الدرس 2 من شرح الرسالة لابن أبي زيد القيرواني – خالد حمودة

إنَّ الحمد لله. نعودُ باللهِ من شرور أنفسنا، فـ في هذه الدار فلا مُضِلَّ لنا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ سيدنا محمدًا عبده ورسوله. اللهم صلِّ وسلِّم عليه وعلى آله صلاةً وسلامًا دائمَين إلى يوم الدين.

إن شاء الله تعالى سنشرع في قراءة “رسالة” الشيخ أبي محمد رحمه الله، والتعليق عليه بشرحه وما فيه، مستعينين بالله، طالبين عونه وهداه.


مقدمة الرسالة وشرحها

بسم الله الرحمن الرحيم. صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليماً. قال الفقيه أبو محمد عبد الله القيرواني رحمه الله وغفر له ولشيخه وللمسلمين:

«الحمد لله الذي ابتدأ الإنسان بنعمته، وصوَّره في الأرحام لحكمته، وأبرزَه إلى رِفقه وما يسَّر له من رزقه، وعلَّمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيمًا».

نعم. العلماء اقتداءً بـ كتاب الله جل وعلا يستفتحون المصنَّفات بتحميد الله تعالى بما هو أهله، وثَناء على الله جل وعلا بما يناسب المقام. وكثيرًا ما يكون في تلك الاستفتاحات من المحامد ما ينبغي أن يُوقَف عليه ويُتأمَّل؛ فإنَّ أبا محمد رحمه الله من الطبقة الأولى من العلماء، ويقال إنه آخر المتقدمين وأول المتأخرين، وكلام هؤلاء كلام مبارك، وفيه من التنبيه والفائدة ما فيه. وكثير من طلبة العلم لما يقرأ هذه المحامد يقفزها، يروح مباشرة إلى شروع المصنِّف في المقصود؛ لأنَّ ذاك هو المقصود من الكتاب. وقد يفوت من مُهمِّ العلم ونفيسه في تلك الاستفتاحات من التنبيهات والمقاصد والمحامد ما قد يفوت. ومِن ذلك هذه المقدمة، الافتتاح المبارك، المحامد الجليلة الذي افتتح بها ابن أبي زيد رحمه الله رسالته. هو استفتاح يقودك إلى المقصود شيئًا فشيئًا.

بدأ بحمد الله جل وعلا بنعمه التي عَمَّت بني آدم جميعًا، ثم سينزل درجة درجة.

بدأ بحمد الله جل وعلا الذي ابتدأ الإنسان بنعمته، ولم يقل: “الذي أنعم على الإنسان”؛ لأنَّ نِعَمَ الله كثيرة، وآلاءه جليلة لا يحيط بها عدٌّ، ولا يُحصيها مُحصٍ. لكن في تلك النعم الله جل وعلا ابتدأ بها الإنسان من غير استحقاق. ابتدأها به معناها أنَّ الإنسان كان [على علم] أنَّ الله تعالى ابتدأ فضلًا وكرَمًا بالنعمة، فخلقهم وصوَّرهم وأحسن إليهم وأنعم عليهم. هذه نكتة نظيفة في ملاحظة نعمة الله جل وعلا، وأنَّ الله تعالى ابتدأنا بها ولم نستحقها عليه سبحانه وتعالى. وهذه من لطائف المعاني في المحامد.

قال: «وصوَّره في الأرحام لحكمته». الله جل وعلا صوَّر الإنسان وهو في بطن أمه، صوَّره الله جل وعلا على أحسن صورة، كما قال الله تبارك وتعالى: {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} (غافر: ٦٤). وقال: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَكَّبَكَ} (الانفطار: ٦-٨). فالله تعالى أنعم على الإنسان بخلقه ابتداءً، وأنعم عليه بأن أحسن تصويره ثانيًا.

قال: «وأبرزَه إلى رِفقه وما يسَّر له من رزقه». تأمَّلوا ما أجمل وألطف قوله: «وأبرزَه إلى رِفقه». يعني لم يُخرجه إلى الدنيا ولا يستطيع مثلًا أن يأكل أو يشرب أو يتنفس إلا بصعوبة، ولا يستطيع أن يمشي في الأرض أو يده [تعمل] أو يقضي مآربه أو يجد طعامه إلا بصعوبة. الله تعالى هيَّأ للإنسان رِفقه. الرفق هو أن يُؤتَى الشيء من أسهل الوجوه وأيسرها. لما يُفعَل الشيء بأيسر الوجوه وأسهلها نقول: هذا رفق.

فالشيخ يقول: الله تعالى صوَّر الإنسان في بطن أمه، ثم أبرزَه إلى رِفقه. تجد في نفسه وفي بدنه رِفق الله تبارك وتعالى في كل شيء. كل عضو من أعضائك فيه رِفق: كيف ترى؟ وكيف تمشي؟ وكيف تطعم؟ وكيف تتكلم؟ تحتاج أن تتكلم فيجري لسانك بما جال في خاطرك من غير أن تتعب، ومن غير أن تحتاج إلى أي مساعدة أو إعانة. تريد أن تمشي فتعتدل الخُطى وتمشي وأنت مُستقيم. تريد أن تأكل الطعام فتستسيغه، وتمضغه، يهضمه بدنك ويأخذ منه ما يحتاج إليه وينتفع به، والفاضل يخرج بيُسر وسهولة. أي نِعَم أكثر منها؟

وكذلك لخلق السماوات والأرض. السماء فوقنا مبنية، محكمة البناء، مُرصَّعة بالنجوم الهادية، والكواكب المُنيرة، وهي ممدودة مبسوطة، يَسهُل المشي فيها والسعي في مناكبها. يحملك البحر في الفُلك، وتستخرج منه اللحم الطري، كما قال الله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا} (النحل: ١٤). فإذاً الإنسان في نفسه، وفي السماوات والأرض، وفيما فيها وما سُخِّرَ فيها، كل ذلك رفق من الله تعالى. فما أجمل قول الشيخ رحمه الله: «وأبرزَه إلى رِفقه».

قال: «وما يسَّر له من رزقه»؛ أي ما سهَّل عليه من الأرزاق التي بها قِوام معيشته واستقامة بدنه.

قال: «وعلَّمه ما لم يكن يعلم، وكان فضل الله عليه عظيمًا». هذه أيضًا نعمة أخرى جليلة خصَّ الله بها بني آدم، وهي خصيصة العلم والفهم. الله تعالى فضَّل الإنسان بهذا وكرَّمه وأسجد الملائكة لآدم بسبب ما علَّمه سبحانه من الأسماء التي لا عِلم لهم بها. الله جل وعلا قال: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} (العلق: ١-٥). فإذاً، تعليم كون الإنسان عنده السمع والبصر وكذلك القابلية والأهلية لأن يتعلَّم، هذه من أعظم نِعَم الله جل وعلا. لكن كما قلنا، هذه نِعَم اشترك فيها جميع بني آدم، وينبغي أن يقف عليه الإنسان ويتأمَّله.


إقامة الحجة وإرسال الرسل

«ونبَّهه بآثار صنعته، وأعذر إليه على ألسنة المرسلين الخِيار من خلقه، فهدى مَن وفَّقه بفضله، وأضلَّ مَن خذله بعدله، ويسَّر المؤمنين لليسرى، وشرح صدورهم للذكرى».

نعم، عباد الله. قلنا بعد أن ذكرنا نِعَم الله جل وعلا به على جميع بني آدم، انتقل إلى شيء آخر: إرسال الرسل وإقامة الحجة.

«ونبَّهه بآثار صنعته»؛ يعني الدلالة على توحيد الله جل وعلا. نبَّهَهُ بآثار صنعته هذا أولًا. الله جل وعلا جعل في آثار خلقه -كما قال تبارك وتعالى: {فَانظُرْ إِلَىٰ آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} (الروم: ٥٠)}- ففي صُنع الله تعالى وفي خلقه وفي ما جعله في السماء والأرض دلالات وبراهين على وحدانية الله جل وعلا وربوبيته وكمال أسمائه وصفاته.

لكن مع ذلك لم يكتفِ بدليل الفطرة. فالله أنعم على الإنسان بأن جعل فطرته [مُنَبَّهة]، والآيات والمخلوقات التي حوله كلها مُنَبِّهة له على خالقه ومعبوده. ثم انضم إلى ذلك دعوة المرسلين. فالأول هي إقامة الحجة بالفطرة ودلائل الصنعة، والثاني الذي بعده إقامة الحجة أيضًا بالمرسلين.

فقال: «ونبَّهه بآثار صنعته، وأعذر إليه». أعذر إليه بمعنى أزال عذره. تقول: “عذَرَه”، ثم تقول: “أعذَرَه”؛ يعني أزال العذر. هذه الهمزة تُسمَّى همزة السلب. قال خباب رضي الله عنه: (شَكَوْنَا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يُشْكِنا). يُقال في العربية: “شَكا إليه فأشْكاه”؛ يعني أزال شكواه، أزال سبب الشكوى. شكوتُ إليه ظُلم فلان فأشْكاني؛ يعني أزال الظُلم.

فكذلك قولهم: “أعذَرَ الله إليه”. (أَعْذَرَ اللهُ إلى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ حتَّى بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً)، قال النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: أزال عُذره. إذاً، الله تعالى أقام الحجة على الخلق، وأعذر إليهم أي أزال عُذرَهم بما [جاء] على ألسُن المختارين من خلقه، وهم رُسله جل وعلا.

«فهدى مَن وفَّقه بفضله، وأضلَّ مَن خذله بعدله». وهذا سيأتي الكلام عليه في القدر، وهو خلاصة الإيمان بقَدَر الله جل وعلا: أن يؤمن الإنسان أنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنَّ من هداه الله جل وعلا فبفضله، وأنَّ من خذله سبحانه وتعالى فبعدله. فأفعال الله تبارك وتعالى دائرة بين الفضل والعدل. والناس صنفان لا ثالث لهما: مَهديٌّ مُوَفَّق تفضَّل الله عليه، وضالٌّ مخذول عدل الله جل وعلا فيه. فلذلك هذا قال: “هداه بفضله”، والآخر “خذله سبحانه وتعالى بعدله”.

«ويسَّر المؤمنين لليسرى»، كما قال الله تبارك وتعالى: {فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَىٰ} (الليل: ٧). فالصلاح واليُسرى اللي هي الجنة وأسبابها، هذا تيسير من الله تبارك وتعالى ليس بحول الإنسان ولا بقوته.

وقال: «وشرح صدورهم للذكرى». هذا كقول الله جل وعلا: {أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَىٰ نُورٍ مِّن رَّبِّهِ} (الزمر: ٢٢). فالإيمان والإسلام والاستقامة هذا فضل من الله تبارك وتعالى. وهذا -كما قلتُ- هو أهم شيء في باب القضاء والقدر، أن يقوم بقلب الإنسان هذا المعنى، وسيأتي له مزيد بيان في شرح العقيدة إن شاء الله.


ثمار الإيمان ومقصد الكتاب

نعم، هذا تفصيل بعد إجمال؛ لما ذَكَرَ أنَّ الله تعالى هدى المؤمنين، يسَّرهم لليسرى، وشرح قلوبهم للذكرى، فصَّل ذلك وبيَّنه.

قال: «فآمنوا بالله بألسنتهم ناطقين». هذا الجار والمجرور “بألسنتهم ناطقين” في محل نصب حال؛ يعني آمنوا على أي حال؟ حال كونهم ناطقين بالألسن، مُخلصين بالقلوب، عاملين بالجوارح. وهذا منه إشارة إلى ما سيأتي في العقيدة أيضًا تقريره: أنَّ الإيمان عند أهل السنة والجماعة يكون اعتقادًا بالقلب وقولًا باللسان وعملًا بالجوارح. ولذلك الشيخ رحمه الله شرحها.

قال: «فآمنوا بالله»، لما الله تعالى يسَّرهم لليسرى وشرح قلوبهم للذكرى، وش اللي ترتَّب على ذلك؟ ترتَّب على ذلك أن حصلوا الإيمان بأركانه كلها: اعتقادًا، وقولًا، وعملًا.

ثم قال: «وتعلَّموا ما علَّمهم، ووقفوا عند ما حُدَّ لهم، واستغنوا بما أحلَّ لهم عما حرَّم عليهم». وفي نسخة: “عندما حَدَّ لهم”، وهي صحيحة. لكن “حُدَّ” بالبناء للمجهول أحسن، حتى تتفق مع ما بعدها، وهو قوله: «واستغنوا بما أحلَّ لهم عما حرَّم عليهم».

وهذا منه وصول إلى المقصود. بدأ بحمد الله جل وعلا على نعمه التي عمَّت بني آدم جميعًا، ثم ذكر التنبيه بآثار الصنعة والإعذار على ألسُن الرسل. وهذا عام أيضًا لجميع بني آدم، مُسلميهم وكافريهم. الأول عام للصغير والكبير والعاقل والمجنون، اللي بعده عام لجميع المكلفين من المسلمين وغيرهم. ثم وصل إلى المقصود اللي هو تيسير المؤمنين للإيمان.

ثم انتقل من ذلك -من الإيمان بشرائع الدين عامة- إلى شيء مخصوص، وهو الوقوف عند حدود الشريعة، وتحليل الحلال وتحريم الحرام. هذا ماذا؟ هذا موضوع الكتاب اللي هو الفقه. إذاً، تدرَّج من أعم شيء إلى أخص ما يناسب المقام، وهو الفقه. فهؤلاء المؤمنون الذين يسَّرهم الله لليسرى وشرح قلوبهم للذكرى، تعلَّموا أحكام الدين وتفقهوا فيها، والتزموا تلك الشرائع. «تعلَّموا ما علَّمهم ووقفوا عند ما حُدَّ لهم»؛ يعني التزموا حدود الله وشرائعه. «واستغنوا بما أحلَّ لهم عما حرَّم عليهم».

وهذا منه إشعار حسن جدًا بمقصود التفقه في الدين. وأنَّ الفقه في الدين ليس علمًا نظريًا، وإنما هو علم بالمقصود من خلق الخَلق وإيجادهم. المقصود من أنَّ الله تبارك وتعالى خلق الإنسان وصوَّره، وأنه نبَّهه بآثار فطرته، وأنه أرسل إليه المرسلين، فهدى مَن هدى وأضلَّ مَن ضلَّ، المقصود من ذلك كله ما هو؟ التعبُّد لله تبارك وتعالى وطاعته بما شَرَعَ على ألسنة المرسلين. إذاً، الفقه هذا الذي يقول ابن أبي زيد كأنه يقول: الفقه هذا الذي سيأتيك في هذا الكتاب هو المقصود من كل ما تقدَّم من الخلق والدعوة والهداية. وهذا فيه المعنى ذاك الإيماني الذي يعلِّم الإنسان المقصود من العلم ويُنَبِّهه بطريقة لطيفة مُقنعة إلى ضرورة إخلاص النية لله جل وعلا في تعلُّم هذا العلم؛ لأنه المقصود من خلق الخَلْق وإرسال الرسل وإنزال الكتب.


مطلب السائل وما اشتملت عليه الرسالة

نعم. أما بعد… نعم، إذاً يقول: «أعاننا الله وإياك على رعاية ودائعه». شُفْ هذا، هذا فيه الدعاء للسائل والمُخاطَب. وهذا من الهدي النبوي ومما سلك عليه العلماء واقتفوا به. لكن الدعاء أيضًا يناسب المقام، فهو الشيخ كأنه يقول: فقه الشرائع وتعلم الشرائع والالتزام بها هي وديعة الله فينا. وهي الأمانة التي كُلِّفنا بها. ولذلك قال: «وحفظ ما أودعنا من شرائعه».

الله قال: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا} (الأحزاب: ٧٢). الأمانة عند كثير من مفسري السلف هي الشرائع العملية. بعضهم قال: الغُسل من الجنابة هي الأمانة على سبيل التمثيل ليس على سبيل الحصر؛ لأنه لو صلَّى جُنُبًا لا يدري عنه أحد، فالله تعالى استأمنك على هذا. لو جاء رمضان ولم يَصُمْ وتظاهر أنه صائم، مَن يدري عنه؟ لا أحد. إذاً، الصوم أمانة.

فالشيخ رحمه الله يُشير إلى هذا المعنى. ولذلك قال للسائل عن مسائل الفقه وطالبها: «أعاننا الله وإياك على حفظ ودائعه». ليس المقصود الوديعة اللي هي الأمانة: “احفظ لي هذه الوديعة عندك”، ليس المقصود، وإنما ما أودعنا الله تبارك وتعالى واستأمننا عليه من الشرائع. فأنت مُستأمَن على دينك.

سيأتينا -وهذا من [مواطن] ربما إذا ما جاناش في هذا الكتاب يأتي في كتاب أعلى في الفقه- أنه كثير من المسائل الفقهاء يعبِّرون بعبارة: “يَدِينُ فيها”. إيش معنى “يدين فيها”؟ معناها أنَّ تلك المسألة موكولة إلى ديانة الشخص. يقول لك: “إن علمتَ من نفسك كذا، أو إن نويتَ كذا”. نحن لا نُلزِمك، لا نُقيم [عليك الحد]. يجيء يقول لك: أنا قلتُ لامرأتي كذا وكذا. شُفْ الحكم العظيم الذي سيترتَّب عليها، هو أنَّ امرأته حلال عليه ولا حرام؟ فيقال له: “إن نويتَ كذا فالطلاق لم يقع”. من الذي يقرر نوى ولا لم ينوِ؟ هو. إذاً، القضية ديانة، أمانة عنده. أنت وما أنت وديانتك، أنت وحفظك للأمانة أو تضييعك لها. هذا المعنى الشريف هو الذي قصده الشيخ لما قال للرجل: «وحفظ ما أودعنا من شرائعه».

وهذا الخطاب منه هنا، خطاب لمن طلب منه تأليف هذا الكتاب. والمشهور أنه خلف بن مُحرِز التونسي، كان في زمن الشيخ ومعاصرًا له، أحد العُبَّاد الكبار والصُّلَحاء المشهورين، يُسمَّى خلف بن مُحرِز التونسي. كاين قول آخر لكن هذا أشهر القولين.

وسيشعر الشيخ رحمه الله في آخره باهتمام هذا الرجل، وأنه أهل لأن يُجاب إلى ما قصد. ما سأل الشيخ؟ سأله أن يكتب له جملة من أمور الديانة. الجملة هنا المقصود بها ليست الجملة العربية -كما نستعملها في المصطلح المعاصر-، جملة من أمور الديانة يعني مجموعة من أمور الديانة، شيء عام، شيء شامل من أمور الديانة، ليس شيئًا خاصًا بمسألة واحدة. وإنما جملة من أمور الديانة التي هي ماذا؟ قال: «مِن واجب أمور الديانة» مما تَنطِق به الألسنة وتَعتقِده القلوب وتَعمَله الجوارح -وفي نسخة: “تعمل به الجوارح” وكلاهما صحيح-.

«وما يتَّصل بذلك من السنن، مؤكَّدها، ورغائبها، ونوافلها، وشيء من الآداب».

إذاً، هو ماذا سأله؟ سأله أن يبيِّن له:

  1. الواجبات.

  2. المستحبات.

  3. الآداب.

الواجبات اللي هي الصلاة والزكاة وما يتعلق بها، والمستحبات المعروفة اللي هي نوافل الطاعات يُتقرَّب بها إلى الله جل وعلا، والآداب أيضًا والآداب شيء أخص من المستحبات، ليس مجرد شيء مُستحَب. الأدب قد لا يَصِل إلى درجة أننا نقول: هذا مستحب، نقول: هذا أدب. وكثير منه يكون مستفادًا من تجارب الناس، من أعرافهم، من مما تقتضيه المروءات والأعراف، فيُعلِّمه الصبيان ليتأدَّبوا به.

إذاً، “الرسالة” اشتملت على هذه الأمور كلها، مع ما تعتقده القلوب قبل ذلك. إذاً: اعتقادات القلوب، وأعمال الجوارح، ونطق اللسان. وهذا كله الشيخ رحمه الله سيكرره مرة بعد مرة. وهي من نفائس مقدمة الشيخ رحمه الله: أنَّ الله تبارك وتعالى له علينا من الطاعات عقائد تعتقدها القلوب، وأقوال ينطق بها الألسُن، وأعمال تمتثلها الجوارح. هذه أنواع ما أوجب الله علينا. ومَن لقي الله تبارك وتعالى مؤديًا ما أوجب عليه من الاعتقاد والقول والعمل، فقد أدَّى أمانة الله التي استودعه إياها، واستحق -إن شاء الله تبارك وتعالى- المثوبة والجزاء الحسن. والشيخ سيكرر هذا المعنى مرة بعد مرة، اللي هو أنَّ الواجبات أَلْزَمَنا الله بها وكَلَّفنا إياها: اعتقادات القلوب، وأقوال الألسن، وأعمال الجوارح. ولهذا بدأ “الرسالة” بفصل في العقيدة، ثم ثنَّى بالأحكام الفقهية، وكمَّل ذلك آخِرًا بالآداب.

فإذاً، يقول له: «واجبات أمور الديانة» -قلنا: العقائد والأقوال والأعمال- ثم «السنن المستحبات». والشيخ كرَّر الألفاظ، شُفْ لم يَقُلْ: “السنن فقط” وسكت، قال: «السنن مِن مؤكَّدها، ورغائبها، ونوافلها». هذا الشُّرَّاح يقولون: “جريًا على المعروف في المذهب”. لأنه سيأتينا في مناسبة -إن شاء الله تعالى قريبة- أنَّ المستحب عند جمهور العلماء درجة واحدة، نوع واحد. هو المستحب، هو المندوب، هو الرغيبة، هو الفضيلة، هو النافلة. هذه المصطلحات كلها عند جمهور المذاهب شيء واحد. المالكية لا. المالكية عندهم اصطلاح خاص: السنة شيء هي المؤكَّدة، هي ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مداومًا عليه مظهرًا له. ثم دونها الرغيبة. الرغيبة رغَّب فيه النبي صلى الله عليه وسلم بذكر شيء مخصوص من الأجر، مثل نافلة مثل راتبة الفجر، أو داوم عليها لا على وصف السنة. ثم دونها النوافل، والنوافل هي المستحبات والمندوبات. هذا سيأتينا في بابه، ونذكر ما يترتب عليه من الأثر. فالشُّرَّاح يقولون: الشيخ رحمه الله أشار إلى هذا المعنى، ولذلك كرَّر. لو لم يكن مالكيًا لكان هذا التكرار إمَّا توكيد، وإمَّا حشو لا فائدة منه. لكن لما كان من مذهبه هو أنَّ الرغيبة والفضيلة والنافلة درجة، كرَّر هذا المعنى. وأضاف إليها الآداب.

يقول: «وجُمَلٌ سألتني أن أكتب لك هذا وجُمَلٌ من أصول الفقه وفنونه».

المقصود هنا بـ**”أصول الفقه”** ليس أصول الفقه بالمعنى المتأخر الذي نعرفه -اللي هي قواعد الأدلة الكلية-، ليس هذا المقصود؛ لأنَّ “الرسالة” ليس فيها هذا، ليس فيها شيء من هذا. وإنما المقصود بـ**”أصول الفقه” مسائله الكلية**. لأن شُفْ قَابَلَ بين الأصل والفَنَن. مِثل الشجرة: الشجرة لها أصل وهو جِذعها، ولها فَنَن اللي هو غُصنها. فالأصول هي الجذوع، والأفنان هي الأغصان. هو قال له: سألتني أن أكتب لك جملًا أو جملة من أصول الفقه وفنونه؛ يعني مَثَّلَهُ بالشجرة، الفقه له شجرة لها أصول ولها فنون.

واش هي الأصول واش هي الفنون؟ فُسِّرَ ذلك هنا بتفسيرين:

  1. فُسِّرَ بأنَّ الأصول هي المسائل الكلية، والفنون هي المسائل الجزئية التي تتفرَّع على الكليات. وهذا من مقصود الشيخ، سنرى تنبيه الشيخ على جُمَل كلية في المسائل الشرعية.

  2. وفُسِّرَ بتفسير آخر وهي أنَّ أصول الفقه هي المسائل المنصوصة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم -ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل الفقه-، والفنون هي ما فرَّعه الفقهاء على تلك المسائل.

وهذا التفسير الثاني نُقِلَ عن الشارح نفسه بعض مَن وقف على رسالته سأله عن هذا المعنى فنقل هذا. فإن ثَبَتَ عن ابن أبي زيد هذا المعنى فهو المراد. وإن لم يثبت فنقول: احتمالًا كلاهما صحيح وكلاهما مُحتَمَل. ويمكن أن يكون كلاهما مقصودًا ليس متعارضين؛ لأنَّ المقصود المسائل الكلية سواء كانت مُقرَّرة فقهًا ولا منصوصة في الحديث، هذه هي الأصول. والفنون هي التفريعات.

ونحن إنما ندرس الفقه لهذا الغرض -كما قلنا سابقًا-: أن تعرف القواعد الكلية لترجع إليها مسائل الفقه، وتكتسب ملكة تفريع الفروع على أصولها، ورد المسائل الجزئية إلى المسائل الكلية. هذا هو لُبُّ الفقه ومقصوده. ولهذا نَصَّ الشيخ رحمه الله على أنه سيفعله. وأنه سيفعل ذلك كله على مذهب مالك بن أنس.

وطريقته مذهب الإمام مالك إمام دار الهجرة. وهو الذي قلنا سابقاً أنَّه المذهب الذي أطبقت عليه أقطار المغرب من زمن ابن أبي زيد وقبله. ابن أبي زيد كان في تونس في القيروان، ولذلك يُقال له القيرواني، ويقال أيضاً القروي، كلاهما صحيح. فهو على مذهب مالك بن أنس وطريقته.


الفرق بين المذهب والطريقة

تكلَّم الشُّراح أيضاً: لماذا فرَّق بين المذهب والطريقة؟ هل المذهب والطريقة شيء واحد؟

المقصود بـمذهب مالك هو المسائل التي نصَّ عليها مالك رحمه الله على ما يختاره في الشرع. ثم إذا أُطلِقَت “المذهب” فعندنا في الفقه إطلاقان:

  1. المذهب الشخصي: معناه أقواله هو نفسه.

  2. المذهب الاصطلاحي: معناها أقواله وأقوال أتباعه على ما اختاره المعتَمَدون في المذهب.

أحياناً يكون قول الإمام نفسه قول، وقول أتباعه الذي استقرَّ عليه مُعتمَدُو المذهب مُخالف لقول الإمام نفسه، لكن نقول: “مذهب الإمام كذا، مذهب مالك كذا”، مع أنَّه قال خلافه. لِمَ؟ لأنَّ أصحابه استقرُّوا على القول الآخر، عرفوا مقاصده، وجمعوا أقواله وتأمَّلوها وقرَّروها وتفقَّهوا فيها، وقرَّروا مذهبه على طريقة مُعينة. إذاً، هذيك هي طريقة مالك رحمه الله. فـمذهبه: أقواله الشخصية، وطريقته: ما استقرَّ عليه أصحابه من بعده.


تفسير الراسخين وبيان المتفقهين

ولهذا عقَّبها رحمه الله بقوله: «مع ما سَهُلَ سبيلُ ما أَشْكَلَ من ذلك، من تفسير الراسخين، وبيان المتفقهين». هو يعني بذلك أنَّه لم ينقل -وهذه فائدة المختصرات- أنَّه لم يضع لنا أقوال مالك كما نُقِلَت عنه؛ لأنَّ هذيك تحتاج إلى فهم، تحتاج إلى تفسير، وتحتاج إلى معرفة المآخِذ، وإنما أقوال مالك واختياراته واختيارات كبار أصحابه مع تفسير الراسخين من الفقهاء، ومع بيان المتفقهين.

الفقهاء المتفقهون هم الفقهاء. ليس لا يقصد هو المتفقه بالمعنى المُتعارَف عليه اللي هو عادة نقول: هذا عالم وهذا متعلِّم -معناتها في طريق العلم-، ونقول: هذا فقيه وهذا متفقِّه -يعني راهُ في طريق الفقه-. قالوا: “المتفقِّه هو المتوسط”. لا يقصد هذا؛ لأنَّه هو من الأئمة الكبار، ولا ينقل كلام المتفقهين -يعني المتوسطين في الفقه-، وإنما قصد المشتغلين بالفقه.

فإذاً، هذا يُشعرك أنَّه يريد أن يُقرِّر لك مذهب مالك، لكن ليس كما نُقِلَ عنه؛ لأنَّه لا يكفيك، لا يكفي المُتعلِّم، وإنما يحتاج المتعلم إلى ما استقرَّ عليه مذهب مالك وأصحابه مع بيان الراسخين، ومع تفسير الراسخين وبيان المتفقهين.

وهذه هي الشبهة التي من أجلها منع بعض العلماء تقليد غير المذاهب الأربعة، يقول: “لا يجوز تقليد إلا تقليد عالم إلا أصحاب المذاهب الأربعة”. لِمَ؟ قالوا: لأنَّ المذاهب الأربعة ضُبِطَت وقُيِّدَت وفُسِّرَت أقوالهم. الآخرون لم تُضبَط ولم تُقيَّد أقوال الأوزاعي ومذاهب الليث بن سعد وسفيان الثوري وغيره من الفقهاء.

وهذا ليس صحيحاً بلا شك. العالم الخبير كما يفهم قول مالك ويستطيع أن يبني عليه، يفهم قول الثوري وقول الأوزاعي وقول الليث بن سعد ويفهم مآخذه، ويستطيع أن يفسِّره ويبيِّنه ويبني عليه. لكن المقصود أنَّ ابن أبي زيد يُشير إلى هذا المعنى، وأنَّ فقه الإمام إنما [يُبنَى] على ما تلقَّاه عنه أصحابه وعلى ما تقرَّر في تفسير المعتمدين من علماء مذهبه رحمهم الله.


فضل تعليم الصبيان

نعم، هذا تفسير لطلب خلف بن مُحرِز رحمه الله من ابن أبي زيد أن يكتب هذا المعنى. قال: «لما رغبتَ من تعليمه للولدان كما تعلِّمُه حروفَ القرآن». يعني أنَّ هذا معلم القرآن مُشتَغل بتدريس القرآن، فطلب منه أن يُلقي إليه شرائع الفقهية ليعلِّمها للصبيان كما يعلِّمهم القرآن. وذكرنا أنَّ ابن أبي زيد ألَّف الرسالة للولدان، لكنَّه أيضاً يعلم أنَّ الكبار سينتفعون بها، ولذلك سينصُّ في المقدمة أنَّه كتبها لِمَن ينتفع بها من الصغار ويحتاج إليها من الكبار، لكن المقصود الأصلي هم الكبار. حتى يكون لهذا المعلم رحمه الله عليه رديفاً للقرآن، يعلِّمهم القرآن، لكنَّ القرآن لا يكفي للولدان؛ لأنَّهم يحتاجون إلى أن يُؤَدَّبوا ويحتاجون إلى أن يُدَرَّبوا على أحكام الشريعة.

فهذه الرسالة تُعتَبَر أنموذجاً لِما ينبغي أن يُعلَّمه الولدان ويُراضوا عليه. وسيأتي قريباً بيان الشيخ رحمه الله لهذا المعنى الجليل. لكن انظروا كيف يقول له: «لما رغبتَ من تعليم ذلك للولدان كما تعلِّمُه حروفَ القرآن، ليَسبِقَ إلى قلوبهم من فهم دين الله عز وجل».

وتأمَّلوا هذه الكلمة الجميلة جداً. أنا قلت لكم: ابن أبي زيد من الرعيل الأول، يعني كلامه كلام مبارك عظيم جليل. ليس ككلام غيره ممَّن تأخَّر بهم الزمن. كلام الشيخ رحمه الله يُعتَبَر مثل الآثار التي تُنقَل عن السلف؛ لأنَّه في الطبقة العالية من العلماء.

يقول: «ليَسبِقَ إلى قلوبهم من فهم دين الله عز وجل». وسيُقرِّر هذا المعنى، وش معنى “يَسبِقَ إلى قلوبهم”؟ معناها صبي ما زال ليس في قلبه أخلاط، ما زال قلبه صافياً نقياً غافلاً. وما يسبق إليه سيستقر فيه. إذاً، من الفقه العظيم في دين الله جل وعلا، والإحسان الكبير للولدان، أن يكون أول ما يعلِّمه هو أكثر ما ينفعهم، وهو فهم دين الله جل وعلا الذي سيكون بركة عليهم في الدنيا، وسيكون أيضاً سعادة لهم في الآخرة.

ولهذا قال: «ما يُرجَى لهم بركته وتُحمَدُ لهم عاقبته». فهو بركة وعاقبة حسنة. وهذا من أعظم الإحسان إلى الولدان، أنك تأتي إلى ذاك القلب النقي الذي ما زال فارغاً من كل الأخلاط والأوزار والمعاني السيئة الرديَّة، ستعمر أول ما تعمره الإيمان والعلم والهدى، سينتفع غاية الانتفاع. وأمثال هؤلاء هم اللي تلقاوه حتى لو كبِرَ، سَلَكَ السُّبُل المُعوَّجة، لو صار “بارونًا” من “بارونات” المخدرات، سيأتي يوم من الأيام ويرجع ويتوب؛ لأنَّ دائماً في قلبه محبة الخير؛ لأنَّه نشأ أول ما نشأ على الخير والصلاح. أول ما نشأ، نشأ في المسجد، هذاك يُرجَى خيره. حتى لو تفرَّقَت به السُّبُل وحصل له ما حصل، سيرجع إن شاء الله تعالى إلى أصله الأول، وإلى غَرْسَتِه التي نَبَتَ فيها أول منبته، وهي تعلُّم الدين والصلاح والاستقامة. فلن تُحسِن إلى الصبي إحساناً مثل أن تبتدئه بتعلُّم ما يكون بركة عليه في الدنيا وتُحمَد له عاقبته في الآخرة. قلتُ وسيزيد الشيخ رحمه الله هذا المعنى بياناً وتقريراً.

نعم. «فأجبتُك لذلك، لما رجوتُ لنفسي ولَك». لا يَجزِم، يرجو. والمسلم يفعل الخير ويرجو ثواب الله ورحمته، لا يفرِّط ويجزم، ولا يعمل ويجزم، وإنما سبيل الهدى أنَّه يعمل الخير ويجتهد فيه ويرجو ثواب الله ورحمته. لكن ابن أبي زيد من نُصحه وإمامته وفضيلته يقول لهذا السائل: «لما رجوتُ لنفسي ولَك»، يعني يرجو أيضاً [الشيخ أن ينال] أجر لذلك السائل.

انظروا كيف أنَّ هذا الرجل -لحرصه وربما لحُسن نيته، هذا لا شك فيه- بسبب مسألته هو، ألَّف ابن أبي زيد هذا الكتاب، وبقي الناس ينتفعون به إلى يوم الناس هذا. نحن الآن بعد وفاة ابن أبي زيد بأكثر من ألف ومئة سنة ما زلنا نتدارس هذا الكتاب. ويجري الأجر للرجلين: للسائل والمسؤول. وهذا يدلك على أنَّ الخير طرقه وأبوابه كثيرة. هذا ليس عالماً كبيراً مثل ابن أبي زيد، لكن حرص على عالم فكتب، فانتفع به الناس. إذاً، فلا تحقر أنك ترشد إلى الخير وتدل عليه وتنبِّه شخصاً، وبالأخص هذه القضايا، قضايا مثلاً العلم والدين. العالم ربما يغفل عن حاجة الناس إلى شيء مُعيَّن. لا تحتقر نفسك، ما تقولش: “أنا لا أدله، إنَّ الناس محتاجين إلى هذا الموضوع”. لأنَّه هو عالم يعرف. العالم قد يغفل، وقد لا يرى ما تراه أنت. أنت قد تكون في بيئة ترى ما لا يراه هو. إذاً، من ما يُستفاد من هذا: التعاون على الدلالة على الخير، أن تسأل وهو يُجيب. لو كان السائل لا يسأل والعالم لا يُجيب، لضاع الدين. الدين يكمل بهذين: أن تسأل وتدل على الخير، واجتهد في نُصح الناس وتبليغهم، والعالم إذا سُئِلَ أيضاً لا بد أن يُجيب. واضح؟ فإذاً يقول: «لِما رجوتُ لنفسي ولَك» من ثواب مَن عَلَّمَ العِلم ودعا إليه. فالشيخ رحمه الله يعلِّم بالتأليف، والآخر كان هو الداعي إليه والسبب فيه.


القلوب وأولوية العلم

نعم، هذا الكلام، هذه الفقرة من نفاستها حقُّها أن تُكتَب بماء الذهب وتُدوَّن في أبواب المساجد وأبواب المدارس. المفروض كل أبواب المساجد والمدارس كلها تُطرَّز بهذه بهذا الكلام الجليل.

يقول: «واعلم أنَّ خير القلوب أوعاها للخير». لأنَّ كل شيء يتفاضل بحسب مقاصده. إذا كانت القلوب الله تعالى أودع فيها -خلقها- لتكون مُستَودَعاً للخير والشر، إذاً مُستَودَعاً للإيمان والكفر، مُستَودَعاً للطاعة والمعصية. فإذاً خير القلوب أوعاها للخير. وأولى القلوب بالخير وأوعى القلوب للخير ما كان: «ما لم يَسبِق الشر إليه». هذا اللي قلنا قال في الصبيان: يهتم بتعليمهم لأنَّه سيسبق الخير إلى قلوبهم، يسبق من فهم دين الله عز وجل ما تُرجَى لهم بركته وعاقبته.

هنا يُقرِّر هذا المعنى تقريراً حَسَناً. فيقول: إذا كان خير القلوب أوعاها للخير، أولى القلوب بأن تعي الخير هو ما لم يَسبِق الشر إليه؛ يعني القلب الصافي النقي الذي لم تخالطه أوضار الشُبَه والمعاصي والأحقاد وغير ذلك من الأمور التي تُزاحم العلم والخير؛ لأنَّ الخير يرد على مَحَلٍّ فارغ قابلٍ له. ما سَيَرِد على مَحَلٍّ فارغ قابلٍ له، فيحصل الانتفاع به غاية النفع. إذا لم يكن كذلك، إذا لم يكن فارغاً -شخص كبِرَ، وليس معنى ذلك أنَّ الكبير لا ينتفع، لكن المقصود أنَّ صعوبته ستكون أصعب- لِمَ؟ لأنَّ القلب الغير الفارغ ستحتاج أولاً إلى مُعالجته، إلى مُزاولة إخراج الدَّرَن من قلبه، وربما حتى لو أخرجت ما أخرجت من الدَّرَن سيبقى فيه من الأوزار ما يزاحم الخير الذي يَرِدُ عليه بعد ذلك.

أما قلوب الولدان ليس فيها هذا. قلوب صافية فارغة، قابلة للخير. فالمُعلِّم الناصح ماذا سيفعل؟ سيملأها بالخير. ولذلك قال الشيخ رحمه الله: «أنَّ أولى ما عُنِيَ فيه الناصحون -وفي نسخة: ما عُنِيَ به-، ورَغِبَ فيه الراغبون في الأجر» -يَعنِي العناية فيها الاستغراق في الشيء، كأنَّه يقول: أولى ما استغرق فيه الناصحون، يعني استنفذ فيه وقته وجهده- أولى ما استغرق فيه ناصح -ماشي كل الناس، وإنما خاصتهم اللي هم اتَّصفوا بهذه الصفة اللي هي صفة النصيحة: بذل الجهد في نفع الخَلق-، هادوك الناس الذين اتصفوا بهذه الصفة اللي هي بذل الجهد في نفع الخَلق، أولى ما عُنُوا فيه واستفرغوا فيه أوقاتهم وجهدهم وش هو؟ هو إيصال الخير إلى قلوب أولاد المسلمين. لِمَ؟ قال: «ليَرسَخَ في قلوبهم» في ذاك المعنى اللي ذكرناه.

وهذا يدلك على شرف تعليم الأولاد من جهة، وعلى عِظَم هذه الأمانة من جهة أخرى. مُعلِّم الصبيان قد تقلَّد هذه الأمانة العظيمة. أنت ما ستعلِّمه هو الذي سيرسخ في قلبه. ولذلك أمانة عظيمة، أنَّ مُعلِّم الصبيان لا بد أن يكون رجلاً عاقلاً فاضلاً صالحاً، وأنَّه يتقي الله جل وعلا فيما يُلقيه على هؤلاء الصبيان، ولا يُلقي عليه ما قد يَضُرُّهم؛ لأنك تعلم أنَّ كل ما ستقوله له سيرسخ في قلبه، وأنَّه ربما إذا كان خطأ وضَرَرًا، فقد… إذا كان خيراً وصلاحاً فقد نفعته نفعاً عظيماً جداً، وإذا كان بالضد من ذلك فقد آذيته أذىً عظيماً. إذاً، قلوب الصبيان هذه ليست بالأمر الهيِّن.

احنا عندنا خطأ كبير نقع فيه، اللي هو أننا نستهين بتعليم الصبيان. نُحوِّسوا أي واحد يقبل فارغ الشغل ونعطيوه للصبيان يعلِّمهم، وبعضهم فيه من الآفات والأمراض ما فيه، فينقل هذيك الأمراض والأوزار سواء كانت أمراض شُبهات وأهواء أو كانت أمراض القلوب والسلوك والمعاصي أو غير ذلك. والواجب على الإنسان أن يتخيَّر لولده مَن يَغرِس فيه غَرْسًا نافعاً، تعلم أنَّه سيتأثر بمعلِّمه. أكثر مما تعلِّمه أنت. لن ينتفع الولد بشيء إذا كنت تحاول أن تعلِّمه في البيت، ثم تُلقيه إلى مُعلِّم سيئ الخُلق مثلاً أو سيئ الديانة أو رديء المذهب، سيتضرَّر، هاي تضرَّر. إذاً، ليس الأمر هيناً. شُفْ ابن أبي زيد على جلالته وعلو مقامه وكيف يتكلَّم على قضية تعليم الصبيان؟ وأنها من أولى ما ينبغي الاهتمام به.


تنبيههم على معالم الديانة

إذاً يقول الشيخ رحمه الله: أولى ما يُعنَى به إيصال الخير لقلوب الصبيان ليرسخ فيها؛ لأنَّها قلوب فارغة قابلة للخير.

ثم قال: «وتنبيههم على معالم الديانة وحدود الشريعة؛ ليُراضُوا عليها». «ليُراضُوا عليها» يعني يُدَرَّبوا عليها ليَأْلَفُوها. وقال: «تنبيههم»؛ لأنَّه يتكلَّم على قلوب فارغة غافلة. والتنبيه عادة يكون من الغفلة؛ لأنَّ الصبي كذلك، الصبي فارغ غافل عن أنَّه يلزمه كذا ويلزمه كذا، ليس تاركاً مُتعمِّداً. والغفلة معناها أنَّ الإنسان إمَّا أن تكون غفلة عارضة، وإمَّا أن تكون غفلة أصلية اللي هي غفلة عدم العِلم أصلاً. اللي كما قالها الله جل وعلا في المحصنات: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ} (النور: ٢٣). محصنة الغافلة هي التي لم يطرأ الشر على بالها أصلاً. فالصبيان غافلون عن أحكام الديانة.

فيقول الشيخ: «تنبيههم»؛ لأنَّ التنبيه هو التعليم، تعليم الغافل. وهذا يناسب ما يقوله الشيخ من أنَّ قلوبهم خالية. إذاً، يُنَبِّههم إلى معالم الديانة وحدود الشريعة ليُراضوا عليها. ويُنَبِّههم أيضاً إلى: «ما عليهم أن تعتقده القلوب، وتعمل به جوارحهم». هذا إشارة أيضاً إلى ما سَبَق، قلنا إنَّ الشيخ يُكرِّره مرة بعد مرة. أنَّهم لما يبلغوا الحُلم ستلزمهم اعتقادات في القلوب وأعمال في الجوارح. إذاً، فليتعلَّموها من الآن، حتى إذا أتى عليهم البلوغ -كما سيقول- يكونون قد تدرَّبوا عليها وآنِسُوا بها، وسكنت إليها نفوسهم واستقامت عليها جوارحهم.


آثار تعليم الصغار

نعم، هو هذه “فإنه” فالسببية تعطف على ما سبق. يعني الذي يدل على ما سَبَق هو ما رُوِيَ في الآثار من فضيلة تعليم الصبيان. فمن ذلك قال: «ما رُوِيَ أنَّ تعليم الصِّغار لكتاب الله يُطفِئ غضبَ الله».

هذا ورَدَ فيه حديث لكنَّه حديث موضوع ضعيف. وأحسن ما في الباب أثر رواه الدارمي في “مُسنده” عن ثابت بن عجلان أحد صغار التابعين أنَّه قال: “إنَّ الله يُريد العذاب بأهل الأرض، فإذا نظر إلى الصبيان يتعلمون الحكمة -يعني القرآن- رَفَعَ ذلك عنهم”. هذا يطابق هذا المعنى الذي يقوله. ثابت بن عجلان يقول: “إنَّ الله لَيُريدُ العذابَ بأهلِ الأرضِ، فإذا نظرَ إلى الصبيانِ يتعلَّمونَ القرآنَ رَفَعَ ذلكَ عنهم”. فتعليم الصبيان يُطفئ غضب الله جل وعلا. معنى ذلك أنَّ هؤلاء الصبيان الغافلون اللي خلقهم الله جل وعلا لعبادته، الناس يعتنون بهم ويؤهِّلونهم.

ولذلك من أعظم مَسَرَّات القلوب، من أعظم مَسَرَّات قلوب المؤمنين أن ترى أبناء المسلمين يتعلَّمون القرآن ويتحفَّظونه ويسارعون في حفظه ويُنافسون فيه. وأنَّ الرجل يعظُم في عيني لما أرى حرصه على تعليم أولاده واهتمامه بهم. بعض الناس يرزقه الله الولد، لكن تجد غاية همِّه أن يكسوهم، وأن يخرجوا أمام الناس مكسيين ولابسين، مِحفظَة جديدة وسِروال جديد، هذا غاية همِّه. لكن الأمر أعظم من ذلك بكثير. هذا شيء حَسَن ومما أوجب الله عليه اللي هو كسوته وإطعامه، لكن ينبغي أن يَجعَل من الهمِّ أيضاً تعليمه القرآن وتعليمه ما ينفعه وتهذيبه وإعداده لِما أُريدَ له من عبادة الله جل وعلا وعِمارة أرضه بالطاعات، ونفع نفسه ونفع الناس من حوله.

قال: «وأنَّ تعليمَ الشيءِ في الصغرِ كالنقشِ في الحجرِ». هذا مَثَلٌ معروف، رُوِيَ حديثاً أيضاً لكن لا يصح، الشيخ لم يقل: “حديث”، قال: «قد رُوِيَ» -يعني في الآثار والأخبار- والتعليم في الصغر ينتقش في قلب الإنسان، وهذا معلوم بالتجربة. الكبير يحتاج إلى تعب في التعلُّم أكثر ممَّا يحتاج إليه الصبي.


ثمار العلم: الحفظ والشرف والسعادة

نعم، «مثَّلتُ لكَ مِن ذلك…» يعني صوَّرتُ لك في هذه الرسالة، كتبتُ لك. لأنَّ الكتابة تصوير للكلام وتمثيل له. فيقول: «مثَّلتُ لكَ» ماشي معناها أني ذكرت لك أمثلة، وإنما كتبت لك. لكن هذا كلام القدماء، هذا كلام الكلام العالي. يقول: «مثَّلتُ لكَ في هذا الكتاب»، أي كتبتُ لك ما مثاله كذا وكذا. يعني ما صورته المكتوبة؟ وش هو؟ «الذي ينتفعون بحفظه، ويَشرُفون بعِلمهِ، ويَسعَدون باعتقاده والعمل به».

إذا أردتَ الانتفاع بالعلم فاحفظ. إذا أردتَ الشرف فافهم. وإذا أردتَ السعادة -السعادة في الآخرة- فاعمل.

هكذا يقول لك ابن أبي زيد رحمه الله. هذا العلم اللي يريد أن ينتفع به يَحفَظْ. قد سأل الإخوة أكثر من مرة: هل نحفظ المتن؟ لم أُجِبْ عن السؤال سابقاً؛ لأنَّ ابن أبي زيد سيُجيب: «ما ينتفعون بحفظه». إذا كنت تريد أن تنتفع بهذا الكتاب فاحرص على أن تحفظه؛ لأنَّ العلم حِفظٌ وإتقان. ومِن مشهور ما يُنشَدُ على الألسُن قول الرحبي رحمه الله: “فاحفظ فكل حافظ إمام” -كان يَعُدُّ في الفرائض في المُنظومة- قال: “والثلثان وهو التمام فاحفظ / فكل حافظ إمام”. وأساس العلم هو الحفظ؛ لأنَّ الحفظ هو الذي تستقرُّ به هذيك المعاني في القلب وتصير مَلَكَة. فإذاً «ينتفعون بحفظه».

قال: «ويَشرُفون بعِلمهِ»؛ يعني إذا تعلَّموه شَرُفَت أنفسهم. ليس المقصود أنهم يقصدون إلى الشرف عند الناس، وإنما المقصود شرف النفس، وأنَّ ذلك -اللي هو الشرف عند الناس- سيكون مآل التعلُّم وإن لم يُقصَد. ولا يريد أنهم يقصدون ذلك؛ لأنَّ قصد الشرف وعلو المنزلة عند الناس مُخالِف للنية الصحيحة في العلم.

قال: «ويَسعَدون باعتقاده والعمل به»؛ يعني يَسعدون في الآخرة، يكونون من أهل السعادة ممَّن اعتقد الاعتقاد الصحيح، وعَمِلَ العَمَلَ الصواب اللي هو الموافق لسُنَّة النبي صلى الله عليه وسلم.

نعم، هو هنا نزع بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ). مع أنَّه غير مُكلَّف، لكن لِمَ يُضرَب عليها وهو ابن عشر؟ قال العلماء: حتى إذا أدركَه البلوغ أدركه وقد ارتاضت نفسه هذه الصلاة وألِفَها واستقام عليها، لا يفوته شيء منها. وهذا كان دأب المسلمين من الزمن الأول، يُعلِّم قبل البلوغ، حتى إذا جرى عليه قلم التكليف يكون عارفاً للأحكام الشرعية التي تلزمه، ويكون مُمتثِلاً لها ويكون ويكون قد دُرِّبَ عليها وارتاض بها، وهكذا ينبغي أن يكون.


ترتيب الكتاب والختام

نعم، قلنا هذا المعنى لا يزال الشيخ رحمه الله يكرره. نعم يقول أنَّه لن يُورِد مسائل الفقه مسائل مُبعثرة. كما قلنا مثلاً: “المُدَوَّنة” والكتب القديمة كانت غير مُرتَّبة، مسائل ربما تلقى مسألة في باب وهي أليَق بباب آخر، مسائل مُدوَّنة وانتهى. لكن يقول: «سأرتِّبه باباً باباً، وأجعله مُفصَّلاً». باب الطهارة، باب الصلاة، باب أحكام الأذان، بعده باب أحكام صفة الصلاة، وهكذا. لِمَ؟ «ليَقرُبَ من فهم مُتعلِّمه». إذاً، ترتيب العلم وتقريبه يُساعِد على حُسن تحصيله.

نعم، «وإيَّاه نستخير»؛ يعني نطلب خِيرَتَه، يعني يطلب الله تعالى أن يختار له ويهديه لِما فيه المنفعة والصلاح ممَّا يُدوِّنه في كتابه. «وبه نستعين»؛ لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

اكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *