في المسجد العتيق كما جاء عن ابن عباس أفضل ممن لم يصلِ في جامع غيره. ومن صلى في جماعة في مسجد فلا شك أن صلاته أفضل من صلاة الجماعة في غير المسجد. ولذلك الناس يتفاوتون باعتبار إدراك الجماعة وعدمها، إما خمساً وعشرين أو سبعاً وعشرين أو بضعاً وعشرين كما جاء في هذه الأحاديث بناءً على صورة الجماعة واختلاف هيئاتها. وهذا أظهر الأقوال كما استظهره ابن رجب، وهو الذي لا تكلّف في الجمع فيه، وليكن به أعمال أن الجماعات على درجات. إذاً هذا الحديث والذي قبله يدل على فضل الجماعة، وهل يدل يدل على فضل الجماعة ويدل على عدم اشتراطها؟ وهل يدل على وجوبها؟ اتجاهان، والأقرب أنه لم يدل لا على وجوب ولا على عدمه.
نعم. أحسن الله إليك. قال: حدثني قعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب ثم آمر بالصلاة فينادى لها، ثم آمر رجلاً فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأُحَرِّق عليهم بيوتهم”. “والذي نفسي بيده لو يعلم لو يعلم أحدهم أنه يجد عظماً سميناً أو مِرْمَاتَين حسنتين لَشَهِدَ العشاء”.
نعم، هذا الحديث حديث أبي هريرة قبل أن نذكر فقهه فيه مسائل: أول هذه المسائل: قوله: “لو يعلم أحدهم” هكذا في النسخة التي بين أيدينا. وقد ذكر أبو القاسم الجوهري في المسند أن لفظة “أحدهم” هي رواية عبد الرحمن ابن القاسم وابن بكير وابن عُفير وغيرهم. وأما رواية القعنبي فقد أسندها الجوهري: “لو يعلم أحدكم” بمخاطبة الحاضر.
الأمر الثاني: أن هذا الحديث فيه أنه يجد عظماً سميناً أو مِرْمَاتَين، لفوت مِرْمَاتَين. ذكر إمام اللغة تفسير الإمام الجليل العظيم أبو عبيد القاسم سلام رحمه الله تعالى أن هذا الحرف وهو مِرْمَاتَين قال: “لا أدري ما وجهه إلا أنه يعني ينقل عنهم أن هذا يفسر بما بين ظِلفَي الشاة من يعني اللحم وما يؤكل”. والمِرْمَاتَين جاء أوجه في تفسيرها: الأول ما نقله أبو عبيد واشتهر في كتب اللغة أنه ما يكون بين ظلفي الشاة. وأقرب ما يكون مما تناوله أهل الوقت هي ما يسمى بالـ “كِرْعان” أو ما يسمى بـ “الكوارع”. وبعض الناس يستلذ بطعامها. وجاء تفسيرها بغير ذلك. فقد نقل حبيب عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه قال: “إن المِرْمَاتَين هما الشَّحمتان”. فذكر أن المِرْمَاتَين هي الشحم. وجاء عن بعضهم وهو الداودي أن هما بضعة اللحم. وعلى العموم فهي محتملة. وقول أهل اللغة الأول له وجه وقول مالك له وجه. وأما ما ذكره الداودي من أصحاب مالك ففيه بعد، لأن العظمين الذي يكون فيها فيكون من باب عطف الشيء على مثله.
طيب، هذا الحديث فيه أن النبي همّ بتحريق البيوت ثم ترك الهمّ. وهذه مسألة أصولية تناولها أهل الأصول، وهو ما همّ النبي صلى الله عليه وسلم بفعله ثم تركه، هل يدل على مشروعيته أم لا؟ فنقول: أولاً، من أهل العلم من قال: إن النبي همّ ولم يفعل، فدل على أن هذا مجرد همّ وليس حكماً، فحينئذٍ قالوا: لا يُحَرَّق ولا يعاقَب ولا يُعَزَّر من ترك الجماعة في المسجد. فاستدل بذلك من قال: إن الجماعة ليست بواجبة. وقال بعض أهل العلم: بل النبي صلى الله عليه وسلم قد همّ بذلك، وإنما امتنع من تركه بعِلَل، منها ما جاء في بعض طرق الحديث: وإن تكلم في إسناده: “لولا ما فيها من النساء والصِّبْية”. ومنها ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا يُحَرَّمُ بالنار إلا رب النار”. فالنبي صلى الله عليه وآله وسلم امتنع لأجل معانٍ ذكرت لكم بعضها مما أورده أهل العلم. فحينئذٍ الامتناع معلل لا أنه يكون الحكم غير مشروع. فحينئذ نقول: إن تارك الجماعة يُعَزَّر. وهذا استدل به من قال بوجوب الجماعة. إذاً هذا الحديث يمكن أن يستدل به على الوجهين. والقول بالثاني أوجه: أن النبي صلى الله عليه وسلم همّ بتعزير، ولكن نوع هذا التعزير وتعدي هذا التعزير منهي عنه. فقد نُهي عن التعزير بالنار والتحريق، ونُهي أيضاً عن تعدي التعزير بما يتعدى لغير المعاقَب. وعلى العموم لو قيل: إن هذا همّ لم يفعله فلا يدل على الوجوب، فنقول: إنما لا يدل على وجوب المسجد، وليس لا يدل على وجوب الجماعة، فإن هناك فرقاً بين وجوب الجماعة ووجوبها في المسجد.
نعم. قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن أبي النضر عن بُسْر ابن سعيد أن زيد ابن ثابت رضي الله عنه قال: “أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة”.
نعم، هذا الحديث أسنده عامة رواة الموطأ ومنهم عبد الله بن مسلمة من طريق أبي النضر عن بُسْر ابن سعيد أن زيد بن ثابت قال فجعله موقوفاً عليه. وتفرد بعض الرواة عن مالك وهو إسماعيل ابن أبان فرواه بهذا الإسناد عن زيد ابن ثابت مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم فجعله مسنداً مرفوعاً له صلوات الله وسلامه عليه. وقد ذكر ابن حوصى أن إسماعيل ابن أبان لم يُتابع على ذلك، فإنما مالك وقف الحديث. لكن جاء هذا الحديث مرفوعاً من طرق أخرى في الصحيحين من طريق عبد الله بن سعيد وغيرهم.
هذا الحديث فيه أن: “أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا” قوله: “أفضل الصلاة صلاتكم” إلا المكتوبة، هذا استثناء. والأصل في الاستثناء أنه يكون لما دون النصف. وهذه المسألة مرت معنا في درس الأصول الماضي: هل يجوز استثناء أكثر من النصف؟ قالوا: لا يصح إلا في الاستثناء المنقطع دون الاستثناء المتصل. وعليه أهل اللغة أو أكثر أهل اللغة وهو أصح قولي علماء الأصول رحمة الله على الجميع. فدل ذلك على أن المشروع للمسلم أن يكون صلاته من النافلة أضعاف أو أكثر، فنقول نقول أكثر من صلاته الفريضة. ولذلك فإن السنن الرواتب وما يصليه المرء في يومه من المؤكدات كالوتر وغيره ربما يكون مجموعها أكثر عدداً من عدد الركعات التي يصليها في يومه وليلته. هذا من لطيفة الاستدلال عند أهل العلم في هذه المسألة.
قول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المرفوع في الصحيحين وهنا موقوف على زيد: “أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم” معناه: أفضل صلاتكم النافلة صلاتكم في بيوتكم. فدل على أن صلاة النافلة في البيت أفضل من صلاتها في المسجد. وهذا على سبيل الأغلب، وذلك أن هناك نوافل الأفضل صلاتها في المسجد، منها كل نافلة يشترط أو يُندب لها الجماعة، مثل صلاة الكسوف مثلاً، ومثل صلاة التراويح والعيدين على القول بندبها وعدم فرضيتها على الكفاية ونحو ذلك. فحينئذٍ يكون صلاتها في المسجد أفضل لأجل الاجتماع. والأمر الثاني: الصلاة المتعلقة بالمسجد أي سببها المسجد وهي تحية المسجد، فإن تحية المسجد سببها المسجد، فلا نقول: إن صلاتها في البيت أفضل من صلاتها في المسجد فهذا غير صحيح. وبناءً على ذلك استدل العلماء بهذا الحديث على ما ذكرت لكم، وهو أن صلاة النافلة في البيت أفضل مطلقاً. وقد جاء عن مالك رحمه الله تعالى وقد نقله ابن مفلح ووجدته في المستخرجة أن مالكاً يفرق بين صلاة الليل والنهار. المشهور عن مالك وأصحاب أحمد أن صلاة النوافل كلها الأفضل أن تكون في البيت. لكن نُقل عن مالك وهو موجود في المستخرجة أن مالكاً فرّق بين صلاة الليل والنهار، فيرى أن صلاة النهار الأفضل أن تكون وهي الصلوات النهارية الأفضل أن تكون في المسجد، وصلاة الليل الأفضل أن تكون في البيت. وأخذ ذلك من قول مالك في المستخرجة: “ولم يزل من أمر الناس في الصلاة في المساجد يهجرون أي يذهبون في الهاجرة ويصلون”. معنى ذلك يصلون في المساجد، وأما في في الليل ففي البيوت أحب إليه. أخذ من ذلك قول الخلاف المشهور التفريق بين صلاة الليل والنهار. وذكرت هذا لأن ابن مفلح جزم أن مذهب المالكية الثاني. ولكن مشهور عند المتأخرين الأفضل.
من فقه هذا الحديث كذلك أن هذا الحديث يشمل عموم الأحاديث عموم الصلوات وعموم المساجد. حينما قال: “أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم” يدل على أن النافلة أفضل من جميع أو أن النافلة في البيت أفضل من صلاتها في المسجد في عموم المساجد ولو كان ذلك في المسجد الحرام أو في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا العموم يدل عليه سياق الحديث، فقد أخبر النبي بهذا الحديث في أهل المدينة، فدل على أن صلاتهم في بيوتهم أفضل، وهو كذلك أن الصلاة فيها أفضل. لكن مالكاً رحمه الله تعالى استثنى استثناءً لطيفاً. فقال: “إن النافلة في مسجد النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي معنى ذلك المسجد الحرام للغرباء أحب إلي من صلاتهم في بيوتهم”. فمن لم يكن من أهل المدينة ومن سكانها فإن صلاتهم النافلة في بيوتهم أفضل. فإن قيل: هل التضعيف بألف صلاة هل هو خاص معنى ذلك بالفرائض دون النوافل؟ نقول: ظاهر الأحاديث أن التضعيف بألف صلاة يشمل النافلة والفريضة، ولكن السُنة أفضل من التضعيف. وتعرفون الحديث لما قال لأحدهما: “أصبت السُنة” وقال للثاني: “لك أجران”. وقول مالك إن الغرباء الأفضل لهم النوافل في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا من الأقوال اللطيفة في الجمع بين الأحاديث في هذا الباب. المسألة الأخيرة في هذا الباب: استدل بعض الفقهاء ومنهم صاحب الكشاف بهذا الحديث على أن الصلاة في المسجد فاضلة، بل بالغ وقال: إنه يدل على ندبها في المسجد. لأنه لما قال: “أفضل الصلاة صلاتكم في البيوت إلا المكتوبة” فالأفضل أن تكون في المسجد، فهذا يدل على فضلها، قال: “ولا يدل على وجوبها في المسجد” لأنه سكت عن وجوبها. فسكت فتكلم عن الفضل وسكت. ثم أطال منصور وغيره في قضية الوجوب في المسجد هل واجبة أم لا؟ فيكون وجوباً ثالثاً.
نعم، صباح الخير. قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن عبد الرحمن بن حَرْمَلة أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “بيننا وبين المنافقين شهود العَتَمة والصبح، لا يستطيعونهما” أو نحوها.
نعم، هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “بيننا وبين المنافقين شهود العتمة” هكذا جاء عند عامة الرواة، منهم المؤلف منهم عفواً منهم الراوي بن قعنبي ومنهم ابن بكير والسويد وغيرهم. وجاء عند يحيى ابن يحيى الليثي “شهود العشاء”، وتعبيره بشهود العشاء لأن مالكاً يكره تسمية العتمة بهذا الاسم، ولأنه حمل الأحاديث ومر معنا قبل درس حمل الأحاديث التي جاء بها بتسميتها بالعتمة على أنه قبل النهي. فأراد أن يرويه باللفظ الذي أو يرويه بالمعنى باللفظ الذي يوافق قول مالك؛ لأن في آخر الحديث “أو نحو هذا”، فنقله يحيى “العشاء”، لكن الرواية عند عامة الرواة أو أكثرهم أنها شهود العتمة كما نقلها القعنبي. هذا الحديث في آخره “أو نحو ذلك”، هذا يحتمل أن يكون الشك من الراوي في التردد، ويحتمل أن يكون من باب الوَرَع والتوقِّي، فيكون من باب الاحتياط وإلا فقد أتى باللفظ على وجهه. هذا الحديث يدل على وجوب صلاة الجماعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن الفرق بين المنافق وغيره هو شهود صلاة العشاء وهي العتمة وشهود صلاة الصبح، فإنهما لا يستطيعان هاتين الصلاتين. وعبّر بـ “الشهود” أي شهودها جماعة، فدل على وجوب الجماعة. ومن أوجب المسجد قال: إنه يدل كذلك على وجوب الجماعة في المسجد.
نعم. قال: ما جاء في العشاء والصبح.
قال: حدثني قعنبي عن مالك عن سُمَي مولى أبي بكر عن أبي صالح السَّمَّان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخّره، فشكر الله عز وجل له فغفر له”.
نعم. قال: “والشهداء خمسة: المطعون، والمبطون، والغَرَق، وصاحب الهَدْم، والشهيد في سبيل الله”.
نعم. وقال: “لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهاموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حَبْواً”.
نعم، هذا حديث واحد بإسناد واحد رواه مالك من طريق أبي صالح السمان عن أبي هريرة رضي الله عنه وقد تقدم معنا آخر هذا الحديث، فقد رواه مالك قبل: “لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول”، تقدم ذكره وتقدم ما يتعلق به بالفقه. ولكن عندنا هنا مسائل: أول مسألة: استشكل بعض الشراح أول جملة من هذا الحديث وهي قوله صلى الله عليه وسلم: “بينما رجل يمشي بطريق وجد غصن شوك على الطريق فأخّره، فشكر الله له فغفر له”. ووجه استشكالهم قالوا: إن هذا العمل في غاية القلة والسهولة واليسر ومع ذلك رُتِّبَ عليه أجر عظيم جداً وهو مغفرة الذنب. وقد أطال أبو الوليد الباجي وأبو بكر بن العربي في المسالك في ذكر توجيهات مختلفة لهذا الحديث، وكيف أن يغفر الله عز وجل بالعمل القليل الذنب الكثير، وذكروا أنه مُشْكِل. والصواب في ذلك والأقرب والعلم عند الله عز وجل أولاً وآخراً: ما ذكره ابن مفلح عن شيخه الشيخ تقي الدين، أن هذا متعلق بأفعال القلوب، وذلك أن الحسنة تعظم ويكثر ثوابها حتى تبلغ تلك الحسنة إدخال الجنة. وقد تبلغ تلك الحسنة أن تكون سبباً في محو الذنوب بسبب زيادة إيمان الشخص وإخلاصه ويقينه بصدق وعد الله عز وجل واحتسابه عند الله عز وجل. فحينئذٍ قد تقابل تلك الحسنة اليسيرة جميع الذنوب فتُغفر، فتُغفر تلك الذنوب. وهنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكِ أن كل من أزال غصناً من الطريق غفر له، وإنما قال: “رجل”، فذاك الرجل بما وقر في قلبه من يقين وإيمان وصدق وإخلاص وكمال اعتقاد بوعد الله عز وجل فترتب على ذلك أن الله عز وجل لكرمه وجوده وإحسانه سبحانه وتعالى جعل لهذا السبب اليسير مغفرة الذنب. وكذلك ضده بضده كما جاء عن الصحابة: “إياك ومحقرات الذنوب”، فلا يحقر المرء ذنباً يسيراً ولا يتهاون بعمل يسير من الطاعات، فإن المسلم لا يعلم بما يغفر ذنبه وبما تكون رفعته في الدرجات يوم القيامة وما يكون سبباً في إحباط عمله من السيئات.
الأمر الثاني: هذا الحديث في قوله: “لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول”، تقدم معنا أنه يدل على فضل النداء ويدل كذلك على فضل الصف الأول، ومر معنا أنه يكره ترك الصف الأول، وهل إذا تعارض مع أول الصلاة وتكلمنا عن هذه المسألة؟ وفي هذا الحديث فيه قوله عليه الصلاة والسلام: “ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه”. المراد بالتهجير كما فسره الإمام مالك وهو حجة في هذا الباب. وذلك فيما نقله حبيب عنه قال: “إن المراد بالتهجير هو الذهاب والرواح للظهر قبل الزوال”. وعلى ذلك فإن هذا الحديث كيف يدل على استحباب الذهاب لصلاة الظهر قبل الزوال، قبل دخول وقت الظهر، فينتقل المرء للمسجد قبل دخول وقت الظهر، وهذا تفسير الإمام مالك رحمه الله تعالى لهذا الحديث فيما نقله حبيب.
نعم. وكذلك في قوله عليه الصلاة والسلام: “يستهموا عليها” تدل على القُرعة، والقُرعة إنما هي لتمييز الحقوق، وسيأتي لها مزيد. وأما العتمة والصبح فهذا هو محل الشاهد من الباب حينما قال صلى الله عليه وسلم: “ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حَبْواً”. وعند أهل العلم قاعدة في بيان ما بيّن الله ثوابه: أنه لا يلزم من إخفاء الثواب قِلَّتُه، بل إن الله عز وجل قد يخفي ثواب أعظم الطاعات. كما قال الله عز وجل في الحديث القدسي: “كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به”، فأخفى الله عز وجل الثواب الذي يترتب على الصوم. فقول النبي صلى الله عليه وسلم: “لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حَبْواً”، هذا من باب إخفاء كمال الأجر المتحقق لمن حرص على هاتين الصلاتين جماعة. لأنه قال: “لأتوهما” مما يدل على انتقالهم من من البَرّ إلى مساجدهم ولو حَبْواً. ولو لم يكفِ من ذلك إلا ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من ترك صِفَة المنافقين، نسأل الله عز وجل السلامة من ذلك. فالمقصود أن إخفاء الأجر لا يدل على قلة الثواب بل قد يكون على دليلاً على عِظمه.
نعم. أحسن الله إليك. قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أبي بكر ابن سليمان ابن أبي حَثْمة أن عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقد سليمان ابن أبي حَثْمة في صلاة الصبح، وأن عمر غدا إلى السوق ومسكن سليمان بين المسجد والسوق، فمر على الشِّفَاء أم سليمان فقال: “لم أرَ سليمان في الصبح”. فقالت: “إنه بات يصلي فغلبته عيناه”. فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: “لأن أشهد صلاة الصبح أحب إلي من أن أقوم ليلة”.
نعم، هذا الخبر من طريق أبي بكر بن سليمان ابن أبي حثمة نقله عن أبيه أن عمر ابن الخطاب فقد سليمان ابن أبي حثمة وهو أبوه، وهو يعني سليمان ابن حثمة صحابي وابن صحابي كذلك. وقد جعله عمر رضي الله عنه يؤم النساء في صلاة التراويح، كما أن أُبيّاً وتميماً مر معنا بالأمس يؤمان الرجال في صلاة التراويح. فكان من حَفَظَة كتاب الله عز وجل وكان من من يكثر من العبادة والتَّبتُّل والطاعة. قال: “وأن عمر غدا إلى السوق ومسكن سليمان بين المسجد والسوق، فمر على الشفاء أم سليمان”، الشفاء أم سليمان وابنها سليمان كلاهما عَدَوِيّ قُرشي من أبناء عم عمر ابن الخطاب رضي الله عنه. معرفة نَسَب ذلك يدلنا على أمرين: أن عمر إنما تفقّد سليمان لسببين: السبب الأول لشخصه، فإن سليمان من أهل العلم ومن أهل القرآن، فلما اجتمع فيه هذان الأمران فمِثلُه يُعاب عليه ما لا يُعاب على غيره. كما عاب الصحابة على عمر على عثمان لما تأخر عن صلاة الجمعة فحضر حال الخطبة ولم يغتسل. والأمر الثاني: أن سليمان وأمه أبناء عم عمر بن الخطاب فبينهما قرابة. ومن أعظم ما تكون الصلة للرحم أن يكون فيها تعليم لعلم وأمر بمعروف ونهي عن منكر. فقال: “لم أرَ سليمان في الصبح” في الصلاة أي جماعة. فقالت: “إنه بات يصلي فغلبته عيناه”. فقال عمر: “لأن أشهد صلاة الصبح أحب إلي من أن أقوم ليلة”. أي: لأن أشهدها جماعة أحب إلي من قيام الليل. إذا كان هذا حضور صلاة الصبح جماعة أحب من الانشغال في الليل بعبادة فاضلة وهي من أفضل العبادات وهو قيام الليل، فمن باب أولى فإن حضورها جماعة لا أقول أفضل وإنما نقول آكد، أولى وأوجب كذلك من الانشغال في أول الليل بالسَّمَر. والحديث الذي قد يكون مباحاً وربما لا يكون كذلك.
نعم. أحسن الله إليك. قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن يحيى ابن سعيد عن محمد ابن إبراهيم عن عبد الرحمن ابن أبي عَمْرَة أنه قال: “جاء عثمان بن جاء عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى صلاة العشاء فرأى أهل المسجد قليلاً، فاضطجع في مؤخر المسجد ينتظر الناس أن يكثروا، فأتى ابن أبي عَمْرَة فجلس، فسأله من هو؟ فأخبره. فقال: “ما معك من القرآن؟” فأخبره. فقال عثمان رضي الله عنه: “من شهد العشاء فكأنما قام نصف الليل نصف ليلة. ومن شهد الصبح فكأنما قام ليلة”.
نعم، هذا الحديث رواه مالك أو الخبر رواه مالك عن محمد ابن إبراهيم وهو ابن الحارث عن عبد الرحمن ابن أبي عَمْرَة الأنصاري رحمه الله أنه جاء عثمان في صلاة العشاء فرأى أهل المسجد قليلاً أي من رأى أنه لم يجتمع الناس بعد. فاضطجع في مؤخر المسجد ينتظر الناس أن يكثروا ويجتمعوا. فأتى ابن أبي عَمْرَة راوي الخبر عبد الرحمن فجلس أي إلى عثمان. ومن أدب عبد الرحمن أنه لم يبتدأ هو، إنما جلس بجانبه، فابتدأه عثمان بالحديث. قال: “فسأله من هو؟” أي فسأل عثمان عبد الرحمن: “من هو؟”، فأخبره باسمه وانتسب له. فقال: “ما معك من القرآن؟” فأخبره عثمان بذلك. فقال عثمان: “من شهد العشاء فكأنما قام نصف ليلة. ومن شهد الصبح فكأنما قام ليلة كاملة”.
سؤال عثمان: “عما معك من القرآن” يدل على مسألة عظيمة وهو أن أفضل ما يُقاس به العلم والفضل هو ما في جوف الآدمي من القرآن، ولذلك فإن المرء إذا أراد أن يقيس علمه فلينظر عنايته بالقرآن واهتمامه به. والأمر الثاني: أن عثمان لما علم أن ابن أبي عَمْرَة من طلبة العلم نبّأه عن المتأكد وهو شهود العشاء والفجر، فقال له عثمان: “من شهد العشاء فكأنما قام نصف ليلة. ومن شهد الصبح فكأنما قام ليلة”. قول عثمان هذا في آخره قَيَّد فقال: “من شهد الصبح فكأنما قام ليلة” فلم يذكر في قيام الليلة العشاء. فظاهر حديث عثمان أن مجرد شهادة صلاة الصبح في جماعة يكون فيها قيام الليلة، يكون فيها قيام الليلة، والعشاء نصف. فمن شهد العشاء والفجر معاً كُتب له قيام ليلة ونصف. وجاء في بعض الأحاديث لجمعها فقال: “ومن شهد العشاء والفجر كتب له قيام ليلة”.
هذا الحديث موقوف على عثمان رضي الله عنه وقد روي مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم. فقد رواه عثمان بن حكيم عن شيخ شيخ مالك مرفوعاً. وقد ذكر ابن عبد البر أن عثمان ابن حكيم هذا ثقة، ولا بأس به، لكنه لا يكون في الإتقان والجلالة كيحيى ابن سعيد شيخ مالك. وبناءً على ذلك فإن رواية يحيى ابن سعيد أقوى لأنه أتقن ومعلوم يحيى بن سعيد في الدرجة العليا من الدرجة الأولى من رواة الحديث. وعلى العموم وإن كان موقوفاً على عثمان رضي الله عنه، إلا أنه له حكم مرفوع لأنه من المغيَّبات، والصحابي لا يحكم بشيء من المغيَّبات عن رأي منه واجتهاد، وإنما يكون له حكم مرفوع.
نعم. قال: الصلاة مع الإمام بعد الصلاة وقبلها.
قال: حدثني قعنبي عن مالك عن زيد ابن أسلم عن رجل من بني الديل يقال له بُسْر بن مِحْجَن عن أبيه أنه كان في مجلس في مجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأُذِّن بالصلاة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى، ثم رجع ومِحْجَن في مجلسه. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ما منعك أن تصلي مع الناس؟ ألست برجل مسلم؟” قال: “بلى يا رسول الله، ولكني قد كنت صليت في أهلي”. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا جئت فصلِّ مع الناس وإن كنت قد صليت”.
نعم. بوب الإمام مالك بقوله: “الصلاة مع الإمام بعد الصلاة وقبلها”. تعبير مالك رحمه الله تعالى بـ “الصلاة مع الإمام بعد الصلاة” أي بعد انقضاء صلاته، و”قبلها” أي قبل أن تنقضي صلاته فيدخل معهم في الفريضة. والحديث يدل على أمرين كما سيأتي. هذا الحديث رواه زيد بن أسلم شيخ مالك عن رجل من بني الديل. وهذه قبيلة من ربيعة وبطن منها. يقال له بُسْر بن مِحْجَن هكذا مالك جعله بالمهملة بُسْر، وجاء عنه في غير الموطأ أنه تردد فقال: بَشَر أو بُسْر، هكذا مرة قال بالمهملة ومرة قال بالمعجمة. وأما رواة الموطأ فكلهم يروونها بالمهملة بُسْر. جزم الطحاوي أن أكثر الرواة يروونها كما روى مالك بالسين لا بالشين. قال: “إلا الثوري فإنه ذكرها بالشين”. وأما أحمد بن صالح المصري فقد ذكر أنه سأل جماعة من أهل هذا الرجل: “هل هو بالسين أم أنه بالشين؟” قال: “فما اختلف عليّ أحد منهم أنه بالشين أي بَشَر”. نعم، قال: إنه يعني على على رواية الثوري وليست على رواية مالك في الموطأ في هذا الحديث أن مِحْجَن رضي الله عنه لما صلى حضر مجلس رسول الله في المسجد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “ما منعك أن تصلي مع الناس؟ ألست برجل مسلم؟” قوله عليه الصلاة والسلام: “ألست برجل مسلم؟” يدل على أن من أصول الإسلام الصلاة مع الناس وشهود جماعتهم. ولذلك كلما كان المرء محافظاً على الصلاة دل على إسلامه. فإن أول ما يُسأل عنه يوم القيامة الصلاة، إن صلحت صلح باقي عمله. وقد ذكر جمع من أهل العلم أن تارك الصلاة بالكلية ليس بمسلم. ويدل على ذلك أحاديث منها قوله عليه الصلاة والسلام: “العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر”. وقلت: بالكلية بذكر الاتفاق بين أهل العلم وبعضهم يجعله أقل من ذلك في عدد الصلوات. وقال عليه الصلاة والسلام: “بين المرء وبين الكفر ترك الصلاة فمن تركها فقد كفر” عليه الصلاة والسلام. ذكر ذلك. ومن الأحاديث هنا قوله: “ألست ألست برجل مسلم؟” دل على أن تارك الصلاة ليس بمسلم. وأما صلاتها جماعة فإنها شعار أهل السُنة، ولذا أهل السُنة يُقرن اسمهم بالجماعة، والجماعة أمران: الجماعة الصغرى فلا ينفردون عن الناس في مساجدهم ويصلون خلفهم. والأمر الثاني: الجماعة الكبرى المتعلقة بالسمع والطاعة لمن ولاه الله عز وجل أمر الناس. ولذا تجد في كلام المتقدمين من أهل العلم في الاعتقاد كلهم يذكر: “ونصلي خلفهم”. وقولهم: “ونصلي خلفهم” يدل على الجماعة في الصغرى والجماعة الكبرى المتعلقة بالسمع والطاعة والإمامة، وبها اختلف وافترق أهل السُنة عن غيرهم. ولذا لما أكّد العلماء على هذا الأصل قالوا: “أهل السُنة والجماعة” من باب التأكيد على هذا الأصل الذي جاءت السُنة. فقال: “بلى يا رسول الله ولكني كنت صليت في أهلي”. قوله: “صليت في أهلي” حمله الإمام مالك على أنه صلى في أهله وحده ولم يصلِ جماعة. وبناءً على ذلك فإن مالك يقول: إن من صلى في بيته وحده يعيد مع الجماعة. ومن صلى في بيته جماعة فإذا دخل المسجد فلا يعيد. وذهب بعض أهل العلم كأحمد رحمه الله تعالى أن الحديث على عمومه. فكل من صلى ولو جماعة إذا دخل المسجد وقد أقيمت الجماعة الراتبة التي لها الإمام الراتب فإنه يصلي معهم ولو كان صلى جماعة. وقول أحمد أقرب لظاهر الحديث، فإن قوله: “صليت في أهلي” يحتاج إلى تقدير لكي يكون على سبيل الانفراد، وأما ظاهره وإطلاقه يدل على أنه صلى فيشمل صلى بأهله منفرداً أو بجماعة. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا جئت فصلِّ مع الناس وإن كنت قد صليت”. هنا قوله: “فصلِّ مع الناس وإن كنت قد صليت” يشمل جميع الصلوات الخمس. وحينئذٍ فمن حضر إحدى الصلوات الخمس فإنه تُصَلَّى. وهذا الذي عليه الجمهور كمالك وأحمد وغيرهم. وخصه أبو حنيفة النعمان بصلاتين، فمن صلى في بيته وحضر الجماعة في المسجد فيصلي معهما، وهي صلاة الظهر والعشاء. ومُنع من صلاتين أخريين سيأتي الإشارة إليهما، ومالك أيضاً استثنى المغرب وسيأتي الإشارة إليها في آخر الباب.
نعم. أحسن الله إليك. قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن نافع أن رجلاً سأل عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما فقال: “إني أصلي في بيتي ثم أُدْرِك الصلاة مع الإمام، أفأصلي معه؟” فقال هو عبد الله: “نعم فصلِّ معه”. فقال له الرجل: “فأيّهما صلاتي؟” فقال له عبد الله: “أو ذاك إليك؟ إنما ذلك إلى الله عز وجل يجعل أيتهما شاء”.
نعم. نعم. قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن يحيى ابن سعيد أن رجلاً سأل سعيد ابن المسيب رحمه الله فقال: “إني أصلي في بيتي، ثم آتي المسجد فأجد الإمام يصلي، أفأصلي معه؟” فقال سعيد: “نعم”. قال الرجل: “فأيتهما فأيتهما أجعل صلاتي؟” قال سعيد: “أو أنت تجعلها؟ إنما ذلك إلى الله عز وجل”.
نعم. أورد مالك في هذا الأثر قول ابن عمر وقول سعيد. وسبب إتباعه ابن عمر بسعيد أمرين: الأمر الأول: بيان أن عمل أهل المدينة على ذلك. والأمر الثاني: تفسير لما أراد ما أراد ابن عمر من قوله: “إنما ذلك إلى الله”، وسيأتي تفصيل ذلك. هذا الحديث فيه أن رجلاً قال: “صليت صليت في بيتي ثم أدركت الصلاة مع الإمام، أفأصلي معه؟” فقال له عبد الله: “نعم صلي معه”. فقال الرجل: “فأيتهما صلاتي؟” فقال له عبد الله ابن عمر: “أو ذاك إليك؟ إنما ذاك ذلك إلى الله إنما ذلك إلى الله يجعل أيتهما شاء”. هذا الأثر عن ابن عمر جاء عن ابن عمر خلافه. فقد جاء عن ابن عمر رحمه الله تعالى أنه قال: “إن أولى الصلاتين هي الفريضة، والثانية ليست بفريضة”. فينوي الفريضة بالأولى على ذلك، والثانية ليست بفريضة. وبناءً على ذلك فقد اختلف في معنى قول ابن عمر هنا. فبعض أهل العلم يقول: إن ابن عمر رحمه الله تعالى كان يقول بهذا القول الذي نقله مالك، ثم بلغه خبر في ذلك فأصبح يقول: “إن المكتوبة هي الأولى”. وهذا التوجيه ذكره البيهقي في بعض كتبه. والتوجيه الثاني هو ما ذكره تلميذ مالك عبد الملك بن حبيب أن قول ابن عمر رضي الله عنه: “إنما ذلك إلى الله” لا يعارض قوله: “إن الأولى هي المكتوبة”. وإنما معناه أن الله عز وجل يعلم التي يتقبل من الأعمال. وأما من حيث الاعتداد باعتباره هي الفريضة دون غيرها فالأولى. وبناءً على ذلك فمن صلى الثانية ثم تبين له أن صلاته في الثانية مع الجماعة كانت على غير وضوء ونحو ذلك فلا نلزمه بالإعادة، لأن لأن الأولى هي الفريضة وهكذا. وإن تبين أن الأولى معيبة فلابد له من نية في الثانية وغير ذلك. وأما الشيخ تقي الدين فقد ذكر في الفتاوى المصرية أنها أقوال. فقد ذكر أنه قيل: “أيتهما إلى الله عز وجل”، وقد قيل: “إن الفرض الفرظ هي أكملهما”. قال: “والصحيح أن الفرض منهما هي الأولى” كما قال مالك وأحمد وغيرهم من أهل العلم والجمهور على أن الفرض هي الأولى. إذاً فبعض أهل العلم جعلها قولان لمالك هي قولان لابن عمر، وبعضهم جعلها تراجع من ابن عمر كالبيهقي، ومنهم من جعلهما لا تعارض بينهما ولا تراجع وإنما هو اختلاف معنى. أثر سعيد بن المسيب فيه أن الرجل قال: “فأيتهما أجعل أجعل” هنا هذه الزيادة “أجعل”. فلما قال: “أجعل” وهذا تفسير معنى قوله: “أيتهما صلاتي”. و”أجعل” يعني أنوي. فجعل النية فقال له سعيد: “أو أنت تجعلها؟ إنما ذلك إلى الله”. فالإنسان يعني يفسر في قوله: “أتجعل الأولى” فيكون بناءً على ذلك فهي قولان لا قولاً واحداً. وهذا يقوي القول الثالث ذكرت لكم صاحب الفتاوى المصرية.
نعم. أحسن الله إليك. قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن عَفِيف ابن عمرو السَّهْمِي عن رجل من بني أسد أنه سأل أبا أيوب الأنصاري رضي الله عنه فقال: “إني أصلي في بيتي ثم آتي المسجد فأجد الإمام يصلي، أفأصلي معه؟” قال أبو أيوب: “من صنع ذلك فإن له سهم جَمْع أو مثل سهم جَمْع”.
نعم، هذا الأثر رواه مالك في الموطأ موقوفاً على أبي أيوب رضي الله عنه ورحمة. وقد جاء عند أبي داود مرفوعاً بنفس الطريق من طريق عفيف بن عمرو السهمي عن رجل من بني أسد عن أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “من صنع ذلك فإن له سهم جمع” إلى آخر الحديث. وقد رواه أبو داود من طريق بكير بن عبد الله الأشج شيخ شيخ مالك. وأما مالك فقد رواه موقوفاً. وقد ذكر الطبراني في المعجم الأوسط أن بكيراً قد تفرد برفعه. معنى ذلك أن الذي رفعه إنما هو بكير وعامة الرواة مالك وربما وافقه غيره لم يرفعوه، فهذا إشارة من الطبراني في المعجم أن وقفه أولى. هذا الحديث فيه أن أبا أيوب قال: “نعم”، أي: إذا أتيت المسجد فوجدت الإمام يصلي فصلِّ معه. المراد بـ “الإمام” هنا كما ذكرت لكم الإمام الراتب لا مطلق الأئمة، فإن بعض المساجد يكون فيها جماعات متتابعة أو أن يكون المسجد لا راتب له كمساجد الطُرق والأسواق فلا يكون له إمام راتب. فالمراد هنا بـ “الإمام” العَهْدِيّة أي الإمام الراتب للمسجد. وهذا يدل على فضل وخصوص وخصوص الجماعة التي مع الإمام الراتب ببعض الأحكام منها هذا الحكم. نعم. نعم. إذا أتيت المسجد فوجدت الإمام يصلي فصلِّ معه، فإن من صنع ذلك كان له سهم جَمْع، هكذا جاءت الرواية بالإضافة “سهم جَمْع” قال: “أو مثل سهم جَمْع” على سبيل الإضافة. قلت: هكذا جاءت الرواية لأن بعض المتأخرين قال: يحتمل أنه صفة، فيكون سهم جَمْع. ومعنى “سهم جَمْع” قيل: إن المراد بـ “الجَمْع” هو الجيش. كما قال الله عز عز وجل: (سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ)، وهو الجيش. وقال جل وعلا: (فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ)، فيكون معنى قوله: “فإن له سهم جَمْع” أي مثل سهم الغانم المجاهد الغازي في سبيل الله عز وجل. هذا قول، وهذا القول ذكره بعض الشراح. وجاء عن بعض أهل العلم وهو عبد الله بن وهب المصري تلميذ الإمام مالك أن معنى قوله: “سهم جَمْع” أي سهم مجموع، فيكون حينئذٍ قد ضوعف أجره، فأجر أجرين. وهذا التفسير هو الذي حدى بعض المتأخرين يقول: إنه يحتمل أن يكون على سبيل الصفة، فيكون سهم أي مجموع له ضعفان. والتوجيه الثاني مال إليه ابن عبد البر وقال: “هو أوجه وأشبه من تفسير غيره”.
نعم. أحسن الله إليك. قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن نافع أن عبد الله ابن عمر رضي الله عنه كان يقول: “من صلى المغرب والصبح ثم أدركهما مع الإمام فلا يُعِدُّ لهما”.
نعم. فقال مالك: “ولا أرى بأساً أن يصلي مع الإمام من كان صلى في بيته إلا المغرب، فإنه إذا أعادها صارت شفعاً”.
نعم، هذه المسألة متعلقة مسألة من صلى صلاة في بيته ثم أراد أن يصلي مع الإمام ودخل ووجد الإمام الراتب هل هذا في الصلوات الخمس أم لا؟ مر معنا أن ظاهر الحديث والأحاديث المتقدمة العموم. ولكن الحديث الذي نقله مالك عن ابن عمر يخصِّص صلاتين. فقال: “من من صلى المغرب والصبح ثم أدركهما مع الإمام فلا يُعِدُّ لهما” أي فلا يصلي مع الإمام هاتين الصلاتين. وقول ابن عمر رضي الله عنه ورحمة استثنى صلاة من الصلوات الخمس فلا تُصلَّى. وبناءً على ذلك فقد أخذ بقول ابن عمر الأوزاعي، أبو عمر الأوزاعي البيروتي أحد علماء المسلمين الكبار رحمه الله تعالى وأئمتهم ولا شك. فقال: إنه تُعاد الصلاة لمن حضر المسجد مع الإمام الراتب ما عدا هاتين الصلاتين. هذا قول. وأما مالك فإنه لم يستثنِ إلا صلاة المغرب فقط كما قرأ القارئ قبل قليل فقال مالك: “ولا أرى بأساً أن يصلي مع الإمام من كان صلى في بيته إلا المغرب” وعلّل ذلك بتعليل سأذكره بعد قليل. فأخذ بقول ابن عمر في المغرب فقط ولم يأخذ بقوله في صلاة الصبح. وسبب ذلك أن صلاة الصبح ورد فيها حديث خاص وهو حديث يزيد ابن الأسود في صلاة الصبح خاصة، فقد ورد حديث مرفوع للنبي صلى الله عليه وسلم في أن من دخل المسجد في صلاة الصبح فتُصلَّى مع الإمام. فحينئذٍ قدّم مالك الحديث على قول ابن عمر. وقول مالك هذا وافق عليه أحمد. فإن أحمد ومالك اتفقا على أنه لا تُعاد صلاة المغرب لأنها شفع، ولا يُشرع التطوع بشفع، ومر معنا في الدرس الأمس وهو تطوع في النهار أو في الليل عفواً، لأنها وتر، ولا يُتطوع بوتر، وسيأتي بعد قليل. من أهل العلم من أجاز الصلوات الخمس عموماً وهو الشافعي. وحينئذٍ يحتاج لتوجيه كلام ابن عمر وقد وجّهه البيهقي. فذكر أن معنى يقول ابن عمر: “فلا يُعِدُّ لهما” أن معنى قوله: “فلا يُعِدُّ لهما” أي لا يعُدُّهما مفعولتين. فيكون قوله: “فلا يُعِدُّ لهما” أي فلا يعُدُّ لما مضى، فلا يعُدُّهما مفعولتين ويُعيدهما مع الإمام. وهذا فيه تكلف واضح في لغة العرب. ووجّهه البيهقي في الخلافيات كذلك كتاب الخلافيات وجهاً آخر وهو أن معنى قوله: “فلا يُعَدُّ لهما” تُنطق بضم الدال، “فلا يَعْدُو لهما” أو “فلا يُعَدُّ لهما” على سبيل الوجوب. يحتمل أنه من باب العَدْوِ أو على سبيل الوجوب والحتم. وهذا أيضاً واما الاختيار فله أن يرجع ولا يجب عليه أن يصلي معه. أيضاً فيه تكلف، لأن واضح أن النهي إنما هو نهي عن الفعل. وأما أبو حنيفة فإنه أخذ بأثر ابن عمر ولكنه قاس على الفجر العصر. فقال: إن ما بعد الفجر وقت نهي، والعصر كذلك، فقاس بالرأي العصر. وألحق به العصر ولذلك فإن أبا حنيفة كما ذكرت لكم قبل حديث أو حديثين يرى أن هذا خاص بصلاتين. وأما من تمسك بأثر ابن عمر والحديث وهو قول مالك وأحمد فله وجاهة قوية ولا شك.
نعم. قال رحمه الله: العمل في صلاة الجماعة.
قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إذا صلى أحدكم للناس فليُخَفِّف، فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير. وإذا صلى أحدكم لنفسه فليُطَوِّل ما يشاء”.
نعم. التبويب الإمام مالك بقوله: العمل في صلاة الجماعة يعني بعض الأحكام المتعلقة بصلاة الجماعة. أول حديث يتعلق بإطالة الصلاة وقصرها روى فيه حديث أبي هريرة قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا صلى أحدكم للناس” أي صلى إماماً بالناس، فلما أضاف إليهم فالإضافة هنا تقتضي التقديم عليهم بالإمامة. قال: “فليخفف”. قوله: “فليخفف” قالوا: يكون التخفيف مع الإتمام ولا يكون تخفيف بلا إتمام. وبناءً على ذلك فإن التخفيف من غير فعل الحد المجزئ لا يجوز. وإنما صورة التخفيف ألا يقتصر على الحد المجزئ بل يزيد على المجزئ، ولكن لا يصل إلى صفة الكمال المستحب. إذاً عندنا صفة كمال وعندنا صفة إجزاء. عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: “فليخفف” أي فليكن بين صفة الإجزاء وبين صفة الكمال، فيكون بينهما. وهذا أدق الأقوال في ضبط معنى التخفيف. إذاً لا تصل للكمال، ولذلك العلماء تكلموا عن الكمال في عدد التسبيحات، وتكلموا في الكمال في القيام وفي الجلسة بين السجدتين، وتكلموا عن الإجزاء. فالتخفيف يكون بينهما، وما بينهما يختلف من وقت لآخر. ولذلك قال العلماء: أقرب ما فيه حديث عثمان ابن العاص رضي الله عنه حينما قال له النبي صلى الله عليه وسلم والحديث عند أبي داود والنسائي وغيره من أهل السنن: “أنت إمام قومك فليقتدِ بأضعفهم”. فحينئذٍ يكون التخفيف باعتبار من وراءه. وفي كل الأحوال لا يبلغ الكمال، وإنما يأتي دون الكمال. فإن كان الذين خلفه أقوياء وليس عندهم شُغل فأتى بأعلى ما يكون أقرب إلى الكمال، وإلا فلْيَأْخذ أدنى ما يكون أقرب إلى الإجزاء وهكذا. وهذا قول الفقهاء في ضبط هذه المسألة وهو من أدق الأقوال في المسألة.
ثانياً: قول النبي صلى الله عليه وسلم: “فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير”. هذا من باب التعليم. تعلمون أن من مسالك العِلَّة في الإيماء وبعضها يصير نَصّاً للعِلَّة وهو ترتيب الحكم على الوصف بالفاء. فقوله: “فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير” يدل على أن هذا هو العِلَّة في التخفيف لا أنه غير معلل. فالحكم معلل أي لمصلحة من وراءه. قوله: “السقيم” أي المريض، و”الضعيف” لما عَطَفَ السقيم على الضعيف دل على الفرق بين الضعيف والسقيم. وأن الضعيف المراد به الضعيف خِلْقَة، فإن من الناس من لا يستطيع إطالة القيام ومنهم من لا يستطيع إطالة السجود، وإنما يكتفي على أقل مقدار يناسبه. و”الكبير” أي كبير السن. ثم قال صلى الله عليه وسلم: “وإذا صلى أحدكم لنفسه” هنا صلى لنفسه أي صلى وحده ليس إماماً لغيره. يدل على هذا التفسير ما جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “وإذا صلى أحدكم وحده” وهذا تصريح بهذا. وتعبير النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا صلى أحدكم لنفسه” يشمل إذا صلى لوحده نافلة أو صلى لوحده فريضة، فيستحب في الفريضة والنافلة لمن صلى وحده أن يُطيل. ولذلك قال: “فليُطَوِّل ما شاء” ولم يجعل حداً للطول. فيستحب تطويل صلاة الفريضة والنافلة إلا ما ورد النص في استحباب تخفيفه كركعتي الفجر وتقدمت معنا.
نعم. قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن نافع أن عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما كان إذا وجد الإمام قد صلى بعد الصلاة صلى معه ما أدرك من الصلاة، إن كان قائماً قام، وإن كان قاعداً قعد حتى يقضي الإمام صلاته، ولا يخالفه في شيء منها .
نعم، هذا الأثر عن ابن عمر يدل أن المسبوق إذا دخل مع الإمام يدخل معه في كل أحواله، ولو كان دخوله في وقت لا تُدرك به الركعة، كأن يكون في ركوع كأن يكون في سجود أو أن يكون في جلسة بين السجدتين أو بعد قيام من الركوع. وقد جاء عن بعض السلف إبراهيم النخعي أو من بعض أشياخه أنه عن من أدرك الإمام وهو في سجوده قال: “ادخل معه فإنك لا تدري بأي موضع يغفر لك ذنبك” أو نحو مما جاء عن بعضهم. فالإنسان يُستحب له أن يدخل في الوقت الذي يجد الإمام قد صلى. إذاً هذه المسألة الأولى.
المسألة الثانية: دلنا هذا الأثر على أن الجماعة تُدرك بركعة. فإن ظاهر عموم قول أو ما حُكي عن ابن عمر أنه إذا وجد الإمام قد صلى بعد صلاة سواء كان قد أدرك معه ركعة أو أقل من ركعة فإنه يدخل معه حين ذاك. وهذا قول جمهور أهل العلم أن أن الجماعة تُدرك بإدراك تكبيرة الإحرام ولو لم يُدرك ركعة، ومن أهل العلم من قال لا تُدرك إلا بركعة وربما يأتي لها مناسبة بعد ذلك. وهذا فإن قوله: “وإن كان قاعداً قعد معه” ظاهره ولو كانت ولو كان قعود الإمام في التشهد الأخير من صلاته، فإنه يدخل معه وتُدرك به الجماعة حينذاك. وبناءً على ذلك فإن من قال من أهل العلم أن الجماعة لا تُدرك إلا بتكبيرة لا تُدرك بإدراك ركعة كاملة، قال: يُستثنى من ذلك الإمام الراتب، فإن الإمام الراتب من دخل معه يدخل ولو ولو كان لا تُدرك يعني الجماعة أو ركعة كاملة معه على تفصيل بينهم في هذه المسألة. قوله: “ولا يخالفه في شيء منها” على عدم جواز مسابقة الإمام ولا موافقته ولا التخلف عنه. إذاً ثلاثة أشياء لا يجوز أن تُفعل مع الإمام: مسابقته والتخلف عنه وموافقته، بعضها مكروه وبعضها محرم وبعضها مبطل للصلاة، مبسوط في كتب الفقه.
نعم. أحسن الله إليك. قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن نافع أنه قال: “قمت وراء ابن عمر ابن عمر رضي الله عنهما في صلاة من الصلوات، وليس معه أحد غيري، فخالف عبد الله بيده فجعلني حِذاءه عن يمينه”.
نعم، هذا الحديث فيه أن نافع قال: “قمت وراء ابن عمر”، ومثله قيام ابن عباس رضي الله عنه يعني يسار النبي صلى الله عليه وسلم. قال: “قمت وراء ابن عمر في صلاة من الصلوات وليس معه أحد غيري”. هنا كان منفرداً خلف الصف. فخالف عبد الله بيده، خالف يعني أشار بيده أو نحو ذلك. فجعلني حِذاءه عن يمينه. هذا الحديث أو هذا الأثر عن ابن عمر استدل به أصحاب الإمام مالك على أن صلاة الفذ خلف الصف لا لا تبطل، وإنما تُكره صلاة الفذ خلف الصف. تُكره، وترتفع الكراهة حينما لا يجد المصلي خلف الصف مدخلاً له في الصف، فيصبح مباحاً غير مكروه لعدم القدرة. وذهب المحققون من أهل العلم وهو قول أحمد وجمع بالكثير من أهل العلم أن الصلاة خلف الصف لا تصح بل هي باطلة، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا صلاة لفذ خلف الصف”. ومعلوم عندنا أن النفي يتجه لنفي الصحة و أنه لا إجمال في الحديث، ويحتاج لتقدير نفي كمال ونحوه. ومر معنى ذلك في درس الأصول. ومما يدل على ما قررت لك أنه نفي للصحة أنه جاء في بعض ألفاظ الحديث عند أحمد في المسند أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من صلى خلف الصف أن يعيد صلاته، ولا يُؤمر بالإعادة إلا لبطلانها. ولكن لأهل العلم قولان فيمن لم يجد مدخلاً في الصف، هل تبطل صلاته أم لا؟ فالمعتمد عند أصحاب أحمد أن صلاته باطلة اطلاقاً لحديث “لا صلاة لفذ خلف الصف”، سواء وجد مدخلاً في الصف أو لم يجد. واختار بعض أصحاب أحمد وهو الشيخ تقي الدين أنها تصح وأخذها من قول مالك في نفي الكراهة. والآثار التي جاءت عن مالك في ذلك. وأما أثر عمر فإنهم يقولون: إن من من أبطل صلاة الفذ خلف الصف فيقولون: “إن من افتتح الصلاة فذاً ثم دخل مع الإمام قبل أن يرفع من الركوع صحت صلاته” دخل أي كان بجانب أو دخل معه في الصف شخص قبل أن يرفع من الركوع صحت صلاته. وهذا يدل على أن أثر ابن نافع وفعل ابن عمر معه لا يدل على بطلان الصلاة بباطل الصلاة كما أن الصلاة على يسار الصف ما لم يدخل في الركوع والحركة اليسيرة لا تبطله.
هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: ما يتعلق للمناسبة في حديث ابن عباس المتقدم الوقوف على يسار الإمام. كما أنهم استدلوا أصحاب مالك بأن بهذا الأثر لما كان خلف الصف لا تبطل صلاته قالوا: فكذلك في قصة ابن عباس لما كان على يسار النبي صلى الله عليه وسلم ثم نقله عن يمينه فإن ان الوقوف عن يسار الإمام مكروه ولا يُبطل الصلاة. ولكن ظاهر الحديث حينما نقل النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس ومثله جاء في حديث جابر وغيره يدل على وجوب في اليمين، وأن صلاة الفذ أو الأكثر عن اليسار دون أن يكون عن يمين صف مُصَلٍّ يدل على البطلان. ولذلك فإن بعض أصحاب الإمام مالك لما وقفوا على هذه الأحاديث ومنهم الشيخ أبو الحسن اللخمي صاحب التبصرة قال: “الأحسن هو ما يقتضي وهو الذي يقتضيه قول مالك في كتاب عبد الملك بن حبيب أن الصلاة على يسار المنفرد أو الأكثر على يسار دون أن يكون عن يمينه أحد لا تصح”. قال: “وهو أحسن من قول مالك في المدونة“. وقول مالك في المدونة هو الذي مشى عليه المتأخرون وسيأتينا يوم في حديث لما قدّم كلام مالك المدونة على غيره إن شاء الله في يوم ما. نعم. ذهب لقول أحمد وغيره في قضية أنها لا تصح. واللخمي يستدل بالأحاديث كثيراً عليه رحمة الله، أبو الحسن. نعم. أحسن الله إليك. وتعرفون كلامه؟ لما حتى قال بعضهم: “مزّق مذهب مالك”.
سأُشرع معه. قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن يحيى ابن سعيد أن رجلاً كان يؤم ناساً بالعَقِيق، فأرسل إليه عمر بن عبد العزيز رحمه الله فنهاه، وإنما كان نهاه لأنه كان لا يُعرَف أبوه .
نعم، هذا الرجل الذي كان يصلي بالناس كان لا يُعرَف أبوه في ظنهم. عدم معرفة أبيه ليس لكونه مجهول النسب، وإنما لكونه مقطوع النسب. فهنا كُنِّيَ بكونه لا يُعرَف أبوه وليست حقيقة، لأن الحقيقة يدخل فيها المجهول الذي لا يُعرَف أبوه بأن يكون لقيطاً. وأما الذي أرادوه هنا هو الذي قُطِعَ نَسَبُهُ بأن كان ابن زنا. إذاً عندنا اثنان فرق بينهما: مجهول النسب ومقطوع النسب. مقطوع النسب هو ابن الزنا، قد يُعرَف أبوه أو لا يُعرَف أبوه، لكن يُعرَف سبب الولادة أنه زنا. وأما مجهول النسب فهو الذي لا يُعرَف أبوه ولا يُعرَف سبب الولادة أهو مُحَرَّم أم مباح؟ مثل اللقطاء. فاللقطاء مجهولو النسب وابن الزنا مقطوع نسب. هنا كُنِّيَ بذلك وقد صرّح ابن عبد البر أن هذا كناية كالتصريح بأنه ولد زنا. ولذلك الخلاف بين أهل العلم ليس في مجهول النسب، وهذه مهمة، وإنما بين أهل العلم سأذكره بعد قليل إنما هو في مقطوع النسب، وهو ابن الزنا الذي عُرِفَ سبب ولادته، وأنه زنا فقطع الله نسبه. فلا يُنسب لمن زنا بأمه. وقد جاء في الحديث: “الولد للفراش وللعاهر الحجر”.
هذا الأثر استدل به جمع من أهل العلم كمالك وغيره على الإمامة. إمامة ولد الزنا للناس. فأما مالك فقد كره ولد الزنا إذا كان إماماً راتباً فقط، وأما في غيرها من الصلوات فلا يُكره الإمامة فيها إذا لم يكن راتباً. وأما الشافعي فقد كرهه مطلقاً. وكثير من فقهاء الحديث كأحمد وإسحاق وغيرهم يقولون: إن إمامة ولد الزنا صحيحة وليست مكروهة. وهو قريب من مذهب أبي حنيفة حينما قال: “إمامة غيره أحب إليه”، فلم يصرّح بالكراهة وإنما قال: “أحب إليه” فجعله من باب الأولى. وسبب كراهة مالك وغيره كما قال ابن المزيَّن، وابن المزيَّن له كتاب في فقه الموطأ. ابن المزيَّن ذكر أن كراهة مالك لذلك ليس لشخصه، وإنما لأن لا يؤذى ذلك الرجل. فقد فإن من أمّ الناس في صلاة أو تقدم عندهم يكثر حديث الناس فيه وينظرون في نسبه بخلاف من كان مغموراً لا يُعرَف. فإن المغمور قد يُنسى ذلك فيأتي أبناؤه أو أبناء بنيه فلا يُعرَف ذلك فيهم ولا يؤذى بالكلام فيه. وهذا التعليل ذكره ابن المزيَّن حقيقة من أجمل التعليل، فيكون كراهة مالك لمصلحة الإمام، لمصلحته وليس لأجل الناس. لأن بعضهم قال: لكي لا يكره الناس تقدم هذا الرجل عليه ونحو ذلك.
نعم. أحسن الله. قال رحمه الله تعالى: باب صلاة الإمام وهو جالس.
قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها أنها قالت: “صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته وهو جالس وصلى وراءه قوم قياماً، فأشار إليهم أن اجلسوا. فلما انصرف قال: “إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً”.
نعم، هذا الحديث حديث عائشة: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في بيته وهو جالس وصلى وراءه قوم قياماً. أولاً: صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في بيته وهو جالس كان لعذر. فقد جاء في رواية قُتيبة سعيد وهو في الطبقة الأولى من رواة عن مالك عن مالك في هذا الحديث قال: “وهو شاكٍ”. فصلى النبي صلى الله عليه وسلم وصلى الناس وراءه قياماً. فدل ذلك على أن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في بيته كان وهو جالس. هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: قوله قولها رضي الله عنها: “فأشار إليهم أن اجلسوا” أي اجلسوا وراءه وسيأتي فقهها، لكن يهمنا في الإشارة. فدل ذلك على أن الإشارة اليسيرة لا تبطل الصلاة، والحركة اليسيرة لا تبطلها. فلما انصرف قال: “إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع فارفعوا” إلى آخر الحديث. هذا الحديث في الحقيقة أصل بل قد يكون هو الأصل في أحكام الائتمام وكثير من الأحكام تتفرع عنه. وقد ذكر بعض شراح الحديث من هذا الحديث برواياته المختلفة، فقد جاء من حديث عائشة ومن حديث ثوبان ومن حديث غيرهم رضي الله عن الجميع، ومن حديث عبد الرحمن بن عوف ومن حديث غيرهم رضي الله عن الجميع استُخرِج منه أكثر من خمسين حكماً فقهياً. وهو كذلك بل قد يُستخرج ضعف ذلك. ولكن محل الشاهد في قول النبي صلى الله عليه وسلم محل شاهَدِ تبويب مالك قوله عليه الصلاة والسلام: “وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً”.
نعم. وسيأتي فقهه. أحسن الله إليك. قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن أنس ابن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب ركب فرساً فصُرِعَ عنه فَجُحِشَ شِقُّه الأيمن، فصلى صلاة من الصلوات قاعداً، فصلينا وراءه قعوداً. فلما انصرف قال: “إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا ركعوا وإذا رفع فارفعوا، وإذا قال: “سمع الله لمن حمده” فقولوا: “ربنا ولك الحمد”، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون”.
نعم، هذا الحديث كما ذكرت فيه بيان أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما جلس لما شكى، فإنه قد جُحِشَ شِقُّه الأيمن، جاء في بعض الألفاظ أنها ساقه أي اليمنى هي التي جُحِشَت أي جُرِحَت. فصلى قاعداً فصلى الصحابة خلفه قعوداً ثم قال: “إنما جُعِلَ الإمام ليؤتم به”. “فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً، وإذا ركع فاركعوا”، الفاء للتعقيب، فدلت على التعقيب وعدم جواز التقدّم ولا الموافقة ولا التراخي الزائد والتأخر، وإنما المقصود المتابعة. قال: “وإذا رفع فارفعوا” فدل على أن الركوع والرفع أركان. “وإذا قال: “سمع الله لمن حمده” فقولوا: “ربنا ولك الحمد””. أخذ منها أهل العلم أن المأموم لا يسمِّع وإنما يَحمَد، وهذا قول الجمهور. واستدل من خالف في ذلك صَحِب الشافعي برواية غير ثابتة مُعَلَّة: “وإذا قال: “سمع الله لمن حمده” فقولوا: “سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد””، لكنها غير صحيحة. وبعضهم يقول: مُعَادة الجملة الأولى في الثانية، ولكن الجمهور يكون ولا يكبر ولا يسمِّع فيقول: “ربنا ولك الحمد”. قال: “وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون”.
هذا الحديث ذهب مالك والشافعي إلى أن هذين الحديثين منسوخان بالحديث الذي بعده. فذهب أن قول إلى أن قول النبي عليه الصلاة والسلام: “إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون” منسوخ. ووجه نسخه أن النبي صلى الله عليه وسلم سيأتي بعد قليل صلى بالناس في مرضه الذي مات فيه جالساً، والناس يصلون خلفه قياماً غير جلوس. ولولا أنه منسوخ لما صاروا إلى إلى ذلك الفعل ولجلسوا كما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث. ولكن قال جمع من فقهاء الحديث المتقدمين والمتأخرين ومنهم أحمد وغيرهم رحمة الله عليهم: “إن الإمام إذا كان راتباً” هذا الشرط الأول، و”الشرط الثاني: أن يكون الإمام عاجزاً عن القيام لعلة يُرجَى زوالها والبُرء منها، فإنه يصلي المأموم خلفه جالساً نَدباً”. إذاً فأحمد يقول: إن الحديث ليس بمنسوخ. وهذا هو الصواب: أن نُقلِّل الأحاديث المنسوخة إلا أن يَرِدَ النص الصريح أو الدلالة القوية على النسخ. فحينئذٍ أحمد قيد الحديث بقيدين: أن يكون العلة يُرجَى زوال برئها أو بثلاثة قيود. الأول: أن يكون عاجزاً عن القيام فقط. والأمر الثاني: أن تكون العلة يُرجَى زوالها عن قريب يعني. والأمر الثالث: أن يكون الإمام راتباً. وكل هذه القيود الثلاثة مأخوذة من الحديث.
الأمر الثاني: أن قوله: “فصلوا” حَمَلَهُ على النَدْب. لِما سيأتي في حديث أبي بكر الذي بعده وسننتبه له بعد قليل أو سأشير إليه بعد قليل. تفضل. أحسن الله إليك. قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن هشام ابن عروة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في مرضه فأتى أبا بكر وهو قائم يصلي بالناس، فاستأخر أبو بكر رضي الله عنه، فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن كما أنت. فجلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى جَنْب أبي بكر رضي الله عنه، فكان أبو بكر رضي الله عنه يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس والناس يصلون بصلاة أبي بكر رضي الله عنه .
نعم، هذا الحديث حديث مالك عن هشام بن عروة عن أبيه هذا مُرْسَل عن النبي صلى الله عليه وسلم. وذكر أبو العباس الداني في الإيماء أن مالكاً أرسله، ولكنه رُوِيَ من وجه آخر مُسنداً من طريق عروة وغيره للنبي صلى الله عليه وسلم. قال: “خرج في مرضه فأتى أبا بكر وهو قائم يصلي بالناس”. إذاً الذي افتتح التكبير بالناس هو أبو بكر. ثم خرج النبي صلى الله عليه وسلم. فاستأخر أبو بكر فأشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن كما أنت. فجلس النبي صلى الله عليه وسلم إلى جَنْب أبي بكر، فكان النبي على يسار أبي بكر، وأبو بكر رضي الله عنه عن يمينه. فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر. هذه المسألة ينبني عليها أمور.
الأمر الأول: وهو من الذي كان يصلي بالناس تلك الصلاة؟ قبل أن نأخذ فقه هذا الحديث. هذه المسألة طال فيها الحديث. وأصحاب مالك يقولون: كلا الأمرين مُحتَمَل. وأخذوا من الأمر الأول كون أبي بكر هو الذي صلى بالناس أحكاماً، وأخذوا من الثاني أحكاماً سأذكرها بعد قليل. وقد ألّف ابن الجوزي كتاباً سماه: آفة أهل الحديث في الرد على ابن مُغيث أو على الرد على عبد المغيث، ذكر فيه الخلاف ورجّح وهو المعتمد عند أصحاب أحمد أن الذي صلى بالناس هو النبي عليه الصلاة والسلام، وأبو بكر وأبو بكر مؤتم به، والناس يأتمّون بأبي بكر. فيكون أبو بكر مُبَلِّغ كحال المُبَلِّغين عندنا هنا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد من اللطائف فإن ابن الجوزي قال: “إنه شرف لي أن يكون أبو بكر هو الإمام”، لأن ابن الجوزي ينتسب لأبي بكر، قال: “ولكني أردت أن أقول ما دلت عليه الأدلة أن النبي هو الذي كان يأمر بالناس”، وهذا للذكر. وهذه المسألة يترتب عليها أحكام.
الحكم الأول فيما يتعلق يترتب على هذا القول ما هو الأقرب لمذهب مالك؟ نقل ابن القاسم أن مالكاً قال: “العمل عندنا على حديث ربيعة بن عبد الرحمن أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى لصلاة أبي بكر”. نقل ابن القاسم أن مالكاً يميل أن النبي هو الذي صلى أن النبي هو أن أبا بكر هو الذي صلى إماماً والنبي مأموم خلفه. وبناءً على ذلك قال: “يصح صلاة الفذ عن يسار الإمام ولو لم يك عن يمينه أحد”، تكلمنا عن المسألة قبل قليل. ومن استدلالاته صلاة النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا الاستدلال لا يرد على قول من قال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم يعني أنا هو الإمام. ذكر ابن يونس في كتابه الجامع المسمى بـ المصحف تقوية لقول مالك؟ قال: “إن عمل أهل المدينة أثبتوا من أخبار الآحاد”. وبناءً على ذلك لما كان ربيعة ذكر قول أهل مالك فحينئذٍ نقول: هو أقوى مما جاء في الحديث حديث عروة ورُويَ مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم: “فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله”. فابن يونس يقول: يُقدَّم عمل أهل المدينة في تفسير الحديث. وهذا فيه نظر حتى على أصول مذهب مالك. قال: ثم قال ابن يونس: “ويؤيد ذلك أن أبا بكر كان يعني هو الذي كان الإمام قول النبي صلى الله عليه وسلم: “ما مات نبي قط حتى يؤمه رجل من أمته””. نقول: هذا صحيح، لكن أبا بكر أمَّ النبي وعبد الرحمن أمَّ النبي قبل هذه الواقعة، لا يلزم أن تكون هذه هي الواقعة. وممن جمع بين القولين أبو العباس الداني جمعاً لطيفاً. فقال: “إن النبي صلى أكثر من صلاة، فمرة أمّه أبو بكر ومرة هو الذي أمّ الناس”. ولكن في الحكم بأن بأنها واقعتين بناءً على أن النبي صلى الله عليه وسلم مرض بضعة عشر يوماً فيه تكلف. وذكرت لكم أن الأقرب ما ذكرت.
يؤخذ من هذا الحديث أحكام لضيق الوقت. مالك رحمه الله تعالى كان يرى أن إمامة المعذور العاجز عن القيام للصحيح لا تصح مطلقاً. بناءً على ذلك فقد ذكر أن هذا الحديث إما أن يكون خاصاً بالنبي صلى الله عليه وسلم دون من عداه، أو أنه منسوخ. قيل: ما المنسوخ؟ قال: “عمل الصحابة بعده”. وأُجيب عن ذلك بأن عمل الصحابة والخلفاء لا لا ينسخ. وقد كان هذا من آخر أفعال النبي صلى الله عليه وسلم أو مُؤَوَّل بأنه كان كما ذكر ربيعة وعمل عليه مالك أو مال إليه مالك أن الإمام إنما كان أبو بكر والنبي صلى الله عليه وسلم يؤتم به. وقلت لكم قول أحمد أنه لا تصح إمامة العاجز للقائم إلا بثلاثة قيود: أن يكون إماماً راتباً، والنبي وُجِدَ فيه ذلك، وأن يكون يُرجَى زوال عِلَّتِهِ عن قرب، والأمر الثالث: أن يكون أن يكون يُرجَى زوال عِلَّتِهِ وأن يكون إماماً راتباً وأن يكون عاجزاً عن قيام دون ما عداه.
نعم تفضل شيخ. أحسن الله إليك. قال رحمه الله تعالى: باب صلاة القاعد في النافلة.
قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن السائب ابن يزيد عن المطلب ابن أبي وَدَاعة السَّهْمِي عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها أنها قالت: “ما رأيت رسول الله أي صلى الله عليه وسلم يصلي في قاعداً قط حتى كان قبل وفاته بعام، فكان يصلي في سُبْحَتِه قاعداً، ويقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول من أطول منها”.
نعم، هذا الحديث هو حفصة قالت: “ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في سُبْحَتِه قاعداً قط”. السُّبْحَة المراد بها الصلاة، لأنها مأخوذة من التسبيح. والمراد بالتسبيح ليس اللفظ لفظة “سبحان الله”، بل إن الحمد يُسمى تسبيحاً، لأن كل ذكر لله عز وجل هو كذلك. وتسمية الصلاة بالسُّبْحَة يدل على أن الذكر فيها واجب. والذكر واجب فإن التكبير وقراءة الفاتحة أركان فيها. ولذا سُمِّيَت الصلاة باسم أبعاضها. وإذا سُمِّيَ الكل باسم بعضه دل على أن ذلك البعض ركن فيه. والأصل أن السُّبْحَة تطلق على كل صلاة سواء كانت فريضة أو نافلة، ولكن سياق الحديث دل على أن المراد بها النافلة دون الفريضة. إذاً فقول حفصة: “يصلي في سُبْحَتِه” هذا من باب إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاص أي الصلاة النافلة، لا في مطلق الصلاة. قالت: “حتى كان قبل وفاته بعام” وفي بعض ألفاظ الحديث: “أو بعامين”. “فكان يصلي في سُبْحَتِه قاعداً” أي في نافلته، فُسِّرَت السُّبْحَة بالأحاديث الأخرى. قالت: “ويقرأ بالسورة فيرتلها”. هذا يدلنا على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في النافلة يرتل القرآن ترتيلاً، ويوافق ذلك لقول الله عز وجل: (وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً)، وهذا من باب الأمر يخص به النبي ويعم به أمته. فدل ذلك على أن الأفضل قراءة الترتيل أكثر من قراءة الهَذّ. ومر معنا في درس آخر أنواع قراءات القرآن التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم التي ذكرها ابن البَنّا وهي ثلاثة وأربعة: الهذّ والترتيل والترجيع وذكر غيرها أيضاً من الأوجه. أفضلها الترتيل وخاصة في الصلاة، في الصلاة أفضلها الترتيل. قالت: “حتى تكون أطول من أطول منها” يعني حتى يكون أطول من سورة طويلة من أطول مما يقرأها إذا لم يرتلها. هذا معنى قولها: “أطول” أي من سورة أطول منها إذا لم ترتل.
نعم. قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها أخبرته أنها لم ترَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل قاعداً حتى أسَنَّ، فكان يقرأ قاعداً حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحواً من ثلاثين أو أربعين آية ثم يركع .
نعم، هذا الحديث فيه تفسير لأن السُّبْحَة إنما هي في النافلة دون الفريضة. قالت عائشة: “حتى إذا” عليه الصلاة والسلام “فكان يقرأ قاعداً حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحواً من ثلاثين أو أربعين آية ثم ركع” صلوات الله وسلامه عليه. هذا الحديث فيه من الفقه أولاً: أنه يجوز أن تُصلَّى جالساً وهذا تقدم لتبويب مالك. والأمر الثاني فيه: أنه يجوز أن المصلي يقوم في بعض القيام ويجلس في بعضه. فيجوز تبعيض القيام والجلوس في بعضه؛ لأن النبي كان يجلس بعضه ويقوم في بعضه. ومن ذلك يدل هذا الحديث على أنه يصح أن يفتتح قائماً ثم يجلس وهكذا. ولم يخالف في هذه المسألة إلا صاحبا أبي حنيفة محمد وأبو يوسف، فإنهما ذكرا أن من افتتح الصلاة قائماً فليس له أن يجلس إلا أن تَرِدَ عليه ضرورة، أما من غير ضرورة فلا. هنا مسألة قد يخطئ فيها البعض. عندما نقول: إنه يجوز لغير الضرورة والحاجة أن يصلي النافلة جالساً، معنى ذلك أنه يسقط القيام. وأما الركوع والسجود فما دام قادراً عليهما فلا يومئ بهما، إذ الإيماء بالركوع والسجود إنما يكون في موضعين: عند العجز عنهما كالمرض كما جاء حديث جابر، وعند السفر. وأما من تنفّل قاعداً فإنما يسقط عنه القيام فقط دون ما عداه من الركوع والسجود وغيره.
نعم. قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن عبد الله بن يزيد وأبي النضر عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي جالساً فيقرأ وهو جالس. فإذا بقي من قراءته فإذا بقي من قراءته قَدْرَ ما يكون ثلاثين أو أربعين آية، قام فقرأها وهو قائم ثم ركع ثم سجد، ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك .
نعم، هذا قولها: “كان يصلي” أي يصلي النافلة. ومحل ذلك ما فسره الحديث الذي قبله، وهو أن ذلك كان قبل وفاته صلوات الله وسلامه عليه بعام.
نعم. قال: حدثنا قعنبي عن مالك أنه بلغه عن عروة ابن الزبير وسعيد ابن المسيب أنهما كانا يصليان وهما مُحْتَبِيَانِ في النافلة .
نعم. صلاة الجالس لمن أُذن له بالصلاة جالساً، إما حال النافلة أو لكونه معذوراً في حديث عمران: “صلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً”. فما هي صفة الجلوس؟ نقول: جاء الحديث مطلقاً في الجلوس. فكل ما يسمى جلوساً فإنه يصدق عليه ذلك، وقد صرّح بعض أصحاب مالك بذلك. فقد ذكر ابن العربي أن الجلوس في الصلاة ليس له صفة مخصوصة لا يجزئ إلا على تلك الصفة. قال: “بل يجزئ على كم صفة، سواء كان مُحْتَبِياً أو كان مُتَرَبِّعاً أو كان مُوَرِّكاً أو غير ذلك”. وبناءً على ذلك فقد قال الفقهاء: إن جميع الصور جائزة. وما أفضل الصور؟ ذهب بعض محققي أصحاب مالك وهو مذهب أحمد، أن أفضل الصيغ مما ذهب من أصحاب مالك الإمام الجليل القاضي عبد الوهاب ابن نصر البغدادي رحمه الله تعالى أن أفضل صيغ الجلوس في الصلاة للمعذور وغيره إذا جلس حال القيام أن يجلس مُتَرَبِّعاً. وهو كذلك فإن هذا هو الوارد عن الصحابة رضوان الله عليهم ابن مسعود وغيره. وقد فُسِّرَ ذلك في أكثر من خبر عنهم رضوان الله عليهم. فأفضل الصيغ أفضل الصفات، أفضل صفات الجلوس هو التَّرَبُّع وهو الذي ورد به الخبر كما نقلت لكم ونص أحمد على تفضيله والقاضي عبد الوهاب. بقي عندنا ما جاء عن عروة وسعيد ابن المسيب أنهما كانا يَحْتَبِيان. هل احتباؤهما؟ تعرفون الاحتباء هو ضم الفخذين إلى البطن وجمعهما باليدين ونحوهما. هل يدل على أن فعلهما في الاحتباء يدل على تقصيرهما لهذه الصيغة؟ نقول: لا ليس كذلك. فقد ذكر الشراح أن فعل هذين الفقيهين من فقهاء المدينة لا يدل على اختيارهما للاحتباء وتقديمه على التَّرَبُّع. وإنما يدل ذلك على جوازه. وإنما ذلك تكرر منهما لعِلَّة، إما لتعب. فتعلمون أن التَّرَبُّع بالظهر قد يحتبِي المرء لراحة ظهره ونحو ذلك لراحة ظهره ونحو ذلك. فالمقصود إذاً أن هذا لا يدل على تفضيل التَّرَبُّع ولم يفهم أصحاب مالك ذلك وفقهاء الحديث كما ذكرت لك على أن الأفضل التَّرَبُّع للاحتباء ويجوز الاحتباء ويجوز التَّوَرُّك ويجوز الافتراش وكل ما يسمى جلوساً يجوز إذا وجد ما يبيح ذلك إما أن يكون نافلة أو أن يكون أو أن يكون يعني عذراً. أما الجلسة بين السجدتين فلا شك أن الأفضل فيها الافتراش؛ لأنها توافق هيئة المفترِش.
نعم. تفضل. قال رحمه الله: ما بين صلاة القائم والقاعد.
قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن إسماعيل ابن محمد مولى لعمرو بن العاص أو لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “صلاة أحدكم وهو قاعد مثل نصف صلاته وهو قائم”.
نعم. هذا الحديث بوّب عليه مالك بقوله: ما بين صلاة القائم والقاعد أي في الأجر. رواه مالك عن إسماعيل ابن محمد النسخة التي بين أيدينا: “عن إسماعيل ابن محمد مولى لعمرو بن العاص”. وهذا غير صحيح لأن إسماعيل ابن محمد هو شيخ لمالك وهو يُعرَف نسبه. فإسماعيل ابن محمد هو إسماعيل ابن محمد ابن سعد ابن أبي وقاص، وليس مولى لعمرو ابن العاص ولا لعبد الله ابن عمرو ابن العاص. فالحديث فيه سقط وصوابه: “عن إسماعيل ابن محمد عن مولى لعمرو بن العاص أو مولى لعبد الله بن عمرو بن العاص”. وهذا قطْعٌ، فإن هذا الحديث رواه من طريق القعنبي الجوهري في المسند الموطأ. ورواه كذلك إسماعيل ابن إسحاق في كتابه المسند من حديث مالك. رواه من طريق القعنبي بإثبات “عن”. فلا شك أن الرواية بطريق “عن”. ولذلك قال ابن عبد البر في التقصي: “لم يختلف الرواة عن مالك في إسناد هذا الحديث لا خلاف فيه”. إذاً فهذا سقط وخطأ من النسخة الخطية ولا شك فيه وليس اختلافاً في الرواية.
نعم. قال: “عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “صلاة أحدكم وهو قاعد مثل نصف صلاته وهو قائم”. هذا الحديث نصف صلاته أي مثل أجر نصف صلاته. هل هو على عمومه؟ أم أنه مخصوص بمن لا عذر له؟ بعضهم يقول: إنه مخصوص بمن لا عذر له، وأما من له عذر فإن له الأجر التام. والظاهر أنه على عمومه. فكل من صلى قاعداً سواء كان لعذر مرض كما في حديث عمران: “صَلِّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً”، أو صلى في نافلة، فإن له على النصف. والحديث على عمومه وليس وارداً في النفل خاصة. فإن من قال: إنه يُقصد به النفل خاصة يحتاج إلى دليل ولا دليل. لكن نقول: لما كان الأجر على نصف أجر القائم ولو كان لعذر، فإن الله من فضله وكرمه وجوده وإحسانه وتفضله على العباد ونظره برحمته لهذه الأمة الضعيفة أن تمّم لهم الأجور، ومعنا حديث أبي موسى في الصحيح أن العبد إذا مرض أو سافر كُتِبَ له أجر ما كان يعمله صحيحاً مقيماً. وبناءً على ذلك فالذي يُتمَّم له الأجر إذا كان معذوراً هو من اعتاد حال صحته على القيام في النافلة، فإنه يُكتب حينئذٍ له أجر كمال الصحة كمال الأجر إذا كان لعذر وقد اعتاد على القيام. وهكذا يقال مثله أيضاً في الفرائض. وهذا أولى من أن نقول: حديث مخصوص؛ لأن الأصل في الأحاديث هذه طريقة كثير من فقهاء الحديث إلا أن يَرِدَ دليل يدل على التخصيص، والحديث لم يخصص، وإنما تمّم الله عز وجل الأجر بفضل آخر منه فضلاً منه وكرماً.
نعم. الله أحسنت. قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عبد الله ابن عمرو ابن العاص رضي الله عنهما أنه قال: “لما قَدِمْنَا المدينة نالنا وباء من وَعْكِهَا شديد. فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يصلون في سُبْحَتِهِم قعوداً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “صلاة القاعد بنصف صلاة القائم” .
نعم، هذا الحديث فيه لما قَدِمْنَا المدينة نالنا وباء من وَعْكِهَا هكذا تُنطق بفتح الواو وَعْكُها. والوَعْك هو الحُمَّى، يقول أهل اللغة: “إنه لا يكون وَعْك إلا من حُمَّى” أي الحرارة نسميها الآن حرارة هي الحُمَّى هي الحرارة. ولا يُسمى مرض وَعْكاً إلا أن تكون فيه حُمَّى. كل مرض ليس فيه حُمَّى لا يُسمى في لسان العرب وَعْكَة. فدل على أنهم كانوا يعني مَوْعُوكين بِحُمَّى. قال: “فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهم يصلون في سُبْحَتِهِم” أي في صلاتهم قعوداً فذكر الحديث. هذا الحديث يدل على عموم اللفظ. فإنهم كانوا معذورين ومع ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: “صلاة القاعد بنصف صلاة القائم”. فدل ذلك على أنهم كانوا معذورين ومع ذلك بيّن لهم النبي صلى الله عليه وسلم فمن غالب نفسه وقام مع عذره تَمَّمَ له الأجر مع المضاعفة. لأن بعض أهل العلم يقول: الفاعل يُضاعَف له، ومن أُعطي الأجر يكون الأجر بلا مضاعفات. هذا كلام بعضهم ولا ندري عنه يعني أصله؛ لأن هذا من علم الغيب الأجور. وعلى العموم فهذا الحديث يدلنا على مسألة أن الحديث كان على عمومه وقد عُذِرَت بالجلوس، فليس للمرء أن يجلس إلا من عذر يمنعه من القيام: “صلِّ قائماً فإن لم تستطع”. فعبّر النبي صلى الله عليه وسلم بانتفاء الاستطاعة. وللأسف أصبح الناس يتساهلون في ترك القيام. ولنعلم أن العجز عن القيام يتبعض في الصلاة. فمن عجز عن القيام لا يكون عاجزاً عن الركوع والسجود. والبعض يظن إذا عجز عن القيام ترك القيام والركوع والسجود فصلى قاعداً في صلاته كلها، وهذا غير صحيح. وبعض الناس كذلك يكون عاجزاً عن طول القيام وقادر على تكبيرة الإحرام قائماً. فنقول: يجب عليك في مذهب مالك وأحمد أن تُكبِّر تكبيرة الإحرام قائماً؛ لأن لأن القيام في تكبيرة الإحرام شرط لصحتها عنده. فيجب أن تقوم لتكبيرة الإحرام ثم تجلس بعد ذلك إن كنت قادراً على القيام في تكبيرة الإحرام. إذاً فيجب أن يُنتبه لمسألة القيام فليس العذر في ترك القيام في بعض الصلاة يبيح ترك القيام في جميعها. فإنما الصلاة تتبعض في العجز فيها.
نعم. أحسن الله إليك. قال رحمه الله: باب ما جاء في الصلاة الوسطى.
قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن زيد بن أسلم عن عمرو بن رافع قال: “كنت أكتب مُصْحَفاً لحفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها، فقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذِنِّي: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى). فلما بلغتها آذَنْتُهَا، فأملت علي: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَصَلاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ)” .
قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن زيد ابن أسلم عن القعقاع ابن حكيم عن أبي يونس مولى عائشة رضي الله عنها أنه قال: “أمرتني عائشة أن أكتب لها مُصْحَفاً، وقالت: إذا بلغت هذه الآية فآذِنِي: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى). فلما بلغتها آذَنْتُهَا، فأملت علي: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَصَلاةِ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ). ثم قالت عائشة رضي الله عنها: “سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم” .
نعم. نعم. قال: حدثنا قعنبي عن مالك أنه بلغه أن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وعبد الله ابن عباس رضي الله عنه كانا يقولان: “إن الصلاة الوسطى صلاة الصبح”. قال مالك: “وذلك رأيي” .
نعم، هذا في كتاب الله عز وجل. يقول الله عز وجل: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى)، وفي بعض القراءات: “حافظوا على الصلاة الصلاة الوسطى”. تفسير الصلاة الوسطى فيها أقوال لأهل العلم، بعضهم أوصلها إلى خمسة أقوال، وهي الصلوات الخمس، وبعضهم زاد قولاً سادساً كذلك. وأقوى الأقوال قولان حتى قال ابن رجب الله تعالى: “وما عدا هذين القولين لا عبرة به”. أول هذين القولين قول مالك ووافقه الشافعي، وهو قول ابن عباس قبلهما: أن الصلاة الوسطى هي صلاة الفجر. وذهب جمع من الصحابة رضوان الله عليهم واختاره من الأئمة الأربعة أحمد وأبو حنيفة أن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر.
مما استدل به مالك قول ابن عباس، لكن خالفه غيره من الصحابة، لكن نرجع للحديث والآية. هذا الحديث جاء عن حفصة رضي الله عنها وعائشة أنهما قرأتا هذه الآية: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَصَلاةِ الْعَصْرِ). هذا الذي قرأته حفصة وعائشة لأهل العلم قولان: بعضهم يقول: إنها منسوخة تلاوة لا حكماً. وبعضهم يقول: ليست منسوخة التلاوة، وإنما هي أحد الأحرف السبعة. ونعلم وتكلمت عن هذه المسألة قبل درسين أن الأحرف سبعة بعضها موجود في القراءات السبع، وبعضها في آحاد، وبعضها لم يُنقل، إذ الحكم متعلق بالقرآن لا بجميع أحرفه؛ لأن بعضها قد يكون له حكمة من حيث اللهجات وغيرها. وإلا فالمعاني موجودة وتكلمت عن هذه المسألة قبل. وعلى العموم فإن: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى) في قراءة ثالثة: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى صَلاةِ الْعَصْرِ) بدون واو. فقد جاء في صحيح مسلم من حديث البراء رضي الله عنه أنه قال: “نزلت هذه الآية (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ)، فقرأناها ما شاء الله، ثم نزلت (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى)”. إذاً القراءة الأصل التي نُسِخَت صراحة: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ). وليست أنا وُهِمتُ أو أنا استعجلت. إذاً نزلت: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى). حديث البراء يدل على أن القراءة الثانية فُسِّرَت ما المراد بالصلاة الوسطى؟ وهذا جاء فيه حديث صريح من حديث حذيفة وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “شغلوه عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قبورهم ناراً”. وقد ألّف الدمياطي جزءاً كبيراً سماه: كشف المغطى في بيان الصلاة الوسطى، جمع الأثار في الباب والأقوال. والمقصود أن هذه الآية: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ) بالواو استدل بها مالك على أن العصر ليست هي الصلاة الوسطى. وقلنا إن ما عدا القولين السابقين لا يدل ليس عبرة به كما قال ابن رجب، فحينئذٍ العبرة القول الآخر وهو الفجر. لأن الواو يقتضي المغايرة. فأصبح للعصر غير صلاة الوسطى. فالواو هنا للتفصيل والجمع والمغايرة. فدل على الاختلاف. لأن المعطوف غير غير المعطوف عليه. وأما الذين قالوا إن الصلاة الوسطى هي العصر، فوجهوا هذه الآية التي قرأتها حفصة وعائشة بأن العطف قد يكون للتغاير في الذوات، قد يكون العطف للتغاير في الأسماء والصفات. والعطف هنا من باب العطف للتغاير في الأسماء، فيُعطف الشيء على نفسه إذا تغيّر اسمه. وهذا كثير كثير كثير جداً في لسان العرب. فلا نقول: إنها تقتضي المغايرة إلا إذا كانت الذوات. فحينئذٍ نقول: هذا مُوجَّه بذلك. وهذا التوجيه أوجه وأقوى ممن قال: إن الواو زائدة، فإن الواو توجيهها بأنها زائدة ضعيف عند أهل اللغة وعند علماء التفسير فليس في القرآن زائد لا معنى له.
نعم. تفضل يا شيخ. قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن داود ابن الحُصَين عن ابن المخزومي أنه قال: “سمعت زيد ابن ثابت رضي الله عنه يقول: الصلاة الوسطى صلاة الظهر” .
نعم، هذا أحد الأقوال في المسألة وهو أحد قولي أبي حنيفة لم يأخذ به أبو حنيفة الثاني ولكن المعتمد ولكن هذا القول كما قلت ونقلت لكم عن ابن رجب أنه أقوال في غاية الضعف من حيث الدلالة عليه الاستدلال عليه بالقرآن وبالسُنة. نعم. طبعاً جُعِلَت ظهراً لأنها وسط النهار لأجل ذلك. نعم نعم.
قال رحمه الله: الصلاة في ثوب واحد.
قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن هشام ابن عروة عن أبيه عن عمر ابن أبي سلمة أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة واضعاً طرفيه على عاتقيه .
نعم، هذا الباب نقله القعنبي: باب الصلاة في ثوب واحد. وجاء عند يحيى: الرخصة في الصلاة في ثوب واحد. ويحيى من آخر الرواة عن مالك، ولذلك فإن كلامه في نقل فقه مالك أدق من غيره في كثير من المسائل إلا في أمور بيّنها ابن المزيَّن. فالمقصود أن التبويب المراد مالك في الصلاة بثوب واحد أي الرخصة فيه، لأن الأفضل عند مالك وغيره أن يصلي المرء في ثوبين. الصلاة في ثوب واحد لا خلاف بين أهل العلم في صحته، بشرط أن يكون ذلك الثوب ساتراً للعورة تكون يعني ساتراً للعورة بجميع صفاتها. وهذا لا خلاف فيه في الجملة. وقلت: في الجملة لأن من أهل العلم من خالف في بعض أنواع اللباس. لأن الصلاة في الثوب الواحد قد يكون ذلك الثوب إزاراً وقد يكون ذلك الثوب رداءً سابغاً. وقد يكون ذلك الثوب قميصاً. وقد يكون ذلك الثوب سراويل. وبعض الفقهاء يمنع الصلاة في السراويل دون أن يكون معها قميص أو رداء. وهذا نقله في العتبية عن مالك، أنه لا يصح الصلاة في السراويل بدون أن يكون معها ثوب آخر كإزار أو رداء أو قميص. وعلّل ذلك بـ “أنه من زي الأعاجم أن المرء يلبس سراويله دون أن يكون معها شيء آخر”.
نعم. هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في ثوب واحد في بيت أم سلمة واضعاً طرفيه على عاتقيه. معنى “واضعاً طرفيه على عاتقيه” يعني أنه يخالف بين الطرفين فيجعل طرف الثوب الذي ائتزر به صلوات الله وسلامه وطرف الثوب الأيمن على عاتقه الأيسر وطرف الثوب الأيسر على عاتقه الأيمن صلوات الله وسلامه عليه. وهذا هو تفسير ما جاء في بعض طرق هذا الحديث وغيره من الحديث أنه كان مُشْتَمِلاً. فلفظة الاشتمال تحتمل معانٍ منها هذه الصيغة هذه الصورة.
بقي عندنا هنا مسألة مهمة جداً وهي قضية العاتق. هنا جاء أنه “واضعاً طرفيه على عاتقيه”. وفي بعض ألفاظ الحديث: “على عاتقه”. هل يَلزم ستر العاتق أم لا يَلزم ستره؟ ذهب أحمد وهي من مفردات مذهبه إلى وجوب ستر العاتق في الفرض دون النَدْب. وأما النَدْب فحمل عليه الأحاديث التي ستأتي. وأما الفرض فقد استدل عليه بالحديث الثابت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا يُصَلِّيَنَّ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء”. وهل الواجب سترهما معاً؟ أم ستر أحدهما؟ المعتمد عند المتأخرين أن الواجب ستر أحدهما. وأما ستر الثاني فإنه مندوب وكشفه مكروه وليس بمحرم. وكشف العاتقين محرم لكن لا يُبطل الصلاة. إذاً العاتقان سترهما مندوب إليه وكشف أحدهما مكروه وكشف الاثنين معاً منهي عنه لكن لا يُبطل الصلاة؛ لأن الذي يُبطل الصلاة كشف العورة. والحقيقة أن قول أحمد إعمال لحديث أبي أبي هريرة وعدم إهمال له؛ لأن النهي الأصل فيه يدل على التحريم، فدل على الوجوب. وأما حمله على الكراهة أو على خلاف الأولى ففيه بعد. وأما الأحاديث الأخرى ومنها حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: “إذا كان الثوب ضيقاً فاشدده على حَقْوَيْك” كما جاء في الصحيح وغيره، فإن هذا محمول عندهم على النافلة. أو عند العجز، عند العجز يرتفع الإثم لعدم وجود غيره.
نعم. قال: حدثنا قعنبي عن مالك أنه بلغه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “من لم يجد ثوبين فليصلِّ في ثوب واحد مُلْتَحِفاً به، فإن كان الثوب صغيراً ائْتَزَرَ به” .
نعم، هذا الحديث يحتمل أن يكون مُلْتَحِفاً به وقد جُعِلَ على عاتقه منه شيء، ويحتمل أنه يلتحف به من غير أن يجعل على عاتقه شيء، لكن جاء في لفظ آخر من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “إذا كان ضيقاً فاشدده على حَقْوَيْك” دلنا على أنه لا يجعل على عاتقه منه شيء. حمله أحمد وغيره من فقهاء الحديث على النافلة. أو عند العجز يرتفع الإثم لعدم وجود غيره.
نعم. قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن سائلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ثوب واحد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: “أوَلكلكم ثوبان؟”
ولذلك فإنه بإجماع أهل العلم يصح الصلاة في الثوب الواحد بلا خلاف على التفصيل المتقدم في بعض المسائل.
نعم. قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه قال: “سُئِلَ أبو هريرة رضي الله عنه: هل يصلي الرجل في ثوب واحد؟ فقال: نعم. فقيل له: هل تفعل ذلك أنت؟ قال: نعم، فإني لأُصلِّي في ثوب واحد، وإن ثيابي لَعَلَى المِشْجَب”.
نعم، يعني يمكنني أن ألبس الثياب ولكنها معلّقة على المشجب الذي تُعلّق عليه. نعم. قال: حدثنا قعنبي عن مالك أنه بلغه أن جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما كان يصلي في الثوب الواحد .
نعم. قال مالك: “وذلك أوسع، وأُحِبُّ ذلك إليّ أن لو جعل الذي يصلي في القميص الواحد على عاتقه ثوباً أو عمامة”.
نعم، هذا حمل مالك رحمه الله تعالى حديث أبي هريرة: “لا يُصَلِّيَنَّ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء” على النَدْب. وأما ما ذكرت لك فمن أهل العلم من حمله على الوجوب. ولذلك قال مالك: “وذلك أوسع” يعني يجوز له أن يصلي في ثوب واحد ولكن “الأحب إليّ” على سبيل النَدْب “لو جعل الذي يصلي في القميص الواحد على عاتقه ثوباً أو عمامة”. هنا قال: “في قميص واحد” وفي بعضها: “على عاتقه” وفي بعض روايات الموطأ ومنها رواية يحيى: “على عاتقيه” معاً. فاستحب مالك العاتقين وهي أقرب، ستر العاتقين معاً. لأن الذي قال: “العاتق الواحد” يقصد به الوجوب. ولعلها أقرب من لفظة العاتقين فيكون هنا المفرد المضاف يقصد به العموم. “عاتقه” يشمل العموم أي عموم العاتقين عليكم تعارض بين هذه الرواية ورواية يحيى في نقل كلام مالك.
نعم. قال رحمه الله: الصلاة في الدِّرْع والخِمَار.
نعم. فقوله: الصلاة في الدِّرْع والخِمَار المراد به المرأة وليس للرجل، لأن الخِمَار إنما هو لباس للمرأة، لا يُسمى ما يلبسه الرجل خِمَاراً. وإنما يُسمى قِناعاً يَتَقَنَّع بعمامته ونحو ذلك. وقوله: “الصلاة في الدِّرْع” المراد بالدِّرْع هو القميص الذي يُفصَّل على هيئة قميص، مثل الثوب الذي نلبسه يُسمى قميصاً يُسمى، وما زال الآن في لهجتنا يُسمى الثوب الطويل. الذي تلبسه المرأة يُسمى دِرْعاً أو دُرَّاعَة أو نحو ذلك من اشتقاق الأصل. في من الدِّرْع ونحوه. قوله: “والخِمَار”. المراد بالخِمَار ما تَخْمُر به المرأة رأسها وعنقها معاً. الخِمَار لا يكون للوجه، فإنما تَخْمُر به رأسها وعنقها وعنقها. ما تَخْمُر به رأسها وعنقها، لا تَسْتُر به وجهها. ولذلك يقال خِمَار، فلا نقول: إن المرأة إذا صلت بخِمَار منقَّط وجهها لنهي العلماء نهي كراهة أن تُغطي المرأة وجهها في الصلاة. نعم هنا هذا نعم تفضل. نتكلم عن الفقه بعده.
نعم. قال: حدثنا قعنبي عن مالك أنه بلغه أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم كانت تصلي في الدِّرْع والخِمَار .
نعم، هذا الأثر فيه أن عائشة بلاغاً، وقد أسنده أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه أن عائشة كانت تصلي في دِرْع وخِمَار. الدِّرْع يكون قميصاً على كتفيها وأسفل جسدها. وأما الخِمَار فيكون لرأسها وعنقها. فيستر هذين الأمرين وظاهر حديثي هذا الحديث أن عائشة رضي الله عنها كانت تقتصر على هذين الثوبين دون ما عداهما. وأهل العلم يقولون: إن الأفضل للمرأة أن تصلي في ثلاثة أثواب: أن تصلي في دِرْع وجلباب، والجلباب هو الذي تَلتحف به، فيكون لِحَافاً تَلتحف به. فتجمع بين هذه الأمور الثلاثة.
نعم. قال: حدثنا قعنبي عن مالك عن محمد بن زيد بن قُنْفُذ عن أمه أنها سألت أم سلمة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم: ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت: “تصلي في الخِمَار والدِّرْع السابغ الذي يغيب قدميها” .
نعم، هذا الحديث رواه مالك عن محمد بن زيد قُنْفُذ بالمعجمة. وقد وافق مالكاً ابن أبي ذئب وغيره من الحفاظ في روايته عن محمد ابن زيد موقوفاً على أم سلمة. وخالفهم عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار فرواه مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم. في هذا الأثر أن أم سلمة سُئِلَت: “ماذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟” فقالت: “تصلي في الخِمَار والدِّرْع”. الخِمَار لرأسها وعنقها والدِّرْع لجسدها. ولكن في هذا الحديث أنها قالت: “والدِّرْع السابغ” والمراد بـ “السابغ” كما اتفق علماء اللغة هو الواسع. فيكون الدِّرْع سابغاً إذا كان واسعاً. وبناءً على ذلك فإن هذا القيد الذي جاء في حديث أم سلمة وجاء مرفوعاً للنبي صلى الله عليه وسلم يخرج أمرين. يخرج غير السابغ الذي نعم. في قول أم سلمة رضي الله عنها: “تصلي في الخِمَار والدِّرْع السابغ”. جاء في الحديث المرفوع أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئِلَ: “أتصلي المرأة في الدِّرْع؟” قال: “نعم إذا كان الدِّرْع سابغاً”. فقوله: “إذا كان سابغاً” يدل على النص. كون الدِّرْع سابغاً شرط في صحته. والسابغ كما ذكر أهل اللغة هو الواسع، وحينئذٍ فيخرج أمرين:
الأمر الأول: السابغ غير السابغ الذي يَصِفُ ما تحته. فما يَصِفُ ما تحته لكونه مُخرَّقاً أو لكونه رقيقاً يَشِفُّ لون ما تحته، فإنه لا يكون ساتراً لعورة. لا لعورة رجل فيما يَلزم ستره ولا لعورة امرأة فيما يَلزم ستره باختلاف أحوالها.
الأمر الثاني: ما ذكره بعض أهل العلم اتفاقاً وهو ألا يكون مُفَصِّلاً للعضو. لأن العلماء رحمهم الله تعالى يقولون: إن السابغ يُقابله ما ليس بسابغ الذي يُبَيِّن حَجْم العضو والذي يُبَيِّن حَجْم العضو نوعان: مُحَجِّم ومُفَصِّل. المُحَجِّم الذي يُبَيِّن مقدار الحجم. وهذا معفو عنه للمشقة. (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا). الذي ظهر منها قيل أربعة أشياء منها الحجم. فقد جاء أن عمر رضي الله عنه لما رأى سودة بنت عمه زوج النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول الحجاب ورآها مُتلفِّعة بخِمَارها. قال: “قد عرفناك يا سودة”، لأن سودة رضي الله عنها كانت امرأة سمينة. فلم يمنع كون ثوبها سابغاً أن يُعرَف حَجْم جسدها. فأنزل الله عز وجل: (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا). إذاً فالتحجيم حَجْم الكتفين وحَجْم الرأس وكذلك هذا معفون عنه. الذي حكى الاتفاق عليه ما يتعلق بالتفصيل وهذا لا يظهر إلا في أقمشة تُبَيِّن تفاصيل العضو. فلو وضعتها على يدك لبيّن لك مقدار أناملك وارتفاع بعضها مفاصل الأنامل، فيُبَيِّن تفاصيل دقيقة. وقد حكى بعض أهل العلم المتقدمين وأظنه ابن جرير إن لم أنسَ أن هذا باتفاق أهل العلم لا يكون ساتراً.
وقوله وقوله رضي الله عنها: “الذي يغيب قدميها” ظاهر الحديث يدل على وجوب ستر القدمين. وهذا الذي أخذ به جمهور أهل العلم أن ستر المرأة لقدميها الصلاة واجب. والواجب إنما هو ظهور القدمين. وأما باطن القدمين الذي ينكشف في السجود فيُعفَى عنه للمشقة، لأنه يسير. وأما ظاهر القدمين الذي يظهر حال القيام والركوع فيجب ستره عند الجمهور خلافاً لأبي حنيفة النعمان فإنه يقول: ليس بواجب ستر القدمين. والجمهور الذين قالوا: إنه يجب ستر القدمين لحديث أم سلمة رضي الله عنها موقوف ومرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم. قالوا: هل تعيد الصلاة أم لا؟ فذهب وأبو مالك وسيأتي تفصيل معنى كلامه بعد بعد عندما يأتي سياقه قال: “إنه يعيد الصلاة إن المرأة تعيد الصلاة إذا لم إذا ظهرت قدميها وانكشفت في الوقت”. وأما إذا خرج الوقت فلا تعيد. وسيأتينا ما معنى قول مالك وبعض أصحاب أحمد في مسألة الإعادة في الوقت وشرحتها في الأصول لكن سيأتي لها مناسبة. وأما الشافعي وأحمد فإنهم يقولون: إن المرأة تعيد مطلقاً. إذا علمت بانكشاف قدميها وهذا يكون مبطلاً؛ لأنه من باب ستر العورة الذي يجب ستره.
لعلنا نقف عند هذا القدر لأن الحديث اللي بعده فيه تفصيل، فأسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يرزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح وأن يتولانا بهداه وأن يغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات وأن يشرح صدورنا للإيمان والهدى والتقى وأن يعلمنا ما جهلنا ونسينا من كتابه جل وعلا. وأن يُرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه وأسأله أن يغفر لنا ولوالدينا وللمسلمين والمسلمات. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وسيدنا وإمامنا قدوتنا محمد بن عبد الله وعلى آله الطيبين الطاهرين وأزواجهم وأمهات المؤمنين. والله أعلم.