الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد:
نشرع إن شاء الله في هذا اليوم المبارك، السادس عشر من جمادى الأولى من عام سبع وأربعين وأربعمئة وألف، في قراءة متن في فقه مالك رحمه الله تعالى، وهو الموسوم والمشهور: متن الأخضري.
والأخضري هو من علماء الجزائر، بالضبط من علماء بسكرة في جنوب الجزائر. وُلِد في القرن العاشر، سنة عشرين وتسعمائة، وتوفي ثلاث وخمسين وتسعمائة عن عمر ثلاث وثلاثين سنة. هذا الشاب ترك متونًا نافعة انتفع بها الناس، وسارت بها الركبان، كهذا المتن الذي نحن بصدد قراءته اليوم إن شاء الله تعالى.
لماذا متن في فقه مالك؟ يتساءل البعض. لا شك ولا ريب أن العلماء والفقهاء منذ القديم، بعد انتشار المذاهب في القرن الثاني والثالث الهجري، وبدأت المدارس تؤصِّل لقواعدها وتنشر مذهبها وأقوال أئمتها وفقّهائها، واستقر المسلمون على الأئمة الأربعة، ولم يجدوا حرجًا في الأخذ من أي مدرسة كانت في بلدهم. صحيح حدثت ربما بعض الخصومات وبعض النزالات بين بعض الفقهاء، لكنها شاذة في التاريخ لا عبرة بها، بل إن الفقهاء يكمل بعضهم بعضًا. فالمقصود بالمذاهب هو تنوير المسلمين في التفقه في الدين، وليس المقصود هو الخصومة فيما بينها وضرب قواعد الدين.
أقول هذا الكلام؛ لأن بعض الأصوات تنادي من هنا وهناك بإلغاء المذاهب الأربعة بزعم كثرة خلافها. كثرة الخلاف! قالوا: فلنزح هذه المذاهب كلها من طريق المسلمين. لكن كتب الله تعالى القبول لهذه المذاهب. وقد عُرِف في بلدنا مذهبان: مذهب مالك ومذهب أبي حنيفة. لكن بدأ يندثر مذهب أبي حنيفة إلا بقايا قليلة ربما في العاصمة. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، القلاع أو المساجد التي كانت تتبنى مذهب أبي حنيفة، الجامع الجديد -لي نُسميه جامع تاع الساعة في ساحة الشهداء- كان فيه فقهاء حنفية، والجامع الكبير المقابل له كان يتبع فقهاء المالكية، وكان فيه بقايا أيضًا في نعم في المدية أيضًا. يعني هذه بقايا المذهب الحنفي، لكن سارت الركبان في بلدنا بمذهب مالك رحمه الله.
وإذا قلنا مذهب مالك، لا يلزم أن نفهم أنهم كانوا على عقيدة الأشعري أبي الحسن الأشعري، هذا غير صحيح. هذا لازم في المتأخرين ممن كان أشعريًا. لكن لا يلزم أن تكون – أو إذا كنت مالكيًا – أن تكون أشعريًا. هذا غير لازم. ودونكم كلام الميلي رحمه الله في كتابه التاريخ. في بداية كتابه تاريخ شيخ الجزائر في القديم والحديث ذكر مذهب الجزائريين في الاعتقاد فقال: كانوا على مذهب السلف شمال إفريقيا. يعني كان على مذهب السلف إلى أن جاء ابن تُومَرت هو الذي أدخل المذهب أو الاعتقاد الأشعري إلى شمال إفريقيا. وطبعًا معلوم أن العقائد من أسباب انتشارها قوة الحكام؛ إذا كان الحاكم على مذهب معين فإنه ينشره، فانتشر المذهب المالكي في الجزائر. ويقولون من أول من نشر – أو من أوائل العلماء والفقهاء الذين نشروا المذهب في شمال إفريقيا – ذكروا أسد بن الفرات، أول من أدخل الموطأ، وذكروا علماء آخرين. وممن برز في هذا الباب مالك الصغير ابن أبي زيد رحمه الله في القيروان. ومذهب مالك كان له انتشار كبير جدًا في شمال إفريقيا، ولا يزال لحد الآن، لا يزال لحد الآن. لكن لما شابه ما شابه من التعصب المذموم طبعًا، وبعض الأقوال غير المشهورة التي أخذ بها بعض من ينتسب إلى الفقه، ربما نفر منه بعض الناس. وإلا فمن أصح المذاهب مذهب مالك رحمه الله تعالى، لهذا اخترت هذا المتن.
كنت قد شرحته من قبل، متن الأخضري وابن عاشر، ووصلنا تقريبًا إلى منتصف الرسالة. لكن بحكم أنه ما كان مسجلًا، هذا التسجيل الموجود الآن أراني مضطرًا أن أعيد القراءة في هذا الكتاب. وهو كتاب صغير الحجم، لا يشمل كل العبادات، إنما فيه الطهارة والصلاة فقط. الطهارة والصلاة، لكنه تميز بشيء ألا وهو ضبط باب السهو. فمن أفضل المتون التي ضبطت باب السهو كتاب الأخضري. وليكن الطالب على ذكر أن مسائل السهو أضبطها مذهب مالك. أضبطها هو مذهب مالك رحمه الله. وسيأتي الكلام عن ذلك إن شاء الله.
هذا الكتاب كان مقررًا منذ القديم -يعني منذ تأليفه- كان مقررًا في المدارس والكُتّاب والزوايا في البلد، وشرحه غير واحد. من أوائل شروحه شرح المرداس مثلًا من علماء القرن العاشر، ثم بدأ ينتشر وخرج مؤخرًا بعض الشروح له، ولا زال الفقهاء يشرحونه صوتيًا وكتابةً وغير ذلك. ولعل صاحبه كان أخلص في نيّته، فكتب الله تعالى له هذا القبول. تفضل:
قال العلامة أبو زيد عبد الرحمن بن محمد الأخضري البسكري رحمه الله:
بسم الله الرحمن الرحيم.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين.
أول ما يجب على المكلف تصحيح إيمانه، ثم معرفة ما يصلح به فرض عينه كأحكام الصلاة والطهارة والصيام.
من أواخر ما طبع -كتاب وأنا أحبذ القراءة فيه بحكم أنه من الجزائر- ألا وهو شرح الشيخ عبد اللطيف سلطاني، واسمه الغصن الطري، طُبِع مؤخرًا بتحقيق عبد الرحمن دُويْب. الصراحة هو كتاب ماتع نافع، وسهل العبارة، سهل العبارة، مفيد جدًا، وفيه أشياء خاصة في المقدمة، أشياء تاريخية تفيدنا من ناحية تاريخية.
يقول المصنف: (بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم). بدأ المصنف على عادة الكُتّاب بالبسملة؛ لأنها هي التي يبدأ بها في الرسائل والكتابات. وقد كان نبينا عليه الصلاة والسلام يكتب بسم الله الرحمن الرحيم، وقبل ذلك اقتداءً بالكتاب؛ فإن الله تعالى أنزل البسملة مع كل سورة ما عدا براءة. هذا من السنة أن تُكتب بسم الله الرحمن الرحيم. ومقصودها -يعني ابتدأ بعون الله تعالى- تطلب العون من الله عز وجل، ثم صلى وسلَّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وحمد الله تعالى. وأما ما يروى من قوله صلى الله عليه وسلم: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع). وفي رواية: (ببسم الله فهو أقطع). هذه روايات تكلم فيها أهل العلم بالحديث، وما ذكرته يغني عن ذلك إن شاء الله.
ثم بيَّن رحمه الله تعالى: (أول ما يجب على المكلف تصحيح إيمانه). والمقصود هو أن يتعلم التوحيد. أن يتعلم التوحيد. والتوحيد على ثلاثة أقسام، وهذا التقسيم هو باستقراء النصوص، وإن أبى بعض المناوئين، وليس أول من ذكر هذا التقسيم هو ابن تيمية، فقد ذكره أو أشار إليه ابن جرير الطبري في القرن الرابع وابن منده بعده وغيره. والمقصود بهذا التقسيم أن النصوص التي وردت في التوحيد أتت به، وعَرَف ذلك العلماء بالاستقراء، وليس معناه أن هذا مصطلح جديد وقول بِدع، ليس هذا مقصودًا أبدًا؛ لأن التقسيم في حقيقته موجود -في الحقيقة موجودة- وإن سميتها قلت: تقسيم ثلاثي أو ثنائي؛ لأن التقسيم إما ثلاثي أو ثنائي في التوحيد، فهذا موجود في القرآن وموجود في السنة.
أما توحيد الربوبية، فالخلق كلهم يقرون به إلا من عاند. (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُ) [سورة الزخرف: الآية ٨٧]. (وَجَحَدُوا۟ بِهَا وَٱسْتَيْقَنَتْهَآ أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) [سورة النمل: الآية ١٤]. وفرعون وإن قال: (أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلْأَعْلَىٰ) [سورة النازعات: الآية ٢٤]، لكن في قرارة نفسه يعلم ويُقِرّ أن الله تعالى هو الرب وهو الذي خلق وهو الذي أحيا. كل الناس يقرون بهذا، حتى ملاحدة اليوم، وإن صرَّح بلسانه، لكنه يقر في قرارة نفسه أن الله تعالى هو الخالق الرازق.
أما توحيد الألوهية، فهو أن تُفرد الله تعالى بالعبادة، هذا هو المطلوب منك: (وَمَا خَلَقْتُ ٱلْجِنَّ وَٱلْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [سورة الذاريات: الآية ٥٦]. أي أن تُفرد الله تعالى بالعبادة، فلا تصلي إلا له، لا ترغب إلا إليه، لا ترغب إلا منه، لا تصم إلا له وهكذا، كما سيأتينا في رسالة الشرك إن شاء الله.
فالمقصود أن المطلوب من البشر هو إفراد الله تعالى بالعبادة، هذا أول واجب، وليس أول واجب أن تنظر في ملكوت السماوات والأرض فتعرف أن الله هو الخالق وتعرف عظمة الخالق. وهذا هو مذهب الأشاعرة والماتريدية على خلاف يسير بينهم في ذلك.
قال: (ثم معرفة ما يصلح به فرض عينه كأحكام الصلاة والطهارة والصيام). سُئل مالك رحمه الله عن أي العلوم ألزم؟ أي العلوم ألزم؟ قال: انظر في يومك وليلك، فما كان لازمًا لك في يومك وليلك فهو أوجب. أو كما قال رحمه الله تعالى: ألزم شيء لك في أربع وعشرين ساعة ما هو؟ مسائل التوحيد هي التي تلزمك. ولهذا من جميل ما ذكر ابن القيم رحمه الله أن الإنسان يبدأ يومه بالتوحيد ويختمه بالتوحيد. فأول صلاة تصليها إذا استيقظت هي سُنة الفجر، وتقرأ فيها: (قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْكَٰفِرُونَ) [سورة الكافرون: الآية ١] و (قُلْ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ) [سورة الإخلاص: الآية ١]، وهي آيات الإخلاص كما سماها النبي صلى الله عليه وسلم: سورة الإخلاص. وحتى (قُلْ يَٰٓأَيُّهَا ٱلْكَٰفِرُونَ) سُمّيت بالإخلاص. وآخر ما تقرأه في يومك -ليس أقصد في النهار يعني- هو سُنة المغرب، وتقرأ فيها بالإخلاص والكافرون، وآخر شيء تقرأ به قبل أن تنام الإخلاص والكافرون. فحياتك أو يومك كله في توحيد الله تعالى.
ولهذا كان من أوجب الواجبات أن يعتني المسلم بتصحيح إيمانه. ثم بعد ذلك ينظر فيما يصلح فرض عينه. المقصود بفرض العين هو ما طلبه الشارع من المكلف بعينه، يعني لا يقبل النيابة، كالصلوات مثلًا وصيام رمضان والحج والزكاة وغير ذلك، إلا ما استُثني. إلا ما استُثني. فالصلاة مثلًا لا تجوز فيها النيابة، هي من فرض العين، يجب على كل مكلف بالغ عاقل أن يصلي الصلاة، ولا يأتي واحد يصلي في مكانه. الصيام أيضًا إلا ما استُثني كالميت إذا مات وعليه الصيام، فإنه جرى عمل بعض الصحابة. أو ورد في الحديث: (إن أمي ماتت وعليها صيام أفأقضيه؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ قال: نعم. قال: فدين الله أحق أن يُقضى). وجرى عمل بعض الصحابة على الإطعام وليس على الصيام. كذلك في الحج، من عجز عن الحج جازت النيابة عنه طبعًا بشروط، يعني تُذكر في مقامها.
أما فرض الكفاية، فهو ما طلب الشارع فعله من جملة المكلفين وليس بعينهم، سواء يدخل فيه الواجب الكفائي على المسلمين كالجهاد في سبيل الله تعالى -مع تفصيل في ذلك- أو ما كان واجبًا على جماعة خاصة من غير تعيين، كتغسيل الميت؛ فإنه يجب على من يعرف التغسيل، لكن غير تعيين. وسُمِّي كفائيًا؛ لأنه متى حصل من واحد كفى وسقط الإثم والمطالبة عن الآخرين.
إذًا يجب على الإنسان بعد توحيد الله تعالى أن يعرف أحكام الطهارة وأحكام الصلاة، كل ما يتعلق بهذه الأمور، حتى يعبد الله تعالى على بصيرة. يعرف أحكام الصلاة: فرائض وشروط ونواقض الوضوء. هذه كلها يلزمه أن يعرفها.
قال المؤلف رحمه الله: (ويجب عليه أن يحافظ على حدود الله ويقف عند أمره ونهيه، ويتوب إلى الله سبحانه قبل أن يسخط عليه). هنا قبل أن يدخل في أحكام الطهارة والصلاة قدَّم بمقدمة جميلة في معالي الأمور والأخلاق الحسنة، حتى يُبعِد الطالب. يعني لا يَحسُن بطالب العلم أن يكون من شِيَمِه الكذب والخُلق السيئ والفُحش، لا يَحسُن. فأراد أن ينبه الطلاب. قال: (ويجب عليه أن يحافظ على حدود الله ويقف عند أمره ونهيه). فإن لله تعالى حدودًا: (تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا) [سورة البقرة: الآية ٢٢٩]. وفي الآية الأخرى: (تِلْكَ حُدُودُ ٱللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا) [سورة البقرة: الآية ١٨٧]. بمعنى تلتزم دين الله تعالى ولا ترتكب المحرمات وتحرص على الواجبات. قال: (ويتوب إلى الله سبحانه قبل أن يسخط عليه).
والتوبة واجبة بنص القرآن والسنة. فإن الله تعالى قال: (وَتُوبُوٓا۟ إِلَى ٱللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ ٱلْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [سورة النور: الآية ٣١]. والتوبة توبتان: أن يتوب الله تعالى عليك لتتوب، وأن يتوب عليك ليقبلها منك. ولهذا قال تعالى: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟) [سورة التوبة: الآية ١١٨]. فما الفرق بين التوبتين؟ الأولى فيها التوفيق إلى الاعتراف بالذنب؛ لأن أول سُبُل أو أول خطوات التوبة هي الاعتراف. الذي لا يعترف بذنبه لا يمكن أن يتوب. ولا يُشترَط للاعتراف أن تبوح للناس، يعني بينك وبين نفسك تعترف بأنك أخطأت، هذا أول خطوات الرجوع والتوبة إلى الله. قال: (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوٓا۟). ومن شروط التوبة أو من أسرار التوبة حتى تُقبَل أن تكون توبة صادقة. ولهذا لما قص الله تعالى علينا قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا ختمها بقوله: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَكُونُوا۟ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ) [سورة التوبة: الآية ١١٩]. قالوا: ما مناسبة هذه الآية مع قصة الثلاثة؟ قالوا: فيه إشارة إلى أن هؤلاء كانوا صادقين في توبتهم، إذًا فكونوا صادقين أنتم أيضًا في توبتكم: (يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَكُونُوا۟ مَعَ ٱٱلصَّٰدِقِينَ). فينبغي للإنسان أن يكون صادقًا في توبته ولا يتلاعب؛ فإن هذا التلاعب بالتوبة سيرجع عليه بالندم والخسران.
قال المؤلف رحمه الله: (وشروط التوبة الندم على ما فات، والنية ألا يعود إلى ذنب فيما بقي من عمره، وأن يترك المعصية في ساعتها إن كان متلبسًا بها، ولا يحل له أن يؤخر التوبة). ولا يقول: (حتى يهديني الله)، فإنه من علامات الشقاء والخذلان وطمس البصيرة.
ذكر من شروط التوبة، ونص عليها النووي في رياض الصالحين. قال: الندم على ما فات. وقد جاء في حديث عائشة رضي الله عنها: (الندم توبة). الندم توبة. الإنسان إذا ندم هذا من علامات توبته. والنية ألا يعود إلى ذنب هذا يسميه العلماء العزم. أن يعزم على عدم العود. أما هذاك لي يتوب الآن، لكن في قرارة نفسه أن أُتيحت له الفرصة فسيعود إلى الذنب، هذا ليس تائبًا، هذا يكذب على نفسه. قال: (وأن يترك المعصية في ساعتها). وهذا يسميه العلماء وأهل مداواة النفوس. يقولون: الإقلاع عن الذنب، الإقلاع عن الذنب. فإذا زعمت التوبة مثلًا، واحد يقول لك: أنا تبت من التدخين، ولا زالت السيجارة في يده، هذا ليس تائبًا، هذا يكذب على نفسه. فينبغي أن يُقلع من يومه كما أقلع الصحابة حين نزلت آية تحريم الخمر. يقول الصحابي يصف تلك الحالة: فأُريقت البراميل حتى صارت -يعني- كأنها ساقية في الطريق أُريقت. وجاء في حديث أنس في خيبر: (نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحُمُر الأهلية فإنها رِجس). قال: (فأُكفئت القدور وإنها لتفور) اللحم فيها طفاوها. هذه الاستجابة، هذا هو الإقلاع. أما أنك تترك -تزعم التوبة- وتبقى على ذاك الفعل، فهذه مغالطة ومخادعة لنفسك.
قال: (ولا يحل له أن يؤخر التوبة). هذا ما يُسمَّى بالتسويف. التسويف هو قاتل التوبة. التسويف هو الذي يعيق التوبة ويقضي على الإنسان، يدخله في الإدمان فيما بعد. يقول لك: إن شاء الله الجمعة الجاية نبدأ نصلي. طيب، علاه لازم الجمعة؟ علاه لازم تبدأ الصلاة من الجمعة؟ لماذا لا تبدأ من الآن؟ هذه مغالطة ينبغي أن ينتبه لها الإنسان. كل الناس يُذنبون الذنب، كما قال ابن تيمية في الوصية الصغرى، قال: حتى صار كالحتم. وقد جاء هذا في حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (كل بني آدم خطاء). كل تفيد العموم. كلنا نُخطئ. لكن سارع إلى التوبة، لا تبقى في المعصية، سارع إلى التوبة، استعن بالله. قال: (ولا يقول حتى يهديني الله). بعض الناس يُقال له: لماذا لا تترك شرب الخمر والمخدرات؟ يقول لك: ما زال حتى يهديني ربي شوية. يعني شُف مدخلًا من مداخل إبليس. يقول: أنت -أنت- لو كنت تصلي وما زلت تشرب الخمر كيف؟ شو راك منافق؟ يدخل له من هذا الباب. يقول: وأنت تنافق، تصلي وتشرب خمر، تصلي وتتعاطى المخدرات، هذا من النفاق. فيُسوِّف، يقول لك: ما زال حتى يهديني ربي. أول الهداية أن تُقلع، وأول الهداية أن تبدأ الصلاة. فينبغي أن يُشجَّع هؤلاء المذنبون أن يُساقوا إلى باب التوبة؛ فإن التوبة يفرح بها الله تعالى فرحًا شديدًا. قال: (فإنه من علامات الشقاء والخذلان وطمس البصيرة). من علامات الشقاء والخذلان أنك تُسوِّف. دائمًا تقول: إن شاء الله قريب قريب حتى يهديني ربي. أنا راني قريب إن شاء الله، كي نحج، كي نحج. طيب يا فلان، لماذا لا تحج؟ عندك أموال وعندك… ما زال كي نسقّم روحي إن شاء الله. فهذا من التسويف المذموم الذي يجعل صاحب الذنب يغرق في ذنوبه، وربما يصل به الحال إلى القنوط من رحمة الله تعالى.
نكتفي بهذا وأسأل الله تعالى أن يتوب علينا وعليكم. (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك).