الدرس 1 من شرح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني – خالد حمودة

إنَّ الحمد لله، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. مَن يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومَن يُضلِل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى آله وصحبه، صلاةً وسلامًا دائمين إلى يوم الدين.

أما بعد؛

إني أحمد الله تبارك وتعالى، وأثني عليه بما هو أهله، أنْ يسَّر لنا سبحانه وتعالى الاجتماع مرةً أخرى، نتعلَّم ما يهمُّنا من أمور ديننا. بذلك إلى الله تعالى نرجو ثوابه ورحمته ومغفرته. نسأل الله تعالى أن يرزقنا في ذلك حسن القصد، وسداد الرأي، وصواب النية.


منهجية دراسة العلم والفقه

إنَّ مما يسعد به الإنسان، وينبغي أن يجعل ذلك دائمًا من ذهنه وعلى ذِكرٍ في باله وخاطره، أن يستشعر نعمة الله تعالى عليه بسلوك طريق العلم، وتحصيله، والاشتغال به، لا سيما في زمن تكثر فيه الصوارف، ويكثر فيه الشواغل، ويقلُّ فيه المُعين على طريق الخير.

في مثل هذه الأزمان، إذا وفَّق الله تعالى الإنسان لسلوك طريق العلم وتحصيله، فقد وُفِّق لخيرٍ عظيم، وهو -إن شاء الله تبارك وتعالى- اصطفاءٌ وعلامة خير. وقد صحَّ عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من يرد الله به خيرًا يفقّهه في الدين). نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن أُريدَ به الخير، وأن يجعل اشتغالنا بالعلم حُجةً لنا لا حُجةً علينا، ويسلك بنا سبيلًا يريد به الصلاح العاجل.

نستعين الله تعالى، ونطلب توفيقه ومَدَدَه وتيسيره في استفتاح دروس في فقه مذهب الإمام مالك ابن أنس، إمام دار الهجرة، عليه رحمة الله، المذهب المُعتَمد في أقطار المغرب الإسلامي من أزمان متطاولة.


حول المذهب المالكي ودراسة المذهبية

المذهب المعتمد -قلتُ- في المغرب، في ديارنا هذه، وسائر أصقاع المغرب من قرون متطاولة، بحكم الواقع الذي نعيشه والإرث الموجود في الساحة العلمية. إذا قيل: درس في مذهب الإمام مالك، أو إذا قيل: درس في مذهب مالك -ونحن اخترنا البدء بـرسالة الإمام أبي محمد أبي زيد القيرواني رحمه الله، وسنرتب عليها أيضًا ما يتمِّمها فيما يأتي-، لكن إذا قيل درس في مذهب مالك، فسيكون السؤال مباشرةً: لماذا دراسة المذهب، ولماذا دراسة المذهبية؟

لا يُسأل -أكيد- لماذا علم الفقه؟ لأن علم الفقه هو علم الأكابر من أئمة الإسلام. وسيأتينا في إفادات أبي محمد رحمه الله أنَّ الله تعالى أوجب علينا:

  1. أمورًا تعتقدها القلوب.

  2. وأمورًا تنطق بها الألسن وتعمل بها الجوارح.

هذا جُملة ما أوجبه الله على الإنسان، والراغب في السلامة، وفي أن يلقى الله تعالى راضيًا عنه مؤديًا ما أوجب الله عليه، فليُكثر العناية بهذين. وليجعل من همِّه أن يصحح اعتقاده في الله جل وعلا وفي أصول الإيمان الأخرى -يعني ما يجب عليه اعتقاده- وأن يقيم أيضًا ما يجب عليه في القول والعمل.

  • أما ما يجب عليه من أمور الاعتقاد، فهذا العقيدة ومسائل العقائد المعروفة.

  • وأما ما يجب عليه مما تنطق به وتعمل به الجوارح، فهذا علم الفقه.

إذاً، هذا من علوم الآخرة، ومن العلوم التي تتوقف عليها السلامة والنجاة. وهو من علوم الأئمة الأكابر، أئمة الإسلام المبرزين. كان من علومهم علم الفقه في الدين، ومجالس الصحابة رضي الله عنهم، ومجالس السلف كانت في أكثرها مذاكرةً في الفقه ومباحثةً فيه، وفي طرائقه ومسائله، وأدلة تلك المسائل.

فإذاً، لا حاجة إلى الكلام على الفقه والحاجة إليه، لكن نحتاج إلى تقرير مقدمة مختصرة على دراسة المذهب نفسه، أيّ مذهب من المذاهب.


نشأة المذاهب واستقرارها

إنه في الزمن الأول، كان الصحابة رضي الله عنهم والتابعون وكبار أتباعهم يتفقَّهون بما بلغ الواحد منهم من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بحسب ما فهم وما عَلِم. وكانوا يقولون: “قد أحسن من انتهى إلى ما سَمِع”؛ يعني مَن بلغه شيء عمل به بحسب ما فهم وبحسب ما أُدِّيَ إليه فقد برئت ذمَّته. وكان الجاهل منهم يستفتي العالم الذي يثق في علمه وديانته وأمانته فيُرشده، ويعمل بما أرشده إليه.

لكن فيما بعد نَبَغَ الأئمة الأكابر في الأمصار، فالتفَّ بهم تلاميذهم، ونقلوا كلامهم، وحرَّروا مذاهبهم، وكان لكل منهم طريقة ومذهب واختيار. فاشتهر في كل قطر إمام من الأئمة أو أكثر:

  • فكان في العراق الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت.

  • وكان في المدينة الإمام مالك بن أنس.

  • وكان في مصر الإمام الليث بن سعد، وبعده الشافعي.

  • وكان في الشام الإمام أبو عمرو الأوزاعي.

  • وكان في الكوفة أيضًا سفيان الثوري.

وقبل هؤلاء وبعدهم أئمة آخرون. فبعضهم بقيت، وبعض تلك المذاهب دَثَرت، وبقي بعض. وأطبقت الأمة بعد ذلك على اتباع المذاهب الأربعة أو الخمسة المشهورة:

  1. مذهب أبي حنيفة (وهو الأول زمنًا).

  2. ثم مذهب مالك.

  3. ثم مذهب الشافعي.

  4. ثم مذهب الإمام أحمد بن حنبل، رحم الله الجميع.

وبعضهم يزيد مذهب الظاهرية، وبعضهم يزيد مذهب أهل الحديث. وكان مذهبهم مذهبًا معروفًا، ولكن لم تُصَنَّف فيه تصانيف مفردة باسم مؤلفات أهل الحديث، ولذلك لم يشتهر على أنه مذهب. لكن من كل طائفة من هؤلاء يوجد منهم أئمة أهل الحديث الذين يختارون من مذهب إمامهم ما يوافق السنة والحديث. فهو من جهة تمذهبه للإمام على مذهبه، ومن جهة أخذه بالحديث واختياره منه. إما أن يكون مجتهدًا مستقلًا، كما كان الحال في ابن خُزَيمة وابن المُنذِر وأبي جعفر ابن جرير الطبري، وطائفة من هؤلاء؛ فهؤلاء مجتهدون اجتهادًا مطلقًا. وإما أن يكون من أهل الحديث، لكن يتمذهب لبعض الأئمة من أتباع المذاهب الأربعة.

فأطبقت الأمة -قلتُ- بعد ذلك على أن يتفقه المتفقه على مذهب من هذه المذاهب. وكل مذهب انتشر في صُقع من الأصقاع:

  • فمذهب أبي حنيفة في العراق، وبعد ذلك في بلاد العجم كلها.

  • ومذهب مالك كان في المدينة، ثم انتقل إلى مصر واستقر في المغرب، وبقي منه شيء قليل في بعض دول الخليج شيء قليل.

  • ومذهب الشافعي في مصر إلى الآن.

  • ومذهب الإمام أحمد كان أولًا في بغداد في العراق وما حولها -لأنَّ ذاك هو مكان الإمام أحمد- ثم اليوم هو في الخليج في كثير من دُولِهَا.

إذاً، كل بلد فيه مذهب، وكل هذه المذاهب على خير وعلى السنة، وإن كانت تتفاوت تفاوتًا بحسب القُرب من الأدلة وكثرة مخالفتها. وكل أهل مذهب يدَّعون أن مذهبهم -وعليكم السلام ورحمة الله- أصح المذاهب وأقربها إلى الأدلة، ويؤلِّفون في ذلك المؤلفات.


أهمية دراسة كتب الفقه لتنمية الملكة الفقهية

والأصح من ذلك كله أنَّ التفضيل بين هذه المذاهب نسبي وليس مطلقًا. يعني قد يكون هذا المذهب في باب أفضل المذاهب، ويكون مذهب في باب آخر من أضعفها. وقد يكون مذهب أكثر موافقة للسنة في باب من الأبواب أو نوع من علم الفقه، وفي نوع آخر أو باب آخر يدخله شيء من الضعف. فهذا هو الأصح والأصلح.

نحن في بلادنا استقر العمل منذ أزمان متطاولة -كما قلتُ- على دراسة مذهب مالك رحمه الله. وإن كان ضَعُفَ في بعض الأزمان، وضَعُفَ في مجالس الدرس، وغلب عليه في كثير من الأحيان دراسة فقه الأدلة وأحاديث الأحكام. لكن الحاجة إلى دراسته قائمة من وجوه عديدة، ومن تلك الوجوه ومن أهمها هو الدربة على المَلَكة الفقهية.

فإنَّ الملكة الفقهية لا تحصل بدراسة الفقه من كتب الأحكام والأدلة، وفَرْقٌ واسع بين كتب الأحكام والأدلة وبين كتب الفقه:

  1. كتب الفقه وُضِعت لنوع من الفقه يسمى الفقه المستنبط.

  2. وكتب الأحكام -أحكام القرآن أو أحاديث الأحكام- وُضِعت لنوع آخر من الفقه يسمى الفقه المنصوص.

الفقه المنصوص في كتاب الله وفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم هذا يوجد في كتب الأحكام: أحكام القرآن والحديث. أما كتب الفقه، فقد وُضِعت للفقه المستنبط الذي يُفرَّع على الأصول. تُمَهَّد الأصول، وتُقَرَّر القواعد، ثم تُفَرَّع عليها المسائل، وتُرَدُّ المسائل المسكوت عنها إلى المسائل المنصوصة، وتُرَدُّ المسائل الحديثة إلى المسائل التي قبلها. وهكذا يُدَرَّب الطالب على مَلَكة الاستنباط. وهذا هو الذي يُخْرِجُ العالم الذي تلجأ إليه الأمة فيما ينوبها من النوازل. لأنه حصلت له دُربة على استنباط المسائل، وصار عنده ذاك التمكُّن من إرجاع المسائل إلى أصولها، وتفريع فروعها على قواعدها.

فهذا إنما يحصل ويُؤخَذ من كتب الفقه. فكتب الفقه تذكر المسألة، وتُصوِّرها تصويرًا حسنًا، وتذكر القيود، وتُبَيِّن فوائد تلك القيود المذكورة في المسألة، ثم تُفَرَّع عليها الفروع. وهذا هو الذي ينمِّي هذه المَلَكة التي نقول: ملكة التفريع، وإن شئت قُلْ: ملكة الفقه. فملكة الفقه نعني بها: ملكة تفريع المسائل على أصولها برعاية قيود وتصور المسائل تصورًا حسنًا.

لكن لو دَرَستَ الفقه ابتداءً من كتب الأحكام وكتب الأدلة لا تجد مثل هذا. أولًا: ستجد المسائل المنصوصة فقط، يعني المسائل المستنبطة التي يُحتاج إليها لا تجدها في كتب أحاديث الأحكام ولا في كتب أحكام القرآن. وأيضًا لا يعتني المؤلفون في الأحكام بتصوير المسائل؛ لأن كتبهم لم تُوضَع لهذا. والعالم إذا ألَّف يراعي مقصد تأليفه. هو يعلم أنه كَتَبَ ليناقش الأدلة، ليشرح الأدلة، لم يَكتُب ليُصوِّر المسائل. ولذلك الذي يأخذ الفقه من كتب المسائل، سيكون عنده مشكلة في تصوُّر المسائل.

ما كُنَّا في الشباب الأول في بداية الطلب كان يحصل لنا هذا. كان يقال لنا: الفقه في نيل الأوطار وفي سُبُل السلام وفي فتح الباري. هذا صحيح، لكن لمن حَصَّل الأصل، لمن كان عنده تصور صحيح للمسائل، وفهم للقيود، وفهم للأصول والفروع. هذا ينتفع غاية الانتفاع بهذه الكتب، بمثل نيل الأوطار وسُبُل السلام وفتح الباري وغيرها. لكن الذي ليس عنده تصور للمسائل، لا ينتفع بها ذاك الانتفاع.

قلت للشيخ عبد الله الغديان رحمه الله مرة: الواحد من طلاب العلم قد يقرأ عشرين أو ثلاثين صفحة في كتب الخلاف العالي، في كتب أحاديث الأحكام وشروحها خلافًا في مسألة، وهو أصلًا لم يتصور تلك المسألة. يعني أنا أقرأ الخلاف والردود والنقاشات، أنا صورة المسألة أصلًا لم تحصل في نفسي كما ينبغي.

فقال الشيخ رحمه الله: “هذا حلُّه في شروح المتون الفقهية”. هذه المشكلة اللي هي تصور المسائل حلُّها في شروح المتون الفقهية. لأنَّ المتون الفقهية كُتِبَت لتصوير المسائل. الذي كتبها من أهل العلم يَعِي أنه يُخاطب مُتَفَقِّهًا لم يحصل عنده بعد تصور المسائل، فهو يريد أن يتصورها ويعرف قيودها ويعرف أقسامها.

أما الذي ألَّف في أحاديث الأحكام، لم يؤلِّف لهذا الطالب، ألَّف لطالب يبحث عن أدلة المسائل. ومقاصد المؤلفين مُراعاة، وكل كتاب يُنتَفَع به ويُفهَم كلام مؤلفه بحسب مقصده وغَرَضه.

فإذاً، الطريق الصحيح في تحصيل الفقه في الدين، هو سلوك مسالك الأئمة جميعًا من وقت ما استقرت المذاهب الفقهية إلى زمن الناس هذا. وهو دراسة الكتب التي وُضِعَت لتصوير المسائل وتفريعها.


التعامل مع المسائل المخالفة للسنة

فيها مشكلة، وهي أن كثيرًا من تلك المتون تكون فيها مسائل تُرْسَم فيها أحكام مخالفة لما صحَّ في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذه نعم مشكلة موجودة في كل المذاهب، وأمرها سهل. لأنَّ المدرِّس أو العالم الشارح الذي يشرح هذه الكتب، مِن دَأْبِ أئمتهم ومحققيهم أن ينبهوا على ما في تلك المسائل من مخالفة للسنة إن ثبتت.

وهذه قضية كبيرة وشائكة بالنسبة إلى شارحي الكتب المذهبية، فالناس في هذا طرف:

  • طرف يلتزم كتب المذهب وما فيها التزامًا تامًا، ويقلِّد ما فيها، ويُنكر على مَن خالفها إنكارًا شديدًا، ولو كانت تلك المسائل مخالفة لصحيح سنة النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا لا شكَّ أنه مخالف لإجماع الصدر الأول من علماء المسلمين، مخالف لطرائق الأئمة أنفسهم. مالك رحمه الله عَرَضَ عليه الخليفة أن يُلزم الأمة بالموطأ، كره ذلك ونهاه عنه. قال: “لأن الصحابة انتشروا في الأمصار، قد يكون عند بعضهم من العلم والسنة ما لم يبلغنا”. فكيف يُترك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لكون إمام من الأئمة لم يبلغه أو خالفه؟ وكل واحد من الأئمة كان يتكلم بحسب ما عَلِم، ويقول للناس: “إذا صحت عندكم السنة بخلاف ما قلت فاتبعوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم”.

وهذا النوع من المسائل -على قلَّتِه طبعًا في كل مذهب- على قلَّته، لا يجوز لمن درس المذهب أن يتدين به، أعني المسائل المخالفة لصحيح الأدلة. وسيأتينا التنبيه على أن المقصود ليس دعوة المخالفة؛ لأن كثيرًا ما يدعي بعض الناس أن هذه المسألة مخالفة للدليل، والإشكال أنها لا تكون مخالفة للدليل، هو لم يفهم الدليل، أو لم يعرف مراتب الأدلة. لكن نحن نقصد المسائل القليلة التي يُقِرُّ أئمة المذهب وأئمة السنة والحديث أنها مخالفة للأدلة الصحيحة.

ويُذكر عن الإمام ابن دقيق العيد رحمه الله -وكان شافعيًا مالكيًا يفتي في المذهبين- أنه صنَّف جزءًا -لم يَصِلْنا للأسف إن كان صنَّفه حقيقة- فيما لا يَحِلُّ الإفتاء به من مسائل المذاهب الأربعة. في كل مذهب مسائل لا يجوز الإفتاء بها في المذاهب الأربعة كلها؛ لمصادمتها الصريحة للحديث النبوي، لأن العالم لم يبلغه الحديث وهو معذور في ذلك.

والهدي القاصد في هذا أن يُحفَظ مقام السنة ويُعذَر العالم. يُحفَظ مقام السنة باتباعها، ويُعذَر العالم في مخالفته لها. وإذا خالفت هذين فقد خالفت أصلًا عظيمًا من أصول الاعتدال والاستقامة على السنة. إذا تركتَ السنة ولم تحفظ حرمتها لقول الإمام قد أسقطتَ حُرمتها. وإذا طعنتَ في الإمام لمخالفته للسنة فقد خالفت الاستقامة أيضًا. وسبيل الاستقامة وطريقة الأئمة الجمع بين هذين الأصلين: حفظ الشريعة وحفظ حُرمة السنة، وأيضًا في المقابل حفظ مقام أئمة الدين.

وفي هذا القصد -الجمع بين هذين المقامين- ألَّف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كتابه الشهير المعروف بـ**”رفع الملام عن الأئمة الأعلام”**. لم يؤلِّفه فقط لذكر أعذار العلماء كما يُظَن، وإنما ألَّفه لحثِّ الناس على حفظ مقام الشريعة وحفظ مقام الأئمة في الوقت نفسه. فلا تُترَك السنة لمخالفة الإمام، ولا يُطعَن في الإمام لمخالفته السنة، بل تُحفَظ حُرمة الشريعة، ويُعتَبَر للإمام بما يُعرَف به قدره ومقامه.

وجاء أيضًا أحد القضاة الكبار من الحنفية إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يستشيره في أن يتحوَّل عن مذهبه، لكثرة -بالنسبة إليه- ما وجد عنده مستقرًا في نفسه من مخالفة المذهب للأحاديث الصحيحة. فأرشده الشيخ رحمه الله إلى أن لا يترك مذهبه، قال: “ابقَ على مذهبك، لكن المسائل التي تجد أنها تخالف الدليل لا تأخذ بها”. هذا هو الاعتدال، تبقى على المذهب وتتفقه فيه وتفهم أصوله وفروعه؛ لأن المقصود الذي هو أن الملكة الفقهية وإفتاء الناس بها حاصل بأي مذهب من المذاهب. فقال له الشيخ: “لا تتحول عنه، ابقَ على مذهبك، لكن المسائل المخالفة للحديث اتركها”.


الطريقة الوسط في دراسة المذهب

وعندنا طرف بالمقابل، طرف آخر إذا تكلم على كتب المذهب يستصحب هذه الفكرة أن هذه الكتب الأصل فيها مخالفة الدليل. ولما يشرح الكتاب هو يشرح الكتاب ونظره إلى كتب أخرى وإلى مذاهب أخرى، وهذا أيضًا خطأ. هو يشرح الدليل. حتى صار بعضهم يُنَكِّت -وهذا أيضًا سنرجع إليه-، صار أصحاب الطريقة الأولى -يعني طريقة الثبوت على المذهب ثبوتًا كاملًا- يُنَكِّتون على أصحاب الطريقة الأخرى، يقول لك: يشرح المذهب -يشرح مثلًا الرسالة- يشرح رسالة ابن أبي زيد بكلام ابن تيمية مثلًا، أو يشرح الأخضري مُحَشَّى بابن حزم.

هذا لا شكَّ أنه لا يستقيم. أنت إذا كنت ترى أن هذا المذهب أو هذا الكتاب لا يفي بمقصودك اللي هو تعليم الفقه وتعليم الطلاب، اذهب إلى غيره. أما أن تأخذ الكتاب وتبقى مستصحبًا أنه مخالف للدليل وتنتقد عند كل موضع، ولا تأخذه أَخْذَ مَن يريد أن يأخذ منه فقهًا، وترى أنه غير مؤهَّل لذلك، اتركه لغيره. ما الذي ألجأك إلى أن تشرح كتابًا ثم تخالفه في أكثر مسائله لمسائل لمذاهب أخرى أو أقوال أخرى؟ قد يكون ما في الكتاب أصح دليلًا وأقوم تعليلًا.

لكن الطريقة الوسط، الطريقة السليمة، أن تتعامل مع هذه الكتب على أنها مذاهب الأئمة الكبار المقتدى بهم، استقر عليها أجيال من أئمة الإسلام وفقهاء الملة، ليس واحدًا ولا اثنين ولا ثلاثة ولا أربعة، وإنما هم أجيال من فقهاء من أئمة الإسلام وفقهاء الملة، وفيهم من العلم والدين ما يجعله في مقام القدوة والاحتذاء.

فأنت تأخذ الكتاب على أنَّ الأصل فيه أنه على الصواب. ستشرحه -ونشرحه- ستشرحه على أنَّ الأصل أنَّ ما فيه من المسائل هدى وصواب. إذا جاءت مسائل مخالفة للدليل تترك. هذا هو هذا هو السبيل القويم. ولا إذا حِدتَّ عن هذا وجعلت كل ما في كل -إذا جعلت تنظر إليه تأخذ الكتاب وتتعامل معه على أنه مليء بالأخطاء ومليء بالكذب- إذاً اتركه.

ها سندرس ابن أبي زيد معتقدين أن هذا الرجل وهذا الإمام لَخَّصَ من مذهب مالك زُبدتَه وخلاصتَه، وغالب تلك المسائل صواب، وطريقتهم طريقة مستقيمة. فيه مسائل ولا شكَّ أنها موجودة مخالفة للمذهب، وكثير من أعيان المذهب مَن نصَّ على مخالفتها للسنة وتركوها، وهذا -قلتُ- موجود في كل المذاهب، فتُترَك أعيان تلك المسائل المخالفة لصحيح السنة.

وتُوزَن كل مسألة بمقدارها. فبعض المسائل مخالفة للسنة خطأ مَحْض تترك عليها، وبعض المسائل فيها احتمال، يعني فيها راجح ومرجوح، وفيها قريب وبعيد، وفيها محتمل احتمالًا شديدًا ومحتمل احتمالًا ضعيفًا وهكذا. ومما تُعلِّمُك إياه كتب الفقه أن تَزِنَ المسائل بميزان القسط، وأن تعاملها كما ينبغي أن تُعامَل به

من الإشكالات الموجودة في هذا الباب أن يخوض فيه من لا يفهم مراتب الأدلة ومراتب الأحكام الشرعية؛ سيعامل المسائل كلها على ميزان واحد، لا يفرِّق بين:

  • مسألة فيها إجماع.

  • أو مسألة مبنية على نص صحيح متفق عليه.

  • أو مسألة مبنية على حديث صحيح ضعَّفه بعض الأئمة.

  • أو مبنية على حديث صحَّحه بعض الأئمة والراجح أنه ضعيف.

هذه أنواع من المسائل، هو لا يعرف هذا. سيعامل كل المسائل معاملة واحدة، ويصير يُنكر حيث لا يجوز الإنكار. يجيء إلى مسألة هي مبنية على حديث -نعم الحديث الصحيح- لكن ضعَّفه أئمة آخرون. إذاً، أنت حينما تتعامل معها، تعامل معها معاملة مَن يعلم أنَّ من الأئمة مَن لم يصحَّ عندهم هذا الحديث، فلا تُلزِم إمامًا بتصحيح إمام.

وإذا كانت المسألة مبنية على حديث أنت تظن أنه صحيح لأنه صحَّحه مَن صحَّحه من الأئمة، وغيرك ممن حقَّق الكلام فيه يعرف أنه ضعيف، إذاً لا تستقيم المسألة ولا تستقر. فالمقصود أنك لما تتعامل مع المسائل الفقهية ومع كتب الأئمة بنية حسنة، وأنك تستصحب أنَّ الأصل في هذه أنها صواب، ستحاول أن تفهم وجه القول، تشرح وتُقرِّر وتعرف دليله. ثم إذا لم نجد له مخرجًا من مخالفة السنة، هذا لا بد أن يُترك.

فإذاً، إن شاء الله هذا هو، وهذا هو طريق الأئمة من القديم. فكانوا يتعاملون مع كتب الفقه على أنها مُعينة على فهم الكتاب والسنة. تأخذ منها وتتفقَّه فيها وتستعين بها على فهم الكتاب والسنة.


وحدة الهدف في دراسة المذاهب

 

وإذا تعاملت بهذا المعنى -الذي هو أنك تستعين بها على فهم الكتاب والسنة– فإنك ستطمئن وستستريح وستزول بعض الحزازات الموجودة عند الناس. ما يصيرش عندك خلاف ولا إشكال: “أنا أدرس المذهب المالكي ولا أدرس المذهب الحنبلي ولا الشافعي؟” لا فَرْق.

لأنَّ المقصود واحد، وهو أن تحصِّل مَلَكة الفقه، أن تحصل مَلَكة الاستنباط من القرآن والحديث. إذا تفقَّهت لمالك أو الشافعي، كلاهما واحد. بعض الناس يضيق صدره لما يلقى شخص -مثلًا هنا في الجزائر- يتفقه على غير مذهب مالك فيُنكر عليه. طيب، لِمَ تُنكر عليه؟ المقصود واحد. أنت تُنكر عليه لأنك تعتقد أن المذاهب تُدرَس لأنه يجب اعتقاد كل ما فيها، هذا باطل، هذا مخالف لإجماع المسلمين في الصدر الأول.

لا ندرسها لأننا نعتقد أن كل ما فيها يجب اعتقاده فنُنكر على مَن خالف. المقصود هو أن يتفقه. هو لم يستطع أن يتفقه على مذهب مالك؛ لأننا -للأسف- وإن كنا نقول إن هذا المذهب هو المنتشر في أصقاع المغرب كلها، لكنه بالنسبة لكثير من طلاب العلم يصعب عليهم دراسته لكونه -كما يُقال في التعبير المعاصر- غير مخدوم. كتبه كثيرة غير مطبوعة الطبعات الجيدة المُقرِّبة -وإن كان طُبِعَ في الزمن الأخير الكثير منها-، الشروح الصوتية ليست كما ينبغي، فيصعب دراسته. هو المذهب نفسه صعب، مذهب مالك صعب، أصعب من المذهب الحنبلي وأصعب من المذهب الشافعي.

لكن زادته صعوبة أنه غير مخدوم، وهذه يعاني منها المالكية من قديم. وابن شاس صاحب “الجواهر” -أحد الكتب الكبيرة المعتمدة في المذهب- ذكر أنه إنما ألَّف “الجواهر” لأنه رأى أن طلاب العلم المالكي في زمنه -في المئة الخامسة أظن، متوفى أربعمئة وكذا- صاروا لا يستطيعون أن يدرسوا المذهب، وصاروا يميلون إلى دراسة المذهب الشافعي من أجل “وجيز الغزالي”.

الغزالي أبو حامد اتَّصف بحسن التصنيف، وكان يُحسن تصنيف العلم وتقسيمه وتهذيبه. لذلك الغزالي له أثر عظيم في ترتيب العلوم: أصول الفقه مُرَتَّب على ما رتَّبه الغزالي، والفقه الشافعي مُرَتَّب على ما رتَّبه الغزالي وغير ذلك. فكان طلاب العلم المالكي يميلون إلى دراسة المذهب الشافعي بسبب حسن تقريب الغزالي وترتيبه لهم. فاقتدى به ابن شاس -وهذا يعني أنه في المئة السادسة لأن الغزالي توفي في سنة خمسمئة وخمسين-، اقتدى به ابن شاس، وألَّف “الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة”، وهو من الكتب المعتمدة الكبيرة في المذهب. وهذا سبب أنه دخلت عليه بعض المسائل من مذهب الشافعي، بعض المسائل في “الجواهر” ليست على مذهب مالك، دخلت عليه من “الوجيز” لأنه تبعه في الترتيب. الشاهد أن هذا كان في زمن ابن شاس موجودًا، لا يزال موجودًا الآن في هذا الزمن. المذهب غير مخدوم عند كثير من الناس فيصعب. إذاً، الطالب سواء دَرَسَ على هذا المذهب ولا على هذا المذهب، المقصود واحد، المقصود أن يحصِّل الملكة الفقهية. فَقُلْ له: ما تيَسَّرَ لك واستطعتَ أن تدرسه ادرسه. المهم أنك تجتهد في تحصيل الملكة الفقهية. لأنك أنت تتعامل الآن مع المذهب بهذه العقلية: عقلية أننا ندرسها لنتفقه، لنستعين على فقه الكتاب والسنة، فلا تكون هذه الحزازات بين المذاهب.

لكن -كما قلتُ- نحن اخترنا مذهب مالك للسبب المذكور، وأيضًا لكونه هو المذهب الشائع. وأيضًا من أثر ذلك أنك تحتاجه حتى في تعليم الناس، في دعوتهم، في فهم كثير من تصرفاتهم. كثير من تصرفات الناس -ولله الحمد- يتدينون بمذهب مالك منذ عَرَفُوا أنفسهم. فلذلك كثير من تصرفات الناس وأفعالهم وعقائدهم وعاداتهم مأخوذة من المذهب: تصرفات العجائز، حتى في طعامهم، في ذبحهم، في لبسهم، كثير منها سيرجع أصلها إلى المذهب. وستلاحظون كثيرًا من هذا في أثناء مرورنا على مسائل هذا الكتاب. ولذلك فإن الإنسان إذا كان عنده معرفة بمباني تلك المسائل ومآخذها في الناس، يستطيع أن يفهم مآخذ الناس ويتعامل معه تعاملًا سديدًا: هل هي موافقة للصواب أو مخالفة له، قريبة أو بعيدة، وهكذا.

إذاً، هذا هو سبب اختياري لكتاب في الفقه المالكي.


اختيار “رسالة ابن أبي زيد” ومنهج التدرج

 

وقلتُ اخترنا البداءة بـ**”رسالة الإمام أبي محمد أبي زيد”**.

وسيسأل الناس أيضًا طبعًا: لماذا “الرسالة” مادام مُدرَّجة مالكية؟ كلمة “المدرَّجة” تعني التدرُّج. العادة في التدرج في الأعصار المتأخرة لا يُبدأ بـ**”الرسالة”**، وهو كذلك. توجد كُتُب صغيرة أُلِّفَت قبلها. فيوجد مختصر الأخضري، هو سهل يسير، فيه الطهارة والصلاة. ويوجد مختصر ابن عاشر أيضًا، وفيه العبادات -التوحيد والطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج-. وهذه عادة -لا سيما في المغرب- تُدرَس أولًا، ثم تُدرَس الرسالة، ثم خليل. هذا هو الترتيب المعهود عندهم.

صاحب النظم المعتد في معتمد المذهب يقول -في أبيات له وهي خارج هذا النظم- يقول:

“علامة الجهل بهذا الجيل / ترك الرسالة إلى خليل”

“وترك الأخضري إلى ابن عاشر / وترك هذين للرسالة احذرِ”

إذا أخذنا هذا الوزن، وش يقول؟ يقول: احذر أن تترك الأخضري وابن عاشر للرسالة. ابدأ بالأخضري، لِمَ؟ لأنه فيه الطهارة والصلاة فقط، سهل جدًا. ثم انتقل إلى ابن عاشر، لأنه فيه العبادات. ثم بعده الرسالة، ثم تُكْمِل بـخليل، وخليل هو نهاية المذهب عند المتأخرين؛ لأنه لخَّصَ المذهب كله في مختصره.

“تركنا الأخضري وابن عاشر -وترك هذين للرسالة احذرِ-“. نحن ارتكبنا المحظور الذي حذَّرنا منه الغلاوي، ولذلك مقاصد. من أهمها أنه هذه المدرَّجة أصلًا سبقتها مُدرَّجة أخرى: مدرَّجة سعدية. وذكرنا هنالك أننا اخترنا فقه الشيخ ابن سعدي؛ لأنه فقه قائم على الأدلة، جَمَعَ بين الدليل والفقه، ولأنه سهل وميسور وعالمه ومؤلِّفها مُعاصر، والمتفقه فيها يستطيع أن يأخذ منها ما يتعبَّد به. هو نفس مقصود من ألَّف الأخضري وابن عاشر؛ لأنهم يؤلفون للصبي لما يحتلم، لا بد أن تُلزمه الطهارة والصلاة، فألَّفوا له الطهارة والصلاة. يحتاج معها إلى العبادات فألَّفوا له العبادات. وبعضهم زاد قبل الرسالة زاد العشماوية. لماذا؟ لأن العشماوية فيها العبادات وفيها جُمَل من مسائل الفرائض والبيوع نحوها، فصارت العشماوية إذاً واسطة بين الرسالة وبين ابن عاشر. وإن كانت العشماوية في الغالب لا تُدرَس في المغرب، عشماوية مشرقية تُدرَس في مصر؛ لأن مؤلِّفها مصري، المشارقة لا يستعملونها، المغاربة لا يستعملونها.

لكن نحن قلنا هذه الأشياء لا نحتاج إليها. أولًا: لأنه سبقتها مُدرَّجة، فمِن المفروض أن الذي يدرس هذه المدرَّجة معنا يريد الآن أن يحصِّل ملكة الفقه على طريقة الفقهاء، وليس مجرد المسائل بأدلتها. وأمر آخر، وهو أن تلك الكتب -كما قلنا- الكتب ليست كاملة. نحن نريد كتابًا يشتمل على أبواب الفقه كلها. أول مختصر في المذهب يشتمل على أبواب الفقه كلها هو مختصر ابن أبي زيد هذا. الباقي كله ستقف عند الصلاة ثم تحتاج إلى ما بعدها. ونحن كبار -ولله الحمد- لسنا أطفالًا في الغالب. -وإن كان كاين بعض الصغار الذين ما أظن يوجد صغار لتلزمهم الطهارة والصلاة فقط-. لكن ابن أبي زيد ألَّفها للصغار ولِمَن يحتاج إليها من الكبار. نصَّ على هذا في آخر الكتاب. نحن القسم الثاني، مَن يحتاج إليها من الكبار، نحتاج إلى البيوع وإلى الأنكحة وإلى غيرها.

إذاً، لكوننا قدَّمنا بـالمُدرَّجة السعدية سابقًا، ولكون “الرسالة” أول كتاب كامل ونحن نريد كتابًا فقهيًا كاملًا، اخترنا “رسالة أبي محمد ابن أبي زيد” رحمه الله.


مميزات “الرسالة” ووجوه العناية بها

 

مع كونه كتابًا مخدومًا عُنِيَ به العلماء عناية عظيمة، وكونه مَتْنًا مُباركًا، ما يكاد يشتغل به شخص إلا ظهر انتفاعه به، ولِكَوْنه على الطريقة القديمة في الفقه -يعني في سهولة العبارة ووضوح المقصد مع سلامة المعتقد-، وكونه قدَّمه بتلك المقدمة البديعة التي طبَّقت الآفاق في العقيدة الصحيحة، ولغير ذلك من الميزات. فإذاً، هي رسالة عظيمة مباركة.

من طريقة المالكية في التأليف التي تميَّزوا بها عن المذاهب الأخرى أنهم يُقدِّمون بمقدمة عقدية ويختمون بخاتمة في السلوك، وبينهما فقه الأحكام. يجمع الإنسان إذا درس الفقه المالكي بين الإيمان والإسلام والإحسان:

  • الإيمان في المقدمة العقدية.

  • والإسلام (اللي هي الشرائع العملية).

  • والإحسان في الكتاب اللي يسمونه كتاب “الجامع”، بعضهم يسميه السلوك.

جميعكم يحفظ قول ابن عاشر في مَتنه في فقه مالك: “وفي عقد الأشعري، وفقه مالكِ، وطريقة الجنيد السالكِ”. لأنه في الأزمنة الأخيرة صارت العقيدة أشعرية والسلوك صوفية، والفقه مذهبيًا -يعني على المذهب-. ليشتغل بها سيجد هذه الثلاثة. أما رسالة ابن أبي زيد ففيها الثلاثة، لكن عقيدة سلفية ناصعة، وآداب محمدية سُنيَّة مستقيمة، وفقه مالكي أصيل.

هذه هي رسالة أبي محمد رحمه الله. وقد عُنِيَ بها العلماء -كما قلتُ- عناية بالغة، كُتِبت عليها الشروح، واعتُمِدت اعتمادًا واسعًا من يوم ما ألَّفها. ومِن العجيب وتوفيق الله وقبول هذا الكتاب أنه اعتُمِدَ في زمن مؤلِّفه إلى اليوم. وحسبكم أنَّ القاضي الكبير عبد الوهاب البغدادي رحمه الله شرحها شرحه الكبير الواسع، وهو في زمن ابن أبي زيد -توفِّي ثلاثمئة وستة وثمانين- القاضي عبد الوهاب متوفَّى أربعمئة واثنين وعشرين، يعني بين وفاتيهما بضع وثلاثون سنة. شرحها في زمنه رحمه الله. واشتغل بها الناس. بل إن شيخه بالإجازة أبو بكر الأبهري ألَّف على أدلتها كتابًا سمَّاه “مُسنَد الرسالة”. والظاهر من العنوان أنه يُسنِد الأحاديث التي أشار إليها ابن أبي زيد في الرسالة. وهو يُعتَبر شيخ ابن أبي زيد بالإجازة استجازه ابن أبي زيد رحمه الله.

وتتابع الناس على شرحها وصنَّفوا أنواعًا كثيرة. اجتمع لي من وجوه خدمة العلماء لـ**”رسالة ابن أبي زيد”** اجتمع لي منها عشرة وجوه، في كل وجه عدد من التصانيف. أهم هذه -وهذا يسهِّل دراستها والاعتناء بها- لأنك ستكون مُشتغلًا بمجموعة من الكتب. إذاً أنت ستتفقَّه بـ**”الرسالة”** وبالأعمال التي حولها، ستكون مُحاطًا بمجموعة من الأئمة ما بين شارح ومُنقِّح وناظم ومُعتني وغير ذلك.

إذاً، أقول اجتمع لي من وجوه العناية بـ**”رسالة ابن أبي زيد” عشرة وجوه**:

  1. الشرح (أعظمها): من وقت القاضي عبد الوهاب إلى زمننا، ولا تزال تصدر شروح. أجلُّها وأعظمها هو شرح القاضي عبد الوهاب المالكي، وقد طُبِعَ أخيرًا كاملًا إلا أجزاء يسيرة، وله أكثر من طبعة. الطبعة التي أنصح بها هي الطبعة الجزائرية: طبعة الخزانة باثني عشر جزءًا، وقد أثبتوا في مقدمتها نص “الرسالة” لابن أبي زيد، ثم طُبِعَ النص مُفردًا. وهذه الطبعة هي التي سنعتمدها إن شاء الله تعالى في الشرح. توجد لها شروح كثيرة أخرى. من أنفسها وأفضلها أيضًا شرح الفاكهي؛ الدين فاكهي، شارح عمدة الأحكام، من تلاميذ الإمام ابن دقيق العيد. وشرحه على “الرسالة” من أعظم الشروح أيضًا، ومن أفضلها وأنفعها شرح ابن ناجي التونسي أيضًا. ولها شروح كثيرة لكن أنا أقتصر على هذه الثلاثة لأنها من أفضل الشروح:

    • القاضي عبد الوهاب: فيه أدلة “الرسالة” ومناقشة المسائل.

    • الفاكهي: لغتها وألفاظ ابن أبي زيد؛ لأن الفاكهي إمام لغوي كبير.

    • ابن ناجي: عناية بموافقتها للمشهور وعدم موافقتها.

  2. اختصار الشرح. اختُصِرَ شرح الفاكهي واختُصِرَ شرح غيره.

  3. النظم وشرحه. نَظَمَها بعض الشناقطة، ثم شُرِحَ النظم.

  4. النقد والتعقُّب. ومِن قُدماء من انتقد ابن أبي زيد وتعقبه ابن الفخَّار وكتابه مطبوع، ونقده غيره.

  5. جمع النظائر وشرحها، مثل “نظائر الرسالة” التي جمعها ابن غازي أحد الفقهاء الكبار -أي الأمور المتشابهة- ثم شرح هذا النظم الحطاب وزاد عليه. وسنأتي على هذه النظائر في أماكنها إن شاء الله.

  6. شرح المقدمة نفسها.

  7. نظم المقدمة نفسها.

  8. شرح نظم المقدمة.

فهذه كلها من وجوه الخدمة. وهذه الوجوه كلها إن شاء الله سنحرص على أن نستعين بها ونستصحبها معنا إلى تمام الكتاب إن شاء الله.


الاصطلاح المذهبي والمنهج المستقبلي

 

وهو كتاب آخر ما نُنَبِّه عليه فيه أنه على أنه وشروحه على اصطلاح القرويين. احنا عندنا في المذهب -في مذهب مالك- سنعرف أنه عندنا طريقتان: طريقة تُسمَّى اصطلاح القرويين، وطريقة البغداديين. سنأخذ “رسالة ابن أبي زيد” في اصطلاح القرويين، وحتى نجمع بين الاصطلاحين بعد “الرسالة” نأخذ “التلقين”، لأنه في اصطلاح العراقيين. وإذا وفَّق الله ومُدَّ في العمر وأعان وسهَّل، وختمنا الكتابين، سنأخذ الكتاب الجامع في المذهب كله، وهو مختصر خليل. أسأل الله تعالى أن يُعين ويُوفِّق ويُثَبِّت.

بارك الله في الجميع. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *